التزكية والأخلاق ومنهجية الطلب

رفع البلوى بترك الشكوى / الحلقة الرابعة من سلسلة: (عيش الرجال)

 

 

لقد اطمأنت نفوس الرجال، واستكانت قلوبهم، وصمتت أفواههم، ورضوا بقضاء الله وكتابه، وما قُدر لهم من عيش، عندما علموا أن قبورا سيأوون إليها بعد ساعات خاطفة ستنقضي، تُفضي بهم إلى حقائق البرزخ، فإما جنان مُعجّلة أَطيابها، وإما جهنم موقدة نيرانها.

دمعة على أخلاقنا

فإنَّ الواقع الأخلاقي الذي عليه بعضُ المنتسبين لدعوة أهل السنة ليبعث على القلق، كيف لا؛ و قد صار منفذًا لأعداء هذه الدعوة يتسلَّلون منه للنَّيل منها، وثغرةً منها يُنفِذون سهامهم إلى نحرها.
إنَّها الأخلاق و ما أدراك ما الأخلاق! إنَّها الذَّريعة العظمى، والسِّلاح الفتَّاك الذي بات يرمي به كل من لم يتقن الرَّمي من أهل الأهواء والبدع ضدَّ السلفيين.

نصيحة الصَّائم

إنَّ أعمار الأمم الماضية كانت ـ كما جاء في الآثار ـ طويلةً ممتدَّة، فلهذا يمكن للصَّالحين منهم ملؤها بالأعمال الكثيرة الجليلة، أمَّا هذه الأمَّة فأعمارها ما بين الستِّين إلى السَّبعين، لكنَّها لمَّا كانت الأمَّة الصَّفيَّة النَّقيَّة عوَّضهم الله تعالى من طول العمر بمواسم الخير الَّتي تُضاعف فيها الأجور، وتكثر فيها أبواب الخير، ويُعان فيها العبد على الطَّاعة.

وإن أجلَّ موسمٍ من هذه المواسم الفاضلة وأعلاها مقامًا وأفضلها عائدة هو شهر رمضان، ولهذا فإنَّ المسلم الموفَّق هو من يحرص على الاستكثار من اغتنام فضائله واستدراك ما استودعه الله فيه من أساب الفلاح والسَّعادة، والمعلوم أنَّ السبب الأعظم للفلاح هو تزكية النَّفس كما قال تعالى: «قد أفلح من زكَّاها»، وتزكيتها إنَّما تكون بالعلم النَّافع الَّذي يرفع عنها وصف الجهل، والعمل الصالح الَّذي يرفع عنها وصف الظُّلم، وهما الوصفان اللَّذان جُبلت عليهما كما قال الله سبحانه: «وحملها الإنسان إنَّه كان ظلومًا جهولًا»، فمن تحلَّى بالظُّلم والجهل فقد خسر، ومن تخلَّى عنهما وتلبَّس بضدِّهما من الإيمان والعمل الصَّالح فقد فاز، قال الله تعالى: «والعصر عن الإنسان لفي خسر، إلَّا الَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات وتواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصَّبر».

وقد اختيرت عبادة الصَّوم لتكون وظيفة رمضان، لما في الصَّوم من خاصَّة تهذيب النَّفس، إذ يمسك فيه الإنسانُ عن الطَّعام الحسيِّ المكثِّف للقلب، الجالبِ للخمول، ويُقبل فيه على العبادات الَّتي شُرعت في شهر الصَّوم، كالصَّلاة وقراءة القرآن والدُّعاء والاعتكاف والعمرة، فيتحصَّل له من مجموع ذلك حكمةُ الصَّوم الَّتي هي: تزكية النَّفس بالتَّقوى وإلجامُها بالأدب.

دعني أستمتع من قوتي وشبابي!!!

 

الفَوَائِدُ الحِسَان المنتَقَاة مِن مَجالِسِ شَيخِنا عبد الغنيِّ عوسات (الحَلقَةُ الأُولَى)

هذه دررٌ من الفوائدِ والنَّصائِح الغوالي انتقيتها من مجالسِ شيخِنا الهُمام الفاضل المِفضال عبد الغني عوسات حفظه الله وسدَّد خُطاه وثبَّته على الحقِّ حتى يلقاه.

اقتبستها من معينٍ صافٍ ونهرٍ عذبٍ زلال، جادت بها قريحة هذا الشَّيخ المُربِّي، والعالم السَّلفي، الذي بالله يصول وبه يجول، وفي دينه ومنهجه بإذن الله ثابتٌ لا يتزعزع عنه و لا يحول.

ولستُ هنا في سياق الترجمة لشيخنا و إلا لأجريت حبر القلم بسرد جميل مناقبه، ومحاسن أفعاله، وعظيم جهوده في نشر التوحيد و العلم والسنة، و ذِكر تزكيات مشايخ العلم لشخصه، ولكني إنما أردت بما اقتبسته من كلماتٍ مُختصرةٍ من بحر معارفه، إفادةَ نفسي وإخواني، عسانا نستضيء بنور توجيهاته السَّديدة، ونصائِحه الرَّشيدة فننتفِعُ جميعًا بذلك في ديننا ودنيانا وآخرتنا.

ولي أسوةٌ في عملي هذا بنُخبةٍ من نُجباءِ طلبة العلم ممَّن لا زموا بعض المشايخ والعلماء حرصًا على الاقتباس من علومهم وأدبهم، فاستفادوا خيرًا كثيرًا ونشروه في الناس في مقالات، بل في رسائل بل في كتب ومؤلفات، فعمَّ النفع، وانتشر الخير، وكانوا بذلك دلائل على الهدى مفاتيح للخير.

أخرج ابن عبد البر في « جامع بيان العلم و فضله »(2/34) بسنده عن سليمان بن موسى قال : « يجلس إلى العالم ثلاثة: رجل يأخذ كل ما يسمع فذلك حاطب ليل، ورجلٌ لا يكتب و يسمع فيقال له جليس العالم، ورجل ينتقي وهو خيرهم »انتهى.

فطمعًا مني في أن أنضويَ في سلكِ الصِّنف الثالث عزمت أمري على نشر ما اجتمع لديَّ من الفوائد الجياد، والفرائد الحسان، من جوامع كلِم شيخنا الهمام، عبر حلقاتٍ متتالية في صفحات هذا المنتدى المبارك، وقد انتقيت مما اجتمع عندي في بطون دفاتري من الفرائِد، ما له تعلقٌ بالمسائل المنهجية و الدَّعوية خاصة، (ولا ينبِّئك مثلُ خبير)، و قد ألحقتها بتعليقاتٍ مختصرةً كاشِفةٍ للمقصود، مُوضِّحةً للمراد، فإلى المقصود، والله المستعان وعليه التكلان، لا إله غيره ولا رب سواه، وهو حسبي ونعم الوكيل.

دررٌ من أثر

أخرج ابن المبارك في الزهد (849) عن الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «من سرَّه أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده».
 

وفي سماع الحسن من سمرة كلام كثير واختلاف.

وأخرجه ابن أبي شيبة (36428) بإسناد منقطع عن عبد الله بن مسعود.

وأخرج أحمد في الزهد (ص242) مثلَه من قول مطرف بن الشخِّير، قال الألباني في «السلسلة الضَّعيفة» (11/712): «وإسناده صحيح مقطوع».
وأخرجه الدينوري في «المجالسة» (1551) من قول ميمون بن مهران.
وأخرج عبد بن حميد (1107) والحاكم (1/494) وأبو يعلى (1865) وغيرهم معناه مرفوعًا من حديث جابر رضي الله عنه بإسناد ضعيف كما في «السِّلسلة الضَّعيفة» (5427).

وروي مرفوعًا من أوجه أخر، حسَّنه بمجموعها الشَّيخ الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (2310).

الصفحات