
27 Feb 2010, 12:47 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 379
|
|
( تابع )
الفصل الأول :
الإخبار عن وقوع الفتن وكثرتها وشدتها :
إن من رحمة الله بنا أن أرسل إلينا نبياً كريماً: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وامتن على عباده بذلك فقال: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ وقال: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ ومن حرصه علينا ونصحه لنا أن بين لنا ما ينفعنا وما يضرنا كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم...)) الحديث رواه مسلم.
وكما قال: (((قد تركتكم على مثل البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك))) رواه أحمد والحاكم.
وإن مما تقدم لنا فيه، واخبرنا به صلى الله عليه وسلم ظهور الفتن على اختلاف أنواعها وأشكالها.
ومن حكم هذا البيان ما يلي:
1 – أن يوطن الإنسان نفسه ويعلم أن فتن العباد من سنن الله الجارية.
2 – أن يكون المؤمن على بينة من الأمر فيعرف الفتن عند نزولها ولا تختلط عليه الأمور.
3 – أن يعرف المؤمن المنهج السليم الذي يجب عليه أن يسلكه ليسلم من هذه الفتن.
فقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بكثرة ظهور الفتن، وأن ذلك من أشراط الساعة، وأنها لا تزال تكثر في الأمة، وأنها فتن عظيمة، تطيش فيها العقول، ويلتبس فيها الحق بالباطل، وتـتزلزل القلوب؛ حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا، وأنها كقطع الليل المظلم، يصبح الحليم فيها حيراناً.
وهذه جملة من الأحاديث يتبين بـها ما تقدم:
1 – قوله صلى الله عليه وسلم (((يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل))، متفق عليه.
2 – حديث أم سلمه رضي الله عنها قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعاً يقول: (((سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن وماذا أنزل من الفتن....))) الحديث أخرجه البخاري.
3 – قوله صلى الله عليه وسلم: ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)) رواه مسلم.
4 – قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه. هذه))... الحديث رواه مسلم.
5 – قوله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذبه)) رواه البخاري.
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة وسيأتي بعضها في المباحث الآتية.
ونظراً لكثرة الفتن وشدة خطرها على العبد، وما ورد من النصوص المبينة لها المحذرة من الوقوع فيها؛ فقد أفردها العلماء بفصول وأبواب في كتبهم كأصحاب السنن؛ حيث أفردوها في كتاب الفتن ضمن ما جمعوا من أحاديث السنن، وألف فيها آخرون مؤلفات مستقلة؛ ككتاب الفتن لنعيم بن حماد، ومثله لابن أبي شيبه، ولأبي بكر الآجري وغيرهم وكتاب (الملاحم) لأبي داود، وكتاب (السنن الواردة في الفتن) لأبي عمرو الداني، وكتاب (النهاية في الفتن والملاحم) لابن كثير، وكتاب (الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة) لصديق حسن خان وكتاب (إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة) للشيخ حمود التويجري، وكتاب (وإتحاف أهل الإيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان) للشيخ عبد الله الجار الله، وكتاب (العواصم من الفتن) للشيخ محمد بن عبد الله الدوسري. ورسالة (التحذير من الفتن) للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ورسالة (الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن) للشيخ صالح آل الشيخ. وغير ذلك من الكتب مما يدل على عناية علماء الإسلام ببيان الفتن والتحذير منها.
الفصل الثاني :
أحوال الفتن وأوصافها :
لقد جاء في الأحاديث المتنوعة وصف الفتن بصفات كثيرة نظراً لتنوعها واختلافها وأحوالها فمما وصفت به الفتن ما يلي:
1 – وقوع الفتن كالظلل وما يكون حينئذ في قلوب بعض العباد على بعض كما روي كرز الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله: هل للإسلام من منتهى ؟ قال: ((أيما أهل بيت)) وقال في موضع آخر قال: ((نعم أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام)). قال: ثم مه ؟ قال: ((ثم تقع الفتن كأنها الظلل)) قال كلا والله إن شاء الله، قال: ((بلى والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أساود صُباًَ، يضرب بعضكم رقاب بعض، فخير الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقي الله ويذر الناس من شره)) رواه الإمام أحمد.
والمراد بالظلل : أي السحب؛ شبهت بها الفتن لسوادها، وكثرتها، وأنها يتبع بعضها بعضها، وأنها تحجبُ ما وراءها.
والمراد بالأساود: الحيات السوداء، والصب منها التي تنهش ثم ترتفع ثم تنصب شبهت شدتهم على بعضهم وقت الفتن بالحيات السامة في لدغها ونهشها.
2- وقوع الفتن كقطع الليل المظلم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((بادروا بالأعمال فتناًَ كقطع الليل المظلم)) رواه مسلم.
شبهت الفتن في إقبالها، وظلمتها، ولبسها على العباد بقطع الليل المظلم، نسأل الله السلامة والعافية.
3- وقوع الفتن كرياح الصيف في تتابعها، وسرعة مجيئها، وتنوعها كما في حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو يعد الفتنه ((منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، ومنهن فتن كرياح الصيف؛ منها صغار ومنها كبار)) رواه مسلم.
4- أنها يرقق بعضها بعضا أي تتعاظم الفتن مع مرور الزمن حتى تكون الفتنة السابقة كأنها رقيقة هينة لشدة التي بعدها وهكذا كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم..)) الحديث رواه مسلم وقد تقدم وفيه ((وتجئ فتنة فيرقق بعضها بعض، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه...)) الحديث أي هذه التي ستهلكني.
5- أنها تموج كموج البحر كما ثبت أن عمر رضي الله عنه قال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة ؟ فقال حذيفة: (أنا أحفظ كما قال، قال: هات، إنك لجرئ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) قال: ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر...) الحديث متفق عليه. فشبهت بذلك لقوتها، وشدة اضطرابها، واضطراب الناس، واختلال أحوالهم معها.
6- أنها تعرض على قلوب العباد فتنة فتنة، وتختلف أحوال العباد تجاهها فمن تقبلها ضل وهلك، ومن ردها اهتدى ونجا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب اشربها نكت فيه نكته سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً، كالكوز مجخياً؛ لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه...)) الحديث متفق عليه.
7- أنها تذهب عقول الرجال وتميت قلوبهم؛ ويكونون كالأنعام لا يعقلون؛ فيتساقطون فيها بلا بصيرة كما روى حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تكون فتنة تعرج فيها عقول الرجال حتى ما تكاد ترى رجلاً عاقلاً)) رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
ونحوه ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: ((تكون فتنة، ثم تكون جماعة، ثم فتنة، ثم تكون جماعة، ثم فتنة تعوج فيها عقول الرجال)) رواه نعيم بن حماد.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الدخان يموت منها قلب الرجل كما يموت يدنه)) رواه الحاكم.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا أن بين يدي الساعة الهرج. قيل: وما الهرج ؟ قال: ((الكذب والقتل)).
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضاً؛ حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه))، قالوا: سبحان الله ! ومعنا عقولنا ذلك اليوم ؟ قال: ((لا، ألا إنه ينزع عقول أهل ذلك الزمان، حتى يحسب أحدكم أنه على شيء، وليس على شيء)). وفي رواية: ((لا. تنزع عقول أكثر ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم)) أخرجه ابن ماجه وغيره وصححه الألباني.
إلى غير ذلك من أحوال مجيء الفتنة وتنوعها، وشدتها، وأثرها في قلوب العباد، وحال الناس عند نزول الفتنة التي تتشبه عليهم كما قال بعض العلماء: الفتنة إذا أقبلت تشبهت، فإذا أدبرت تبينت.
ففي أولها يشبه حالها، ويشكل أمرها على كل من ليس عنده علم ولا بصيرة، فإذا انجلت تبين الناس حالها بعد ما أخذت منهم من أخذت، وأهلكت من أهلكت، والله المستعان.
وقد ذكر البخاري في صحيحه أن السلف كانوا يتمثلون بهذه الأبيات عند الفتن:
الحرب أول ما تكون فتيـة ***** تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ***** ولت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت ***** مكروهـة للشـم والتقبيل
يتبع إن شاء الله ...
|