بارك الله فيكما على المرور والدعاء،وأسأل الله التوفيق والسداد وأن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا،ومما يعين على هدم مبدأ الخوراج اليوم،هو فهم نقطة الإنطلاق التي انطلقوا منها إلى تكفير الحكام والمحكومين على بكرة أبيهم،فإذا فهمنا الأصل الذي انطلق منه هؤلاء في غلوهم عرفنا تفاصيل كثيرة تتعلق بهذه التنظيمات الفاجرة.
وإن من أعظم الأمور التي أوقعت خوارج العصر في فتنتهم العمياء الدهماء هو الغلو في مصطلح الحاكمية،فالتفجير والتدمير إنما تولد عن هذا الفكر الذي حمله أعلام الفكر في هذا العصر ممن حمل هذه الفكرة وحرف دعوة الأنبياء في دعوة الناس إلى عبادة الله،إلى أن الحاكمية هي أخص خصائص الإلاهية وأن الأنبياء إنما جاؤوا لأن يكون الحكم لله فقط،وما كفر فرعون والنمرود إلا لأنهم ادعوا الإختصاص بالحكم دون الله،فنظّر لهذا الفكر كل من المودودي وسيد قطب في مرحلته الثانية(والعجيب أن سيدا في طبعة تفسيره الأولى لم يعتني بجانب الحاكمية،لكن لما تأثر بالمودودي تلقف هذه الفكرة وغلا فيها وصور المجتمعات الإسلامية بأنها جاهلية) ثم انتشر هذا الفكر في عقول كثير من الناس،ولهذا أدرك العلماء خطورة هذا الغلو الفكري الذي صير التدمير والتكفير والقتل واستحلال الدماء من الجهاد في سبيل الله،وهدموا الفكرة من أصلها،ومن أولئك الأبطال المجاهدين الشيخ العلامة ربيع بن هادي الذي رد على المودودي في تحريف دعوة الأنبياء إلى الحاكمية فألف كتابه الفذ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله(الذي ينبغي لطلبة العلم أن يعتنوا به دراسة وتأملا) وألف مجموعة من الكتب في الرد على فكر سيد قطب الذي يعج بالتكفير والتنظير للخروج وإحداث الإنقلابات والثورات،وبشهادة كبار الخوارج الذين يعترفون بالفضل لكتابات المودودي وسيد في تأصيل هذا الفكر،وأنهم استفادوا هذا العفن من هؤلاء المنظرين،فينبغي التنبه للأصل الذي انطلق منه هؤلاء في معرفة الداء العضال الذي أصاب شبابنا ومحاولة إنقاذهم من براثن هذا الفكر المنحرف،ونسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
ومما يتنبه له أيضا أن فكر الخوارج خرج أيضا من رحم الإخوان المسلمين،حيث نجد القوم يتعاملون مع الأحداث بمرحلية بين المجابهة السياسية والدخول في البرمانات،وتفعيل آلية الديموقراطية،على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة،ولكن ما إن وجدوا الفرصة سانحة أو انقلب عليهم هذا الطريق في التغيير والوصول إلى الكراسي والحكم تغيرت المواجهة ووانتقلت الحركة إلى العنف والإغتيال والتعدي على الأموال والممتلكات،فتاريخ الجماعة أسود بمثل هذه التصرفات،فلا يتعجب إذا أن يخرج سيد قطب من رحم هذه الجماعة التي تتبنى العنف في التغيير إذا لم تجد حلا سلميا كما يقولون ولو كان بالديمقراطية،وممن حكم على هذه الجماعة بأنها جماعة إجرامية العلامة أحمد شاكر في مقاله الرائع الإيمان قيد الفتك،وشنع عليهم قتلهم للنقراشي،وبين فسادهم وإفسادهم في الأرض،ونسأل الله أن يطهر الأرض من الأفكار الهدامة الباطلة إن ربنا لسميع الدعاء.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسن نسيم ; 28 Jan 2016 الساعة 09:02 AM
|