التزكية والأخلاق ومنهجية الطلب

منافذ الخير ومسالك الهدى في بيان علل الفتور وضعف الانقياد

إنَّ الله عزَّ وجل برحمته وفضله ما أنزل داء إلا أنزل له شفاء، كما صح بذلك الحديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيما يلي ذكر لبعض أسباب الفتور في العبادة وضعف الانقياد مقرونة بما يرفع حملها ويزيل أثرها.

وهي أمور يحسن بالواعظ –وبخاصة في شهر رمضان- أن يقف عليها، فيحرص على تشخيصها ثم دفعها، فإنَّ من النفوس لمعدنا طيِّبا، وإنَّ فيها لخيرا، لو عرفت منافذه وسلكت مسالكه لاستقامت وزكت وعلى الطَّاعات أقبلت، فإن قال قائل: إنَّ النَّوافذ قد خفيت والمسالك قد ضاقت، قيل: إن تلك ولو خفيت فما عدمت، وهذه ولو ضاقت فما أغلقت.

رسالةُ أبي عبد الله ابن جزيّ إلى الأمير أبي عنان في التَّورية بالكتُب

هذه رسالةُ الكاتب البارع والأديب المسلَّم له بلا منازع أبي عبد الله بن جزي في التَّورية بالكتب، كتبها إلى الأمير أبي عنان يهنِّؤه بإبلال ولده من مرض، وهي شريفةٌ في غرضها، بارعةٌ في أسلوبها، رائقةٌ في مضمونها، وفيها الإشارة إلى ما كان متداولا في وقت كاتبها من كتب الفنون المختلفة في القطرين: الأندلسي والمغربي، فلهذا حسن الوقوف على إشاراتها، وأرجو أن تقع موقع القبول.

أكثرُ الكتب التي أشار إليها معروفة وقد تقدَّم ذكرها، وما لم يكن كذلك سأبيِّنه إن شاء الله حتى يُعرف.

الهجرة المعكوسة والخطوات المنكوسة

إن الشباب ذُخر الأمة للأمور المدلهمة، وحامل رايتها في الحوادث الـمُلِمَّةِ، وحَجَرُ الزاوية في بناء صرحها العالي، وقَلَمُهَا الـمَشَّاقُ وحِبْرُها البرّاق في رقم تاريخها الغالي.
تُعاني هذه الثُّلَّةُ الخَيِّرَةُ مِن نَكْبَةٍ عَقَدية، ونَكْسَةٍ أخلاقية، تداعياتها خطيرة على جميع الأصعدة، وآثارها وخيمة في مختلف الميادين، واتّسَعَ الخرق على الراقع من المصلحين، فلا يدري من أين يبدأُ رَتْقَ الفَتْقِ ولا من حيث ينتهي، ولا بما يقدمه من الأولويات، وكلها أولويات.
أيها الشاب المسلم - ذكرا كنت أو أنثى - إنك تُقاسي مِن أعراض داء عُضال مميت، وتُعاني آلام وَرَمٍ فكريٍ خبيث، إنه:(الهجرة المعكوسة، والخُطوات المنكوسة)، فإليك همسات تبين لك الصراط المستقيم، من سُبُل الجحيم، من أخٍ حريصٍ على صلاحك، ومهتمٍ بفلاحك.

حرمة العلماء والدعاة بين أخلاق السلف وواقع الخلف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمّد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فمن أعظم حقوق المسلم، صيانة عرضه ورعاية حرمته، إذ هو أصل شرعي متين، عُلم من دين الإسلام بالضرورة، وهو من الضروريات الخمس المأمور بحفظها.

الكبر... أول الذنوب

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس» (1).

قال ابن القيم- رحمه الله- (فسر النبي- صلى الله عليه وسلم- الكبر بضده فقال: الكبر بطر الحق وغمط الناس، فبطر الحق: رده وجحده والدفع في صدره كدفع الصائل، وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم، ومن احتقرهم وازدراهم دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها) (2) .

والكبر أول الذنوب التي عُصي الله بها، وهو ذنب إبليس اللعين فآل أمره إلى ما آل إليه،
قال الله تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}

شيمة شريفةٌ رحم الله من اتَّصف بها

المراد بالشِّيمة الشَّريفة خصلةً من خصال الخير، حرص عليها سلفنا رحمهم الله، وورَّثوها لمن بعدهم من حملة الشَّريعة وطلَّاب العلم، تواصى بها العلماء وتنادى بها الفضلاء، وإن فيها لعزَّ الدُّنيا وخيرَ الآخرة.
هذه الشِّيمة هي الاعتزاز بالعلم والقرآن، والتَّرفُّع بهما عن أهل الدُّنيا، وتنزيهُهُمَا عن المطامع الدَّنيَّة.

التَّوَاضُعُ ... أَفْضَلُ العِبَادَةِ

التواضع لا يمتنع منه أحد، والتواضع يكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد، وثمرة التواضع المحبة، كما أن ثمرة القناعة الراحة، وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضِعَتِه...

أوعية العلم

جعل الله القلوب أوعية للعلم كما جعل الأودية أوعية للسيل، «فخير القلوب أوعاها للخير والرشاد، وشرها أوعاها للغي والفساد » [ روضة المحبين لابن القيم (ص6) ] .

وخير ما تعيه القلوب وتحمله الأفئدة هو العلم النافع، وهي متفاوتة تفاوتًا عظيمًا من جهة قابليتها لحمل هذا العلم، وعدمه، فمستقل من ذلك ومستكثر، و قد ضرب الله مثلًا للقلوب بالأودية فقال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}.

« فشبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية فقلب كبير يسع علما عظيما، كوادٍ كبير يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير .
فسالت أودية بقدرها، واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها »[ إعلام الموقعين (1/177)] .

الأمثال المضروبة لمن لا يعمل بعلمه

لا يخفى ما للأمثال من وقع في النُّفوس، وتقريب للمعنى المراد وترسيخه، والزجر والتوبيخ والتقريع إن كان الممثَّل به دنيئًا خسيسًا فينزِّه الفاضلُ من يطلب الكمال نفسَه عن التشبُّه به، إلى غير ذلك من فوائدِها وحكمَها ولهذَا جاءت النُّصوص الشَّرعيَّة بالأمثال في كتاب الله تعالى وفي سنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بما لا يدانيه في الفصاحة والبلاغة وحسن التَّمثيل مدانٍ؛ وكلُّ ذلك للاعتبارِ وقفو أثر الممثَّل به إن كان ممدوحًا، أو اجتناب طريقته إن كان مرذولًا مخذولًا؛ ومن هنا أردت أن أجمع بعض الأمثالِ الَّتي جاءت في النُّصوص الشَّرعية أو حكيت على ألسن الحكماء وسلف الأمَّة فيما يتعلَّق بـ«عدم العمل بالعلم» لعلَّها أن تكون محفِّزًّا للعملِ، وزاجرًا عن التَّفريط في ذلك؛ وهذه الأمثلة خاصَّة بمن حاز العلم ولم يعملْ به، إذ إنَّ من لا يعمل بالعلم على أقسام.

أَمَانَةُ التَّقِيِّ

إِنَّ الأمانةَ شيءٌ عظيمٌ، ومنزلة رائعة، ودرجة رفيعة، من أدَّاها على أكمل وجه فاز في الدارين، ومن خانها كان من الخاسرين في الدنيا والآخرة، لذلك أمر الله بها أن تؤدى على أكمل وجه دون زيادة أو نقصان قال تعالى «فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ» (1)، وقد شدد الله تعالى في خيانة الأمانة فقال جل شأنه «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)»

الصفحات