إقَامَةُ الحُجَّةِ وبَيَانُ المَحَجَّة (تعقيب على صوتية بن حنفيّة عابدين)

 

 

بسملة

 

الحمدُ للهِ القائلِ: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة:159]

والصّلاةُ والسّلام على مَن أرسله الله بالهدى ودينِ الحق، القائلِ: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ» وفي رواية: «أو شَهِدَهُ أو سَمِعَهُ»(1). وفي الحديث: النّهي المؤكَّد عن كتمان الحقّ خوفًا مِن النّاس(2)
أمّا بعدُ: فمِن المعلومِ - في ديننا- أنّ الرّدَّ على المخالفِ أصلٌ من الأُصول، دلّت عليه النّصوص الشّرعيّة، وسار عليه سلفُ هذه الأُمّة، بل هو ممّا يُحقِّق حفظَ الدّينِ وحراستَه مِن العاديات عليه «وعلى أهله مِن خلال هذه الوظيفة الجهاديّة التي دأبها الحنينُ إلى الدّين، والرّحمةُ بالإنسانيّة لتعيشَ تحت مِظلّته: تكفُّ العُدوانَ وتصدُّ المعتدينَ، وتُقيم سُوق الأمرِ بالمعروف ورأسُه التّوحيد، والنّهيِ عن المنكرِ وأصلُه الشّرك، وتحافظُ على وَحدة الصّفِ وجمعِ الكلمة»(3)
لأجلِ هذا رأيتُ أنَّه مِن الواجبِ التّنبيه والتّعقيب، والرّدَّ بالحُجّةِ والبيانِ على ما ورد في صَوتيةِ ابنِ عابدينَ -أصلحه الله- «عضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الحاليّة» في ردّه على المقالِ الشّهري لشيخنا الهُمام عالمِ هذه الدّيارِ، والتي زعم فيها تلبيسًا أنّه بيانٌ، ولم ينتقد -أي: -عابدين- في مقال الشّيخ شيئا مِن مضمونه؛ بل أخذ يُدندن حولَ وقتِ صُدوره! فالمسألة بحسْبه تقديريّة قد يختلف فيها مع غيره؛ فلِمَ الرّدُّ والبيانُ إذن؟! 
ولعلّي أكتفي هنا بأهمّ ما يستحقُّ التّنبيهَ والتّعقيبَ، وأبدؤه بما ورد في مُقدّمته الإنشائية الطّويلة التي ممّا أورده فيها -وهو كلام نوافقك عليه في أصله، ونُعقّب على ما جاء في بعض جزئيّاته- عند إشادتِك بجهودِ رجالِ الجمعيّة الأُوَل في «الإصلاح في ميادين العقائد» وهذا كان مِن دأبهم وجُهدِهم الذي يَشهدُ لهم به القاصي والدّاني، فأين جُهودكم أنتم في هذا الباب؟ وقد حَدَثَ في الأُمّة مُؤخّرا واقعةٌ شركيّة خطيرة وهي ما عرفت بـ: «حادثة عين مران» فما كان منكم إلاّ ذلك البيان على صفحة الفايسبوك!! ولو كانت حملتُكم كالحملةِ التي تشنّونها على الشّيخ هذه الأيام؛ فلعلّنا نقول إنّ ذمّتَكم قد برئت وأدّيتم الذي عليكم! 
وأمّا قولُك بعد تلك المقدّمة: «لمّا كان الأمرُ مُتعلّقا بشخصي فتنازلتُ عن حقّي، لمّا علمتُ أنّ حظوظ النّفس قد ضربتْ في هذا الأمرِ بسهم وافرٍ ...». 

 

والرّدُّ على هذا الادّعاءِ من وجهين: 
الأوّل:
 أنّ هذا يُكذّبُه عملُك، وتردُّه عباراتُك في بعض كتُبِك كــ «المخرج في تحريف المنهج» فقد شحنتَه بالغمزِ واللّمز والطّعنِ المبطَّنِ لكلّ مَن خالفَك، بل حتّى الذي نبّهكَ على مخالفاتك ناصحًا لك كالخروج في المظاهرات ومُصاحبةِ رؤوسِ الحزبيّة والتّكفير ببلْدتِك –هذا، مِن غير ذِكرٍ للأسماء؛ لأنّك تعرفُهم كما نعرفهم-، وغيرِها من الأمور التي أظهرتَ أنّك رجعت عنها -ولله الحمد-، نسأل الله لنا ولك القَبول، وأنْ لا يكونَ رجوعُك عنها كرُجوعِك عن الانتماء للجمعيّة كما ادّعيته، ومِن هذه الطّعونات: 
1- اتّهامُ المنهجِ السّلفيّ العلمي بضَربِ الدُّعاةِ، (ص 25)، يقول: «والظّاهرُ مِن هذا أنَّ الفريقينِ مختلفان لكن المتوسِّم يرى بين التوجُّهين نسبًا وصِهرًا، والجامع بينهما نزعةُ التّعالي على الأُمَّة، علموا ذلك فأقرُّوه أم جهلوه فأنكروه، فإنَّ مِن الفريق الأوَّل مَن كفَّرها واستحلّ دماءَها، ورأى سبيَ أموالها ونسائِها، ومِن الفريق الثّاني مَن يقع في دُعاتها وعُلمائها، ويَهجُر كثيرًا مِن أفرادِها ويتبرَّم بعامَّتِها، ...». 
2- لمزُ الدّعاةِ الجزائريّين، (ص 47 هامش 2). 
3-الشّدّةُ في الإنكارِ على المتمسّكين بالسُّنة واللّينُ والرّفقُ بالمخالفين الدّاعين إلى البدعة (الصلاة بين السّواري أنموذجا ص: 172). 

 

الثّاني: إيهامُك السّامعين أنّ رُدودَ مُخالفيك - مِن السّلفيّين- عليك إنّما هي على شخصِك؛ وهذا محض تلبيس، وإنّما الرّدود كانت على ما يعتقدون أنّه مِن مخالفاتك للمنهج الذي تَدّعي أنتَ أنّك تَنتسبُ إليه، في حينِ أنّك تخالف أصوله، كقولك: «إنّ منهجَ الرّدودِ مَنهجٌ غيرُ مُجدٍ» وأنت بهذا تنسفُ أصلا مِن أُصول أهل السّنة، وتهدم قاعدة من قواعده المتينة، قال ابن القيّم عليه رحمة الله -في بيانِ مَوقفِ أهلِ الحقِّ في دفعِ البدعةِ والرّدِّ على أهلِها-: «ولهذا اشتدَّ نكيرُ السّلفِ والأئمّةِ لها، وصاحُوا بأهلها مِن أقطارِ الأرض، وحذّروا فتنتَهم أشدَّ التّحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يُبالغوا مِثلَه في إنكارِ الفواحشِ والظّلمِ والعُدوانِ؛ إذْ مَضرّةُ البدعِ وهدمِها للدّينِ ومنافاتها له أشدُّ»(4).
فهذا قولٌ مِن أقوال أئمّتنا في هذا الأصل، وما أكثرَ أمثالَه في كُتبهم! أفَيُعقَل – بعد هذا- أنْ يدّعيَ مُدّعٍ يَصِفُه أتباعُه بــ "العلاّمة"! ويَدّعي السّيرَ على خُطى سلفِ هذه الأُمّة، ويُخالفهم فيما اشتدَّ نَكيرهم عليه وصاحوا بأهلِه مِن الأقطار كلِّها؟! 
هذا لعلّك تُراجعُ نفسَك في هذا التّأصيلِ المخالفِ للحقِّ، وتتراجع عنه تبرئةً لِذمّتِك، وتصديقًا لانتسابك المزعوم. 
قولُك: «أثارها صاحبُ الكلمةِ...»، - مُتحاشيًا بذلك ذِكرَ اسمِ الشّيخِ!!- ثمّ قولُك -بعد ذلك مُعترِضًا على الشّيخ -حفظه الله- في أصل ما كتبه، وأنّ الموضوع الذي تناولته إنّما هو: «للذين يكتبون عن الفِرَقِ والمِلَلِ والنِّحَل». 
فسُبحان الله! ما أدري هل قرأتَ أو رجعتَ إلى أمّهاتِ كُتبِ العقيدة وإلى ما كتبه أئمّة السّلف كشيخِ الإسلامِ ابن تيميّةَ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الباب أم لا؟! 
قال شيخُ الإسلامِ: «ومِثلُ أئمّةِ البدعِ مِن أهلِ المقالاتِ المخالفةِ للكتابِ والسُّنةِ أو العباداتِ المخالفةِ للكتابِ والسُّنةِ، فإنّ بيانَ حالِهم وتحذيرَ الأُمّةِ منهم واجبٌ باتّفاقِ المسلمين... إذْ تطهيرُ سبيلِ اللهِ ودينِه ومنهاجِه وشِرْعتِه ودفعِ بغيِ هؤلاءِ وعُدوانِهم على ذلك واجبٌ باتّفاقِ المسلمين، ولولا مَن يُقيمه اللهُ لِدفعِ ضررِ هؤلاءِ لَفسدَ الدِّينُ وكان فسادُه أعظمَ مِن فسادِ استيلاءِ العدوِّ مِن أهلِ الحربِ، فإنّ هؤلاء إذا استولَوْا لم يُفسِدوا القلوبَ وما فيها مِن الدّينِ إلاّ تبعًا، وأمّا أولئك فهُم يُفسِدون القلوبَ ابتداءً»(5)
وهي كلُّها ممّا يُكتَبُ في أُصولِ مسائلِ الاعتقادِ أو فيما يُعرَف بأُصولِ المسائلِ المنهجيّةِ ككتاب اللاّلكائي وابن بطة وغيرهما، قال اللاّلكائي: «فإنَّ أَوجبَ ما على المرءِ: معرفةُ اعتقادِ الدِّينِ، وما كلَّف اللهُ به عبادَه مِن فَهمِ توحيدِه وصفاتِه وتَصديقِ رُسلِه بالدّلائل واليقين، والتّوصُّلُ إلى طُرقِها والاستدلالُ عليها بالحُججِ والبراهينِ، وكان مِن أعظمِ مقولٍ، وأوضحِ حُجّةٍ ومعقولٍ: كتابُ اللهِ الحقُّ المبين، ثمّ قولُ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، وصحابتِه الأخيارِ المتّقينَ، ثمّ ما أجمع عليه السّلفُ الصّالحونَ، ثمّ التّمسّكُ بمجموعِها والمقامُ عليها إلى يومِ الدِّينِ، ثمّ الاجتنابُ عن البدعِ والاستماعِ إليها ممّا أحدثها المضلّون»(6)
والشّيخُ -حفظه الله- ذَكر في مقالتِه: «أنّه ليس المرادُ الدّخولَ في مُناقشةِ عقيدةِ مذهبِ الأشاعرةِ... وإنّما أردتُ أنْ أُذكِّر بإيجازٍ بالإسلامِ الذي يُمثِّله أهلُ السُّنّة أتباعُ السَّلفِ». 
أمّا ما يُدوَّنُ في كُتُب "المِللِ والنِّحل" - وهو بخلافِ ما بيّنه الشّيخُ فركوس حفظهُ اللهُ وسطّره في مقالته- فإنّما يكونُ ببيانِ حالِ كُلِّ نِحلةٍ وإبرازِ مُعتقدِها وكشفِ مصادِر آرائِها. 
وما ألّفوه في ذلك على أصناف؛ منها ما يَتناولُ الكثيرَ مِن الشّرائعِ والمذاهب، ومنها ما يَتناول خُصوصَ الفِرَقِ الإسلاميّة، ومنها ما يتناولُ خُصوصَ مذهبٍ مُعيّنٍ مِن المذاهب.

 

قولُك: «لا أَحسبُ أنّها ممّا يَصلُحُ أنْ يكونَ موضوعَ كلمةٍ تُنشرُ على النّطاقِ الواسع». 
وكأنّي بك في هذا تُريدُ أنْ تُبيِّنَ أنّ إظهارَ المعنى الحقيقيّ لأهلِ السُّنةِ والجماعة لا يَنبغي أنْ يُعلمَ إلاّ في نطاقٍ ضيّق، ولا أرى أنّ مِثلَ هذا التّأصيلِ يكونُ نابعًا مِن مُتشبِّعٍ بأُصولِ المنهجِ الحقِّ الذي يَنبغي أنْ يكون دَيدنَ الدُّعاةِ عليه، ومحلَّ اهتمامِهم، وأهمَّ مواضيعِ دعوتِهم، بخلافِ غيرِهم ممّن يرى أنَّ مِثلَ هذه المسائلِ تُفرّقُ الأُمّةَ؛ فلا يحسُنُ ذِكرُها، ولا الحديثُ عنها، ولا الدّعوةُ إليها، وكما يُقال: «هذه شِنشنةٌ نعرفُها مِن أخزم»، ولعلّ الشّيخَ تأثّرَ بجُلسائه، ومِن المعلوم أنّ "الصّاحبَ ساحِبٌ". وصدقَ رسولُ الهدى - صلّى الله عليه وسلّم- حين قال: «المرءُ على دينِ خليلِه...»(7)

 

أمّا قولُك: «الشّائعُ في أعراف النّاس اليومَ أنّ البياناتِ تُخصّصُ للأُمورِ الطّارئةِ والنّوازلِ الجديدة، ولا ندري ما الذي جعل هذا الموضوعَ يحتلُّ الصّدارةَ عند الشّيخِ في هذا الظّرفِ؟!». 
والتّعقيبُ على هذا مِن وُجوه: 
أوّلها: تَسميتُك للمقالِ بــ "البيان"؛ فلا أدري هل هو هَفوةٌ مِن هفواتِك، أم اِلتبسَ عليكَ الأمرُ، أم أنّك قصدتَ عمدًا تَغييرَ الأوصافِ لِتغييرِ الحقائقِ؟! لأنّ كلمةَ الشّيخ – حفظه الله تعالى- مَقالةٌ عِلميّةٌ دَعْويّةٌ شَهريّةٌ، نَتشوّفُ لِظهورِها، ونهتمُّ بقراءتها، نحن وجميعُ إخوانِنا السّلفيّين في بلدِنا وخارجه، وهذا لِتميُّزِ مَقالاتِه وقُوّتِها وعظيمِ نَفعِها -فجزاه اللهُ خيرَ الجزاء، وسدّد على الحقِّ خُطاه-. 
الثّاني: ليس شرطًا أنْ تكونَ البيانات للأُمورِ الطّارئةِ والنّوازلِ الجديدةِ كما ادّعيتَ،
بل هي في كُلِّ ما ينفعُ النّاسَ مِن الأُمورِ الهامّةِ التي تعودُ عليهم بالخيرِ في دينِهم أو دُنياهم. 
الثّالث: كان الأجدرُ بك أنْ تُبيِّن أنّ مِثلَ هذه البياناتِ ينبغي أنْ تكونَ مِن الأكفاءِ - مِن أهلِ الدّرايةِ بالمسائل وأهلِ الخِبرةِ والتّجربةِ- لا أنْ تكونَ مِن كُلّ مَن هبَّ ومِن الغِلمانِ، إذْ أصبحنا نرى ونَسمعُ بالبيانِ يَتلوه البيان حتّى فَقدتْ هذه البياناتُ مِصداقيتَها، وضعُفتْ عند العقلاء أهمّيتُها؛ فصَرفوا النّظر عنها ولم يلتفتوا إليها، -كما هو حالُ أولئك الذين كانوا بالأمسِ يَنفِرون مِن سياسةِ البياناتِ ويُنفِّرون منها، ويَستنكفون عن إصدارها، وأصبحوا اليومَ مِن الشّغوفين بها، والمدمنين عليها بحقّ أو بباطل- 

أمّا قولُك: «وقد يكونُ الذي دفعه إلى ذلك ما لاحظه هو وما نُلاحظُه جميعا مِن تغوُّلِ بعضِ الفئاتِ...». 
أليس في هذا تناقضٌ واضحٌ وهدمٌ لما قرّرتَه قبل هذه الفقرة مِن أنّ الوقتَ غيرُ مُناسِبٍ لمثلِ هذا البيان؟! إذْ إنّ تَغوُّلَ هذه الفِرقِ ما كان إلاّ لما سكتَ الدُّعاةُ عن باطلهم، ولم يقوموا بواجبِهم في وقتِه وحينِه، حتّى استفحل أمرُهم وقوِيتْ شوكتُهم، في حين أنّ سلفَ هذه الأُمّةِ كانوا - في مثل هذه الحالات- يصيحون في وُجوهِ المخالفين، ويَدكُّون حُصونَهم بالحُججِ الدّامغةِ والأَدلّةِ السّاطعةِ، نُصحًا للأُمّة. 

وقولُك: «ولكن علاجُ هذه الأُمورِ التي نُعانيها نحن في الميدان بدرجاتٍ مُتفاوتة...». وقولُك: «على الدّاعي إلى اللهِ أنْ يَجتنِبَ الآثارَ السّلبيّةَ على الدّعوةِ ... ممّا لا يعلمُه إلاّ الممارسون لها عمليًّا، وهم الأئمّةُ الموظَّفون والدُّعاةُ المتطوِّعون الموجودون في الميدان». 
وكأنّي بك تُعرِّض بالشّيخ -حفظه الله- على أنّه بعيدٌ عن ميدانِ الدّعوة إلى اللهِ -عزّ وجلّ-، وهذه فريةٌ، فالشّيخُ نشاطُه ظاهِرٌ، فإنْ لم يكن في الجامعةِ فهو في مجلسِه العامرِ بالمكتبةِ المجاورةِ لِبيتِه، أو في المجالسِ التي يَعقدُها هنا وهناك مع إخوانِه وطلبتِه، أو في إعدادِ ومُراجعةِ مجلّتِه ورسائلِه وكُتبه، إضافةً إلى نشاطِه الدّؤوبِ وجُهده الكبير في الإشراف على مَوقعِه، ناهيك عن اللّقاءاتِ الخاصّةِ الكثيرة، فهل كُلُّ هذا النّشاط الدَّعْوي يجعلُ صاحبَه بعيدًا عن الميدان؟! أليس هذا مِن بخسِ النّاسِ أشياءَهم، وعدمِ الاعترافِ لأهلِ الفضلِ بفضلِهم؟! 

وقولُك: «وهذا الذي يُسمَّى بالسّكينةِ الاجتماعيّةِ وأَمنِ الوطنِ: هو مِن شُؤونِ الحاكمِ، فالمساسُ به مساسٌ بصلاحياته...». 
ولا أدري ما علاقةُ هذا الكلامِ مع مَضمونِ مقالةِ الشّيخِ، هل أرادت أنْ تُبيّن لنا بأنّ الشّيخَ قد تعدّى على صلاحياتِ الحاكمِ، وهذا لمّا بيّنَ حقيقةَ أهلِ السُّنةِ والجماعة؟! 
مع الإشارةِ إلى أنّ هذا الكلامَ قد يُفهمٌ على أنّه مِن تحريضِ الحاكمِ على الشّيخ، وإن كنّا نُنزّهك عنه، ولا نظنُّه يصدرُ مِن مِثلِك. 
بل دورُ العلماءِ في الحفاظِ على أَمْن الدّولةِ وأمانِها وسكينةِ البلد الاجتماعية -على حدِّ قولِك- عظيمٌ، وآثارُه ظاهرةٌ لا تخفى إلاّ على مُكابِرٍ أو حاقدٍ مُعاندٍ، وخاصّة في بلدِنا، ومِن مِثل شيخِنا الذي شهد له الجميع بهذا الفضلِ، بل جاء في بعضِ التّقاريرِ الأمنيّةِ الدّوليّةِ أنّ الذي جنّبَ بلدَنا الجزائرَ وشعبَها فِتنةَ الخُروجِ على الحُكّامِ -ممّا يُسمّى كذبًا وزورا بالرّبيعِ العربي- وكذا الالتحقاقَ بصُفوفِ داعش وغيرها من التّنظيماتِ الإرهابيةِ: هو دَعوةُ الشّيخِ فركوس -حفظه الله- وغيرِه مِن الدّعاةِ السّلفيّين. 
ولا أظنُّ أنَّ أحدًا يمنعك مِن الصّدع بقوله تعالى: «أفنجعل المسلمين كالمجرمين»[ القلم: 35 ]، بل هذا ممّا يجبُ الصّدعُ به والدّعوةُ إليه. 
 

وأمّا قولُك - في آخرِ صوتيّتِك-: «لكن لا يَصلُح أنْ يرتبطوا بأهلِ العلمِ خارجَ بلدِهم ارتباطَ تَبعيّةٍ، بحيث يُرجَع إليهم فيما يُقرِّرونه مِن شُؤونِ الدّعوةِ...». 
لا شكّ أنّك أوّلُ مَن يُكذِّبُ هذا الأمرَ الذي يُذيعُه ويتّهمُنا به الإعلامُ المناوئُ لدعوتِنا؛ لأنّك تَعلمُ يقينًا علاقةَ السّلفيّ بعُلمائِه قاطبة، وأنّها علاقةُ تبجيلٍ واحترامٍ واعترافٍ لهم بالجميلِ، واسترشادٍ بما وافق الحقَّ مِن آرائِهم، وهذا عملاً بقول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا ويعرف لعالمنا» يعني حقه »(8)
ونحن في تبعيّتِنا الدّينيّةِ: لا نرجعُ إلاّ للكتابِ والسُّنةِ على فهمِ سلفِ الأُمّةِ، أمّا تبعيّتُنا السّياسيّةِ: فهي ليست إلاّ لوليِّ أمرِنا في بلدنا هذا، والذي نسألُ اللهَ جلّ وعلا أنْ يُمتِّعه بالصّحةِ والعافيةِ، وأنْ يُوفّقَه لما فيه خيرُ العبادِ والبلادِ، وإنّنا نبرأُ إلى اللهِ جلّ وعلا ممّا عليه الإخوانُ المفلسون والشّيعة الرّوافضُ المبتدعون، الذين يُعلِنون الولاء لغير أئمّتِهم ووُلاةِ أمرِهم.
وخير ما أختم به ردي هذا ما كتبه أمير المؤمنين عُمَر إلى أبي موسَى الأشعَرِي رضي الله عنهما: «لا يَمنعكَ قضاءٌ قضيْتَهُ بالأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيه نَفسَك وهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ إِلى الحقِّ؛ فإِنَّ الحقَّ قديمٌ، والرُّجوعُ إلى الحقِّ أوْلَى منَ التَّمادي في الباطِلِ».
والله جل وعلا يرفع الرجاع إلى الحق في الدنيا والآخرة بخلاف المتمادي في الباطل فإن الله يخذله، كما أنصحك في هذه المناسبة أن تراجع مواقفك وكتاباتك مراجعة المتجرد الصادق، كما أسأله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه. 
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 
والحمد لله رب العالمين. 


كتبه:
أبوعبد الله أزهر سنيقرة -حفظه الله تعالى-
الجزائر العاصمة -حرسها الله بالتوحيد والسنة-
يوم الخميس:19 رجب 1439هــ
الموافق لـ: 05 أفريل 2018 مــ

 


(1) "الصّحيحة": 1/271.

(2) الألباني في "الصّحيحة".

(3) "الرّدّ على المخالف": 8.

(4) "مدارج السّالكين": 1/372.

(5) "مجموع الفتاوى":28/232.

(6) "شرحُ أصولِ اعتقادِ أهلِ السّنةِ والجماعة":7/1.

(7) أبو داود: 4833، والتّرمذي: 2378، وحسّنه الألباني.

(8) رواه بهذا اللفظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وحسنه الألباني في صحيح الجامع:5443.