منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 23 Mar 2015, 03:19 PM
أبو زكرياء إسماعيل الجزائري أبو زكرياء إسماعيل الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
الدولة: سطيف -حرسها الله بالتوحيد و السنة-
المشاركات: 250
افتراضي كامل : هدم التأصيل البدعي عند عبد الرحمن بن عمر بن مرعي للشيخ أبي محمد صلاح كنتوش العدني

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء: 1
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾الأحزاب: 70-71.

أمـــا بــعــــد :

فاعلم أيها السلفي الحصيف عصم الله قلبك من الزلل والخطل,أن البدع والضلال في بادئ أمرها قد تلتبس على فئام من الناس؛ لكونها تدخل على الناس من أبواب الاشتباه, وما سميت الشبهة شبهة إلا لشبهها من بعض الوجوه بالحق؛ ولذلك تنفق على أكثر الناس.
ومن تصفح التاريخ وما وقع من الفتن, التي افتعلها المنحرفون عن المنهج السلفي القويم, سوف يرى بكل جلاء أن ما من بدعة نشأت ولا مخالفة وقعت, إلا وهي تقع بسبب جهال اعتلوا منابر العلماء, ورويبضات لبسوا ثياب العقلاء, وقد أبان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بوضوح وتحقيق بقوله صلى الله عليه وسلم:« إِنَّ الله لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»([1]), الحديث.
وقد أعجبني كلام للعلامة الشاطبي
رحمه الله تعالى, القائل: كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك, فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق.
أحدها :
أن يَعْتَقِد الإنسانُ في نفسه أو يُعْتَقَد فيه, أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين - ولم يبلغ تلك الدرجة - فيعمل على ذلك, ويعدُّ رأيه رأيًا وخلافه خلافًا, ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع, وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين, - كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية -, فتراه آخذًا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها, حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها, ولا رسوخ في فهم مقاصده,
وهذا هو المبتدع.
وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبض الله العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا, فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
قال بعض أهل العلم:
تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم, وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم, أفتى من ليس بعالم؛ فيؤتى الناس من قبله, وقد صرف هذا المعنى تصريفًا فقيل:«ما خان أمين قط, ولكنه ائتمن غير أمين فخان».
قال : ونحن نقول:
ما ابتدع عالم قط, ولكنه استفتى من ليس بعالم فضلَّ وأضل, قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يومًا بكاء شديدًا، فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ فقال لا! ولكن استفتي من لا علم عنده([2])...اهـ

قــلــت:
وقد يقول قائل ها نحن قد نجد من حكم عليه أئمة السنة بالبدعة وهو معدود بين أهل العلم ويشهد له أئمة السنة بالعلم, فيصفونه بالعلم, لكنه ضل وانحرف؟!!.
والـجــواب:
اعلم وفقك الله لطاعته, أن مراد الأئمة بقولهم: «ما ابتدع عالم قط» أي في الجانب المعين, فإنه لا يقع في الباطل إلا بسبب جهله في الجانب الذي أفتى فيه وتكلم فيه, ومن ذلك ما وقع لداود بن علي الظاهري رحمه الله تعالى لما تكلم في بعض مضايق علم الكلام.
قال الحسين بن إسماعيل المحاملي: كان داود جاهلاً بالكلام, قال وراق داود، قال داود: أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق، وأما الذي بين الناس فمخلوق.
قال الذهبي: هذا أدل شيء على جهله بالكلام, فإن جماهيرهم ما فرقوا بين الذي في اللوح المحفوظ وبين الذي في المصاحف، فإن الحدث لازم عندهم لهذا ولهذا, وإنما يقولون القائم بالذات المقدسة غير مخلوق، لأنه من علمه تعالى([3])...اهـ
وقال العلامة الذهبي رحمه الله تعالى: وأما داود فقال: القرآن محدث, فقام على داود خلق من أئمة الحديث، وأنكروا قوله وبدَّعوه، وجاء من بعده طائفة من أهل النظر، فقالوا: كلام الله معنى قائم بالنفس، وهذه الكتب المنزلة دالة عليه، ودققوا وعمقوا، فنسأل الله الهدى واتباع الحق، فالقرآن العظيم، حروفه ومعانيه وألفاظه كلام رب العالمين، غير مخلوق([4])...اهـ
قـلـــت :
وقد يقول قائل إن عنوان المقال «هدم التأصيل البدعي» فيه التصريح بتبديع عبد الرحمن مرعي ولم يسبق إلى ذلك أحد من أهل العلم المعتبرين؟!!.
والـجـــواب:
يعلم كل من له عناية بالعلم العناية الحقيقية أن الإنسان قد يقع في فعل البدعة ولكنه قد لا يوصف بالبدعة إلا بعد النصح والتوجيه فإن رجع فلله الحمد والمنة وإن أصر على ذلك بدعه أهل التحقيق والعلم من أهل العلم والفضل.
وما كتبته في هذا الموضع هو جملة الأخطاء من باب النصح والتوجيه, والأمر من بعد إلى علمائنا المكرمين الذين يقررون الحكم في هذه المزالق والمآخذ, والله من وراء القصد.
ثم إن الذي حملني أن أذكر هذا الكلام في هذا الموضع, ما قد وقع عند بعض المنتسبين إلى السنة والجماعة والعلم من الدفاع عن بعض المبطلين من أهل اليمن, وظهر منه ما يخرجه من ربقة السنة والجماعة إلى البدعة والفرقة.
وإنني في هذا المقام أقول لكل من يبلغه كتابي هذا ثم لم يأنف عن الاطلاع عليه, اقرأ كتابي ورسالتي إليك فلعلك تظفر بأحد أمرين:
إما باطل فترده بحجة وبرهان,
وإما حق فتقبله وترجع عن مذهبك, وكلا الحالين مطلوب, فلا تستعظم الكلام دون أن ترى البراهين, ولا تستصغر القول فيفوتك الحق.
ولعل من أعماه التعصب يقول: هذه شبهات وليست أدلة,
أقـــول :
كذلك قال من كان قبلكم ومضى في غيه وانحرافه وطلب تبرير هذه المزالق والأخطاء حتى جعلها من الدين القويم.
واعلم أن مقال هذا المدافع مبني على أركان ثلاثة:
الركن الأول:
زعم أن المنتسب إلى العلم منهم باقٍ على الأصل, وأنه لم يعتبر بما وقع فيه وأنه لم ينقل عن الأصل ولم يخرجه عن السنة!!.
الركن الثاني:
زعم أنهم خلفاء شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين وأن كل ما قرروه, فهو عين طريقة شيخنا ومنهجه.

الركن الثالث :
زعم أنهم قادرون علميًا وعمليًا على حل مشكلات الدعوة بغير حاجتهم لعون كبار أهل العلم والراسخين.
واعلم أيها القارئ اللبيب أن مقالنا هذا سيختلف الناس فيه اختلافًا كبيرًا بين موافق ومخالف, ولكني على أصنِّف الناس
المختلفين إلى طبقات ثلاث:
الطبقة الأولى :
من هو موافق على تصحيح كل ما وقع من النقد في هذا المقال, وفائدته من هذا المقال أن يزاد ثباتًا على ما هو عليه, والله تعالى المستعان.
الطبقة الثانية:
من هو معرض عن القراءة والاطلاع على ما يطرق من النقد, ثم يجزم بعدم الإصابة فيه, وهذه الطبقة تنقسم إلى أصناف:
الصنف الأول :
من هو مغلق الباب على نفسه, ويأبى الاطلاع على ما كتب في هذا المقال, وهذا إما لفرط التعصب الأعمى, ويرى أن قيل ما هو إلا من التلبيس والكذب والافتراء.
الصنف الثاني :
من أغلق الباب على نفسه, خوفًا على نفسه من لهب الفتنة, ولتلبيس الشيطان عليه, وتوهمه أن هذا من باب الخوض في الفتنة, فيبقى أعمى فيخطفه أهل الباطل إلا أن يشاء الله.
الصنف الثالث :
من هو مغلق الباب على نفسه, ويقول الكل إخواننا وإنما هي من نزغات الشيطان, ولا يعنف أحدًا من المختلفين.
الطبقة الثالثة :
من هو من عوام أهل السنة يميل مع مجالسه مت الفريقين، فهذا أمره مشكل وصعب؛ لأنه يميل تقليداً لجهة من أحب ورضي، فإن كان حبه وثقته في كبار أهل العلم فبها ونعمت، وإن كان غير ذلك فلا نقول إلا أحسن الله عزاءنا فيه إلا أن يشاء الله؛ لأنه لا يستند إلى حجج وبراهين، وإنما يدرج على التقليد الأعمى، والله سبحانه أعلم.

وإني في هذا المقام أقول لكل من أغلق على نفسه باب القراءة الاطلاع, افتح الباب واطلع على كتب وقيل؛ لتحصل أحد أمرين: إما أن تظفر بحق فتتمسك به, وإما أن تقف على باطل- في زعم المعرضين- فتنكره, واعلم أن السبب الرئيس الذي دفع المعرضين عن قبول الحق هو أنهم لم يرتضعوا لبان السلفية الحق, وإنما فتحوا أعينهم فلم يروا إلا ما تحت أقدامهم, وقديمًا قيل:« لا يعرف الإنسان خطأ شيخه حتى يجلس عند شيوخ آخرين»؛ لذلك يجزم الكثير من طلاب العلم بأن شيخهم سالم ليس به عور, ولا ما ينقصه, فاعرض الأمر على أهل التخصص لتعلم هل أخطأ الخطأ الذي يخرجه على السنة أم لا!!!
والله تعالى من وراء القصد.
واعلم أيها الموفق لطاعة الله تعالى أن كثيرًا من الناس يظن أن الخلاف بيننا وبين أخينا عبدالرحمن بن مرعي هداه الله مبني على أصل واحد, وهو البحث عن الرياسة والتصدر والحسد لمكانته بين الناس, وهذا الأمر ليس بصحيح بل ليس له أساس من الصحة والله عليم بذات الصدور, وليس خلافنا معه وليد قضية الغرباء أو غيرها, وإنما لأمور ستعلمها في طيات هذا المقال إن أحببت أن تنقذ نفسك من التعصب إن كان لك في الدليل مطمع, ومن عجيب الأمر أن القوم جعلوا المسألة مبنية بناء كليًا على قضية الغرباء وإن كانت كما يقال القشة التي كسرت ظهر البعير, وإن كنا لا نعدها قشة أبدًا, والله تعالى هو الحكم العدل,
وهو سبحانه علام الغيوب.
واعلم أولاً أنا نعتقد أن الله تعالى قد وهب أهل اليمن نعمة عظيمة ومنحهم فضلًا كبيرًا وهو وجود علماء وطلاب علم ودعاة إلى الله تعالى, وكان رأس هؤلاء العلماء وإمامهم هو شيخنا الإمام المحدث الفقيه بقية السلف وحامل لواء الدعوة مجدد العصر والدنا الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى وغفر له وأدخله في الصالحين, وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصدقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
ومن علمائنا الشيخ العلامة الوالد محمد بن عبد الوهاب الوصابي حفظه الله ورعاه وسدد على السنة خطاه وثبته على النهج السديد وختم له بالحسنى( ).
وهكذا بقية مشايخنا وطلاب العلم والدعاة إلى الله تعالى في اليمن جميعها حرسها الله من كل سوء ومكروه.
لكن اعلم أيها الموفق المسدد أن قولنا وإقرارنا بمشيختنا وعلمائنا ليس معناه أن يقر الواحد منهم على الخطأ والباطل, بل من النصح للأمة أن لا يُقَرَّ إلا على الحق والصواب, مع الاحترام له والإجلال ما دام الخطأ في حيز السنة, فإذا فعل ما يخرجه عن السنة هُتك عرضُه وأُبِيْنَ جلالُه وحُذِّر منه ومن خطأه ولا كرامه للمبتدع, وهذا أصل عظيم درج عليه أهل السنة والجماعة من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد كان من المعدودين من علماء أهل السنة ومشايخ السلفيين أبو الحسن المصري المأربي, وقد أبان أهل العلم انحرافه وزيغه, وما حصل له من التغير والتبدل, وبقي بعض الناس يصرخ مدافعًا عن أبي الحسن وعن باطله, ما ذا يريد فلان وفلان من أبي الحسن, أبو الحسن نجم في السماء, وصار يرمي علماء السنة وطلاب العلم بأنهم يطعنون في العلماء الذين زكاهم شيخنا ومات وهو عنهم راضٍ( ), وربما اعتقد صحة بعض أصوله وقواعده حتى كاد أن يهلك بهلاكه, ومنّ الله على هذا المدافع؛ فاستنقذه أهل العلم والسنة من وحل ودرن أبي الحسن, والحمد لله تعالى.
وممن كان معدودًا بين علماء أهل السنة ومشايخ السلفيين يحي بن علي الحجوري, حتى زاغ وانحرف وغير وبدّل, وقد أبان أهل العلم والسنة انحرافه واعوجاجه, وقام أصحاب الدفاع السابق ووقع في عين ما وقع فيه أولًا, فأشهر سلاحه طعنًا فيمن ينال من الحجوري ويصرح بخروجه من ربقة السنة, وأنه لا كرامة له ولا جلال, وبقيت الشبهة السابقة في رأس هؤلاء المدافعين, ويقولون: «لقد رضي مقبل فلانًا وفلانًا وفلانًا, فماذا يريد فلان وفلان من يحي الحجوري الجبل الأشم».
وبكل أسف على نفس السبيل جرى ومشى, ولدغ من جحر واحد ألف مرة, وربما وقع في بعض أصوله وتقعيداته, حتى كاد أن يهلك بهلاكه ويسقط بسقوطه, ومنّ الله تعالى على هذا المدافع؛ فاستنقذه أهل العلم والسنة من وحل ودرن الحجوري, والحمد لله تعالى.
واعلم أن من أكثر الناس دفاعًا عن أبي الحسن في تلك الحقبة باستماتة كبيرة, واستبسال عظيم الشيخ محمد بن عبد الله الإمام وفقه الله تعالى للتوبة والرجوع, وقد وفق في الرجوع عن تلك المدافعة , لكن بسكوت لا عن اقتناع كما سيأتيك نبأ ذلك في القسم الثاني إن شاء الله من مقالنا المسمى «كشف اللثام عن أدلة الإخوانية عند محمد بن عبد الله الإمام» والله المستعان.
ونحن إذ نذكر هذا ليس من باب التعيير بالذنب بعد التوبة منه, فإن هذا لا يجوز كما هو معلوم, لكني أريد أن أتعرض لقضية بالغة الأهمية هنا, فأقول: هل كان رجوع المدافعين عن تزكية أبي الحسن والحجوري, كان لوضوح ما عند الرجلين من الباطل والانحراف أم لغير ذلك؟!!.
وسأستسمح القارئ اللبيب عذرًا بوضع إجابة ربما يعتبرها بعض الناس دعوة صارخة بإسقاط بعض مشايخ اليمن, لكني أقول بكل أسف وحزن إن ما يقرره محمد الإمام هداه الله ووفقه للتوبة هو بعينه ما قرره الإخوان المسلمون في منهاجهم وسبيلهم الذي يسيرون عليه, بل إن من الحقائق المرة سيئة الطعم والمذاق مما لا يكاد يبتلع ولا يستساغ ولا يطاق أن خلافنا مع محمد الإمام وفقه الله تعالى في أصل عظيم وقضية كبيرة, وهي عدم تكفيره لمن كفره أهل السنة والجماعة وهم الرافضة الحوثيون القائلون بنقص القرآن والطعن في أمنا عائشة وتكفير أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرهم من الصحابة, وغير ذلك من أصولهم الباطلة المنحرفة, بينما كان خلافنا مع الحلبي وأبي الحسن والمغراوي وعرعور وأضرابهم هو دون ذلك, فواعجبًا!!!.
ولهذا قرر علماؤنا الناقدون كأمثال العلامة ربيع بن هادي والعلامة عبيد الجابري وأضرابهما أن الشيخ محمدًا الإمام إخواني فانبرى بعض من كان يدافع عن الأولين ومضى على نفس الطريقة والمنهج السابق في إسقاط كلام الأئمة والتوهين من أحكامهم على انحراف محمد الإمام.
فنقول لهؤلاء المدافعين قفوا قليلًا وخذوا أنفاسكم, واعتبروا بما قد وقعتم فيه من المدافعات الماضية, حتى استنقذكم منها علماء الأمة الكبار رحمة بكم وشفقة عليكم, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْن»( ), والعجب العجيب أن المدافعين أُتُوا من عين الجحر الذي أتوا منه في السابق واللاحق, ونعيذهم بالله من أن يستمروا على قبول اللدغ من عين الجحر السابق مرات بعد مرات, ولله الأمر من قبل ومن بعد, وهو تعالى أعلم بذات الصدور.
ولو أنهم تأنوا في التسرع بالدفع لحقائق شرعية وانتقادات عظيمة, وأمعنوا النظر واستمعوا لتوجيهات الأئمة والراسخين لما حصل منهم ما حصل.
وسأسلك في عرضي لهذه المؤاخذات طريقة الرد العلمي معرضًا عن طريقة الحجوري وحزبه من السباب واللعان والتنقص, بعد أن حاول بعض الإخوة نصحه مرارًا بجلسات خاصة, فأبى وأغلق جميع أبواب المحاورة بينه وبينهم, وبدأ يسخر من قولهم إن عند عبد الرحمن بن مرعي مخالفات عقدية ومنهجية, وقال: أخرجوا ما عندكم ليضحك الناس على ما تزعمون!!.
ولعله يطلق مثل هذه العبارات اعتمادًا على أنه لم يخرج تأليفًا ولا تحقيقًا وتعليقًا على كتاب ما ولو في بابه, حتى كتابه الذي يتغنى به وهو شرح الدراري المضية, ولم يخرج له منه إلا ملزمة لا بأس بها في أبواب البيوع من كتابه المذكور, ولذلك يبدو عليه الثقة في نفسه أنه لم يتكلم في أمور تتعلق بالعقيدة أو المنهج ليؤخذ عليه المآخذ والأخطاء, لكن كما قيل: «كل وعاء بما فيه ينضح», فقد أجرى الله على لسانه ما اعتقد من أصول وقواعد, فبدأ يدرس بعض الدروس التي كشفت عن الوجه الحقيقي له, فخرجت للعيان بعد أن كان يتخفَّى بها خوفًا من سيوف أهل التخصص والتحقيق من أهل السنة والجماعة, فخرجت ماثلة للناس.
ولكن من الناس من أعمى الله بصيرته وجعل يقول أين هذه الأخطاء التي تتشدقون بها, أم أنها ما تزال في القراطيس مخفاه, فأقول لهذا المتعجل ذبح نفسه هاك ما في القراطيس!!.
وإني إذ أسلك هذا المسلك من الرد العلمي أروم به وأطلب محاولة إغلاق باب وزعم من يزعم أن ما كتب في هذه الرسالة ما هو إلا تلبيس وتدليس وكذب وافتراء ومكر, وهم بلا شك عندي قائلون, لكنني لن آلو جهدًا في توثيق ما سطر ها هنا حتى تكون الحجة ظاهرة لمن كان له عينان تبصران وقلب يعقل, وأستحلف بالله قومًا عميت أبصارهم وخبلت عقولهم وقلوبهم أن يمدّوا إلي أيديهم لأضعها على مواطن اللهب ليدركوا بملمسهم إياه أن ثم نارًا محرقة, ويطلعوا على مواطن العطب والهلاك, فإن هم لم يروها بأعينهم ولم يتصوروها بقلوبهم وعقولهم, فلعلهم إذ يمدون أيديهم إلي فأقربها من لهب نار مشتعلة؛ فيشعرون بحرارتها على أقل الأحوال, فهاكم أدلتنا وحججنا فهاتوا حججكم, فأقول وعلى الله اعتمادي:
اعلم عصم الله قلبك من الانحراف أن أخانا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله تعالى قد مهد الطريق أمام أتباعه ومن تعصب له بثلاثة أمور:
الأمر الأول:
أن البشر عمومًا يحصل عندهم الخطأ والغلط, وهو من جملة البشر فليس هو من الملائكة ولا من الأنبياء فهو لا يبرئ نفسه من الوقوع في الأخطاء.
قلت: وهذا الأمر يقر به كل أحد, لكنه أراد من خلاله أن يهون من قبح ونكارة تلك الأخطاء والأغاليط.
الأمر الثاني:
أنه وإن أقر بهذه الأخطاء واعترف بها, فإنه يقسمها إلى قسمين:
القسم الأول: أمور لا يقر بأنها أخطاء لكونها من الأمور التي وقع فيها خلاف بين مشايخ اليمن ومشايخ المملكة, ومنها قضية الإمام والموقف من قتال الرافضة الحوثيين.
القسم الثاني: أمور قد يقر بأنها أخطاء لكنها لا تخرجه من ربقة السنة, فهو لا يزال سلفيًا عند أتباعه ومحبيه, وأنه مستعد أن يتراجع منها أمام الملأ, وإن كانت لا تخرجه عن السنة في زعمه, وأن من أهل العلم المعتبرين من ربما قال بمقاله وأشد من ذلك, كقضية أن من الصحابة من سيلج النار, وغيرها.
الأمر الثالث:
أنه يقابل الناقد له بالمقابل فيزعم أن من انتقده كذلك عنده أخطاء ومثالب يجب عليه أيضًا أن يتوب إلى الله تعالى.
ونحن نقول: إن كل من أخطأ فعليه أن يتوب إلى الله تعالى على الفور, ولكن الرجل أتى من باب رمتني بدائها وانسلت.

فهذه الأمور الثلاثة بنى عليه عبد الرحمن بن مرعي قضيته فاقتنع من حوله بأنه الطاهر المطهر من كل سوء يدعيه من ينتقده, والله تعالى أعلم بذات الصدور.
واعلموا حفظ الله علينا ديننا وعصم الله قلوبنا أن أخانا عبد الرحمن هداه الله تعالى قد غرس في قلوب أتباعه ومحبيه أن كل ما قرره من ينتقده إنما هي مجرد ثورة وراءها حظوظ النفوس, وطلب الرياسة, وأن من قام بهذه الثورة أرادوا إسقاط المرجعية في اليمن, وهذه الفرية هي بريد كل من أراد أن يغير الحال ويقلب الحقائق, فقد قال الله تعالى حاكيًا موقف أهل الباطل في ردهم الحق بمثل هذا المقال: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ}, الآيات.
واعلموا عصم الله قلوبنا من الزيغ, أنه مما يكاد يكون مجمعًا عليه أن المنهج الذي يسير عليه عبد الرحمن - هداه الله- أنه لا يعرف بموافقه المشرِّفة مع أهل البدع, فليس هو ممن يهاجمون المخالفين للمنهج السلفي النقي الصافي, بل نراه لا يتكلم فيهم إلا في إجمالات أو عمومات, وإن ذكر أحدًا من المبتدعة فربما نراه يملأ فاه بذكر الأشاعرة والمعتزلة وأضرابهم, وجميع أهل السنة يدركون أن هؤلاء قد فرغنا منهم, ولا نخاف على ناشئتنا منهم, بينا لا نراه يمتلأ فاه بذكر المبتدعة الذين نخاف على ناشئتنا منهم كالمنتسبين إلى الحدادية والإخوان المسلمين والقطبية والسرورية وأضرابهم, وإذا حصل أن ذكر بعضًا منهم فإنه لا يذكرهم إلا كالمكره, وإذا سألته من يحمل هذا الفكر الخبيث ممن ذكرت؟!! فلا تعرف له جوابًا وربما قال قد أحرجنا فلان وفلان بالسؤال!!!
فلا تراه يعرف لهم أصولًا ولا قواعد ولا انحرافات!! مما يدلك على أن بضاعته في هذا الباب كاسدة غثة ومزجاه قليلة.
أقول: وقد جعلت المؤاخذات التي وقع فيها أخونا عبد الرحمن بن مرعي على ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول: مخالفات في بعض مسائل العقيدة
واعلم عصم الله قلبك وطهر جنانك أن المخالفات العقدية هي أخطر ما يقع فيه المخالف لمنهج السلف الصالحين, وأخذه شيء من أصول الفرق الضالة مما لا يستهان به, والله يعصمنا من الزلل, وإليك أيها القارئ اللبيب جملة من المسائل في العقيدة.
والعبد منا معرض للزلل والخطأ ولا يسلم من هذا إلا من عصمه الله تعالى, وليس هذا في حد ذاته بمستنكر ولا مستغرب, لكن الأمر المنكر والخطر العظيم أن يستمر العبد على باطله وخطئه, ثم يبحث بعد ذلك عن مسوغات ومخارج لما وقع فيه من الأخطاء ولاسيما ما يتعلق بأمر المعتقد؛ ليصبغ أخطاءه بصبغة الشرعية ثم يلصقها بالدين الحنيف, وإن ما حصل من أخينا عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله من هذا الباب, والله تعالى المستعان.
واعلم أن المخالفات العقدية التي وقعت منه على صورتين:
الصورة الأولى: فيما قرره ثم رجع عنه
وهنا قد يقول قائل: وإذا كان عبد الرحمن بن مرعي قد رجع عن أشياء أخطأ فيها, فلِمَ تجعلها وتعتبرها من المخالفات وقد تاب ورجع عنه, والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؟!!.
والجواب عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: اعلم أن من الأخطاء والزلات ما تؤثر على أصحابها ولو تابوا منها, ولاسيما من كان له أتباع وطلاب, وخاصة إذا كان الخطأ يدل على عدم تمكن الإنسان من العلم بما يضمن للناشئة أن يأخذوا عنه في مأمن من زلقات وزلات أخرى وأخرى.
ولهذا كان بعض السلف يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيهٌ يُعْلِنُ السَّفه, وإن كان أروي الناس, وصاحبُ بدعةٍ يدعو إلي هواه, ومنْ يكذِبُ في حديث الناس، وإنْ كُنتُ لا أتهمهُ في الحديث, وصالحٌ عابدٌ إذا كان لا يحفظُ ما يحدِّث به( )...اهـ
وقال آخر من السلف: ثلاثةٌ لا تحمل عنهم: الرَّجلُ المتَّهم بالكذبِ، والرَّجلُ كثير الوهم والغلط، ورجلٌ صاحبُ هوىً يدعو إلى بدعةٍ( )...اهـ
والشاهد من الأثرين أن من لم يضبط قواعده في جانب معرفة الفرق والطوائف والرجال فإنه يكثر غلطه؛ ولهذا لوحظ على أخينا عبد الرحمن قلة مقاله في الأشخاص ويحرص على عدم الكلام في مثل هذه القضايا-رغم وضوحها-؛ ليحصل له أحد أمرين:
الأمر الأول:
أن يسلم من النقد إن حصل الغلط منه, وذلك؛ لأنه ليس من المحققين ولا ممن يعرف أحوال الرجال والانحراف في هذا الباب.
الأمر الثاني:
أن يسلم من وصفه بالتشدد والغلو, كما يرمي به غيره, ولهذا تراه دائمًا يمسك العصا من النصف ولا تراه يقطع في أمر حتى تميل الكفة ومن تأمل مواقفه في فتن سابقة سيدرك حقيقة ما نقول, والله تعالى المستعان.
الوجه الثاني: اعلم عصم الله قلبك من الزيغ والانحراف أنا لم نذكر ما وقع فيه من الغلط والاعتقاد المخالف ثم رجع عنه, من باب التعيير بالخطأ والذنب وقد تاب منه, ولكننا نذكره في هذا الموضع لندلل على أنه غلطه ليس من باب مجرد الزلة العابرة التي يقع فيها شأنه شأن بقية بني آدم, ولكن هذه الزلة والغلط تدل على أنه ممن لا يصلح لأن يكون معلمًا لخوف أن يقع مرات أخرى في تأصيل وتقعيد لا يرجع عنه بعد ذلك كما قد وقع منه في غيرها, ولذلك لما سبر الأئمة وكبار الأمة حاله قال بعضهم: «مغفل, لا يصلح للدعوة», والله المستعان.
وقد سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن حكم تزويج التائب من الذنوب, فأجاب رحمه بجواب حاصله أن من الناس من يظهر التوبة إلى الله تعالى, وعلينا أن ننظر في حاله ونسبر خبره ولا نستعجل حتى نتأكد من صدقه, فالصدق بين والتمويه بين( )...الخ.
قلت:
أفيكون الخوف على بضع امرأة والحيطة فيه أعظم من الحيطة في أمر رجل وقع في مهالك, يكاد أن يهلك بها الفئة الكبيرة من الناشئة والعوام, وقد ظهر فيه من العطب ما فيه الهلاك, فلئن نحتاط في هذا أولى وأعظم من حيطتنا في بضع امرأة, تأمل هذا تدرك سبب منع العلماء من الدراسة عليك, فسارع بإصلاح العطب, وعجل بالتوبة النصوح, والله تعالى يعصمنا من الزلل.
وهاك بعض ما قرره في أمور الاعتقاد وتأرجح فيه, وقرره ثم رجع عنه؛ لتعلم أنه لم يحقق القول في معتقد ومنهج السلف, ولعل من تتبع صوتياته القديمة والجديدة سيجد من هذا التقرير الكثير, لكن فيما وقفنا عليه الكفاية, فمن ذلك:
المخالفة الأولى: تخبطه وإنكاره الحد لله تعالى.
اعلم وفقك الله لمراضيه أن من المعلوم المقرر في اعتقاد سلفنا الصالح أن صفات الله تعالى لا تثبت عندنا إلا بما أثبته الله تعالى لنفسه إما في كتابه سبحانه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وهذا ما يدركه صغار طلاب العلم من أهل السنة, لكن أخانا عبد الرحمن لم يدرج على هذه القاعدة في جميع ما يذكر في جانب صفات الله تعالى, حيث أنه لما تكلم مع إخواننا من طلبة العلم والفضل أطلق النفي للحد, وكان الأولى أن يدرج على القواعد السلفية في الألفاظ التي لم ترد في نصوص الوحيين كالجهة والمكان ونحوها, والقاعدة معروفة عند السلف أن من الغلط أن تنفى مطلقًا كما أنها لا تثبت مطلقًا ويستفصل عن معانيها, فإن كان المعنى من الحق أثبت المعنى, وإن كان المعنى باطلًا نفي الباطل وأثبت الحق, ومن هذا ما وقع هنا حيث أن أخانا عبد الرحمن نفى ذلك مطلقًا دون أن يستفصل في القضية, وإن من المعلوم أن أهل السنة لا يطلقون مثل هذه الألفاظ ابتداء, ولكنهم يتكلمون فيها بما يوافق النصوص الشرعية إن ذكرها أهل الباطل, تأمل.
وقد وجد من أهل العلم من أثبته لكنه إنما يريد به معنى المباينة للخلق وانفصاله تعالى عنهم وعدم مخالطته إياهم, ووجد من أهل العلم من نفاه باعتبار عدم علم الإنسان به, كما نفى الأئمة الكيف, بقولهم: «استوى بلا كيف» ومن المعلوم أن الاستواء له كيفية معينة يعلمها الله تعالى, وإنما كان نفيها باعتبار علم العباد به, وكذلك لله تبارك وتعالى حَدٌّ يعلمه هو لا يعرف الخلق كيفيته, تأمل والله تعالى أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وروى أيضًا شيخ الإسلام ما ذكره أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم في «الرد على الجهمية» حدثنا علي بن الحسن السلمي سمعت أبي يقول: حبس هشام بن عبيد الله وهو الرازي صاحب محمد بن الحسن الشيباني رجلًا في التجهم فتاب فجئ به إلى هشام ليمتحنه فقال: الحمد لله على التوبة أتشهد أن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه, فقال أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن من خلقه؟ فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب.

قال شيخ الإسلام: شرحت «مسألة حد البينونة» في كتاب الفاروق باب أغنى عن تكريره هاهنا.
قال شيخ الإسلام: وسألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم ابن حبان البستي قلت: رأيته؟ قال: كيف لم أره ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير, ولم يكن كبير دين قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه من سجستان( )...اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في موضع آخر: وروى الخلال أيضًا في «كتاب السنة»..., أن أبا عبد الله قيل له: ولا يشبه ربنا تبارك وتعالى شيئًا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه قال: نعم {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} قال: أخبرني عبيد الله بن حنبل حدثني أبي حنبل بن إسحاق قال قال عمي: نحن نؤمن بالله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ويحده أحد, فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية, وهو يدرك الأبصار وهو عالم الغيب والشهادة علام الغيوب, ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه, ليس في الله شيء محدود ولا يبلغ علم قدرته أحد, غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه, {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}..., فهو في هذا الكلام أخبر أنه بلا حد ولا وصف يبلغها واصف أو بحد أحد فنفى أن تحيط به صفة العباد أو حدهم وكذلك قال: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} بحد ولا غاية, فبين أن الأبصار لا تدرك له حدًا ولا غاية وقال أيضًا: ولا يدركه صفة واصف وهو كما وصف نفسه وليس من الله تعالى شيء محدود, كما قال بعد هذا ولا يبلغ أحد حد صفاته فنفى في هذا الكلام كله أن يكون وصف العباد أو حد العباد يبلغه أو يدركه كما لا تدركه الأبصار.
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبل حدثهم قال سألت: أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «أن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا» و«أن الله تعالى يرى» و«أن الله تعالى يضع قدمه» وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: «نؤمن بها ونصدق بها, ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئًا, ونعلم أن ما جاءت به الرسل حق, ونعلم أن ما ثبت به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحيحة ولا نرد على قوله ولا نصف الله تبارك وتعالى بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية»..., وقال حنبل في مواضع أخر قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالى ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين..., والتحديد في هذا بدعة والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير.
فهذا الكلام من الإمام أبي عبد الله أحمد رحمه الله يبين أنه نفى أن العباد يحدون الله تعالى أو صفاته بحد أو يُقدِّرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره أو أنه هو يصف نفسه وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها كما ذكرنا من كلامهم في غير هذا الموضع ما يبين ذلك( )...اهـ

قلت:
والقول الفصل في اعتقاد سلفنا رحمهم الله تعالى أن لله تعالى حدًا لا يعلم كنهه وحقيقته إلا الله تعالى, وأما ما وقع من نفي بعض أئمة السنة فإنما يريد نفي المخالطة للخلق, أو إحاطة الخلق بصفاته سبحانه, وأما إنكار أخينا عبد الرحمن بن مرعي فلم يكن إلا من باب عدم الإلمام بأصول معتقد أهل السنة, حتى أنكر عليه بعض المشايخ منهم الشيخ زكريا بن شعيب وفقه الله وأخبرنا أن أخانا عبد الرحمن بن مرعي قد رجع عن هذا, والمقصود هنا إظهار تخبطه وخلطه في مثل هذا, مما يدل على عدم تمكنٍ وتحقيقٍ؛ فكيف يؤمن في ثباته, وهو لم يحقق الاعتقاد السوي, تأمل تنتفع, والله يعصمنا من الزلل!!!.

المخالفة الثانية: قوله الأصل في الإنسان الكفر.
اعلم سدد الله سمعك وبصرك فيما أحبه ورضيه أن المعلوم المقرر عند صغار طلبة العلم فضلًا عن كبارهم وعلمائهم أن الأصل الذي خلق الله عليه الإنسان هو الإسلام ثم قد يطرأ عليه ما يخرجه عن الفطرة والأصل بحسب الطارئ عليه, وهذا أشهر من أن نذكر في مقامنا هذا الأدلة عليه, فما فوجئنا إلا بأخينا عبد الرحمن يقرر في الدرس العام أمام الناشئة من طلابه أن الأصل في الإنسان الكفر, وربما بناه على ما فهمه من مثل قوله تعالى: ( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) [عبس: ١٧], وقوله سبحانه: ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُور) [الشورى: ٤٨], وأضرابها من الآيات والأحاديث, ولا شك أن هذا الفهم سقيم عقيم يخالف النصوص الشرعية في هذه المسألة التي يدركها صغارنا وكبارنا, فما كان من بعض إخواننا طلاب العلم إلا أن تكلم مع أخينا عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله وذكره بحقيقة المسألة فرجع عن ذلك واستعتب الأمر, ولا شك أن هذا التقرير ليس بمجرد زلة عابرة ولكنه يدل على ضعف في التأصيل السلفي, تأمل ستدرك خطر ما أقول, والله المستعان.

الصورة الثانية: ما قرره من أمور المعتقد ولم يرجع عنه
المخالفة الأولى: قوله الله تعالى معنا بذاته سبحانه.

اعلم وفقني الله وإياك للثبات على دينه حتى نلقاه أن من أعظم البلاء أن العبد إذا أخطأ وزلت قدمه أنه يلتمس له من أهل العلم من وافقه على قوله؛ ويحتج بذلك على صحة قوله وأن ما قرره ليس من الباطل ولا من الغلط, وإنما يعد من أنكر عليه مقاله هو المبطل وهو المخطئ, ومن باب رمتني بدائها وانسلت, وقع من أخينا عبد الرحمن بن مرعي جملة من هذا الباطل, ومن ذلك تقريره لأصل عظيم من أصول المبتدعة وهو القول بأن الله تعالى معنا بذاته, وهذا منكر عظيم وخطأ جسيم.
فبادر بعض المشايخ وطلاب العلم بالنصح والإرشاد لأخينا عبد الرحمن بن مرعي فأصر على قوله وزعم أن العلامة ابن عثيمين يقرر هذا, وردَّ بأن العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى وغفر له وأدخله في الصالحين قد بين تراجعه عن إطلاق هذه الكلمة وقال لا نقول: إن الله تعالى معنا بذاته؛ لأنه يفهم من قولنا بذاته الحلول, ولذلك نتحاشى ذلك, وأما الذي أدين الله به أن الله معنا هو نفسه..., لكنه في السماء مستوٍ على عرشه, وإنما نحن لا ننطق بها حتى لا يتوهم واهم ما ذهبت إليه الجهمية المعطلة( )...اهـ

قلت:
وكلام العلامة ابن عثيمين ظاهر في ترك التصريح بهذا اللفظ حتى لا يتوهم القول بالحلول؛ لأنه من عقائد الجهمية الكفار, إذًا يجب ترك التعرض لذكر هذه الكلمة نفيًا وإثباتًا بهذا المعنى المعين, فإطلاق هذه الكلمة يوهم القول بالحلول والمخالطة, وهذا ما نفى تقريره العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى, ويؤيد ذلك ما قاله الإمام ابن باز رحمه الله تعالى وغفر له وأدخله في الصالحين حين سئل عمن يقول: إن الله في السماء على العرش وهو معنا بذاته ؟
فقال رحمه الله غفر الله له: هذا غلط هو معنا بعلمه, الذي يقول هذا جهمي( )...اهـ
فيجب على أخينا عبد الرحمن أن يترك هذا الإطلاق وعليه أن يتوب إلى الله تعالى, فهل يا ترى هو فاعل, أم أنه سيلج في البحث عن مخرج له وتقرير لما يعتقد في هذا الأصل العظيم, والله يعصمنا من الزلل.


المخالفة الثانية: قوله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من سيدخل النار
اعلم وفقك الله لمرضاته أن السلف رضي الله تعالى عنهم مجمعون على أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير بني آدم بعد الأنبياء والمرسلين وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذا في مواضع من السنة, وهذا الفضل في الجملة والتفصيل, فكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة جملة وتفصيلًا, وكل صحابي منهم على التفصيل خير من كل أحد جاء بعده من السلف والخلف, وهذا محل وفاق عند سلفنا الصالحين ومن تبعهم إلى يوم الدين بغير خلاف معتبر, نحن نجزم أنه لن يدخل النار أحد منهم لا ابتداء ولا انتهاء.
وأما أخونا عبد الرحمن بن مرعي هداه فقد جزم بأن بعض الصحابة سيلج النار, ثم مثل بأبي الغادية وزعم أنه في النار, وهذا غلط كبير ومنكر جسيم, وأعوذ بالله من أن يذهب بعض من يتعصب له أن يأتي بأقوال بعض الناس ممن قال بهذا القول, وربما قال قد قال به فلان وفلان وفلان, فالحق أكبر من الرجال, وعليه أن يتوب إلى الله تعالى من هذا القول ويرجع عنه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْرَاجُ قَوْمٍ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا امْتُحِشُوا, وَثَبَتَ أَيْضًا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ..., لَكِنْ هَذَا الْأَصْلُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مِثْلِ عُثْمَانَ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
وَقَدْ دَخَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَالَّذِي قَتَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ هُوَ أَبُو الْغَادِيَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ.
فنَحْنُ نَشْهَدُ لِعَمَّارٍ بِالْجَنَّةِ، وَلِقَاتِلِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بِالْجَنَّةِ( )...اهـ
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر: وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَتَلَهُ أَبُو الْغَادِيَةِ، وَأَنَّ أَبَا الْغَادِيَةِ هَذَا مِنَ السَّابِقِينَ، مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ, وَأُولَئِكَ جَمِيعُهُمْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ».
وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ غُلَامَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ: " كَذَبْتَ ; إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ».
وَحَاطِبٌ هَذَا هُوَ الَّذِي كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ نَزَلَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) [الممتحنة: ١] الْآيَةَ، وَكَانَ مُسِيئًا إِلَى مَمَالِيكِهِ، وَلِهَذَا قَالَ مَمْلُوكُهُ هَذَا الْقَوْلَ، وَكَذَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: « إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» وَفِي الصَّحِيحِ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ».
وَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ مِمَّنْ قَاتَلَ عَلِيًّا، كَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَإِنْ كَانَ قَاتِلُ عَمَّارٍ فِيهِمْ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِه( )ِ...اهـ

قلت:
وقد ناقشه بعض إخواننا المشايخ بهذا الخصوص حتى طرقت المسألة بين يدي العلامة ربيع بن هادي حفظه الله تعالى, فأنكر عليه مقاله هذا لكن عبد الرحمن بن مرعي هداه الله أصر على اعتقاده واستدل على ذلك ببعض الأمور, وعلل بأنه طالب علم وقد بحث المسألة فكان من كلام العلامة ربيع حفظه الله تعالى أن هذا من أمر الاعتقاد والاعتقاد جادة مسلوكة لا يحل أن يجتهد العبد فيه, وإنما هي قضية مبنية على التسليم المطلق للوحيين, فهل سيتوب عبد الرحمن من هذا الأصل الفاسد, وعندي بهذا الخصوص بحث مستوفى وخلاصة ما فيه, أن الشهادة له بالنار ليست ثابتة, بل هي من المنكر الكبير والجرم العظيم, فعلى عبد الرحمن أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الزلل والباطل.
قال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى: ويَرون الكفَّ عمَّا شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمَّن عيباً لهم أو نقصاً فيهم ويرون التَّرحُّم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم( )...اهـ
وكذا نقل الحافظ ابن حجر عن أبي المظفَّر السمعاني رحمه الله تعالى :أنَّه قال: «التعرُّضُ إلى جانب الصحابة علامةٌ على خذلان فاعله، بل هو بدعةٌ وضلالةٌ»( )...اهـ


المخالفة الثالثة: وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالإفراط في الحزن .
قال عبد الرحمن بن مرعي في درس التفسير عند تفسير قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } من سورة آل عمران, فقال: «وتأمل وانظر هذه الآية الكريمة معناه كما عبر بعض أهل التفسير أفرط النبي صلى الله عليه وسلم في الحزن عليهم وإلا الحزن على كفر الكافر يعتبر طاعة وقربة لكن إذا حصل إفراط كما في الآيات الأخرى { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} فهكذا يأخذ المسلم القدوة...»( )...اهـ

قلت:
ولا يشك مسلم يعظم النبي صلى الله عليه وسلم وينزله المنزل الذي أنزله الله تعالى أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف يتضمن تنقصًا عظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم سواء شعر المتكلم به أو لم يشعر, لأن الإفراط في الشيء لا يخرج إلا على جهة الذم والنقص.

فهل يليق يا أبا عبد الله أن تصف حِبَّكَ ومن تفديه بأبيك وأمك بهذا الوصف القبيح, وأنت تظن أنك لم تمس جناب النبوة بأذى, تأمل في كلام أهل التفسير من سلفك أصحاب العقيدة المصونة النقية, وما الذي قرروه في معنى الآيات التي ذكرتها ها هنا, لكن المؤسف أنك تنطلق كالسهم اعتمادًا على بلوغك رتبة الاجتهاد, وقديمًا قيل تزبب قبل أن يتحصرم, فانتبه من الهرولة بغير فرامل فلعلك تنقلب على عقبيك وتنكسر عنقك وقاك الله سوء المنقلب.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة, فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى والذين {إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا} وقال تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} وقال تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} والدين كله بين هذين الطرفين, بل الإسلام قصد بين الملل, والسنة قصد بين البدع, ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه, وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر, والغلو مجاوزته وتعديه, وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ فأما إلى غلو ومجاوزة, وإما إلى تفريط وتقصير, وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلق رسول الله وترك أقوال الناس وآراءهم, لما جاء به لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم.
وهذا أن المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم؛ ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير وخوفوا من بُلِيَ بأحدهما بالهلاك وقد يجتمعان في الشخص الواحد, كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرًا مفرطًا في بعض دينه غالبًا متجاوزًا في بعضه والمهدي من هداه الله( )...اهـ

قلت:
فإذا كان الإفراط مرض خطير فهل يجوز أن تصف النبي صلى الله عليه وسلم الذي سلمه الله تعالى من مرض الغلو في الدين الذي ابتلي به اليهود والنصارى راجع حساباتك لدرك خطر لسانك, ولقبح هذا التقرير لا أظن أن أخانا عبد الرحمن يلتزم القول به ثم يزعم أنا حملنا كلامه ما لا يحتمل, كما لا يجوز له ولا لمن يدفع عنه أن يقول ما أراد عبد الرحمن المعنى الفاسد, وإنما أراد الحرص على هداية الناس, وانتبهوا يا قوم من قواعد أبي الحسن فتقولوا يحمل المجمل على المفصل, فتأمل والله تعالى يعصمنا من الزلل.

القسم الثاني: قواعده وتأصيلاته المنحرفة.
القاعدة الأولى: اعتقد ما شئت فلا إنكار.
اعلم وفقك الله لطاعته أن هذه القاعدة من أعظم أخطاء عبد الرحمن هداه الله, وقد يستعظم القارئ اللبيب خروج مثل هذا التقعيد من مثل هذا الشيخ وفقه الله تعالى, وربما يقول: هل من المعقول أن يقوم عبد الرحمن بتقرير العقائد والمناهج الموجودة في المعمورة, التي منها الشرك والكفر بكل صوره وأشكاله, ومنها البدع والخرافات بكل صورها وأشكالها!!!.
لكننا نقول -وبكل مرارة وحزن-: إن إطلاق عبد الرحمن هداه الله وأصلحه لهذه القاعدة, هي التي جعلت بعض الناس يصفون عبد الرحمن بـ«السلفي المعتدل» وأنت خبير أيها القارئ بمعنى هذه الكلمة إن خرجت من بعض الناس!!!.
وتأمل عباراته لتعلم خطرها, ولا يجوز لقائل أن يقول: إن الشيخ لا يعني بهذا الإطلاق ما قد يفهم, فهو ممن ينكر الشرك والكفر والبدع والانحرافات والحزبيات, وله في ذلك الكلام المنشور المسجل!!.
فأقول: انتبه أيها السلفي الحصيف من قاعدة الإخوان المسلمين وقاعدة أبي الحسن وعدنان عرعور وأضرابهما «يحمل المجمل على المفصل» وهذه القاعدة سيأتي طرقها في حينها إن شاء الله, فاجعلها على ذهن منك, والله المستعان.
قال عبد الرحمن هداه الله وأصلحه, ما نصه: «يا أخي لا ننقب عما في قلبك لتعتقد ما شئت؛ طالما جاء عن بعض العلماء, لكن أن يتطور الأمر إلى أنك تخرج ما في قلبك وتختبر به الآخرين»( )...اهـ
اعلم أيها الموفق المسدد في طاعة الله تعالى أن عبد الرحمن قد أتى بهذه القاعدة العجيبة والخطيرة, التي تنذر بشر مستطير, والتي تعتبر إحدى صور قاعدة الإخوان المسلمين القائلين: «لنتعاون فيما اتفقنا فيه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».

وقد تقول أيها القارئ اللبيب لعلك قد بالغت في دعواك هذه, وقد رأينا عبد الرحمن ينكر هذه القاعدة شديد الإنكار, وقد أفصح بذلك!!.

فأقول:
أيها القارئ اللبيب لا تعجل عليّ, وأتني منصتًا؛ لتعلم هل جاء بعين القاعدة بمعناها أم لا, وإن كان قد أنكر على الإخوان المسلمين قاعدتهم هذه لفظًا, لكنه وافقهم في معناها ومحصلها بقوله: «لا ننقب عما في قلبك لتعتقد ما شئت طالما جاء عن بعض العلماء, لكن أن يتطور الأمر إلى أنك تخرج ما في قلبك وتختبر به الآخرين», فهذه العبارة توافق الجزء الثاني من قاعدة حسن البنا «ليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه», لأنه إذا سكت عن أمور يعلمها موجودة في قلوب بعض من يعارضه من الناس فقد عذره في اعتقاده المباين له, ويوضح هذا المعنى قوله: «أنا أعرف أن من إخواني الكبار من يكون عنده شيء من هذه الأشياء» فهو يدرك إذًا أن من الناس من في قلبه من الأشياء ما يباينه فيها, فهذه تبين وجه المشابهة بين قاعدته والجزء الثاني من قاعدة حسن البنا, تأمل.
وقوله: «لا ننقب عما في القلوب نحب أن نبقى ولو كان في الظاهر متآخين متواددين متعاونين على البر والتقوى» يوافق بها الجزء الأول من قاعدتهم الفاسدة «نتعاون فيما اتفقنا عليه», فأوجز وألخص لك مقالته كلها فأقول: «لا إنكار على ما تحويه القلوب», والله المستعان.

فأقول:
أخي القارئ اللبيب أرجو أن تمعن النظر وتترك التعصب ورد الحق, وتدقق في العبارات السابقة, واقرأها بعين المتأمل المتفحص, لتعلم الخطر والشر المستطير في هذا التقعيد.
والجدير بالذكر في هذا الموضع أن تعلم أن الإخوة الإيمانية في ديننا لها مفسدات كما أن لها ما يقويها ويصلحها, فكيف نكون إخوة متعاونين, والقلوب تغلي بالمباغضة والعداوات, ثم نطلب إغفال ما في القلوب والسكوت عما وقع فيها من الاختلاف, وعدم الدعوة إلى إصلاح ما في القلوب, بل صارت الدعوة إلى عدم البحث عن إصلاح خلل القلوب وانحرافها, ثم دعوى إمكان التعاون على البر والتقوى, بعد أن اعتقد كل إنسان ما يشاء!!!.
فإنك إن أتيتني وزعمت أنك ترجو التعاون على البر والتقوى, وتظهر لي خلاف ما في قلبك, فإن الكذب أن تخبر عن الشيء بخلاف الواقع.
قلت: وتأمل مقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن التحليل في النكاح, حيث قال: «واعلم أن الكذب -وإن كان يغلب في صيغ الأخبار-..., فإن الصيغ الدالة على الطلب والإرادة, إذا لم يكن المتكلم بها طالبًا مريدًا, كان عابثًا مستهزئًا أو ماكرًا خادعًا, وأن الرجل لو قال لعبده اسقني ماء وهو لا يطلبه بقلبه ولا يريده فأتاه , فقال ما طلبت ولا أردت , كان مستهزئًا به كاذبًا في إظهاره خلاف ما في قلبه, وإن قصد أن يجيبه ليضربه كان ماكرًا خادعًا , فكيف بمن يقول تزوجت ونكحت وفي قلبه أنه ليس مريدًا للنكاح ولا راغبًا فيه , وإنما هو مريد للإعادة إلى الأول فهو متصور بصورة المتزوج كما أن الأول متصور بصورة الآمر, وبصورة المؤمن( )...اهـ

فأقول:
ألا يكون ترك الكذب والمكر والخداع في أمر الدعوة إلى الله أولى من ترك ذلك كله في بضع امرأة, تأمل.
فإن كنت قد علمت أن في قلوب بعض إخوانك المشايخ وكبار طلاب العلم بعض الأمور التي يباينونك فيها, ثم تظهر لهم خلاف ما في قلبك وتحب منهم أن يظهروا خلاف ما في قلوبهم, فإن هذا من المكر والخداع, واعلم أنه لابد من أحد أمرين:
فإما أن تكون هذه الأمور مما تعتقد أن إخوانك على حق وصواب فيها وإما لا!
فإن كان الأول- وهو في نظرك بعيد- فيلزمك الرجوع عما يحويه قلبك من الغلط والباطل,
وإن كان الثاني: فيقال لك لم تسكت عن الباطل الذي عندهم دون نصح لهم أو توجيه, إلا إن كنت تجوِّز أن يعتقد كل إنسان منهم ما يشاء ما دام أن هنالك من العلماء من قرر له اعتقاده, وهذا ما أفصحت به وفقك الله وسددك, أليس هذا الكلام هو بعينه مقال الإخوان المسلمين «ليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه» لأنك تعتقد شيئًا لا يعتقده غيرك, فلتعذره وليعذرك في هذا الخلاف والاعتقاد.
وعليه يلزمك أن تجيب بأحد جوابين وأحلاهما مرٌ بل علقمٌ, وهو هل تعتقد جواز أن يعتقد الإنسان ما شاء على طريقة الإخوان المسلمين وطريقة جماعة التبليغ الذين يقررون قاعدة تشبه قاعدتك وهي «تحاشي الكلام عما أسموه أمراض الأمة المتمثل بوجوه الخلاف العقدي والمنهجي وغيره» وهي بعينها مقالة عبد الرحمن هداه الله «لا ننقب عما في القلوب ما دام أن هنالك من أهل العلم من قال بذلك!!» وإن كان ثَمَّ فرق فهو لفظي مجرد, تأمل.
لأن قولك يفيد العموم, فقد شمل كل اعتقاد, فقولك «اعتقد ما شئت» فإن «ما» هنا موصولة تعم كل اعتقاد سواء كان صحيحًا أو فاسدًا, فإن قلت: أنا لا أقصد كل عالم بل أقصد علماء السنة, فيقال لك يا أخانا عبد الرحمن ليس في كلامك لا في سباقه ولا لحاقه, ما يفيد هذا القصد, وإن أبيت إلا هذا القصد, فنقول لك والسؤال يطرح نفسه لزامًا هل علماء السنة قد اختلفوا في العقيدة؛ حتى تسوغ الأخذ بأي اعتقاد شئت؟!!!.
فإن قلت: لا, معاذ الله أنا لا أقصد العقائد, وإنما أقصد هذا الخلاف الحال والحاصل بين أهل السنة!!.
فيقال لك أبا عبد الله أنت أطلقت وعممت القول, أم أنه لزامًا علينا أن نرجع إلى قاعدة «حمل المجمل والمفصل», لكنك فعلت ذلك بدهاء, وقد استعملت تطبيق هذه القاعدة أعني «المجمل والمفصل» بلغة جديدة وهي لغة ما يطلق عليه انظروا السياق وانظروا سباق الكلام ولحاقه, وهي نفس القاعدة لكن بلغة المكر والدهاء, وإن كنا لا ننكر أن الكلام له سباق ولحاق يتميز به المعنى لكنها لا تنطبق هنا على ما يقرره أخونا عبد الرحمن هداه الله تعالى, فهي من الحق الذي يراد به الباطل, فانتبه!!!.
وأعيذك بالله تعالى من موافقه مذاهب وعقائد المبتدعة الضلال.
واسمع ما يقوله بعض المبطلين والملحدين, حيث قال: «وبالجملة فلابد لكل شخص من عقيدة في ربِّه, يرجع بها إليه ويطلبه فيها..., فإيَّاك أن تتقيَّد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير, بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه, فكن في نفسك هيولياً لصور المعتقدات كلها, فإنَّ الله تعالى أوسع وأعظم أن يحصره عقد دون عقد»( )...اهـ
هل تعرف سددك الله كلام من هذا!!! إنه كلام زنديق من الزنادقة وهو ابن عربي الملحد صاحب الفصوص والحكم, فتأمل كلامه وتأمل في كلامك وانظر وجه الشبه لتعلم أنك وقعت في خطأ كبير وباطل جسيم, فاستعتب وتب إلى الله تعالى, تفلح في الدنيا والآخرة عصم الله قلبك وعقلك من الخطل والزلل.

القاعدة الثانية: «الكلام في أهل البدع لا يكون إلا عند الاضطرار».
اعلم أيها القارئ اللبيب أن من جملة ما يدرج عليه أخونا عبد الرحمن بن مرعي العدني هداه الله, ووفقه وأصلحه وطهّر قلبه, تحاشي الكلام في أهل البدع والتحزب وهذا مشاهد ملموس لا ينكره إلا مكابر.
ولئن قال قائل: إن عبد الرحمن سلفي بعيد عن أهل البدع من وجهين:
الوجه الأول: أنه يتكلم فيهم, وإن كان كلامه فيهم قليل!!!.
الوجه الثاني: أنه لا يزورهم ولا يزورونه, ولا يثني عليهم ولا يثنون عليه!!.
فأقول: نعم قد صرح عبد الرحمن هداه الله وأصلحه بهذا في بعض مجالسه المسجلة, وقبل الجواب أحب أن أعرض مقالته المسجلة, التي يقرر فيها أن الكلام في المخالفين من أهل البدع لا يكون إلا على وجه الاضطرار, فاقرأ ما يأتيك أيها المنصف الموفق وتأمل.
قال عبد الرحمن العدني –هداه الله تعالى وأخذ بناصيته للحق-: فهذا شيء مشاهد, وملاحظ أنك تجد كثيراً من الشباب في أيام الفتن, يعزفون عن حلق العلم, ولكن يتهافتون ويتسابقون إلى مجالس القيل والقال, ولا أحب من نفسي ومن إخواني, أن نكون مهرولين إلى هذه المجالس, تكون مجالسنا مجالس علم ووعظ وتعليم, «وإذا جاء الوقت الذي يضطر فيه اضطراراً إلى بيان الحق والتحذير من بدعة أو التحذير من ضلالة وزيغ وانحراف فلكل مقامٍ مقال», فهكذا يحذر الشباب من هذه الصوارف ومن نزغات الشيطان ومن كيده ومن دسائسه ومن غروره ومن تلاعبه بعباد الله سبحانه وتعالى ( )...اهـ


والجواب عن هذا من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
أقول يا أبا عبد الله وفقك الله تعالى لمرضاته, هل تعتبر الكلام في المنحرفين اضطرارًا, رغم أنك قلت جاء الوقت, بمعنى حان وقت البيان, لم لا تقول فإذا جاء الوقت وجب بيان الحق والتحذير من البدعة.
واعلم هداك الله للحق أنك بهذا التأصيل والتقعيد قد وقعت في باطلين:

أحدهما:
جعلك الكلام في أهل البدع والانحراف اضطرارًا, وهذا فاسد باطل, بل إن الكلام على أهل البدع من أوجب الواجبات ابتداء, وليس هو مما أصله المنع؛ لأن المضطر إليه أصله ممنوع ولا يصار إليه في حال عدم الاضطرار إليه.
فإن باب الاضطرار ضيق كما لا يخفى عليك وفقك الله, الإنسان إذا أصابته المخمصة حتى شارف على الهلاك جاز له الأكل من الميتة اضطرارًا, فإذا ذهب الاضطرار عاد الحكم بالنسبة إليه إلى ما كان من المنع, فهل يحل لك أن تعتقد أن الكلام في أهل البدع والأهواء كذلك!!!.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقال بعضهم لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إنه يثقل عليَّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا، فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟!.
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف, فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل.
فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعداوتهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً( )...اهـ
وقال رحمه الله تعالى في موضع قبله: وإذا كان مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضلَّ الرجلُ الناسَ بذلك، بُيِّن أمره للناس ؛ ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص( )...اهـ

أقول:
فتبين لك رعاك الله وسددك أن الكلام على أهل البدع من أوجب الواجبات نصحًا للأمة والناشئة, وقد أُبْلِغ عبد الرحمن هداه الله وأصلحه مقالًا ونصيحة من الوالد العلامة ربيع بن هادي: «قل: للأخ عبد الرحمن يحرص على الكلام على البدع فإنه أشد عليهم من الضرب بالسيوف» ثم لم نره أحدثت تغيرًا في سلوك وطريقة والله تعالى المستعان.

الوجه الثاني:
أنا رأيناك قد عقدت مجلسًا تدفع فيه تهمتك بعدم الكلام في أهل البدع, فذكرت فيه أنك تحذر من أهل البدع, وتبين عوارهم, واحتججت على ذلك بوجه بيِّن الضعف, ومن كلامك في ذلك المجلس ما نصه: «لكن في حدود الاستطاعة, على ما آتاني الله من قوة وبصيرة, ومع هذا أشعر بأني مقصر, فإذا ذكر هؤلاء الأعلام أقول: أين أنا وأين هؤلاء, ولكن ليس معناه أني لست سائرًا على طريقتهم, وأني لست سائرًا على منهاجهم, هل في كلامي الانتقاد على يقول بالجرح والتعديل, هل لي كلام في مدح أهل البدع, هل لي زيارات لأهل البدع»( )...اهـ

والجواب:
اعلم أخي المبارك وفقك لمرضاته أن قولك واعترافك بالتقصير, دليل عليك لا لك!!.
فإني مضطر أن أقلب عليك استدلالك, فأقول: يعلم كل إنسان أن التقصير في الشرع والعرف واللغة مذموم لا ممدوح, فلو قال قائل أنا أصلي صلاتي لكني مقصر فيها, وأصوم شهري لكني مقصر فيه, وأبتعد عن الحرام لكني مقصر فيه ابتعادي!!!.
أيكون محمودًا أم مذمومًا؟!!!
ولو جاءت عجوز من عجز المسلمين, وقالت يا شيخ أنا أصلي صلاتي ولكني أشعر بأنني مقصرة فيها, وأصوم شهري, ولكني أشعر بأنني مقصرة فيه؟!!!.
فهل ترى جوابك يخرج عن أحد وجهين: فإما أن تقول لها أنت عندك وسوسة فليس مجرد شعورك بالتقصير أنك مقصرة, فهل تعد قولك هنا وسوسة بالتقصير أم لا!!.
فلتقل لها اتركي الوسوسة «لا عليك ما دمتي تصلين وتصومين»!!.
وإما أن يكون جوابك لها: إن كان تقصيرك من المُخِل فصلاتك باطلة وصيامك فاسد, وإن كان تقصيرك غير مخل فعباداتك صحيحة, فيا ترى ما تعد تقصيرك في الكلام عن أهل البدع, أهو من التقصير المخل أو من غير المخل؟!!.
فإن قلت وفقك الله وأصلحك: بل من غير المخل؛ لأني من أهل السنة ولا يقدح هذا في سلفيتي!!.

فأقول:

بل هذا من التقصير المخل؛ لأنك راع, ومسؤول عمن استرعاك الله تعالى, فكم من الناشئة تحت يدك ونصحك, وهذا من الغش أن تقصر في نصحهم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً, يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّة»( ), وفي رواية «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّة»( ).
فإن قلت: إنما ذكرت كوني مقصرًا في هذا الباب تواضعًا!!.
قلنا: لا يجوز أن تتواضع في هذا الموضع بارك الله فيك, وإنما حق هذا الموضع البيان والإفصاح, فإنك في موطن نقد وريبة, فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما عاب عليه المبطلون وانتقصوه, وزعموا أنه مقصر حتى في الصلاة, لم يكن الموضع موضع استكانة وتواضع بل قالها بملء فيه «إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم», وكان الواجب عليك بعد اعترافك بالتقصير أن تسعى جاهدًا في إصلاح نفسك من هذا التقصير المخل, وفقك الله لطاعته.
الوجه الثالث: إن ألححت على أنك لم تغفل هذا الجانب العظيم, فَسَلْ طلابك من الناشئة كم مرة سمعوك وأنت تحذرهم من تنظيم القاعدة, وهواتفهم ملغمة بأناشيد القاعدة, بل وبكل أسف وحزن هذا في جوالات حراسك الأشاوس!!
ولعلك ربما تحيلهم على شريط قديم فيهم, قبل ثنتي عشرة سنة!!!.
وسل الناشئة من منهم يرى إقرار أفعال تنظيم داعش الخبيث, ويدعو الله لهم بالنصر والتأييد, وسل الناشئة كم مرة سمعوك وأنت تحذر من الذهاب إلى ساحات التغيير, والسيارات تخرج من دار الحديث بالفيوش حرسها الله من كل سوء ومكروه محملة بالشباب المتحمس للحراك, بل سل الناشئة كم مرة سمعوك وأنت تحذرهم من الكلام في ولاة الأمر, حين يقول قائلهم: «هذا عبد ربه مركوز, وأنا خير ممن يكفره».
فإن أبيت أن تسألهم, فاستسمحك عذرًا أن أوجه السؤال لهم أنا بدلًا عنك, فأقول: يا معشر الناشئة من طلاب العلم يا من مضى عليه الخمس السنوات والأربع والثلاث, هل سمعتم من شيخكم وفقه الله يومًا من الدهر قد حذركم من محمد العريفي أو خالد الراشد أو من الدويش أو نبيل العواضي أو يحي الحجوري أو أبي الحسن المصري المأربي وأضرابهم ممن تستمعون لهم في الليل والنهار, هل سمعتموه يحذركم من تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش أو تنظيم الإخوان أو ذكر لكم يومًا من الأيام شيئًا من أصولهم الفاسدة, وأشر من هذا جماعة الحوثيين الأرجاس الأنجاس, هل سمعتموه يحذركم من الأناشيد الجهادية التي صنعها أفراخ القاعدة, وجوالاتكم ملغمة بها؟؟!!!.
والله يا أبا عبد الله حرام حرام هذا من الغش والخيانة لهذه الأمانة, التي قبلت أن تتحملها, وإن من الإنصاف أن تقول لإخوانك وزملاء الطلب جزاكم الله خيرًا على تنبيهي ونصحي لما فيه الخير لدار الحديث حرسها الله من كل سوء ومكروه.
ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية القائل رحمه الله تعالى: فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال عنها لا يجوز، بل إن أذنب سراً بينه و بين الله, اعترف لربه بذنبه، وخضع له بقلبه، وسأله مغفرته وتاب إليه؛ فإنه غفور رحيم تواب، وإن كانت السيئة ظاهرة تاب ظاهرًا، وإن أظهر جميلاً وأبطن قبيحاً تاب في الباطن من القبيح، فمن أساء سراً أحسن سراً، ومن أساء علانية أحسن علانية, فـ ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) [هود: ١١٤] ( )...اهـ
واعلم أنه قد ابتلي بعض المتعصبة إذا أرادوا التشكيك في النقل, قالوا: إن فلانًا وفلانًا بتروا الكلام ولم يأتوا بسباقه ولحاقه, فحتى تسقط شبهتهم إليك لفظ عبد الرحمن هداه الله وأصلحه, حيث قال ما نصه: «بالنسبة للإخوة العزاب, أنا أنصح لهم حفظهم الله أن لا يشغل الواحد نفسه بقيل وقال, ومهاترات أو امتحانات وابتلاءات للآخرين, فالمكان لا يحتمل ذلك يا إخواني, المكان لا يحتمل ذلك, أي قضية يعني تثار ستكون محل تجاذب بين الطلاب, وهذا يؤدي إلى حصول تكتلات, وحصول عداوات وشحناء وبغضاء, فأنا أدعو إخواني حفظهم الله إلى لزوم الهدوء والسكينة, والأدب والاحترام للمركز وللقائمين على المركز, وهناك أمور يعني بتَّ فيها العلماء وذكرها العلماء, يا أخي نحن لا ننقب عما في القلوب, نأتي نقول لك ماذا تقول في المسألة الفلانية, هذه المسألة التي قال فيها بعض العلماء كذا. وقال الآخرون كذا, يا أخي «لا ننقب عما في قلبك لتعتقد ما شئت طالما جاء عن بعض العلماء, لكن أن يتطور الأمر إلى أنك تخرج ما في قلبك وتختبر به الآخرين» ماذا تقول ماذا تقول في الأمر الفلاني ماذا تقول ثم تحصل فتن والمشاكل والمهاترات وتكتلات وضياع الأوقات والعداوت..., أنا أعرف أن من إخواني الكبار من يكون عنده شيء من هذه الأشياء, لكن لا ننقب عما في القلوب نحب أن نبقى ولو كان في الظاهر متآخين متواددين متعاونين على البر والتقوى, هذا أدعى لإبقاء الخير فينا أما إذا فتحنا باب المناقشات فإن القلوب تقسوا والمشاكل تقبل والخير يدبر من بين أظهرنا..., حرام حرام إخواني في الله أن ننشغل بالفتن والقيل والقال والمهاترات والعداوات, فينشغل بعدنا النساء والفتيات والصغار, ويدبر الخير ويقبل الشر ويبتلينا الله, نحن في أيام الفتن علينا أن نقوي الرابط فيما بيننا, ونتآخى ونتوادد وننصح بديننا وبدعوتنا, وهذا لا يمنع من إنكار المنكر وإصلاح الخطأ, لكن على الضوابط الشرعية.
الأشياء التي هي مسار جدل وخلاف, التي لم تتفق فيها الكلمة, فهذا خطأ من الحكمة أنك تأتي البيوت من أبوابها, وأنك تعرف كيف تنكر وكيف تأمر( )...اهـ
فاقرأ متأملًا لتعلم الخطر الداهم والشر المستطير, والله المستعان.

وأقول :
في مقامي هذا يا أبا عبد الله والله إني لك ناصح وأحب توبتك ورجوعك, فتأمل نصيحة الشيخ العلامة الوالد ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله ورعاه وسدده ومتعنا بحياته ونصر السنة به ونصره بالسنة, حين قال لك: «احرص على الرد على أهل البدع فإنه أشد عليهم من الضرب بالسيوف», وكان تحت هذه النصيحة جملة من الفوائد منها:
الفائدة الأولى:
أنك لو حرصت هديت ووقيت على الرد على أهل البدع, فإنه يحصل الخير لك ولطلابك من الناشئة, بالبعد عن المنحرفين.
الفائدة الثانية:
أنك إن حرصت على هذا سيكون عندك ملكة تؤهلك لمعرفة الانحراف عند الطوائف والرجال مما يعطيك الوقاية من الوقوع في مزالقهم, ورحم الله حذيفة بن اليمان القائل رضي الله عنه: كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني...الحديث.
وصدق القائل: تعلمت الشر لا للشر ولكن لتوقيه... ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه.

القاعدة الثالثة: «لا يتكلم في الجرح والتعديل إلا العلماء».
اعلم أن مما توافق عليه بعض علماء اليمن إنكارهم أن يقوم طلاب العلم بنقل ما قرره علماء الأمة الكبار وأئمتها الأبرار من جرح المجروحين والتحذير من أهل البدع والضلال.
وهذه القاعدة من الحق الذي أريد به الباطل, فإن من الحق أن لا ينبري الناشئة من طلاب العلم للكلام في الأشخاص ابتداء بغير وجه من الحق, وبغير إلمام بوجوه الجرح وأسبابه فإن هذا يفتح عليهم شرًا كبيرًا, لكن القوم لم يريدوا هذا المعنى وإنما يريدون إغلاق الباب مطلقًا, فليس لطلاب العلم أن يتكلموا فيمن تكلم فيه أهل العلم والسنة, ولا أن يبينوا لآحادهم من قاله أهل العلم والسنة في الأشخاص الذين خرجوا من السنة إلى البدعة ومن الهدى إلى الضلالة, وربما قالوا ليس للطالب إلا أن يشتغل بتحصيل العلم الشرعي فحسب, ولا يشتغل بمعرفة الأشخاص المطعون فيهم ليحذر الأخذ منهم!!!.
وهذا هو وجه الشر والغلط في هذه القضية, ووجه ذلك أن من منع الطلاب من الاشتغال بمعرفة الرجال والطوائف فقد منعه من أحد فروع العلم النافع, وهم يدندون صبح مساء اهتموا بالعلم النافع عليكم بالعلم النافع أليس معرفة الرجال وأحوالهم والطوائف وأصولها من العلم النافع أم أنكم تعدونها من العلم الضار!!!.
وهذه من القواعد تشبه القواعد التي درج عليها علي الحلبي ومن وافقه حيث قال: «أنا لا اقرأ إلا للعلماء وأما طلاب العلم فلا يشتغلون بالردود, وليس فيهم من يحفظ كتاب الله..., [ولا] كتاب البخاري, [ولا] متنًا في العقيدة, ولن تسأل في قبرك عن فلان وفلان, ولمَ لم تبدع فلانًا, وكفى اشتغالًا بالأشخاص وعليكم بالعلم النافع, وخذ منه العلم وإن لم يبدع الجهم»( )...اهـ
وأما عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله وسدده وعصم قلبه فقد جرى على هذه الطريقة من القدم ونحن في دماج لم نر له نشاطًا في معرفة أصول الفرق والطوائف المعاصرة, وإني لأظن أنه لا يعرف أصول علي الحلبي أو عدنان عرعور أو المغراوي وأضرابهم إلا أن يقرأ عنها شيئًا الآن بعض حصول هذا الهجوم عليه, ومما يؤيد هذا أن العلامة ربيع حفظه الله ومتعنا بحياته سأله ذات مرة أتعرف ما عند الحلبي؟!! فقال: أحرجني الشيخ!!!.

أقول:
نعم نعم أحرجك لأنك لا ترفع رأسًا لمعرفة ما يدور حولك, والله المستعان.
ثم إن عبد الرحمن هداه الله لما رأى الإخوة قد أكثروا عليه التنبيه عمد إلى الشكوى عند شيخنا ووالدنا العلامة الوصابي أن طلاب العلم لا يحل لهم أن يشتغلوا بالجرح والتعديل, وإنما يقبلون على طلب العلم والجرح والتعديل هو للعلماء فقط!!.
وإليك مقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي شفاه الله ووفقه للخير, بنصه, حيث قال: «بعض الطلاب عندهم الجرح والتعديل, فلان كذا وفلان كذا, «هذه أيضًا ملاحظة طيبة»( ), وهذه أيضًا من الأسباب التي خربت دماج, هذه من ضمنها, فتح باب الجرح والتعديل على مصراعيه يلجه من هَبَّ ودَبَّ, يجرّحون من أرادوا ممن خالفهم لو يكون من كان, ويعدّلون من يريدون ممن وافقهم لو يكون تعبان في الحضيض..., هذا سبب في دمار دماج من أسباب عدة, لا نريد الخطأ يتكرر, هذا الخطأ لا نريد أن يأتي إلينا, أي خطأ وقع فيه الحجوري ومن تعصب له, العقلاء من الطلاب والدعاة وأهل العلم يتوقون هذا الخطأ, ويحذرون من الوقوع فيه؛ لأن العاقل والبصير والحليم من اتعظ بغيره, العاقل من اتعظ بغيره, وإذا كانت الموعظة تمر ولا نتعظ, فنسأل الله العافية والسلامة, هذه قلوب فاسدة وقلوب عمياء, موعظة مثل الجبل بل مواعظ وما نعتبر, فما الذي دمر دماج!!, علامة الاستفهام, ما هو الجواب: كل واحد عاقل فطن عنده عدة عناصر في دمار دماج منها هذا الباب فتح باب الجرح والتعديل على مصراعيه لمن هَبَّ ودَبّ,َ جرّحوا من أرادوا وعدّلوا من أرادوا, هذا واحد من كذا وكذا, منها القول على الله بغير علم, سواء يحي الحجوري أو من شيخهم, فلان حزبي وفلان وفلان, كم من كلام قول على الله بغير علم, يعني كأنه يوحى إليه, أمور غيبة وكلام عن القلوب, كأنه يوحى إليهم كما يوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلان كذا وفلان كذا, أشياء كثيرة كانت في دمار دماج, علينا أن نعتبر باب الجرح والتعديل بالنسبة لك يا طالب العلم حسبك أن تكون ناقلًا, حسبك أن تكون ناقلًا, تقول قال الشيخ ربيع في فلان كذا وكذا, أو قال الشيخ مقبل في فلان كذا وكذا, أو قال الشيخ البرعي في فلان كذا وكذا, أو قال الشيخ ابن بار في فلان كذا وكذا, ناقل لا حرج, لكن لا تشغل وقتك وتقول أنا ناقل؛ فتضيع الحفظ والمراجعة, وكتابة الفوائد والأعمال الصالحة, هذا بحدود, أما أن تكون ياطالب العلم أنت المعدِّل وأنت المجرِّح, ممن أخذت الشهادة وأنك تستحق أن تكون مجرِّحًا ومعدِّلًا, من شهد لك من العلماء؟!.
هذا ما نقبله في أوساطنا, نعتبره مخربًا, وأنا من زمان بعيد ما أقبل الطالب عندي يطعن حتى لو كان في الحزبيين», يا أخي أنت جئت تطلب العلم, فمتى كان يتنقل من هذا إلى هذا, فلان كذا وكذا, وفلان كذا, نقول هذا كأن وراءه شيء, هذا ما جاء للعلم, لا, فلان حزبي قد تكلم فيه العلماء يكفي, فلان الصوفي فلان الشيعي فلان المنحرف, قد تكلم فيه أهل العلم بكافية, وأنت اهتم بطلب العلم, «ما نقبل جرحًا ولا تعديلًا من الطالب», ولا الفتاوى من الطالب, حتى لو كان لهذا الطالب عندنا حلقة, حلقة يدرس في حدود حلقته لا يفتي, يدرس في حدود درسه, درسك في المصطلح جاءك سؤال حول الطلاق, قل يا أخي أنا أدرس في المصطلح, أسألني في المصطلح وفي حدود هذا الدرس أيضًا ما هو في المصطلح في مسائل كبيرة في المصطلح, وفي حدود هذا الدرس, وهذا الذي في المواريث, والذي في التجويد, والذي في القراءات, كل واحد ينحصر في حدود, هذا إن أردتم دارًا عامرة بالعلم والدعوة, والسكينة والألفة والأخوة, والخير العظيم العاجل والآجل, أما من أراد أن يلحق مسجده بمسجد كتاف أو دماج, فلا حول ولا قوة إلا بالله اللهم اشهد أنا بلغناهم, بأنا لا نريد أن يتكرر الخطأ, دماج جعلوها شعلة من نار بعد أن كانت شعلة من نور, النور طيب النور هادئ والنار محرقة..., ولولا الضرورة ما تكلمت بهذا لكن ضرورة, ورأيت من المهم أن أمثل بالذي قد حصل حتى لا يتكرر الخطأ, وحتى لا يقول من وقّفناه عن الخطبة ليش وقفتموني, نقول له اعتبر بمشايخ الدار الذين شيخهم الحجوري, شيخ شيخ وفتوى فتوى, وانظر النتائج وحتى لا يقول أيضًا من منعناه من الجرح والتعديل في العلماء والدعاة وفي الأمة, ليش منعتموني نقول اعتبر بالذي قد حصل في دماج من سباب وشتام, والجرح والتعديل, والقيل والقال, والخروج بالدعوة عن طورها, وخروج بالدعوة عن طورها, وخروج بالمركز التعليمي( ) عن طوره, وبدلًا من أن تتظافر الجهود في التحذير من أصحاب البدع والمعاصي والمخالفات, صاروا يحذرون من أهل السنة من المشايخ, ويصفونهم بالأوصاف الرذيلة الكثيرة, والآن ما زالت مسجلة عليهم ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) [الزخرف: ١٩] ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون ) [السجدة: ٢٥] هل طلبوا من إخوانهم العفو, انظروا إلى الخذلان, وإلى عدم التوفيق هل طلبوا من إخوانهم العفو..., من رأيناه يجرِّح ويعدِّل وهو ليس من الشيوخ المعتبرين عندنا, سننزله من الدرس ونمنعه من الدرس, في أي مركز ما نقبل درس بأدب, يكفي الذي قد حصل في دماج وفي كتاف, يكفي الذي قد وقع وزيادة, كان المتكلم يتكلم بملء فيه, والحجوري يضحك نظمًا أو نثرًا يسب من سب, وهو يضحك جزاك الله خير, وإلا نقول له لو سمحت وقّف الدرس, هذا الذي خربهم, عندنا نريد مدرس يدرس مؤدب محترم يحترم نفسه, ويحترم الدرس..., ونقول له هذا ما هو لك, حتى لو قال أنا أتكلم في فلان, طيب حتى لو تكلم فعلًا في المجروحين ما نقبل منه, لو تكلم في المجروحين ما نقبل؛ لأنها حيلة منه قد تكون حيلة, أنا ما تكلمت إلا في فلان وفي فلان, نقول لا, درس فقط, تلقي درسك وجزاك الله خير, وهذه الأمور على غيرك, لها علماء, لها مشايخ, لهم خبرة بالدعوة وخبرة بتعليم الناس, ولهم شهادات من العلماء, درسوا عند أهل العلم منهم الشيخ مقبل رحمه الله تعالى واختبرهم, ما هو من جاء جرّح وعدّل, ولا من جاء أفتى, ولا من جاء أفتى, انتبهوا, ولا من جاء جرّح وعدّل, حافظوا على مراكزكم, واتقوا الله في أنفسكم يا طلاب العلم, ويا مشايخ, هذه النصيحة حتى هي للمشايخ, اتقوا الله يا مشايخ في المراكز, اتقوا الله يا طلاب العلم في المراكز, وفي أنفسكم, وفي إخوانكم, وفي مساجدكم, والتزموا الاحترام, ما في كلام على العلماء, ولا في كلام على الدولة, ولا على فلان ولا على فلان, كل طالب يلزم لسانه ويلزم الأدب ..., والشيخ القائم على المركز هو الذي يقدر المصالح والمفاسد ما الذي ينفع وما الذي يضر ما الذي يقدم ما الذي يؤخر هذا يكون على المشايخ, أسأل الله أن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه( )...اهـ بنصه

أقول:
وبعد العرض لكلام الشيخ محمد الوصابي شفاه الله وفقه الله لما يحب ربنا ويرضى, إليك أيها القارئ اللبيب بيانًا لما جاء في كلمة الشيخ الوصابي من وجوه خمسة:

الوجه الأول:
اعلم أيها المسدد الموفق لمرضاة الله تعالى أن كلام الشيخ الوصابي كان في مدينة الحديدة بعد استدعاء خاص لغالب إخواننا المشايخ وطلاب العلم في عدن, وكان الاستدعاء بالأسماء وممن استدعوا بأسمائهم المشايخ التالية أسماؤهم: علي الحذيفي, عباس الجونة, ياسين العدني, صلاح كنتوش, عبد الله بن سعيد, منير السعدي, لبيب العدني, وغيرهم.
فاعتذر بعضهم عن الحظور لأسباب خاصة, وحضر بعضهم بصعوبة تعود لأمور مادية, يعرفها بعض الإخوة, وكان ممن حضر إخواننا المشايخ: ياسين العدني وصلاح كنتوش وعبد الله بن سعيد ولبيب العدني وعدنان بن بريك وجمال الدين اليماني وآخرون.
وأرسل عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله تعالى أبناءه بعض المحاضرة إلى الإخوة المشايخ وطلاب العلم [أهل عدن] الذين حضروا بأن الشيخ محمدًا الوصابي يريد الجلوس معهم في مجلسه الخاص, فتردد بعضهم من الجلوس بعد أن سمع ما سمع من الكلام الشديد الذي لم يرض به العلماء الكبار والأئمة الأبرار, وبعد إلحاح عليهم جلسوا في المجلس الخاص, وجعل الشيخ الوصابي شفاه الله يردد كلامًا حول قضية الحسد وأنه يهدم الأخوة الإسلامية, والحسد كذا وكذا.
فإذا علمت أن هذا الاستدعاء الخاص قصد به أن يسمع إخواننا المشايخ وطلاب العلم هذه التقريرات, والمقصود بها أعيانهم لأنهم يشتغلون بالجرح والتعديل, ويا ترى هل يصدق عليهم أنهم ممن هب ودب, وهذا ما سنعرفه في الوجوه المقبلة, إن شاء الله تعالى.

الوجه الثاني:
اعلم أيها القارئ اللبيب أن كلمة الشيخ الوصابي شفاه الله وأعزه بالسنة كانت بكل أسف إملاء من عبد الرحمن هداه الله وأصلحه, فتأمل قول الشيخ الوصابي: «بعض الطلاب عندهم الجرح والتعديل, فلان كذا وفلان كذا, هذه أيضًا ملاحظة طيبة...», فقد كانت هذه الملاحظات مرفوعة من عبد الرحمن هداه الله وأصلحه, إذ كان بجانب الشيخ الوصابي يملي عليه الملاحظات شفويًا, وربما كان يجثو على ركبتيه ليقرقرها في أذن الشيخ الوصابي شفاه الله وأعزه بالسنة, والأخوة المشايخ ينظرون إلى عبد الرحمن يكلم الشيخ الوصابي بملاحظاته, والشيخ الوصابي يهز رأسه ويقول: «هذه ملاحظة طيبة» وقد رأى هذا الموقف جمع من إخواننا الخضور, والله المستعان.

الوجه الثالث:
اعلم أيها القارئ أن ما تقدم من الكلام لم يرض به علماؤنا الكبار عندما أبلغوا به, وأنكروه شديد الإنكار؛ لأنه من الحق الذي أريد به الباطل, فقرر مشايخ عدن أن يناصح والدهم وشيخهم الوصابي وفعلًا وافوه في صلاة الصبح, ودخلوا عليه, وتردد في الجلوس معهم واعتذر بالإرهاق والسهر, فأصرروا على الجلوس ولو لمدة عشر دقائق فوافق بعد إلحاح, فذكروا له ثلاثة أمور:

الأمر الأول:
فيما يتعلق بالجرح والتعديل, وقالوا له: شيخنا إن كلامك ظاهر وبين في إغلاق باب الجرح والتعديل ولو فيمن جرحه أهل العلم والسنة, ونحن مدرسون فربما نرى أن بعض الناشئة قد تأثر ببعض الحزبيين والمبتدعة والطوائف أفنسكت عن تحذيره منهم, أين قول النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرًا, فليغيره», أفيجوز لنا أن نمر على المنكر ولا ننكره, فقال: شيخنا لالا بينوا لهم ذلك, فقالوا: شيخنا شريطك فيه المنع المطلق, فقال: اعملوا به قليلًا ثم اتركوه, فقالوا: وي وعجبًا كيف نصنع!!.
وقالوا شيخنا: إن أخانا عبد الرحمن لم يعرف بكلامه في أهل البدع والتحزبات وقد غر هذا السكوت كثيرًا من الناشئة حتى أصبح عندهم شيء من أفكار القاعدة وغيرهم, فلو أنه يبين للناشئة هذه الأمور لسكتنا نحن اكتفاء بكلامه لكنه لا يفعل, فقال شيخنا: الله المستعان الله المستعان, أنا أعرف عن عبد الرحمن بعض هذه الأمور وأنا عازم على نصحه ...اهـ

الأمر الثاني:
فيما يتعلق بالفتوى والمنع منها إلا لمشايخ المراكز, فقالوا له شيخنا: من تعرف من إخواننا من نصب نفسه مفتيًا دون أن ينظر في فتوى الأئمة وكبار علماء الأمة, هذا من جهة, ومن جهة أخرى شيخنا إن ما يفعله أبناؤك طلاب العلم وقد تربوا على عدم التقليد, ينظرون في أقوال أهل العلم والسنة من سلفنا الصالحين ويرجحون بين أقوالهم لا على أنهم يتسورون أسوار الفتاوى من رؤوسهم وعقولهم, وهذا من جهة أخرى, ولا يَعْدُو أحد من أبناءك شيخنا أن يكون ناقلًا فتاوى الأئمة لا غير, فهل تمنع من هذا وفقكم الله لمرضاته, فقال لالا, فقالوا: فعلاما هذا الكلام, فأطرق برأسه, وهو يهزه !!!.


الأمر الثالث:
أن مشايخ عدن ذكروا له المعاملة السيئة التي يلقاها الإخوة طلاب العلم من أخيهم وزميلهم عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده وأصلحه, فتألم الشيخ مما سمع, وقال: إذًا أكتبوا لي هذه الملاحظات واجمعوا لي الإخوة في عدن وأنا إن شاء الله سوف أزوركم وأجلس معكم وأنصح لعبد الرحمن فيما يتعلق بما ذكرتم!!.

أقول:
هذا ملخص ما دار في جلوس مشايخ عدن وفقهم الله وسددهم مع والدهم الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب شفاه الله وسدده وأعزه بالسنة, وإنا في مقامنا هذا نوجه لشيخنا العلامة الوصابي عين السؤال الذي وجهه إليه أبناؤه مشايخ عدن في صباح تلك الليلة, فنقول: شيخنا هل تعرف عن أبناءك طلاب العلم الحضور أنهم يشغلون أنفسهم بالقيل والقال والدخول في إضاعة الأوقات وهل تعرف أن عندهم من الضعف العلمي في بقية أبواب العلوم الشرعية؟!!.
وأحبّ في مقامي هذا أن أذكر لإخواني المنصفين كلامًا ذكرته في إحدى محاضراتي, وهذا الكلام دار بيني وبين شيخنا الإمام المجدد والدنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله وعفر له وأدخله في الصالحين, قلت: شيخنا ثلاثة؛
أحدهم:
يهتم بعلم الفقه والنحو المصطلح وأصول الفقه, لكنه لا يرفع رأسه لمعرفة ما يدور حوله من أمر الفرق والأحزاب المعاصرة, ومعرفة أهل التحزب والانحراف.
والثاني:
دأبه وديدنه هذا فلا تراه إلا وهو فلان حزبي فلان منحرف, وإذا فتشت عن حصيلته العلمية في الفقه والمصطلح وبقية العلوم تجده ضعيفًا.
والثالث:
يهتم بهذا وهذا, فقال شيخنا مقبل رحمه الله وغفر له -مقاطعًا إياي-: الثالث أحب إلي الثالث أحب إلي, فقلت: شيخنا إن أخانا عليًا الحذيفي من القسم الثالث, فقال هكذا قلت نعم شيخنا فقال خيرًا إن شاء الله.

وكان هذا في سنة خمسة عشر وأربعمائة وألف يعني قبل عشرين سنة تقريبًا تزيد قليلًا, فتأمل.

الوجه الرابع :
إنا نقول: لأخينا الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله وسدده وأصلحه, من تعرف من إخوانك وزملائك من طلاب العلم من هو يصدق عليه وصف «هبّ ودبّ» حتى نمنعه من الكلام في الجرح والتعديل الذي فتح عليكم باب الشر على حد تعبير بعضكم.
هل يصدق هذا الوصف على أخيك الشيخ علي الحذيفي الذي ما عرف إلا بطلب العلم وتحصيله وعرف بصفاء المنهج, وأنت خبير بأنه من أوائل إخوانك المشايخ الذين أبانوا عوار أبي الحسن المأربي بينما تأرجح بعضكم, وترك أخوك الشيخ علي الحذيفي دماج لما رأى من حال الحجوري قبل فتنته وقبل أن يتكلم فيك, وما أرى ذلك إلا لبصيرة أخيك الشيخ علي الحذيفي وفقه الله وسدده.
ثم هل يصدق هذا الوصف على أخيك الشيخ عباس الجونة, الذي ما عرف إلا بطلب العلم وتحصيلة, وعرف بصفاء المنهج, وأنت تعرف بعض جهوده الطيبة في التعليم, وغيرهما هل يصدق عليهما وعلى غيرهما أنهما ممن هبّ ودبّ.

الوجه الخامس:
لئن قال قائل إن المشايخ لا يقصدون الإخوة العقلاء من طلاب العلم, وإنما يعنون المتهورين من الناشئة نقول: إن تمثيل شيخنا ووالدنا الوصابي وفقه الله وسدده بما حصل من الحجوري وطلابه من الاعتداء على علماء السنة في المعمورة لا ينطبق في الوصف على إخواننا المشايخ وطلاب العلم في عدن إطلاقًا لما سبق بيانه من صفاتهم الطيبة, ليسوا هم من الطائشين ولا من المتهورين كما يشهد لهم الواقع, ويشهد لهم شيخنا الوالد الوصابي سدده الله, فكيف ينزل حال أولئك الظلمة على من قام ببيان سبيل المنحرفين بعدل وإنصاف هل تعلمون أن أخواننا طلاب العلم في عدن قد جرحوا من أرادوا دون الرجوع إلى أهل العلم والخبرة أمثال شيخنا الإمام الوادعي وأمثال الشيخ العلامة ربيع وأمثال الشيخ العلامة الوصابي, من هو الذي جرحه هؤلاء الإخوة دون أن يسبقهم إليه عالم معتبر من علماء الجرح والتعديل ( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) [الأنعام: ١٤٣] , وإذا استبان لكم هذا سقط الشريط كله من أسه وأساسه, والله المستعان.
واعلم أيها الموفق عصم الله قلبك من الزيغ والانحراف أن ما قرره شيخنا الوالد الوصابي وفقه الله وسدده عليه مؤاخذات:

المأخذ الأول:
قوله: «فتح باب الجرح والتعديل على مصراعيه يلجه من هَبَّ ودَبَّ, يجرّحون من أرادوا ممن خالفهم لو يكون من كان, ويعدّلون من يريدون ممن وافقهم لو يكون تعبان في الحضيض»...اهـ

أقول:
لو أن شيخنا محمدًا وفقه الله وسدده أوضح أن الجرح والتعديل علم جليل القدر والمكانة, وأنه من أعظم العلوم الشرعية التي حفظت للأمة الثوابت والأصول العامة؛ لما فيه من التنبيه للأمة على مواطن العطب في المخالفين.
ولا يخفى فضل هذا العلم على أمثال شيخنا ووالدنا وفقه الله, فمن العجيب أن تمتلأ كلمته هجومًا كاسرًا على من يشتغل به دون ثناء ولا مدح للقائمين به من أهل العلم والسنة!!!.
ثم إنه ليس من الصواب أن هذا الباب قد ولجه من هبّ ودبّ, فإن من هب أو دب ليس إلا رويبضة وأحمق يهرف بما لا يعرف, ويرمي بما لا ينوي, ولا يوجد مثل هذا الصنف في طلاب العلم العقلاء إطلاقًا كما لا يخفى على كل ذي عينين مبصرتين, والله تعالى المستعان.
ثم من هو الذي جرحه هؤلاء وهو لا يستحق الجرح, ومن هو الذي عدله هؤلاء وهو لا يستحق التعديل؟!!
فإن مثلتم بعلماء السنة الذين جرحهم الحجوري وطلابه الظلمة, فنقول: إن المثال لا ينطبق كما تقدم على أبنائكم ممن عرفتموهم بالعقل والتروي, وعدم السفه, تأمل هذا تنتفع, والله تعالى أعلم.

المأخذ الثاني:
قوله «بالنسبة لك يا طالب العلم حسبك أن تكون ناقلًا, حسبك أن تكون ناقلًا, تقول قال الشيخ ربيع في فلان كذا وكذا, أو قال الشيخ مقبل في فلان كذا وكذا, أو قال الشيخ البرعي في فلان كذا وكذا, أو قال الشيخ ابن بار في فلان كذا وكذا, ناقل لا حرج, لكن لا تشغل وقتك وتقول أنا ناقل؛ فتضيع الحفظ والمراجعة, وكتابة الفوائد والأعمال الصالحة, هذا بحدود.
أما أن تكون ياطالب العلم أنت المعدِّل وأنت المجرِّح, ممن أخذت الشهادة وأنك تستحق أن تكون مجرِّحًا ومعدِّلًا, من شهد لك من العلماء؟!».
أقول: شيخنا تقدم أن قررنا لكم وفقكم الله بالسؤال: هل علمتم طالبًا من أبنائكم قد اعتلى منبرًا تكلم فيه عن رجل جرحه أو عدّله من كيسه ومن مزاجه دون أن يكون مسبوقًا بعالم معتبر, وهل تجاوز طلاب العلم كونهم نقلة عن الأئمة الأعلام والجبال الراسية, من الذي قد سابق أهل العلم فجرحوا من ليس مجروحًا عند أهل العلم, أو عدلوا من هو مجروح عند أهل العلم.
ومن هو الذي قضى وقته وأضاع زمانه في هذا الباب, ولا تمثل لنا بالحجوري وزمرته الآثمة, فالفرق واضح وضوح الشمس في رابعة النهار, وظاهر بأدنى نظر, والله تعالى المستعان.

المأخذ الثالث:
قوله «هذا ما نقبله في أوساطنا, نعتبره مخربًا, وأنا من زمان بعيد ما أقبل الطالب عندي يطعن حتى لو كان في الحزبيين, يا أخي أنت جئت تطلب العلم, فمتى كان يتنقل من هذا إلى هذا, فلان كذا وكذا, وفلان كذا, نقول هذا كأن وراءه شيء, هذا ما جاء للعلم, لا, فلان حزبي قد تكلم فيه العلماء يكفي, فلان الصوفي فلان الشيعي فلان المنحرف, قد تكلم فيه أهل العلم بكافية, وأنت اهتم بطلب العلم, ما نقبل جرحًا ولا تعديلًا من الطالب, ولا الفتاوى من الطالب, حتى لو كان لهذا الطالب عندنا حلقة, حلقة يدرس في حدود حلقته».

أقول:
عجبًا شيخنا هل تعدّ ذكر الحزبيين والمبتدعة تخريبًا حتى لا تقبل الطالب الذي يتقرب إلى الله بثلب المبتدعة, وهو من أصول ديننا وثوابته, لقد كان شيخنا الإمام المجدد مقبل بن هادي رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين يؤتى بالطفل الصغير فيصرح بعلو صوته في مكبر الصوت قائلًا: «الصوفية حمقاء, والشيعة حمقاء, والحزبية حرام», ويسأل الطفل الصغير -ولد البيضاني- ما حال أبيك فيقول: الطفل أبي «حزبي», أكان إمامنا رحمه الله مخطئًا يوم أن كان يلقن الطالب من نعومة أظفاره تنقص المبتدعة وثلبهم والطعن عليهم, فلو كان قائل هذا المقال غيركم شيخنا لقلنا إنه لم يعرف مقبلًا ولا دعوة مقبل, فكيف نرى هذا المقال يخرج من فيكم وفقكم الله وسددكم!!!.
ألست شيخنا قد طلبت من أبنائك مشايخ عدن وغيرهم أن يبينوا حال الحجوري وطائفته, فامتثلوا أمرك وحصل الخير برد الكثير عن غيهم وانحرافهم, ونفع الله بتوجهك إياهم سددكم الله ووفقكم!!!.

المأخذ الرابع:
قوله: «وحتى لا يقول أيضًا من منعناه من الجرح والتعديل في العلماء والدعاة وفي الأمة, ليش منعتموني نقول اعتبر بالذي قد حصل في دماج من سباب وشتام, والجرح والتعديل, والقيل والقال, والخروج بالدعوة عن طورها, وخروج بالدعوة عن طورها, وخروج بالمركز التعليمي عن طوره, وبدلًا من أن تتظافر الجهود في التحذير من أصحاب البدع والمعاصي والمخالفات, صاروا يحذرون من أهل السنة من المشايخ, ويصفونهم بالأوصاف الرذيلة الكثيرة».

أقول:
وكذلك نردد عليك شيخنا وفقكم الله وسددكم من هو السفيه الأحمق الذي يجرح علماء السنة ودعاة السنة الذين ارتضاهم علماء الإسلام وأئمته, من هو من أبنائكم من طعن على عالم سلفي زكاة الأئمة المعتبرون.
فطلاب العلم لا يذكرون مجروحًا إلا وقد جرحه المعتبرون من أهل التحقيق والسنة, كما لا يخفى على أمثالكم وفقكم الله شيخنا.

المأخذ الخامس:
من رأيناه يجرِّح ويعدِّل وهو ليس من الشيوخ المعتبرين عندنا, سننزله من الدرس ونمنعه من الدرس.

أقول:
مؤكدًا ما سبق ليس في طلاب العلم من له الحق المطلق في جرح من لم يستوجب الجرح, ولا أن يعدل من استوجب الجرح, وهذا كله لأهل التحقيق كما تقدم.

المأخذ السادس:
ونقول له هذا ما هو لك, حتى لو قال أنا أتكلم في فلان, طيب حتى لو تكلم فعلًا في المجروحين ما نقبل منه, لو تكلم في المجروحين ما نقبل؛ لأنها حيلة منه قد تكون حيلة, أنا ما تكلمت إلا في فلان وفي فلان, نقول لا, درس فقط, تلقي درسك وجزاك الله خير.

أقول:
شيخنا أعيدك إلى ما ذكرته لكم وفقكم الله في المأخذ الثالث, لو تكلم طالب العلم وحذر في درس له من بعض المجروحين ليس هنالك ما يمنع شرعًا بل قد يتوجب عليه أن يبلغ ما قد قرره أهل التحقيق من جرحهم لفلان وفلان, وأنتم وفقكم الله تعلمون أن طلاب العلم يخالطون الناس ويخالطون الناشئة وهم بحاجة أن يغرسوا فيهم محبة السنة وبغض البدعة, وهل المشايخ الذين ترتضيهم أنت وفقكم الله وسددكم قادرون على أن يوصلوا تحذيرهم لكل أحد!!!.
ثم ما الحيلة في جرح من جرحه أهل العلم والسنة, هل تمنعون من هتك عرض من هتك الله عرضه, تأملوا وفقكم الله وسددكم, فإن الأمر خطير!!.

المأخذ السابع:
قوله: «وهذه الأمور على غيرك, لها علماء, لها مشايخ, لهم خبرة بالدعوة وخبرة بتعليم الناس, ولهم شهادات من العلماء, درسوا عند أهل العلم منهم الشيخ مقبل رحمه الله تعالى واختبرهم, ما هو من جاء جرّح وعدّل, ولا من جاء أفتى, ولا من جاء أفتى, انتبهوا, ولا من جاء جرّح وعدّل, حافظوا على مراكزكم, واتقوا الله في أنفسكم يا طلاب العلم, ويا مشايخ, هذه النصيحة حتى هي للمشايخ, اتقوا الله يا مشايخ في المراكز, اتقوا الله يا طلاب العلم في المراكز, وفي أنفسكم, وفي إخوانكم, وفي مساجدكم, والتزموا الاحترام, ما في كلام على العلماء, ولا في كلام على الدولة, ولا على فلان ولا على فلان, كل طالب يلزم لسانه ويلزم الأدب ..., والشيخ القائم على المركز هو الذي يقدر المصالح والمفاسد ما الذي ينفع وما الذي يضر ما الذي يقدم ما الذي يؤخر هذا يكون على المشايخ».

أقول:
هذا الإطلاق فيه تأكيد ما سبق والجواب عنه أيضًا قد سبق, لكن الجدير بالذكر في هذا الموضع أن نقول: لو أن من ارتضيتموهم وفقكم الله وسددكم وحملتموهم أمانة البيان هل قاموا بكل ما يجب عليهم في هذا الصدد, أم أن تقصيرهم أظهر من عين الشمس, وعد معي إلى صدر هذه الرسالة في موقف القوم من فتنة أبي الحسن والحجوري, وأضرابهم من غير أهل اليمن كالمغراوي وعدنان عرعور وعلي بن حسن الحلبي ومشهور بن حسن وأسامة القوصي, غيرهم, هل تعلم لمشايخنا الموقرين وفقهم الله كلامًا فيهم أم أن فتح باب الجرح والتعديل لا يصار إليه إلا عند الضرورة القصوى فإن القلب قد يموت ويشرب الفتنة ونحن نزعم التأني والصبر وعدم التسرع حتى تأكل الفتنة الأخضر واليابس ويصبح الناس في عماء لا يرون ولا يبصرون, والله تعالى المستعان.

وأعود فأقول:
لأخينا عبد الرحمن هداه الله وأصلحه راجع حساباتك عسى أن تجد في نفسك التقوى التي تحملك على التوبة والرجوع, وتأمل في قاعدتك هذه «لا يتكلم في الجرح والتعديل إلا العلماء» لتعلم أنك سلكت مسلكًا فيها يشبه إلى حد بعيد قاعدة الحلبي ««أنا لا اقرأ إلا للعلماء وأما طلاب العلم فلا يشتغلون بالردود, وليس فيهم من يحفظ كتاب الله..., [ولا] كتاب البخاري, [ولا] متنًا في العقيدة, ولن تسأل في قبرك عن فلان وفلان, ولمَ لم تبدع فلانًا, وكفى اشتغالًا بالأشخاص وعليكم بالعلم النافع, وخذ منه العلم وإن لم يبدع الجهم» فإن قاعدتك يا أبا عبد الله هاهنا من الحق الذي أريد به الباطل, عصم الله قلبك وعقلك, والله من وراء القصد.
وأختم كلامي ها هنا بكلام والدنا وإمامنا شيخنا مقبل بن هادي الوادعي حامل لواء الجرح والتعديل بحق في بلادنا اليمنية رحمه الله وغفر له وأدخله في عباده الصالحين, حيث سئل فقيل: هل التكلم في الحزبيين أو التحذير منهم يعد حرامًا؟ وهل هذا الأمر خاص بالعلماء دون طلبة العلم؟ وإن تبيّن لطلبة العلم الحق في هذا الشخص؟.
الجواب: ينبغي أن يسأل أهل العلم عن هذا الأمر، لكن الشخص الذي ينفر عن السنة وعن أهل السنة وعن مجالس أهل العلم؛ يحذّر منه، والجرح والتعديل لا بد أن يكون الشخص عارفًا بأسبابهما، ولا بد أن يتقي الله سبحانه وتعالى فيما يقول، فإن الأصل في أعراض المسلمين أنّها محترمة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا?».
لكن المبتدعة لا بأس أن يحذر منهم طالب العلم في حدود ما يعلم بالعدالة (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) [الأنعام: ١٥٢]، ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) [المائدة: ٨] ، ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) [النحل: ٩٠].

والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر أبا ذر أن يقول الحق ولو كان مرًا.
بل الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [النساء: ١٣٥].
فلا بد من العدالة في الكلام على الحزبيين، ولست أقصد أنك تنظر إلى مبتدع وتذكر ما له من حسنات وسيئات، فالمبتدع ليس أهلاً لأن تذكر له حسنات، وليس لنا وقت أن نذكر حسناته.
وقد قلنا قبل إن أصحاب جمعية الحكمة، وأصحاب جمعية الإحسان مماسح للإخوان المسلمين، والإخوان المسلمون مماسح للحكومات، وهاتان الجمعيتان مدخل إلى الإخوان المسلمين؛ لأن الشخص يذهب ويدخل مع أصحاب هذه الجمعيات مدة يسيرة ثم يراهم لا علم ولا عمل أعني عمل حركي في مجال الدعوة ولست أعني أنّهم لا يصلون فيذهب إلى الإخوان المسلمين وخصوصًا إذا كانت المادة أكثر مع الإخوان المسلمين، والأماني بالرتب العسكرية، وإدارات المعاهد( )...اهـ

أقول:
فهل يحق بعد هذا أن تمنعوا طلاب العلم العقلاء من التحذير من أهل البدع والضلال بينما جبن من جبن أو تخاذل من تخاذل والله أعلم بذات الصدور.
يتبع ...

كتبـهُ
أبو محمد صلاح كنتوش العدني
- وفقه الله وسدده -


..................................

([1])متفق عليه عن عبد الله بن عمرو
بن العاص رضي الله عنهما.

([2])«الاعتصام» (2/172-173).

([3]) «ميزانالاعتدال» (2/15- 16).

([4])«سير أعلام النبلاء» (13/101).






القاعدة الرابعة: «التفريق بين علم الجرح والتعديل والعلم النافع».
اعلم يرعاك الله ويوفقك لمراضيه أن مما ابتلي به بعض مشايخ اليمن ومنهم عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله وأصلحه أنهم يفرقون بين العلم النافع وبين الاهتمام بالجرح والتعديل, ويجعلون الأخير من العلوم التي لا يصار إليها إلا اضطرارًا كما يضطر الإنسان لأكل الميتة وشرب الخمر, وربما صرحوا بذلك في كلامهم, وتراهم يقولون اتركوا هذه الأمور أقبلوا على طلب العلم, أقبلوا على طلب العلم, ولا يعدون الاشتغال بمعرفة أحوال الفرق والجماعات والأشخاص من العلم, بل يعدونه من الصوارف عن العلم الشرعي النافع, وعجبًا كل العجب, فإن الطريقة التي تربينا عليها في حياة شيخنا الإمام الوادعي غفر الله له ورحمه وأدخله في الصالحين لم تكن كذلك كما لا يخفى على كل ذي عينين, والله المستعان.
وهذه القاعدة خطيرة لما تحويه من صد الناشئة وطلاب العلم عن الاهتمام بمعرفة أحوال الرجال والطوائف؛ فيبقى الواحد منهم أعمى ربما قال: «إن عبد المجيد الزنداني خير من ملء الأرض من هؤلاء يعني بعض طلاب العلم» وهذه المقالة عرفت عمن قد مضى له في طلب العلم أكثر من خمس وعشرين سنة وهو لا يعرف أو يتجاهل حال الزنداني؛ لأنه يوافقه في على دينه, والله يعصمنا من الزلل.
وسبق أن ذكرت لك أيها القارئ اللبيب مقال شيخنا ووالدنا إمام أهل اليمن وتاج رؤوسهم في الكلام عن القاعدة الثالثة, وقوله رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين «الثالث أحب إلي».
ثم ما الدليل على هذا التفريق الذي ما أنزل الله به من سلطان, ( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) [الأنعام: ١٤٣], ومن المعلوم أن العلوم الشرعية أقسام منها علوم غايات ومنها علوم وسائل, فعلم الجرح والتعديل من علوم الوسائل, يقصد به حماية العقيدة والمنهج وحماية الأمة من خطر الانجرار وراء الدعاة المفسدين والدعاة إلى النار حتى لا يصيبهم ما أصابهم, ولا يتكلم علماء السنة في الرجال لخصومة بينهم على مال أو دنيا ولكن خصومتنا معهم على الدين الذي يريدون تغيير معالمة وتبديل ثوابته التي تركنا عليها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم جميعًا, فافهم هذا هديت ووقيت, والله تعالى المستعان.
قال عبد الرحمن بن مرعي هداه الله ووقاه الشرور, مقعدًا التفريق بين الاهتمام بما يصلح القلب من معرفة أحوال الفرق والفتن وبين العلم الشرعي, فقال: «وهكذا من آثار الفتن عباد الله انشغال الناس عن العلم والتعليم والدعوة وانشغالهم أيضاً بالقيل والقال وانشغالهم بما لا يعود عليهم بالنفع, وهذه من الآثار الظاهرة , وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل إلا أوتوا الجدل, ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) [الزخرف: ٥٨] فهذا شيء مشاهد وملاحظ أنك تجد كثيراً من الشباب في أيام الفتن يعزفون عن حلق العلم, ولكن يتهافتون ويتسابقون إلى مجالس القيل والقال, ولا أحب من نفسي ومن إخواني أن نكون مهرولين إلى هذه المجالس, تكون مجالسنا مجالس علم ووعظ وتعليم, وإذا جاء الوقت الذي يضطر فيه اضطراراً إلى بيان الحق والتحذير من بدعة أو التحذير من ضلالة وزيغ وانحراف فلكل مقامٍ مقال , «فهكذا يحذر الشباب من هذه الصوارف ومن نزغات الشيطان ومن كيده ومن دسائسه ومن غرورة ومن تلعبه بعباد الله سبحانه وتعالى» أن يكون الشيطان قد رأى كثيراً من الشباب قد أقبلوا على حلق العلم قد أقبلوا على حفظ كتب الله قد أقبلوا على العناية بسنة رسول الله قد أقبلوا على تعلم العلوم الشرعية من تفسير أو عقيدة أو فقه أو فرائض أو علوم الآلة من علم المصطلح أو علم اللغة العربية أو علم الأصول أو علم أصول التفسير إلى غير ذلك من العلوم, فيحسدهم؛ لأنه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مر قارئ بآية سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويلاه أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة, وأُمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار» فالشيطان حريص وهو الذي أخبر الله عز وجل عنه أنه قال ( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) [ص: ٨٢ – ٨٣] وهو القائل ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين ) [الأعراف: ١٧] وهو القائل ( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) [الإسراء: ٦٢] فالشيطان قد غلط وقد هلك ويريد أن يهلك غيره, وأن يغرك غيره وأن يحرف ويصد غيره عن طريق الخير والهدى ( )...اهـ


أقول:
ولا يخفى فساد كلام شيخنا ووالدنا محمد بن عبد الوهاب وفقه الله وسدده السابق في الحث على طلب العلم دون حثه على الاهتمام بالجرح والتعديل, وقد تقرر أن هذه التفرقة فاسدة باطلة وفي فتح بابها من الشر ما لا يدرك غوره, والله يعصمنا من الزلل.

القاعدة الخامسة: «نصحح ولا نهدم»
اعلم أيها الموفق لطاعة الله تعالى أن عبد الرحمن هداه الله وأصلحه قد درج على قواعد تشبه قواعد أبي الحسن وعرعور والحلبي وأضرابهم, الذين أفصحوا بقولهم: «نصحح ولا نهدم», وقد وافقهم أخونا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله ووفقه وأصلحه في قاعدتهم هذه, حيث قال: «الأخطاء تحصل, الأخطاء تحصل؛ لأن بني آدم ليس معصوماً من الخطأ, إنما جعل الله سبحانه وتعالى العصمة لأنبيائه ورسله وملائكته, أما العالم مهما بلغ من العلم, مهما بلغ من العلم, فإنه بشر يعتريه ما يعتري البشر من شيء من الجهل, وشيء من النقص, «وتكون عنده أخطاء وزلات, لكن هل عندنا الاستعداد على تقويم الخطأ, وعلى إصلاح الانحراف بالطرق الشرعية, التي تهدف إلى الإصلاح ليس إلى الهدم يعني التي تهدف إلى التقويم وليس إلى أيضاً الإعدام» لا يا أخي كل شيء قد جعل الله عز وجل لكل شيء قدرًا , نعم هناك خطأ واحد قد يخرج المسلم من الملة والدين ناقض من نواقض الإسلام فالله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء قدرا( )...اهـ

فأقول:
قارن بين هذا الكلام وكلام أبي الحسن المأربي المحترق, القائل: «الأخطاء تصحح وليس هناك أحد فوق النصيحة ولكن ما نصحح الأخطاء بهدم الأشخاص هل ينكر علي هذه الكلمة غير الحدادية؟
الأخطاء التي يقع فيها الرجل من أهل السنة تصحح, وليس هناك أحد فوق النصيحة, ليس هناك أحد نقول: مثلُه لا ينصح, أو نهابه أبدًا كل ينصح, الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ما ترك هذا الحديث أحدًا, ليس هناك أحد فوق النصيحة أو أكبر من الحق كل يذعن ويرجع له, لكن ما نصحح الأخطاء بهدم الأشخاص.
صحيح رجل عنده خير وزل زلة أو زلات, نصحح ما عنده ونصححه ولا نهدمه, ولا نهدم الخير الذي عنده إذا كان واقفًا أمام العلمانيين أو المنحلين أو دعاة الانحلال والتحليل, أو كان واقفا أمام الروافض, أو كان واقفًا أمام الحزبيين المشوهين للدعوة السلفية, وزل زلات, هذا لا نهدمه ونصحح هذه الأخطاء, هذا ما شاء الله ما أدري يعني أصبحت المنقبة مثلبة في نظر هؤلاء, لن أترك هذا لأهل العلم يحكمون في ذلك»( )...اهـ

قلت:
وهذه إحدى قواعد علي الحلبي ودرج عليها لينعش أهل البدع ويحيهم بعد أن قتلهم أهل العلم والسنة, وفي نفس الوقت ليجد الفرصة في إبقاء نفسه حيًا إذا ما رماه أهل العلم والسنة بنبالهم وطعنوه برماحهم, وتعتبر هذه القاعدة من شر قواعد الحلبي وأبي الحسن؛ لأنها الفيصل والفرق بين موقف أهل العلم والسنة من أهل الجهل والبدعة, وبين موقف القوم منهم.

واعلم أنه قد انتقد هذه القاعدة جمع من أهل الاختصاص منهم:
العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين حيث سئل ما قيل في أخطاء أهل البدع «نصحح ولا نجرح» فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غلط بل نجرح من عاند الحق..., وإذا كان الخلاف في مسائل العقائد فيجب أن نصحح وما كان على خلاف مذهب السلف فإنه يجب إنكاره والتحذير ممن يسلك ما يخالف مذهب السلف في هذا الباب( )...اهـ
2) العلامة زيد بن محمد بن هادي المدخلي رحمه الله تعالى وغفر له وأدخله في الصالحين: حيث سئل عن قاعدة «نصحح ولا نجرح» فأجاب: هذه القاعدة ليست من قواعد العلماء الربانيين الذين يعتد بعلمهم, وإنما قواعد العلماء العارفين بشرع الله المطهر سابقًا ولاحقًا التصحيح لما يستحق التصحيح والتعديل لمن هو أهل للتعديل, والتجريح لمن يستحق التجريح, على ضوء القواعد المتعلقة بهذا الموضوع الخطير وعلى هذا مشى أهل السنة والجماعة السلف الصالح وأتباعهم إلى يوم الدين وما كتب الجرح والتعديل عن الأذهان ببعيد, وهذه القاعدة فيها تلبيس على من قل نصيبه من العلم الشرعي ووسائله..., وهذه مغالطة وصاحبها إما أن يكون جاهلًا فيجب عليه أن يطلب العلم صادقًا, وإما أن يكون ملبسًا ومضللًا للناس فحسبه الله ونسأل الله أن يهديه ويرده إلى الحق ردًا جميلًا. آمين( )...اهـ
3) العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله ومتعنا بحياته ونصر السنة به ونصره بالسنة, حيث سئل عن هذه القاعدة الباطلة, فأجاب قائلًا: هذه القاعدة ما لها أصل أقول هذه القاعدة ما لها أصل أهل الباطل لازم تجريحهم.
وسئل عن قاعدة «يجوز التخطئة ويحرم الطعن؟ فأجاب: هذه مثل نصحح ولا نجرح هي نفسها( )...اهـ

أقول:
إن هذه القاعدة الفاسدة الباطلة قد كثر كلام أهل العلم عنها إبطالًا ولست أدري هل كانت موافقة أخينا عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله وسدده وأصلحه من باب الموافقة في أصولهم الفاسدة أو جهلًا منه بها وبشرها, لكن نقول من باب أخف الضررين إن أبا عبد الله جهل مطابقة قوله لمقالهم وموافقة قاعدتهم الفاسدة جهلًا منه لما عليه القوم من الفساد العقدي والمنهجي.
ولعل القارئ اللبيب يعجب في سبب هذه الموافقة أقول: إن السبب الرئيس في هذا وغيره أنه لا يطلع على أقوال المبتدعة وقواعدهم التي يجذرونها ويؤصلونها ثم يرومون تفريعًا وتنزيلًا على ما شاءوا من القضايا والمسائل؛ وهذا ما اعترف به وفقه الله وسدده وأصلحه حين سأله المحقق المدقق العلامة ربيع بن هادي حفظه الله ومتعنا بحياته ونصر السنة به ونصره بالسنة: «أتعرف ما عند علي الحلبي؟!!!» فقال عبد الرحمن هداه الله «لقد أحرجني الشيخ!!!».

أقول:
نعم أحرجت؛ لأنك لم ترفع رأسًا إلا لفصل القضاء بين طفلين لم يتجاوزا سبع سنين تضاربا, أو لا ترفع رأسًا إلا لتقيم الدنيا دون أن تقعدها لأجل أن فلانًا وفلانًا استعمالا المفرقعات في أعراسهم, وإن كان هذا الأمر مطلوب في أصله, لكن المقصود أنك مهمل للأهم مشتغل بفضول وتوافه الأمور التي يقوى أن يقوم به أصغر طالب عندك وفقك الله وسددك!!!.
فتأمل عبارتك هذه لتعلم هل قلت مقال الحلبي الذي سئلت عنه فلم تجب, ومقال عدنان عرعور والمأربي وأضرابهم فتأملها جيدًا «وتكون عنده أخطاء وزلات, لكن هل عندنا الاستعداد على تقويم الخطأ, وعلى إصلاح الانحراف بالطرق الشرعية, التي تهدف إلى الإصلاح ليس إلى الهدم يعني التي تهدف إلى التقويم وليس إلى أيضاً الإعدام».

وأقول:
أبعد هذا تعجب لم قال لك العلامة ربيع بن هادي حفظه الله ومتعنا بحياته: «أتعرف ما عند علي الحلبي» لأنه رآك قد وافقت الحلبي في بعض أصوله وقواعده, فانتبه!! فإن سلفيتك التي تتغنى بها تميل إلى السقوط, فاستعتب الأمر وأصلح الحال, والله من وراء القصد, والله المستعان.

قلت:
ومن كلامه الذي يؤكد به على عدم إسقاط العالم والداعية بمجرد وقوع أخطاء منه أو زلات, وسحب الثقة منهم!!.
فقال عبد الرحمن بن مرعي هداه الله: «..., وقد يكون في غير الإسلامية من يوجد فيها علماء؛ فأنت يا أخي حبب الناس إلى السنة, واربطهم بالعلماء ما يكون الربط بواحد أو اثنين هذا خطأ, لأن هذا الشخص ألا يشمله قول الله ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان ) [الرحمن: ٢٦] ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) [آل عمران: ١٨٥] تربط المسلمين وأهل السنة في المشارق والمغارب بواحد أو اثنين أكرم بهم وأنعم, لكن هذا ليس من منهج أهل السنة أن يحصر العلم, أو أن يجعل الحق في واحد أو اثنين لا وليس لك, ولا يعني ذلك يا إخواني لا يعني ذلك أن العلماء الذين نحيل عليهم أنهم معصومون لا يا أخي هؤلاء بشر؛ العصمة للأنبياء والملائكة, العصمة للأنبياء والملائكة ؛ من لم يكن نبياً من سائر البشر ليس معصوماً يعلم, ويجهل, ويصيب, ويخطئ, هناك علماء من علماء السنة لهم زلات, ولهم أخطاء, لا يعني وجود هذه الزلات والأخطاء أن تنفر عنهم, أو أن تحاول أن تفقد الناس ثقتهم بهم؛ هذا لا يجوز لو عاملنا كل مخطئ بهذه الطريقة ما بقي أحد ما بقي أحد, وهذا الذي يريده الشيطان, وهذا الذي يريده أعداء الإسلام؛ فاتقوا الله يا عباد الله»( )...اهـ

قلت:
تأمل يا عبد الرحمن في كلماتك وأنت تهون من أمر الأخطاء والزلات, وأنت تعلم علم اليقين أن من الأخطاء ما تخرج العبد من الإسلام ومن الزلات ما توبق عليه دنياه وأخراه, أليس هذا هو بعينه منهج نصحح ولا نهدم وهذا هو منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات.
فالخطأ خطأ ولو لم يبق أحد, أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس, ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا فأضلوا» الحديث.
فتأمل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم هنا لتعلم أن هؤلاء الرؤوس المنتسبين إلى العلم تكاثرت عنهم الأخطاء والزلات حتى ضلوا وأضلوا ولم يبق فيهم عالم, وأنت خبير أن قوله «عالم» نكرة في سياق النفي فتعم, فكيف نغض الطرف عن أخطاء وزلات ربما أخرجت العبد عن ربقة السنة, بل ربما تخرجه من ربقة الإسلام.
ولا يقول قائل: إن عبد الرحمن هداه الله لا يقصد الزلات المخرجة عن السنة ولا المخرجة عن الإسلام, بل يريد الزلات والأخطاء التي لا تخرجه عن السنة!!.

والجواب من وجهين اثنين:

الوجه الأول:
اعلم أن زلة العالم لا تكون إلا فيما يخدش جناب العقيدة وما يقاربها من الأمور العملية والتي اعتبرها أهل السنة من المفارقات بين أهل السنة وبين أهل البدعة, ولا يقال في الأمور الاجتهادية زل فيها فلان تأمل.
وما كان شعارًا وسجية لأهل البدع والانحراف فإنه يجتنب ويفعل بالسنة, ولو لم يكن في أصله من أمور الاعتقاد مجردًا, وقد عدَّ أئمتنا الصلاة في النعال من الأمور التي يفارقون فيها أهل البدع؛ لأنها علامة وسجية وشعار وفيصل بيننا وبينهم, وإن كانت في ذاتها وأصلها من الأمور العملية لا الاعتقادية, تأمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطئوا كما قال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال الله: قد فعلت. وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء وأمرنا أن لا نطيع مخلوقًا في معصية الخالق ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فنقول: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} الآية. وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور. ونعظم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله؛ ونرعى حقوق المسلمين؛ لا سيما أهل العلم منهم كما أمر الله ورسوله. ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا: فهو من الظالمين. ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله المتقين. والله سبحانه أعلم( )...اهـ

الوجه الثاني:
اعلم أن من زل من أهل العلم فإن زلته تجتنب ويحذر منها, لا أن تلمع له زلته وتبجل وتعظم وتجل, وإذا كان العالم مشتهراً بين الخاصة والعامة بالعلم والفضل وله لسان صدقٍ في الأمة ومع ذلك تقع منه الزلات والهفوات والتي قد يكون بعضها عظيماً فلا يتبع فيما زل فيه، بل يجب التنبيه على ذلك سواء كان المنبه فاضلاً أو مفضولاً؛ لأن مراد الجميع الحق، ولهذا الأمر كثر التحذير من زلات العلماء في كلام السلف, لأن زلته وخطأه قد تكون مظنة الاتِّباع، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون»( ).
واعلم أن زلة خطأ العالم فتنة تقع فيقع فيها اختلاف بين طائفتين:
طائفة فتنوا بعلمه لما علم من فضله فأحبوه وقبلوا جميع ما قرره بلا تمحيص, ولم يقبلوا ممن خطأه بل قد يتعدى هذا إلى التعدي على من تكلم في زلته وخطأه, وهؤلاء غالبًا يكونون من طلابه ومحبيه.
وطائفة نظروا بمنظار الشرع فعلموا أن ما قرره خطأ وباطل فينصحون الأمة بترك ما أخطأ فيه ونصحوا الأمة بعدم متابعته فيها, وعليه ينبغي أن يعلم أن زلته وخطأه لا تخلو من صورتين:

الصورة الأولى:
أن يكون قد زل وأخطأ في أمر قد يلتبس أمره على العلماء, والحال فيه مشكل نوعًا ما, فهنا تكون زلته وخطأه مما يغفر له, كما قد حصل من أمثال الحافظ ابن حجر رحمه الله وأضرابه.

الصورة الثانية:
أن يكون قد زل وأخطأ في أمر بيِّنٍ ظاهر, وليس في الحال ما يشكل, فهنا يختلف الحال, فإن كانت زلته مما تمس الأصول والعقائد, فيبين له خطأه وزلته فإن تاب فهو المطلوب المنشود, وإن أصر وعاند بدعه أهل التحقيق والصناعة.
هذا تلخيص ما عليه سلفنا رضي الله عنهم في شأن زلة العالم وخطئه ومن الغلط الفاحش أن يدفع عن العالم مطلقًا بغير أن يقال قد أخطأ, نعم يحذر ممن غلا وطغى في ترك كل تقريرات ذلك العالم ممن كان في الصورة الأولى فإن هذا صنيع الحدادية الذين يدعون إلى ترك مصنفات أمثال الحافظ ابن حجر والنووي وابن حزم وأضرابهم, بخلاف من كان في الصورة الثانية فإنه إن بدعه أهل التحقيق, وخاصة إن كان من المعاصرين فإماتة لبدعته وصرفًا للناشئة عنه لا يؤخذ عنه العلم؛ لأن في أهل السنة الغنية عنه وعن علمه, فلا إفراط ولا تفريط, والله المستعان.
وأما أخونا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله فقد خفض وهون من خطر زلات العالم, حتى جعل الأمر بالسهولة بمكان ولا يشك أحد سمع مقاله هذا أنه ربما قصد ما قد وصف به بعض مشايخ اليمن هداهم الله تعالى, وأنه ينبغي أن نصحح زلته وخطأه ولا نهدمه ولا نتركه, وهذه القاعدة هي بعينها قاعدة الإخوان المسلمين وعدنان عرعور والمأربي والحلبي وأضرابهم من مبتدعة زماننا, أقول هذا على التسليم أنه أقر بأنها زلات أو أخطاء, تأمل هذا تنتفع والله أعلم.

القاعدةالسادسة: الطعن تصريحًا في فتوى في العلماء.
اعلم أيها الموفق المسدد في طاعة الله تعالى أن من أعظم صفات المجروحين والمبتدعة على ممر تاريخ الفتن أنهم يطعنون على أهل العلم والتحقيق والرسوخ إما تصريحًا أو تلويحًا, ومن هذا ما صنعه بكل أسف أخونا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده وأصلحه في كلامه عن قضية الجهاد للرافضة الحوثيين, وسفه القول والفتوى بالجهاد, وأظهر خشيته على المسلمين من المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام فقال وفقه الله وهداه, ما نصه: «لكن نخشى على هؤلاء البقية أن يأتي من يستفزهم ويخدعهم ويجرئهم على عقوق الوالدين وتعرفون إخواني في الله أن هذا لا يجوز إلا بإذن الوالدين , وتعرفون بارك الله فيكم هذه مسائل شرعية المسألة ما هي سياحة ولا عواطف ولا حماسات هذه مسائل شرعية..., فبهذا يا إخواني فيما وجه الشيخ محمد – جزاه الله خيرا- لما جاء يقول: لا تسمحوا لطلابكم بالذهاب ؛ أنتم في خير ، أنتم في جهاد ، أنتم في ثغرة من الثغور ، الجهاد: هو بذل الجهد لتكون كلمة الله هي العليا ، هذا الجهاد الذي لا يقدر عليه كثير من الناس ، وهذا الجهاد الذي فيه نفع عظيم للإسلام والمسلمين ( )...اهـ

فأقول:
يا أبا عبد الله هداك الله وسددك وأخذ بقلبك للحق والصواب, من هو الذي نادى بعلو صوته بضرورة جهاد هؤلاء القردة الشرذمة التي جعلتموها وحشًا مهيبًا, أتعاميت أن الدعاة إلى هذا الجهاد الشرعي هم أئمة الدين ومصابيح الدجى أليسوا آباءك الذين شابت لحاهم في الإسلام, فكم والله قد صرف الله بهم من شر أحدق بالمسلمين فجعل الله نجاة المسلمين بلزوم غرزهم وأخذ نصحهم وتوجيههم أم أن «أهل مكة أدرى بشعابها» تعقل أخي المبارك وتأمل في كلامك لتعلم أنك تروم إسقاط نفسك وهدمها, والله عليم بذات الصدور.
وتنبه يا أبا عبد الله هداك الله وسددك بأن صنيعك هذا فيه الطعن من طرف خفي بمراجع الأمة الكبار الذين لا تقوى أنت ولا غيرك على الوقوف أمام تقريراتهم وفتاواهم, كأمثال: اللحيدان, وربيع بن هادي, وعبيد الجابري, ومحمد بن هادي, وعبد الله البخاري, وغيرهم متعنا الله بحياتهم ونصر السنة بهم ونصرهم بالسنة, وقد اجتمع على هذه الفتوى جمع من أهل العلم لم يعهد من ذي قبل, والله المستعان.
فهل يصدق عليهم مقالك «يأتي من يستفزهم ويخدعهم ويجرئهم على عقوق الوالدين» هل هؤلاء الأئمة هم الذين خدعوا الناس وجرأوا الناس على عقوق أمهاتهم أم أنت الذي جرأت الناس على ترك أمر رب أمهاتهم ورب العالمين, الذي أخبر به علماؤنا حفظهم الله وسددهم.
وترى القوم اليوم يزعمون أن بعض مشايخ السعودية قد وافقوا مشايخ اليمن في فتواهم, أقول: وأنا أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بغير عمد, أنكم لو وجهتم السؤال لهؤلاء المشايخ الذين تدعون أنهم قد وافقوكم, بهذه الصيغة: يا أئمة الدين والهدى تسلط علينا الرافضة الإثنا عشرية, وأرادوا منا أن نسكت عن فعالهم في البلاد, وهم ساعون لإقامة الرفض في اليمن كما هو قائم في إيران, ونحن قادرون على مواجهتهم كما قدر أهل قرية دماج على ذلك؟
فيا ترى يقولون لكم انبطحوا أم يقولون لكم ادفعوا عن دينكم وبلدكم من الكفر والزندقة!!!
ولنا بهذا الخصوص مقال مستقل إن شاء الله تعالى, فأعد نظرًا يا أخانا عبد الرحمن وفقك الله لتحفظ لنفسك سلفيتها, والله يعصمنا من الزلل.

القاعدة السابعة: الطعن في البطانة ذريعة الطعن في العالم
اعلم أيها الموفق المسدد لطاعة الله تعالى, أن مما يكاد أن يكون إجماعًا من أهل الباطل على ممر التاريخ أنهم إن أرادوا أن يطعنوا على العالم الراسخ من الربانيين, عمدوا إلى الطعن في بطانته وأعوانه والملتفين حوله جملة وتفصيلًا, وهذا من الفجور والجور, وهذا بريد لإسقاط أحكام أهل العلم المحققين؛ فإن استطاع الرجل أن يقنع محبيه بأن العالم الرباني له بطانة سيئة, قَدِرَ على أن يسقط أحكامه في قلوب من اتباعه من الناشئة الأغمار بطريقة يظهر لهم بها أنه لم يقدح في ذلك العالم؛ بل لكونه بشر فهو ربما يقضي بنحو ما يسمع, والله المستعان عما يصفون.
وهذا ما سعى لتحصيله عبد الرحمن العدني هداه الله ووفقه للرجوع والتوبة, حيث قرر هذا بقوله ما نصه: «العالم ما يعلم الغيب, فإذا كان يثق بهذا الذي يوصل إليه المعلومات, فإنه يكون قد مهَّد لما يريد بحسب كلامه وطرحه, ويعني ما يأتي به, فعلى الشباب وطلاب العلم أن يكونوا مفاتيح خير مغاليق شر, وألا يستغل الواحد منا قربه من العالم حتى يشوش عليه, وحتى يُظهر له الأمور على غير حقيقتها, قال الله سبحانه وتعالى: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ) [النساء: ٤٥] , وقال سبحانه ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم ) [الأنفال: ٦٠] فهل هذا ما يعلم الغيب, فأنت تستطيع أن تأتي إلى من يثق بك من العلماء, فتستخرج فتوى أو تستخرج حكماً, أو تستخرج كذا وكذا بسبب كيدك, أو مغالطتك, أو بسبب إخفائك, أو بسبب تقليبك للحقائق, وهذه الفتن التي ملأت البلاد الإسلامية بدعوة أهل السنة والجماعة سببها بطانة السوء, وسببها المحرشون والمغرضون, نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما من نبي ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحثه عليه, وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه والمعصوم من عصم الله»( )( )...اهـ

قلت: وهذا تقرير فاسد اصل باطل, والجواب عنه من وجوه خمسة:

الوجه الأول:
اعلم أيها الموفق أن هذه القاعدة من شر القواعد التي يدرج عليها أهل الباطل في كل زمان ومكان, والحديث المذكور حق وصدق, لكنه من الحق الذي أريد به الباطل, والاستدلال به في غير موضعه, فليس كل أحد يتأثر بمن حوله من البطانة, وقد نص عليه الحديث, فإن من الناس من يعصمه الله تعالى ممن يدخل عليه من أهل الشر والفساد, وأما صنيع عبد الرحمن هداه الله فقد جعل الأصل في العالم الرباني بأنه يتأثر ببطانة السوء والشر, ولم يعرج على أن بطانة الخير والبر تحوطه بالنصح والبيان لما قد يخفى عنه من أحوال بطانة السوء والشر, وكأنه جعل بطانة السوء هي التي لها القبول المطلق عند العالم الرباني؛ لأنه لا يعلم الغيب, أما إذا أطلعه الله على الغيب -وأنى له ذلك إلا يكون نبيًا يوحي إليه - فيمكنه أن يعلم من أحوال بطانة السوء والشر ما به يصرفهم عنه ويبعدهم, فاجعل العالم نبيًا يوحى إليه حتى يصلح الله أمره!!!.

الوجه الثاني:
من هو العالم الرباني المعتبر الذي أفسدته بطانة السوء والشر يا شيخ عبد الرحمن هداك الله للحق والصواب؟!!!.
الفتن التي وقعت في البلاد الإسلامية, إن كنت تقصد بها تغير أحوال بعض من كان ينتسب إلى السنة كما هو الظاهر من كلامك, فاعلم أن ما من رجل انحرف إلا كان انحرافه عن أصول عنده فاسدة لا على أن البطانة السيئة هي التي جنت عليه حتى سببت له العطب والتلف, فانتبه فإن في طيات كلامك ما يوحي بأن أحكام أهل العلم على أشخاص مرقوا من السنة بسبب نقولات مزيفة وتقارير خاطئة وتقليب للحقائق, فهب لنا واحدًا حكم عليه أهل العلم الربانيون بحكم أخطأوا فيه بسبب جهلهم بالغيب, أو للثقة العمياء في البطانة السيئة, أو بسبب استخراج فتوى أو حكم, أو بسبب كيد أو مغالطة, أو بسبب إخفاء بعض الحقائق, أو بسبب تقليبها.
سبحان الله, وسبحان الله, ثم سبحان الله ما أعظم الجرم والفرية عند من أراد أن يسقط أحكام العلماء, والله المستعان.

الوجه الثالث:
اعلم أن العلماء الربانيين لا يعتمدون في أحكامهم في الرجال والطوائف على مجرد أخبار الثقات الضابطين فحسب وإن كانت لكافية, لكن لهم من الطرق الأخرى ما بها يعلمون انحراف الرجال والطوائف, ناهيك عن إمكان لقاءه وتقريره بأخطائه وأصوله فيعترف بها لكنه اعتراف المدافع, واعتراف المعاند والمضاد, فحينئذٍ؛ يسقط ويهلك, والله أعلم بذات الصدور.
وبعض هذه الصور قد تخفى معرفتها على من يطعن مطلقًا في العلماء من طرف خفي, وإليك أيها القارئ بعض الصور التي يتوصل بها العلماء إلى حكمهم الصحيح والحق في الرجال والطوائف:

الصورة الأول:
أن يقف العالم الرباني على ما قرره المنحرف في كتاب له مؤلف منشور, وقد حوى هذا المؤلَّف من الباطل والانحراف ما يكون دليلًا دامغًا على انحرافه, واجعل هذه الصورة على ذهنك لأني طالب منك استحضارها في موضع ما آتٍ إن شاء الله تعالى.

الصورة الثانية:
أن يقف العالم الرباني على ما قرره المنحرف في شريط مسموع مسجل معترف به عند المنحرف ومن يدفع عنه, وقد احتوى على بطل وشر, وهكذا اجعل هذه الصورة أيضًا على ذهنك.

الصورة الثالثة:

أن يقف العالم الرباني على ما قرره المنحرف بشهادات الثقات بأمور وقعت معهم على مرأى ومسمع من الناس, وهذه لا يستطيع المنحرف أن يكذب جمعًا الناس فيها.
الصورة الرابعة: أن يقف العالم الرباني على ما قرره المنحرف بشهادات الثقات بأمور وقعت معم على وجه الانفراد, وهذه الصورة قد يكذب المنحرف فيه الثقة المأمون, والعالم الرباني عنده أساليب يقوى بها على استبيان الأمر وإظهار كذب المنحرف, منها أن يُحلِّف العالمُ المنحرف فيما اتهم به, فإن حلف بالله أنه ما قال عمل العالم بما رآه من قبول يمينه ما لم يظهر خلاف ذلك من الوجوه التي تقدمت, وفي هذا تتحقق فائدتان:
الفائدة الأولى: أن ما نقل من تقرير المنحرف يحذر منه, فلا يقره العالم ولا المنحرف وبهذا يأمن على أتباعه من متابعته على ذلك الباطل المنقول؛ لأنه كأن لم يكن ولكون المنحرف ينكر أصله وقاعدته فيسلم الأتباع من القول بذلك الأصل وتلك القاعدة.

الفائدة الثانية:
أن المنحرف ينكر ما نقل عنه, بل سيعتبر المنحرف بعد ذلك في عداد من يحارب ذلك الأصل الفاسد المنقول عنه, تأمل.
ومن هذا الباب ما وقع في إخبار زيد بن أرقم رضي الله عنه بمقال رأس المنافقين, قال زيد بن أرقم: خرجنا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ أصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ ، فَقَالَ عبدُ اللهِ بن أُبَيّ : لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَنْفَضُّوا، وقال: «لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ»َ، فَأَتَيْتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأخْبَرْتُهُ بذلِكَ، فَأرْسَلَ إِلَى عبدِ الله بن أُبَيِّ ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ: مَا فَعلَ ، فقالوا: كَذَبَ زيدٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَوَقَعَ في نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أنْزلَ اللهُ تَعَالَى تَصْدِيقِي: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) [المنافقون: ١] ثُمَّ دعاهُمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ»( ).الحديث.
فانظر وتأمل كيف أن زيد بن أرقم رضي الله عنه وقع في نفسه شدة مما حصل من الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من المنافق المارق يمينه, ففرج الله عن زيد بن أرقم رضي الله عنه, وأنزل قرآنًا يتلى تصديقًا لمقال زيد قال الله تعالى: ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُون) [المنافقون: ٧ – ٨].

وهكذا نقول:

إن الثقة المأمون إن أخبر بوقوع المنحرف في باطل واجتهد يمينه بالكذب والفجور أنه لم يقل ولم يقعّد ولم يؤصل وكذَّب الثقةَ المأمونَ وطعن عليه, فوالله ليوشكنّ أن يفضحه الله بإظهار أصوله الفاسدة وإن تخفّى بها الدهر الطويل, وهذه سنة الله تعالى في الدفاع عن أوليائه وأصفيائه.
وقد وقع من هذا الشيء الكثير فمنها: ما وقع من أمر أبي الحسن المصري المأربي المبتدع المحترق في حياة شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين, لما جاء أبو الحسن إلى عدن وعقد جملة من المجالس والمحاضرات واللقاءات وغيرها, فكان من جملة ما قرره أن الإخوان المسلمين من جملة أهل السنة, فاعترض عليه بعض طلاب العلم وذكروا له مقال شيخنا الوادعي رحمه الله فيهم وأنهم مبتدعة ضلال ولا كرامة فأبى عليهم, ولما أُخْبِرَ شيخُنا رحمه الله بمقال أبي الحسن فأنكره شديد الإنكار, واستدعى الشيخ رحمه الله أبا الحسن فأظهر له خلاف ما نقله عنه الإخوة, فلما أن مات شيخنا رحمه الله أظهر أبو الحسن ما أبطن في ذلك الوقت وظهر كذبه وقال: «ذهب زمن الخوف», كما يعلمه من يعلمه, والله المستعان.
فأقول: متممًا لما سبق من الصور, اعلم أن العالم الرباني التقي الورع إذا أراد أن ينتقد رجلًا أو طائفة ما, أو يحكم في نازلة ما, فإنه يحرص على استكمال النظر والبحث في تلك القضايا حتى يكون حكمه صحيحًا بينًا ليس عنده فيه اضطراب أو تردد؛ لذلك ترى أمثال العلامة عبيد يقول: ثبت عندي بالاستقراء لأحوال فلان وفلان أنه كذا وكذا.
وأذكر لك أيها القارئ اللبيب حالتين اثنتين في مقامي هذا:

فالحالة الأولى:

الكلام عن الرجال والطوائف, فإنه كما سبق لديك أن العالم من أهل الجرح والتعديل والاختصاص لا يكتفي بمجرد نقول الثقات المأمونين فحسب, وإن كانت في حقيقتها كافية, لكن حتى تكون الحجة على الرجال والطوائف دامغة فيأتي على شيء مسموع له بصوته معترف به أو كتاب له منشور مقرر لم يتراجع عنه ولم يتب منه, فينقده ويجرحه لأجل ما فيه من الباطل والانحراف, ومن هنا نعلم لمَ بدّع العلامة عبيد الجابري حفظه الله تعالى محمدًا الإمام, بل وأعظم من ذلك مقال العلامة ربيع بن هادي حفظه الله تعالى: «لو كان الشيخ ابن باز حيًا لكفرهم بها يعني الوثيقة» فانظر وتأمل ما الحامل لهؤلاء الأئمة على تلك المقالات, هل هي مجرد تقارير تنقل عبر الثقات المجروحين عند غيرهم, تفقد المصداقية والواقعية!!!.
أو هي نتيجة استغلال الثقات قربهم من العالم, أو هي نتائج التحريش والتشغيب الذي يقوم به البطانات السيئة لهؤلاء العلماء, سبحان الله سبحان الله.
الحالة الثانية: الحكم في نازلة ما بالمسلمين, فإن من المعلوم المقرر أن النوازل لا يبت فيها إلا أهل الاختصاص فليس لمن لم يكتمل عقله وعلمه أن ينصب نفسه للبت في النوازل, وفوق هذا لا يعتمد العلماء في أحكامهم المتعلقة بالنوازل على مجرد التقارير التي تفتقد المصداقية والواقعية كما زعم من زعم, أو أنها مجرد معلومات يوصلها إلى العالم من يثق به من طلاب العلم, أو حاصل استغلال قرب من العالم؛ فيشوش عليه, وحتى يُظهر له الأمور على غير حقيقتها, معاذ الله ثم معاذ الله.
بل اعلم أيها المسدد الموفق لطاعة الله تعالى أن النوازل الحكم فيها يختلف عن مجرد الفتوى الخاصة التي تقدم بها زيد أو عمرو فسأل عن أمر يخصه, فإنها تتوقف على مجرد خبره عن نفسه أو عمن قام مقام نفسه.
واعلم أن من الأحكام الشرعية ما يكون الحكم فيها في الدنيا متوقفًا على مجرد الدعوى والخبر المحض من الإنسان, قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) [النور: ٦ – ١٠] , ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ, مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ اَلنَّار»( ), وهذان النصان فيما يتعلق بحقوق البشر التي تقوم على البيانات والبراهين الحسية والشهادات التي يأتي بها أصحاب الحقوق فيما بينهم, فتأمل.
ومن الأحكام الشرعية ما لا تكون كذلك, بل تقوم على أدلة وبراهين منصوص عليها في الكتاب والسنة, إما بالنص الخاص أو العام وإما تصريحًا أو تلويحًا واستنباطًا.
واعلم أن القوم ومنهم عبد الرحمن هداه الله قد خلَّطوا بين الحالين فجعلوا أحكام العلماء الربانيين والأئمة المهديين من قسم ما يقوم على الإخبار المحض من الثقات والتي سماها بعض تقارير وآخر معلومات, وهي التي تفتقر إلى المصداقية والواقعية من جهة وهي التي مهّد بها ذلكم الثقة بحسب طرحه؛ ليستخرج بها فتوى أو ليستخرج بها حكماً بسبب كيده أو مغالطته أو بسبب إخفائه أو بسبب تقليبه للحقائق, أو ..., أو..., الخ.
ولست أدري كيف تخفى على العلامة والفقيه العدني وهو ممن يدخل على الأئمة والعلماء الربانيين ويحاول مرارًا إيضاح ما يزعم أنها من الحقائق المزيفة أو المخفية أو المغلوطة, أو المقلَّبة, كما قد حاول غيره من مشايخ اليمن وفقهم الله تعالى وسددهم, فلماذا لم تقدروا على إيضاح ما انبهم على الأئمة والعلماء, إلا أن يكون متعامين عن الحق!!, إذًا فأفصحوا بها كما أفصحتم باتهامكم إياهم بالعمالة والجاسوسية, والله حسيبكم والله المستعان على ما تصفون.

الوجه الرابع:
اعلم أيها القارئ اللبيب أن القوم وبكل أسف وحزن لما زعموا فساد البطانة الصالحة لهؤلاء الأئمة قد وقعوا في الطعن في الأئمة أنفسهم؛ وبيان ذلك بما ذكره عبد الرحمن هداه الله ووفقه للتوبة والرجوع في حديث «ما من نبي ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحثه عليه, وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه والمعصوم من عصم الله»( )( ).

فأقول:
هذا الحديث نص في وجود بطانة الخير والصلاح, فأين هي بطانة الخير والصلاح من بطانة السوء والشر والفساد عند هؤلاء الأئمة أم أن بطانتهم صارت كلها بطانة سوء جملة وتفصيلًا, فلئن كان الشيخ أحمد الزهراني والشيخ عرفات المحمدي والشيخ هاني بن بريك والشيخ أسامة العمري وفلان وفلان ممن تكلموا فيكم عند الأئمة وكبار علماء الأمة من بطانة السوء, فسموا لنا واحدًا هو من بطانة الخير والصلاح ممن تزعمون!!.
فإطلاقكم الكلام ظاهره أن جميع من حول الأئمة وكبار علماء الأمة من بطانة السوء, وهذا هو في الحقيقة المراد من إسقاط أحكام الأئمة بل وإسقاط جلال الأئمة في قلوب الناشئة, والله حسيبكم.

الوجه الخامس:

اعلم أيها القارئ اللبيب أن ما وقع فيه القوم من الطعن في البطانة, قريب جدًا من طعن الرافضة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلا تستعظم الأمر, واقرأ ما يأتيك وكن صاحب إنصاف وعدل !!!.
فوجه الشبه أن الرافضة طعنوا في بطانة النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا أنهم ارتدوا إلا نفرًا يسيرًا منهم, وهذا مفاده أنهم يقولون كان للنبي صلى الله عليه وسلم بطانتان بطانة خير وصلاح وهم فلان وفلان وفلان نفر يسير, وبطانة شر وسوء وهم الأغلب والأكثر, وكان من أثر هذه البطانة السيئة أنهم نقصوا من القرآن وحرفوا فيه فصار القرآن عمى يستفيد منه الظالمون في ظلمهم والمجرمون في إجرامهم, ولم تستطع بطانة الخير والصلاح أن تفعل شيئًا ووصل الدين إلينا مغلوطًا بسبب البطانة السيئة كمثل أبي بكر وعمر وعائشة وأضرابهم.
هذا هو معتقد الرافضة عليهم لعائن الله تترا, وتعالى الله عما يصفون.
وأنتم قلتم قد شوشت بطانة السوء على الأئمة فأظهروا لهم ما ليس صحيحًا ولا واقعيًا فنتج عن ذلك فتاوى وأحكام مجانبة للصواب والحق, والنفر اليسير من بطانة الخير والصلاح لم تستطع أن تصنع شيئًا!!.
هذا هو ظنكم بإخوانكم الناصحين لكم, سبحانك هذا بهتان عظيم, لكن ترون الفارق بينكم وبين الرافضة في هذا أن الرافضة قرروا معتقدهم الخبيث وزعموا أن الصحابة ارتدوا, وهنا نكته مهمة وهي أن معنى ارتدوا أنهم كانوا قبل الردة على الإسلام يعني كانوا من بطانة الخير والصلاح, ثم حصل التغير بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم هكذا قرروا الرافضة المارقون.
وأما أنتم فقد قررتم فساد بطانة الأئمة والأئمة وهم أحياء يرزقون, وبهذا يكونون قد وقعوا جميعهم في منهي عظيم فإن الله تعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [آل عمران: ١١٨ – ١٢٠]
فهل يجوز لكم أن تقولوا: إن الأئمة حفظهم الله قد اتخذوا بطانتهم من غير السلفيين تأملوا وانتبهوا فإن ثم الإسقاط والسقوط, قال الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله تعالى «من استخف بالعلماء ذهبت آخرته»( )...اهـ


القاعدة:الثامنة: «الطعن في الأئمة بعدم فقه الواقع».
اعلم وفقك الله وسددك للعمل بطاعة الله تعالى أن مما يكاد أن يكون مجمعًا عليه بين أهل الباطل في كل زمان ومكان أنهم يتهمون أهل التحقيق والاستقراء بعدم الإحاطة بالواقع الذي يفتون فيه, وذلك تحت مضلة عدم التقليد, ولذا نقول للشيخ عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده وأصلحه قلبه وفؤاده, إن زعمكم أن كبار الأئمة المعتبرين في الدعوة السلفية لم يحيطوا علمًا بما يحصل ولذلك جانبوا الصواب في فتاوهم, قول ظاهر الفساد, وبيان ذلك في أمرين:

الأمر الأول:
اعلموا وفقكم الله لطاعته أن العلماء الكبار والأئمة الأعلام عندهم الفقه التام بحقائق الأمور, ونحن نجزم بهذا كأنا نراه رأي العين, ولكنكم تزعمون أنهم لم يفقهوا الواقع ولم يحيطوا بالأمور, واعذروني لتسميتي هذا الأمر بعنوان «الأئمة لا يفقهون الواقع» وهذا ما أفصحتم به جميعكم بعبارات لها عين المعنى, ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده وأصلحه: «وأكرم وأنعم بعلمائنا ومشايخ السنة في كل مكان, «لكن أهل مكة أدرى بشعابها» المفروض في هذه الأمور, أن يعطى علماء البلد الفرصة في معالجة الأمور, فإن قصّروا وأهملوا بعد مضي فترة, ممكن يكون المشاركة وهكذا ..., يا أخي أكرم وأنعم بهم من علماء ودعاة وأئمة وناصحين, لكن بارك الله فيكم, «تعرفون بعض الفتاوى تحتاج إلى معرفة الواقع الذي أنت فيه فأهل اليمن تعرفون عاشوا تجارب ومروا بالأزمات وعالجوا فتناً» فهكذا بارك الله فيكم.
احترام الجميع هذا أمر مطلوب, لا أنك تحترم يعني طائفة دون طائفة, فمن احترامك لمشايخك وعلماء اليمن أن تستشيرهم, وأن تعرف ماذا عندهم»( )...اهـ

أقول:
إني أَدَعُ القارئ اللبيب يقارن بين مقالات أهل البدع والضلال كأمثال سلمان العودة والحوالي والقرني أضرابهم في «فقه الواقع» وبين ما قرره بعض مشايخنا في اليمن وفقهم الله وسددهم.
قال العلامة الألباني رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين: مسألة «فقه الواقع»: ولقد أثيرت أثناء تلك الفتنة العمياء الصماء البكماء مسائل شتى؛ فقهية، ومنهجية، ودعوية، وكان لنا ـ حينها ـ أجوبة علمية عليها بحمد الله سبحانه ومنته.
ومن المسائل التي أعقبت تلك الفتنة، وكثر الخوض فيها: ما اصطلح البعض على تسميته بـ «فقه الواقع»!!
وأنا لا أخالف في صورة هذا العلم الذي ابتدعوا له هذا الاسم ، ألا وهو «فقه الواقع»؛ لأن كثيرًا من العلماء قد نصوا على أنه ينبغي على من يتولون توجيه الأمة ووضع الأجوبة لحل مشاكلهم: أن يكونوا عالمين وعارفين بواقعهم؛ لذلك كان من مشهور كلماتهم: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة الواقع المحيط بالمسألة المراد بحثها؛ وهذا من قواعد الفتيا بخاصة، وأصول العلم بعامة.
ففقه الواقع إذا هو الوقوف على ما يهم المسلمين مما يتعلق بشؤونهم، أو كيد أعدائهم؛ لتحذيرهم، والنهوض بهم، واقعيًا، لا كلاما نظريًا، أو انشغالًا بأخبار الكفار وأنبائهم..., أو إغراقًا بتحليلاتهم وأفكارهم !!( )...اهـ
وقال أيضًا: أما الطعن في بعض العلماء أو طلاب العلم ونبزهم بجهل فقه الواقع ورميهم بما يستحيى من إيراده: فهذا خطأ وغلط ظاهر, لا يجوز استمراره؛ لأنه من التباغض الذي جاءت الأحاديث الكثيرة لتنهى المسلمين عنه, بل لتأمرهم بضده من التحاب والتلافي والتعاون( )...اهـ

الأمر الثاني:
قال عبد الرحمن بن مرعي هداه الله ووقاه الشر والانحراف: «فيا إخواني اتقوا الله, أكرر والله العظيم نحن أولى الناس بهؤلاء العلماء؛ الآباء الناصحين الشيخ ربيع والشيخ الفوزان والعباد والشيخ عبيد الجابري؛ لأنهم علّموا الأمة كيف تُعالج الأمور, وكيف يحرصون على العلم والتحصيل, وكيف يجنبون الدعوة الفتن والمشاكل, ففي هذا القضية إن كان بسبب نقولات تكونت لهم هذه الفكرة, فإننا عازمون إن شاء الله في رمضان باللقاء بهم والأخذ والعطاء»( )...اهـ

فأقول:
وإذا كنتم تصرون على أن الأئمة لم يفقهوا واقع القضايا, بسبب المنقولات المزيفة والحقائق الملفقة, فإنكم قد فعلتم ما زعمتم من إيضاح ما تزعمون انبهامه على علماء الأمة وكبرائها وأساطين الأئمة والمحققين, ونقول: إن الجواب عن هذا في إحدى صورتين: إما أن الأئمة تمسكوا بموقفهم ديانة وإما لا!!!.
فإن كان الأول: فيلزمكم موافقتهم؛ لأن الدين واحد والحق واحد ليس متعددًا ولا له ألوان.
وإن كان الثاني: فنقول حسبنا الله ونعم الوكيل كما قد أفصح به بعضكم أن فتاواهم لم تكن ديانة وإنما لصالح حكوماتهم كما قد قلتها يا ابن مرعي هداك الله ووقفك وسددك, وأفصح منك بها شيخنا ووالدنا الوصابي سامحه الله وعفا عنه كما علمه القاصي والداني, والله المستعان على ما تصفون.
ونقول اعلموا أن الواقع يفصّل فيه بنصوص الكتاب والسنة كما هو اعتقادنا جميعًا, لكن لماذا لم يوافقكم الأئمة على ما تقررون؟!!!.

هل يمكن أن يقال إن الأئمة ليس عندهم من الرسوخ ما يؤهلهم لإدراك هذه المؤامرات التي تزعمون, أم لأن السياسيين قد استزلوكم فكفوكم وصدوكم عن مواجهة الشرور المحيطة بالدعوة, وضخموا لكم الأعداء حتى قذفوا في قلوبكم الرعب!!!.
وتأمل يا شيخ عبد الرحمن وفقك الله وسددك مقال محمد الإمام وفقه الله للتوبة والرجوع في كتابه «الوحدة اليمنية», وهو يصرخ فيمن اجتره السياسيون ليقذفوا في قلبه الذعر والرعب من الأعداء فقال: «ومن الخذلان على الدول العربية أن كثيرًا منها تحرص على التحالف مع بعض الدول الكافرة ولا تبالي بعد ذلك بما يجري لجيرانها من قبل الأعداء بالاحتلال للدول العربية واحدة تلو الأخرى حتى يصلوا إلى الدولة المتحالفة معهم وما حصل في العراق خير دليل على ذلك..., ولن تنجح الدول العربية في الإصلاح المنشود إلا إذا نابذت سياسة الأعداء..., فمنذ تدخل الأعداء في شئون الدول العربية وخضعت لهم لم تقم لها قائمة, فلا توحدوا ولا اتحدوا ولا تعاونوا ولا تراحموا... »( )...اهـ
وتأمل مقالك يا شيخ عبد الرحمن هداك الله وسددك وأنت تقول: «والله يا إخواني لا نستعظم هذه المؤامرات؛ حتى نخذل عن الحق أو نتباطأ في طريقنا أو إننا نبقى فزعين جبناء ولا نتقدم إلى ربنا ولا ننصر الحق لا, الأمر ميسور على من يسره الله»( )...اهـ

أقول:
أما اليوم فأنتم دعاة إلى الانبطاح وتسليم الرقاب خاضعة للحويثيين أذناب فارس إيران, ولست أدري أين قول الله تعالى: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: ١٧٣] أيخفى مثل هذا عنكم وأنتم من أنتم!!!.

ونقول:
هل تخضع النوازل في الحكم إلى غير الكتاب والسنة, فإن قلتم لا –وبلا شك- نقول: أليست أحكام هذه النوازل معلومة عند هؤلاء الأئمة المحققيين؟!!!.
فإن قلتم قد خفي عنهم بعض الأمور التي بها تتغير أحكامهم, فيقال: قد أطلعتموهم على ما تزعمون فما لهم لم يوافقوكم؟!!!.
فانظر وتأمل خطر هذه القاعدة الباطلة الأثيمة, لتعلم أن من أراد أن يسقط حكم عالم ما نتج عن استقراء تام لأحوال الناس لجأ إلى الطعن على بطانته وطلابه الأكرمين, وذهب يقول: زوروا لهم الواقع وقلبوا لهم الواقع!!! والله تعالى المستعان.
واعلم هديت ووقيت أن بضاعة المنحرف عن الجادة هو الطعن في أحكام أهل العلم والفضل والسنة تحت مضلة نحن لا نقلد ولماذا طلبنا العلم ونحو ذلك من العبارات التي بها تسفه أحكام المحققين والراسخين.
واعلم أن أخانا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده قد سلك هذا المسلك وبكل أسف وحزن نقولها, وذلك بإلصاقه أحكام أهل التحقيق والتدقيق والاستقراء بأحكام أهل التحزيب والتخريب, ليوهم السامع أن هذه الأحكام غير صحيحة ولا معتبرة واضربوا بها عرض الحائط, حيث قال هداه الله ووقاه الشرور: «الحزبيون يفرحون غاية الفرح باصطياد شباب السنة, وطلاب العلم من أهل السنة, ويتمسحون جهاد جهاد, قالوا جهاد في سبيل الله ويتولى هذه الأمور هؤلاء المترديات النطائح, كم بقي علماؤنا يصرخون في الصباح والمساء بضرورة التميز, وبالمحافظة على صفاء الدعوة ونقائها, فتأتي الفتن وتكون العجلة والطيش والحماسة والعاطفة من بعض الشباب, فيتخلّون عن هذه الأمور التي كانت سبباً في الحفاظ عل دعوتنا .
فيا إخواني استشارة العلماء, والتأني والتريث والحذر من القفزات المرتجلة والمحفنة هذا خير عون لك على ثباتك على السنة .
فالله سبحانه وتعالى أكرمنا في هذه البلاد اليمنية بعلماء أفاضل وآباء, يعني ناصحين بفضل الله سبحانه تعالى فلا نستعجل, العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن, العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن, في مواقفنا لا تأخذنا العاطفة لا تأخذنا العجلة والحماسة.

يا أخي شاور العلماء أنت تشاورهم, وترجع إليهم في أقل الأمور, في أقل الأمور ترجع إلى العلماء, فكيف في الأمور الدينية التي فيها البصير والتي فيها الخطورة.
من زلت قدمه ممكن يهرول هرولة ما عاد يرجع مرة أخرى للحق, فاحذروا بارك الله فيكم, وتواصوا فيما بينكم بضرورة الرجوع واستشارة أهل العلم ...اهـ
أقول: اعلموا أنه في نظر عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده وأصلحه من هرول وتحمس وتبع الشيطان بالعجلة واستزله الأعداء واجتروه إلى فتن تعصف بالدعوة السلفية هم الآباء الناصحون الشيخ ربيع والشيخ الفوزان والعباد والشيخ عبيد الجابري الذين علموا الأمة كيف تُعالج الأمور, وكيف يحرصون على العلم والتحصيل, وكيف يجنبون الدعوة الفتن والمشاكل..., فسبحان الله كيف صاروا اليوم لا يعرفون العلاج ولا تجنيب الأمة والدعوة الفتن والمشاكل {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: ١٥ – ١٨].
9- القاعدة التاسعة: «الدعوة إلى إقليمية الدعوة السلفية».
اعلم هديت ووقيت الانحراف أن من الأمور التي بدت وظهرت في سقطات الألسن كذلك تحت مسمى عدم التقليد وتحت مضلة فقه الواقع, ما يمكن أن أطلق عليه الدعوة إلى إقليمية الدعوة السلفية, والله المستعان.
كنا ومازلنا نسمع عن فكرة تقسيم البلاد اليمنية وغيرها إلى أقاليم, فتجعل البلاد منقسمة إلى أقاليم فيما يسمونه اليوم الفدرالية, وهذه الفكرة أعني تقسيم البلاد بهذه الصورة معناها أن يكون لكل إقليم سياسته الخاصة فقد يحرم شيء في هذا الإقليم يكون مباحًا في الإقليم الآخر.
ونحن بكل أسف نشعر أن بعض مشايخنا في البلاد اليمنية يسعون إلى فصل الدعوة السلفية عن آبائها الراسخين تحت مضلة إقامة الإقليمية, سواء صرحوا أو لوحوا, ومن المعلوم لكل سلفي على وجه الأرض أن الدعوة السلفية لا تعترف بالإقليمية إطلاقًا فلطالب العلم في العراق أن يأخذ بما يقربه إلى الله من فتاوى علماء الجزائر ما دامت في إطار الاجتهاد السائغ, ولطالب العلم في فرنسا أن يأخذ فتاوى علماء الهند كذلك, أما أن تُحصر المرجعية والفتاوى في أهل البلد فلا وألف لا ولا؛ لأن هذا لم يكن من فعل سلفنا رضي الله عنهم بل إننا في بلادنا اليمنية قد تربينا على يد شيخنا ووالدنا حامل لواء الدعوة السلفية في اليمن الإمام الوادعي رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين, فربانا على أخذ الدليل الشرعي من علمائنا جميعًا لا تعترف الدعوة السلفية بالقطرية ولا بالإقليمية, وهذا لا يجوز إنكاره فما لكم يا قوم إلى أين المصير بالدعوة.
قال عبد الرحمن بن مرعي هداه الله ووفقه وسدده وطهر قلبه: «وأكرم وأنعم بعلمائنا ومشايخ السنة في كل مكان, لكن أهل مكة أدرى بشعابها, المفروض في هذه الأمور أن يعطى علماء البلد الفرصة في معالجة الأمور, فإن قصّروا وأهملوا بعد مضي فترة ممكن يكون المشاركة وهكذا .
لكن طالما هناك علماء, يعني يهمهم هذا الأمر ويعنيهم, وهم حريصون بنوا خيراً وشاركوا في إيجاد خير ملأ الشرق والغرب, في هذه البلاد اليمنية بفضل الله سبحانه وتعالى, «فلا يتجاوزون ولا يهملون, ويقال أفتى فلان وأفتى فلان»( )...اهـ

أقول:
إني أدع القارئ اللبيب يتأمل في هذه العبارات لتعلم الخطر الداهم في حصر مرجعية الدعوة كل بلد في إطار الحدود السياسية للبلد, فنقول: إن الدعوة السلفية هي دين الإسلام بكل حروفه ومعانيه فهل تجوزون إسلامًا خاصًا بأهل اليمن لا يلزم أهل مصر العمل به, وهل تعترفون بإسلام يمني وإسلام سعودي وآخر كويتي وآخر عراقي وهلم جرًا أف ثم أف وأف لهذه الدعوة الإقليمية, والله يعصمنا من الزلل.
وإني أعيذ بالله القوم من أن يأتوا بكلام آخر يمجدون به علماء البلاد الأخرى ويقولون نحن لا نقر الإقليمية بل نتعرف بالعلماء حيثما كانوا فنقول: انتبهوا من قاعدة عدنان عرعور وأبي الحسن والحلبي وأضرابهم بحمل المجمل على المفصل, والله من وراء القصد.
القاعدة العاشرة: لابد من اتفاق الكلمة في الرجال والطوائف.
اعلم وفقك الله لطاعته أن من جملة القواعد التي يدرج عليها عبد الرحمن بن مرعي العدني هداه الله ووفقه وأصلحه هذه القاعدة التي هي وبلا شك من أعظم الأصول الفاسدة التي يرام بها هدم أحكام أهل العلم والسنة في المبتدعة الضلال المنحرفين؛ لأن محصلها أنه إذا لم تتفق الكلمة ولم يحصل إجماع على تبديع الرجل وتضليله كان الأمر فيه سعة فلا ينكر على مَنْ لم يبدع المنحرف ولم يضلله, ويبقى الأمر في حيز الخلاف السائغ فلا ينكر على الغير لأن هذا في حيز الاجتهاد, هكذا قرر وقعّد وأصّل, والله المستعان.
قال عبد الرحمن بن مرعي العدني هداه الله ووفقه: «حرام حرام. إخواني في الله أن ننشغل بالفتن والقيل والقال, والمهاترات والعداوات؛ فينشغل بعدنا النساء والفتيات والصغار, ويدبر الخير ويقبل الشر, ويبتلينا الله, نحن في أيام الفتن علينا أن نقوي الرابط فيما بيننا ونتآخى ونتوادد, وننصح بديننا وبدعوتنا, وهذا لا يمنع من إنكار المنكر وإصلاح الخطأ, «لكن على الضوابط الشرعية الأشياء التي هي مسار جدل وخلاف التي لم تتفق فيها الكلمة فهذا خطأ» من الحكمة أنك تأتي البيوت من أبوابها وأنك تعرف كيف تنكر وكيف تأمر( )...اهـ
أقول: اعلم أيها القارئ اللبيب أن هذه القاعدة من جملة ما أنكر على علي حسن الحلبي المبتدع الضال, الذي ذهب يقعد قاعدة إمكان رد الجرح المفسر ما دام أن الكلمة لم تتفق على الجرح فلابد من الإجماع عليه من أهل السنة جميعًا, وهذه القاعدة من أسوأ ما قعّد وأصّل, والله المستعان.
قال الحلبي: المسألة التاسعة «الجرح المفسر»:
وهي مسألة من المسائل المفضية إلى النزاع والخصام والإلزام بسبب سوء التصور, أو خلل التصرف!!
فكل من جرح شخصًا تراه يلزم الآخرين به بحجة أن جرحه له مفسر وأنه واجب قبول الجرح المفسر, مع أن الأمر ليس بهذه السهولة كما قد يتصوره..., البعض»( )...اهـ
قلت: وعلى هذا درج القوم وأتوا بقواعد أرادوا من خلالها فتح باب التوسعة في خلافهم فمن جرحه أهل الصناعة جرحًا مفسرًا فحتى يكون لهم مندوحة ومخرجًا من الموافقة على قبول الجرح من أهل الاختصاص قالوا « انصح لي ولا تلزمني» و«اعتقد ما شئت طالما جاء عن بعض العلماء» ونحو هذه التقعيدات ما أنزل الله بها من سلطان, وهاتان القاعدتان مما تفوه بها عبد الرحمن العدني وفقه الله وسدده نصرًا لقاعدة الحلبي باشتراط الإجماع على الجرح.
وقريب منها «نحن لا نقلد أحدًا, ولماذا طلبنا العلم» وهي من الحق المراد به الباطل تأمل.
وقد صرح الحلبي بقاعدته بقوله: «موقف عامة الطلبة إذا أجمع أهل العلم على تبديع واحد لا يسعهم أن يخالفوه» ( ), فتأمل وجه الشبه بين مقال الحلبي هنا ومقال عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده وأصلحه القائل: «حرام حرام, إخواني في الله أن ننشغل بالفتن والقيل والقال, والمهاترات والعداوات؛ فينشغل بعدنا النساء والفتيات والصغار, ويدبر الخير ويقبل الشر, ويبتلينا الله..., الأشياء التي هي مسار جدل وخلاف التي لم تتفق فيها الكلمة فهذا خطأ»...اهـ

قلت:
فإذا لم تتفق الكلمة فحرام أن يخوض الناس في الفتن والكلام في الناس ما دام أن من أهل العلم من لم يقل بقول الآخرين, حتى لو كان أبو الحسن المأربي لأنه لم يبدعه الشيخ العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله وسدده ونفع به الإسلام والمسلمين, فإن أبا الحسن لا يزال عند العباد سلفيًا, فهل تجوز يا أبا عبد الله لمن قال اليوم إن أبا الحسن سني سلفي من أهل العلم والفضل, أم تقول: «اعتقد ما شئت طالما قال به بعض أهل العلم», انتبه فالأمر خطير!!!.
بل لو كان الحجوري فهو حتى اللحظة ما يزال سلفيًا عند محمد الإمام وغيره, وسل محمدًا الإمام الذي ما زلت تعتبره من علماء السنة, ينبيك عما في قلبه, والله يعصمنا من الزلل.
واعلم أيها المسدد الموفق أن هذه القاعدة عند أخينا عبد الرحمن بن مرعي من فروع القاعدة السالفة «اعتقد ما شئت طالما جاء عن بعض العلماء», وهذه القاعدة هي عين القاعدة التي درج عليها إبراهيم الرحيلي حيث كان مما قرره وأنكره عليه الأئمة أنه يبحث عن بعض الأئمة من أهل السنة مما لم يبدع بعض من بدعه الأئمة الآخرون, كما سأذكر ذلك في فصل «الموافقة والمشابهة للمبتدعة والحزبيين» إن شاء الله تعالى.
لكن الجدير بالذكر في هذا الموضع أن عبد الرحمن بن مرعي هداه الله قد صرح بمثل هذا كما سبق في الكلام عن قاعدته باشتراط اجتماع الكلمة على الجرح, فارجع عن قاعدتك هذه فإن فيها من السم ما تقتل به نفسك, كما فعلت الزباء إذ قالت: «بسمي لا بسيف عدي» والله يعصمك من الزلل.


الموافقة والمشابهة للمبتدعة والحزبيين
اعلم عصم الله قلبك من الزيغ والانحراف أن أهل الباطل في كل زمان ومكان يتوافقون ويتشابهون في تقريراتهم وتأصيلاتهم, كما قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُون}, وقال سبحانه: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}, وقد وقع من أخينا عبد الرحمن جملة من هذه الموافقات شعر أو لم يشعر ومن هذه الموافقات والتشابه ما وقع فيه من مماثلة أبي الحسن المأربي المبتدع الضال, وأذكر في مقامي هذا بعض العبارات, وأدع التعليق فيها لمن أنصف واستبان له أن عبد الرحمن بن مرعي يخفي في قلبه أمرًا بدا منه ما بدا, والله يعصمنا من الزلل, وسأعرض في هذا الموضع بعض وجوه الشبه الفاسد بين أخينا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وبين غيره من المبتدعة والحزبيين, ومن ذلك تقريرات أبي الحسن المأربي المبتدع الضال, وقد ردّ الشيخ محمد الوصابي على أبي الحسن فيها وكان هذا في الثلاثين من المحرم سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وألف فهل سيتوب عبد الرحمن من مشابهته لأبي الحسن الضال المنحرف, ومن ماثله من الحلبية والعرعورية وغيرهم, أم سيمضي على دربه حتى يوصف بوصفه نعيذه بالله من الحور بعد الكور.

فالشبه الأول:
قال أبو الحسن المأربي المبتدع الضال: «قل أخطأ فلان في كذا وكذا فقط, لا تهدم الخير الذي عند الرجل كله من أجل مسألة أو مسألتين أو أكثر أو أقل هذا غير صحيح هذا غير تأصيل»...اهـ
وقال عبد الرحمن مرعي وفقه الله تعالى: «وتكون عنده أخطاء وزلات, لكن هل عندنا الاستعداد على تقويم الخطأ, وعلى إصلاح الانحراف بالطرق الشرعية, التي تهدف إلى الإصلاح ليس إلى الهدم يعني التي تهدف إلى التقويم وليس إلى أيضاً الإعدام».

التشابه الثاني:
قال أبو الحسن الماربي المبتدع الضال: «هذه دعوة ليس لأحد عليها وصاية وليس عندنا أب روحي ولا آية من الآيات أو مُلَّا من المُلل نأخذ عنه وتصدر عنه ولا نخرج عنه ..., لا وصاية لأحد إن كان أحد تسول له نفسه ذلك فليعلم أني لا أنعم له عيناً بذلك ولا أقر له خاطراً بذلك أقول هذا تقرباً إلى الله لست عبداً إلا لله».
وقال عبد الرحمن بن مرعي هداه الله تعالى: «فأنت يا أخي حبب الناس إلى السنة , واربطهم بالعلماء ما يكون الربط بواحد أو اثنين هذا خطأ..., تربط المسلمين وأهل السنة في المشارق والمغارب بواحد أو اثنين أكرم بهم وأنعم لكن هذا ليس من منهج أهل السنة أن يحصر العلم, أو أن يجعل الحق في واحد أو اثنين لا وليس لك, ولا يعني ذلك يا إخواني لا يعني ذلك أن العلماء الذين نحيل عليهم أنهم معصومون لا يا أخي هؤلاء بشر؛ العصمة للأنبياء والملائكة , العصمة للأنبياء والملائكة»( )...اهـ
وإني أدع القارئ اللبيب يقارن بأدنى تأمل بين الكلامين ليدرك خطر ما يدرج عليه عبد الرحمن بن مرعي هداه الله تعالى.

الشبه الثالث:
من المعلوم لدى أهل السنة أن إبراهيم الرحيلي قد بدعه المحققون من أهل العلم, ومما أنكر عليه بحثه عمن يوافقه في مواقفه من أهل البدع, فمما قرره في بحثه أن محمد بن جمال القاسمي صاحب تفسير «محاسن التأويل» أثنى على بعض المبتدعة, حتى وصل إلى عدم تبديعه للجهم بن صفوان رأس الجهمية التي كفرها علماء السلف فضلًا عن تبديعهم, والمدافعة عن المبتدعة من جهمية ومعتزلة وخوارج وغيرهم, وقد جهل إبراهيم الرحيلي حال القاسمي هذا, ولعله اغتر بما ذكره عنه الزركلي في كتابه «الأعلام» حيث قال: جَمَال الدين القاسِمي [المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف]..., كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد( )...اهـ
فأخذ الرحيلي من هذا أن بعض علماء السنة لم يبدع الجهم بن صفوان وكان يعتذر لهم ولا يوافق على ما قرره علماء السنة من السلف والخلف, وغفل إبراهيم الرحيلي عن حقيقة القاسمي وأنه ليس من السلفيين في شيء بل كان صوفيًا خلوتيًا أشعريًا, كما أفاده العلامة ربيع بن هادي حفظه الله تعالى( ), وقد قال إبراهيم الرحيلي عن القاسمي, كما في رسالته: «تأصيل المسائل المستشكلة من جواب السائل» (ص35-36): فهذا الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله وهو صاحب سنة وعلم وفضل، لا يتنازع في ذلك اثنان ممن عرفوه وعرفوا جهوده في خدمة السنة، ألَّف كتابه المشهور "تاريخ الجهمية والمعتزلة" ومما جاء فيه قوله رحمه الله بعد إيراد بعض كلام السلف في ذم الجهمية: "ولا يشك أنَّ مرادهم أولئك الزنادقة الملاحدة الذين تستروا بالتجهم، أما صالحو الجهمية فبمعزل عن هذا الجرح كما لا يخفى"، ويقول في سياق ذكره للجهمية والمعتزلة وأهل الكلام: "وبالجملة فكون هذه الفرق مجتهدة لها ما للمجتهدين أمرٌ لا يرتاب فيه منصف، والمجتهد معذور؛ بل مأجور وإن أخطأ"، فهذا القاسمي، وهذه أقواله في الجهمية، فهل عنده مع ما ذَكر علمٌ وخيرٌ أم لا؟! والمقصود التمثيل لهذه الصورة؛ وأنه قد يوجد في أهل السنة مَنْ يخفى عليه أمر الجهمية فيقول ما قال فيُنتفع بعلمه وتُتجنَّب زلتُه.
وأما موقف القاسمي رحمه الله في الكتاب من الجهمية والمعتزلة ومقارنته لهم بأهل السنة وثناؤه عليهم؛ فإنَّ هذا من الخطأ البيِّن الذي لا يمتري فيه مَنْ عرف عقائد هؤلاء، وأحسبُ أنه رحمه الله انخدع ببعض ما جاء في كتب التاريخ والسير من نقل أخبار هؤلاء والثناء عليهم، وغفل عما جاء في كتب السلف وهم أئمة في العلم والعدل والإنصاف؛ ومع هذا اشتدَّ ذمهم لهم وصدعوا بتبديعهم بل وزندقة أئمتهم؛ بل صرَّحوا بكفر الجهمية في كثير من كتبهم» انتهى كلام الرحيلي.

قلت:

وقد أنكر الأئمة كالعلامة ربيع والعلامة عبيد وغيرهما على الرحيلي هذا التقرير, وليس المقام هنا في الكلام عن الرحيلي وتقريراته, ولكن مرادي من وراء هذا التقرير في مشابهة أخينا عبد الرحمن للرحيلي عمليًا, فإذا تأملت في حكم الأئمة على أمثال محمد بن عبد الله الإمام وقد بدعه المحققون, ثم يقف عبد الرحمن بن مرعي بموجب قاعدته «اعتقد ما شئت» ثم يفرع عنها قاعدة أخرى عمليًا وهي «إذا لم يبدع عالم من علماء السنة رجلًا ما, فإن الأمر فيه سعة», فتمسك عبد الرحمن مرعي بعدم تبديع مشايخ اليمن لمحمد الإمام بل ورضاهم عنه الرضا المطلق, ولست أدري أين قواعد سلفنا في الجرح والتعديل عند أخينا عبد الرحمن وقد جرح محمد الإمام جرحًا مفسرًا واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار, فاللهم رحماك!!!.
والمشابهة بين أصحاب الانحرافات كثيرة على ممر التاريخ, ومن عجيب الأمر أن العلامة محمد بن هادي قرئ عليه كلام بدون تسمية المتكلم به, فلما أتم الناقل الكلام قال الشيخ محمد بن هادي هذا كلام إبراهيم الرحيلي فقيل له يا شيخ هذا فلان بن فلان, فقال الشيخ محمد بن هادي –متعجبًا من المشابهة المطلقة- يا رجل, ماذا تقول!!!
واستسمح القارئ اللبيب أن أنقل هنا كلام الأئمة في إبراهيم الرحيلي ليدرك وجه الشبه الشديد بين الرحيلي وابن مرعي.

أقول:
قد أنكر العلامة عبيد الجابري حفظه الله تقرير الرحيلي, وقد نقل الجابري حفظه الله كلام القاسمي فقال: هاكم جملة من عبارات القاسمي من «تاريخ الجهمية», قال القاسمي (ص 16): «ومَنْ تأمل ما قُصَّ يعلم أنَّ قتل الجهم إنما كان لأمر سياسي لا ديني»، وقال (ص 16) أيضاً: «هذا مجمل ما رواه الثقات في سبب مقتل جهم ومخدومة الحارث، وبه يعلم ما كانا عليه من الحرص على إقامة أحكام الكتاب والسنة وجعل الأمر شورى وإباء الانغماس في إمرة الظالمين ورفض أعطياتهم والعمل لهم»، وقال (ص17): «وجهم كان داعية للكتاب والسنة، ناقماً على من انحرف عنهماً، مجتهداً في أبواب مسائل الصفات»، وقال (ص77): «بيان أنَّ الجهمية والمعتزلة لهم ما للمجتهدين، ثم قال: وكيف لا تكون من المجتهدين وهي تستدل وتحكم وتبرهن وتقضي وتجادل خصومها بمآخذها»، وقال (ص 79): «نعم كان بعض السلف سَلَقَ بعض متقدمي الجهمية والقدرية بألسنة حداد، ورموهم بما هم براء منه، وكان ذلك في أيام ضعفهم وقلتهم».
ثم وجَّه الشيخ الجابري عدة أسئلة؛ فقال: «هل تصدر هذه العبارات من صاحب سنة، وله علم وفضل لا يتنازع في ذلك اثنان ممن عرفوه وعرفوا جهوده في خدمة السنة؟!!، ما أظنك إلا توافقني على أنها لا تصدر إلا من جاهل أو مبتدع ضال مضل؛ وكلا الرجلين وإن أصاب سنةً فلا يستحق هذا الثناء من الأخ إبراهيم عفا الله عنا وعنه»، وقال: «هل كل مَنْ له جهود انتفع بها أهل السنة تعفيه التبعة من ركوب البدع والثناء على أهلها كما صنع القاسمي وزعم أخونا إبراهيم أنه مجتهد؟».
ثم نقل عن شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله ما نقلاه من إطباق الأئمة على كفر الجهمية مما يدل على مخالفة القاسمي لإجماعهم!.
ثم قال الشيخ عبيد: «إنَّ مَنْ يخفى عليه أمر الجهمية لا يصلح لتعليم الناس؛ فنقول له: هاتَ لنا عَلَماً من أعلام أهل السنة أو طالب علم تتلمذ عليهم يخفى عليه أمر الجهمية حتى يسلك مسلك القاسمي؟!»، وقال: ((إنَّ من لا يبدع الجهمية هو أحد رجلين ولا ثالث لهما: رجل جاهل أو من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، ورجل صاحب هوى ضال مضل جاد السعي في حرف الناس عن السنة ونهج السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم من أهل القرون المفضلة الثلاثة»، ثم نقل الشيخ عبيد كلاماً آخر للقاسمي نقله عنه ابنه في السوانح برقم (12) - والتي هي تشبه فكرة المذكرات الشخصية في هذا الزمان - وفيها وصف لابن تيمية وابن القيم بالحمية المذهبية!، ودافع فيها وبرَّأ من الألحاد والزندقة النصير الطوسي وبرأه من قتل الخليفة والعلماء، وعن ابن عربي وصحح عقيدته، وعن بعض الأشاعرة المتأولين للصفات.
ثم ختم الشيخ الجابري نقده بقوله: «يا شيخ إبراهيم؛ ألبستَ القاسمي ثوباً فضفاضاً من المديح بما أثنيتَ به عليه من الثناء الجميل، ووصفته جازماً بهذه الأوصاف «صاحب سنة وعلم وفضل لا يتنازع في ذلك اثنان ممن عرفوه وعرفوا جهوده في خدمة السن»...اهـ
قلت: فتأمل هذه العبارات الواقعة في جرح العلماء لإبراهيم الرحيلي, وانظر هل وقع الشبهة الكبير بين الرحيلي وابن مرعي أم لا؟!!.
وإني ملفت نظرك أيها الموفق المسدد لبعض العبارات السابقة:
مقالة القاسمي: «ومَنْ تأمل ما قُصَّ يعلم أنَّ قتل الجهم إنما كان لأمر سياسي لا ديني».
أقول: لقد جعل الرحيلي القاسمي من علماء السنة المجتهدين, وقد قرر القاسمي أن ما وقع من قتل جهم لم يكن بمقتضى الدين وإنما كان لأمر سياسي, وكذلك قرر أخونا عبد الرحمن بن مرعي أن فتاوى كبار أهل العلم كان لصالح حكوماتهم, وأن هذا القتال والدعوة إليه ليس إلا على الملك, وكما صرح بهذا المقول في إحدى محاضراته: حيث قال: «أنصح شبابنا وأبناءنا من طلاب العلم وغيرهم أن يبتعدوا عن الفتن وألا ينخرطوا فيها وأن يتجنبوها, فإن هذه مؤامرة تحاك ضد المسلمين, {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}, وإن خططوا ودبروا فلا يكون إلا ما أراد الله, لذلك ننصح الشباب أن يبتعدوا عن الفتن, فهي مقاتلة بين عشاق الكراسي, ودعوة أهل السنة محفوظة بإذن الله ولا يضرها شيء, وأما هذه الحرب فليست نصرة لدين وإنما من أجل الدنيا والملك, فالزم بيتك وتجنبها وتتدخل فيها»( )...اهـ
وهذا الكلام الفاسد الباطل سوف أتناوله باستيعاب إن شاء الله في مقال خاص, والله المستعان.
فانظر وتأمل كيف غلب على القوم التأثير السياسي ولم يؤثر عليهم النظر الشرعي, فالفتاوى أصبحت بنظر سياسي لا ديني, والله المستعان على ما يصفون.
• مقالة القاسمي: «وجهم كان داعية للكتاب والسنة، ناقماً على من انحرف عنهماً، مجتهداً في أبواب مسائل الصفات».

أقول:
لما كان القاسمي عند الرحيلي من الأئمة المجتهدين, الذي وصف جهمًا بأن من الدعاة إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وناقمًا على من انحرف عنهما وصاحب اجتهاد في أبواب لا يحق الاجتهاد فيها لأنها جادة الطريق التي يجب سلوكها وليست محلًا للاجتهاد, بل هي طريق مبنية على التسليم المحض للنصوص الشرعية.
وتأمل كيف أجاز عبد الرحمن بن مرعي أن يكون ما وقع فيه محمد الإمام من التوقيع على الكفر والزندقة والإلحاد, من باب الاجتهاد السائغ, وغفل أخونا عبد الرحمن عن حقيقة الأمر, وأن ما فعله محمد الإمام ليس من الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد, حتى يعذره في اجتهاده هذا إن أقرّ بأن فعله خطأ, ولا أظن أنه يخطئه فضلًا عن أن يظنه من المجتهدين, تأمل.
وقال العلامة الجابري حفظه الله تعالى: هل تصدر هذه العبارات من صاحب سنة، وله علم وفضل لا يتنازع في ذلك اثنان ممن عرفوه وعرفوا جهوده في خدمة السنة؟!!، ما أظنك إلا توافقني على أنها لا تصدر إلا من جاهل أو مبتدع ضال مضل؛ وكلا الرجلين وإن أصاب سنةً فلا يستحق هذا الثناء من الأخ إبراهيم عفا الله عنا وعنه»، وقال: «هل كل مَنْ له جهود انتفع بها أهل السنة تعفيه التبعة من ركوب البدع والثناء على أهلها كما صنع القاسمي وزعم أخونا إبراهيم أنه مجتهد...اهـ

قلت:
ونحن كذلك نتوجه بهذه السؤالات لأخينا عبد الرحمن فنقول له: هل تصدر هذه الوثيقة وتلك الأصول الفاسدة من رجل صاحب سنة وعلم, أم أنها لا تصدر إلا من جاهل أو مبتدع ضال مضل, فلقد دافع محمد الإمام عن الرافضة الحوثيين وأنكر على من يكفرهم بعد أن ويصفهم بأنهم إخوانه, فلئن كان محمد الإمام يعرف ضلالات الحوثيين وكفرياتهم ثم لا يكفرهم ويدرك من عقائدهم الباطلة الكثير, وهذا ينفي عنه الجهل بحقيقتهم فلا يبقى إلا وصف أنه ضال مضل ولا يسلم من مطعن في دينه, والله المستعان.
ثم ينبري ابن مرعي للدفاع عنه وعدم إخراجه من السنة والله تعالى هو المستعان.
وقال العلامة الجابري حفظه الله تعالى: «إنَّ مَنْ يخفى عليه أمر الجهمية لا يصلح لتعليم الناس؛ فنقول له: هاتَ لنا عَلَماً من أعلام أهل السنة أو طالب علم تتلمذ عليهم يخفى عليه أمر الجهمية حتى يسلك مسلك القاسمي؟!»، وقال: ((إنَّ من لا يبدع الجهمية هو أحد رجلين ولا ثالث لهما: رجل جاهل أو من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، ورجل صاحب هوى ضال مضل جاد السعي في حرف الناس عن السنة ونهج السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم من أهل القرون المفضلة الثلاثة»...اهـ

قلت:
تأمل هذه العبارات وهذه الكلمات لتدرك عمق نظر رجل أعمى العينين لكنه صاحب بصيرة علمية قوية تمكنه من رؤيته حقيقة الرجال والمناهج المنحرفة, فمن يخفى عليه أمر الجهمية لا يصلح لتعليم الناس, ومن يخفى عليه خطر ما في الوثيقة الكفرية الآثمة لا يصلح لتعليم الناس؛ ولهذا قال العلامة عبيد الجابري عبد الرحمن مغفل ضائع ولا يصلح للدعوة, فإذا كان لا يدرك ما في الوثيقة من الكفر والضلال والانحرافحتى يهون من شأنها لهو أدل شيء على غفلته وجهله بحقيقة منهج المسلمين ولا أقول أهل السنة فقط, فإن في الوثيقة من الكفر والزندقة ما يهدم على المسلمين دينهم فضلًا عن هدم منهج أهل السنة؛ لأن الإنسان إذا انحرف عن منهج السلفيين قد يكون هذا الانحراف في إطار الإسلام فيخرج عن السنة إلى البدعة ويبقى له الإسلام, بخلاف ما قرره صاحب الوثيقة فإنه يخرج عن الإسلام إلى الكفر بالله تعالى؛ ولهذا قال العلامة ربيع بن هادي حفظه الله تعالى: لو كان الشيخ ابن باز حيًا لكفرهم بها!!!.
فتأمل وجه المشابهة بين الرحيلي وابن مرعي لتعلم هل تشابهت قلوبهم أم تباينت والله يعصمنا من الزلل, وهو سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.
وإني أتوجه بسؤال صريح لكل من كان في قلبه احترام وإجلال لعلمائنا الأكابر وبالذات والدنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى ورعاه قرة عيون الموحدين وغصة المبتدعة الحاقدين, أمتعنا به وبحياته ونصر السنة به ونصره بالسنة, هل إذا صدر منه كلام يبدع فيه عبد الرحمن بن مرعي ومن كان على وصفه وطريقته هل ترى ستقبلون منه أم ستقولون لم يبدعه فلان وفلان من علماء السعودية واليمن, ولا يعني من ذلك أن لي الحق أن أسبق العلماء في ذلك ولكني أقول هذا اختبارًا لكم وقد كنا نسمع من شيخنا ووالدنا الإمام الوادعي رحمه الله رحمة واسعة واسكنه الفردوس الأعلى يقول: لو جرحني ربيع فخذوا بجرحه, ولا يخفى عليكم مقال الإمام الألباني في ربيع بن هادي.
وإني أعيذ بالله كل من يقول نحن أعلم وقد خبرنا الرجل, وخالطناه, وعرفناه وا وا وا وا, بعد أن يجرحه خبير الأمة وإمامها في هذا الباب بغير منازع, والله يعصمنا من الزلل.

القسم الثالث : صور من الأخلاق والسلوك عند عبد الرحمن.
اعلم عصم الله قلبك وطهره من الدنس والرجس أن عبد الرحمن بن مرعي هداه الله ووفقه لما يحبه ربنا ويرضاه, قد ابتلي ببعض الأخلاق والسلوك الذي لا يليق بمن في منزلته أن يتخلق به ولا أن يسلكه, بل إن في خلقه زعارة وقبح وخاصة في معاملة إخوانه وزملائه من طلبة العلم.
ولا يخفى عن أحد مكانة الأخلاق الحميدة, وقبح الأخلاق السيئة القبيحة, وأن العبد كلما كان حسن الأخلاق كان أقرب منزلًا يوم القيامة من النبي صلى الله عليه وسلم وكلما كان أسوأ خلقًا كلما كان أبعد, والله المستعان.
وسأعرض عليك أيها القارئ اللبيب بعض المعاملات لتدرك أمرًا مهمًا وهو الوحشة الحقيقية التي لمسها وعانى منها إخواننا طلاب العلم تلاميذ الإمام الوادعي رحمه الله وغفر له وأدخله في الصالحين.
وإنه لا شك أن كل طالب علم يدرك وجود الوحشة بين طلاب العلم الشرعي لكن السؤال يفرض نفسه هل يمكن أن تصل هذه الوحشة إلى أن تكون وحشة دينية تصل إلى حد التبديع أو التكفير بين من صارت بينهم الوحشة.
ولا يتعامى طالب العلم ويقول إنا معاشر طلاب العلم على خير في المحبة والإخاء, بل إن هذا وإن كان ووجد, فإنه بالمقابل قد يوجد عند من بينهم شيء من الوحشة التي تؤول إلى ما ذكرت في بعض الأحوال والأحيان, فأرجو من إخواني طلاب العلم طرق هذه القضية؛ لإيجاد حلول لها قبل تفاقم تلك الوحشة واشتعال نار العدوات والبغضاء.
فإنه قد تحصل هذه الوحشة التي تكون في بدايتها مقصورة على عدم الرغبة في مخالطة المستوحش منه, ثم تحصل على إثرها الوقوع في الغيبة المحرمة, ثم يستدل كل من الطرفين على الآخر بأن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ومن رأيتموه يكلم في فلان فاتهمه على دينه ثم يكون بعد هذا إلى التبديع الإخراج من السنة, وربما يعمل أحد الطرفين بمخالفة الآخر لو في أصول دينه فيحق الحق على أحدهما, والله يعصمنا من الزلل.
وقد ألمح عبد الرحمن هداه الله إلى وقوع هذه الوحشة بينه وبين إخوانه وزملائه من طلاب العلم فقال: «أنا أعرف أن من إخواني الكبار من يكون عنده شيء من هذه الأشياء»..., فـ«نحب أن نبقى ولو كان في الظاهر متآخين متواددين متعاونين»( )...اهـ
قلت: فإذا علمت هذا ولمسته فاعلم أن من استوحش منه عبد الرحمن هداه الله ليسوا بالواحد ولا الاثنين ولا الثلاثة بل جمع غفير من إخواننا المشايخ, الذين هم اليوم يرمون بتهمة تهييج الفتن وشق عصا الدعوة والتحريش و..., و..., إلى آخره.
ومن هؤلاء المشايخ وطلاب العلم الذين استوحش منهم عبد الرحمن هداه الله, التالية أسماؤهم: علي بن حسين الشرفي الملقب بالحذيفي, عباس الجونة, هاشم الجنيدي, هاني بن بريك, علي بن سالم الحسني, أبو معاذ عبد الرؤوف بن عباد, ياسين العدني, عبد الله بن سعيد العيسائي, فهد السليماني, صلاح كنتوش, أبو الخطاب الليبي, ناصر بن أحمد الملقب بالزيدي, حسن باجبع الذي كان كظل عبد الرحمن لازمه ملازمة قوية فما كان إلا أن ..., وغيرهم كثير لم أذكرهم هنا, ولعل بعضهم إذا قرأ هذه السطور سيشعر أن الوحشة قد وقعت له أيضًا والله المستعان.
والسؤال هنا يطرح نفسه لزامًا أكل هؤلاء نابذوا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله لأنهم يحبون الرياسة والعلو وإسقاط غيرهم, سبحان الله سبحان الله سبحان الله!!.
وسأذكر للقارئ اللبيب حوادث وقعت لبعض إخواننا مع عبد لرحمن بن مرعي هداه الله, ولي إليها الأسانيد قوية, منها ما حُدِّثْتُ بها من صاحب القصة, ومنها ما حدثت بها من غيرهم.



فالحادثة الأولى بعنوان: «الناصح له جاسوس وعميل».
دخل أخ من إخواننا الأفاضل عليه لينصح له في بعض ما يراه من الخطأ, كما هو حاصل من حرص الإخوة على التقويم, فغضب عبد الرحمن مرعي من الأخ غضبًا شديدًا؛ حتى قال له: «لولا أني أعرفك لقلت بأنك جاسوس»!!!.
قلت: لا إله إلا الله, ما أسرع سوء الظن وما أقبحه بالناصحين, وما أسهل التهمة والرمي بالجاسوسية والعمالة عندكم يا قوم!!.
ثم هو جاسوس لمصلحة من يا قوم؟!!!!.
أتعلم أن الجاسوس على المسلمين من أخبث الناس, بل إن حكم الجاسوس المسلم القتل إذا لم يندفع شره إلا به( ), فتأمل عافاك الله وانظر كيف يتعامل عبد الرحمن مع إخوانه طلاب العلم؛ لتعلم نبل خلقه وكرم جوده ورفيع سلوكه وقدره!!!.

الحادثة الثانية: الإرهاب بالحديد والنار
اعلم أيها الموفق لطاعة الله تعالى أن من دأب أهل الباطل على ممر الأزمان أنهم لما أفلسوا من الرد العلمي المقرون بالبراهين الدامغة عمدوا إلى الوشاية إلى ولاة الأمر والحكام كيما يكون لهم التسلط التام على رقاب من خالفهم وباينهم, ولقد كان المعتزلة في الزمان المتقدم من أكثر أهل الباطل وشاية إلى الحكام, فكم قد وشوا بأهل السنة والجماعة إلى الأمراء والحكام, بما قد وصل إلى الضرب والسجن والتشريد, بل والقتل لمن خالفهم في اعتقادهم ومنهاجهم.
وبكل أسف لقد سلك عبد الرحمن بن مرعي هذا المسلك بتقربه إلى بعض المسؤولين وأصلح علاقته بهم بطرق يعلمها هو وخاصته, واستغل هذا بضرب إخوانه ممن انتقده في دينه؛ حتى آل الأمر إلى السجن والضرب والتشريد والطرد, وهل سيصل –والعياذ بالله- إلى القتل, اللهم رحماك بالعباد.

وأدلل على هذا الأمر بصورتين اثنتين:

الصورة الأولى:
كائنة الغرباء صبرهم الله تعالى, فقد قام العلم اليقيني على أن ما وقع لإخواننا الغرباء, هو من فعلته الشنعاء, وأن هذا ليس من اختيار ولاة الأمر ابتداء كما صوروه للناس, ولن أطيل النفس في هذه القضية مع أنها والله تحتاج لمزيد بسط ولكني أحرص في مقامي هذا أن أبرهن للعالم أجمع أن ما وقع للغرباء هو من جناية عبد الرحمن بن مرعي يقينًا بأدلة دامغة, وهاكها:

الدليل الأول:
إن المعلوم من سياسة الدولة حرسها الله وسددها أن القرارات الرسمية, يعلن عنها رسميًا في وسائل الإعلام التابعة للدولة والحكومة, وهذا يعلمه كل المثقفين في البلاد اليمنية, ولم يكن من ذلك شيء, فليس ثم إعلان ولا أذان به, والله المستعان.

الدليل الثاني:
عدم اطلاع من لهم الاختصاص بشأن الغرباء في البلاد, المتمثل بالسفارات لدول وبلدان الغرباء, والمتمثل كذلك برئاسة الجمهورية وزارة الداخلية والأمن وغيرهم من أهل الاختصاص, والجميع يدرك أن ولاة الأمر في الرئاسة وغيرها مشغولون بأهم من هذا مما يجري من أحوال البلاد والفتن المحيطة بهم وفقهم الله وأعانهم على إصلاحها, فليس عند أحد منهم إخبار سابق بهذا القرار المزعوم.


الدليل الثالث:
عدم تطبيق القرار المزعوم إلا على من خالف عبد الرحمن مرعي لا غير, ولا يزال الغرباء في معبر وفي ذمار والصوفية في حضرموت موجودون في البلاد, هذا على التسليم بوجود قرار شفوي من رئاسة الجمهورية, مع أن الذي قرره بعض ولاة الأمر أن هذا القرار شامل لكل الغرباء في صنعاء وعدن وغيرها من محافظات البلاد, والله المستعان.

الدليل الرابع:
ما زالت البلاد اليمنية تأذن بدخول بعض الغرباء, ولا تزال السفارات تعامل رعاياها معاملة عادية, رغم القرار المزعوم, , وقد أقبل جمع من طلاب العلم من إندونيسيا وغيرها من البلدان؛ ليطلبوا العلم, مما يؤكد بأنه مجرد دعوى ليس عيها برهان, بل كما قيل: مجرد حبر على ورق, إن كان ثم حبر وثم ورق, إلا على من خالف أمر الجنرال العدني, فأين العمل بهذا القرار إن كان ثمة!!!.

أقول:
ولعلنا نفرد لهذه الحادثة مقالًا خاصًا إن شاء الله تعالى.

الصورة الثانية:
وشاية عبد الرحمن بن مرعي ببعض إخواننا المشايخ وطلاب العلم إلى نقاط التفتيش, فقد استوقفت الجهات الأمنية الشيخ أبا الخطاب الليبي وفقه الله وسدده, وأخبروه أن عليه بلاغ, ولولا أن النساء معه لأخذوه وأخذوا أوراقه الرسمية, فقال لهم بأي جرم ذلك, فقالوا سننظر قضيتك مع عبد الرحمن بن مرعي!!


الحادثة الثالثة: بعنوان «التشبيه بالمعتزلة».
كل طالب علم يدرك أن المعتزلة من أخبث الفرق والطوائف المنحرفة, وقد كانت تحصل بينهم وبين أهل السنة مناظرات ومجادلات في المعتقد, فيبين أهل السنة انحرافهم وزيغهم خير بيان.
ومن عجيب أمر عبد الرحمن هداه الله وأصلح قلبه أنه يرمي بالكلمة ولا يبالي بها كيف وقعت وعلى من وقعت, ومن ذلك أنه كان في الدرس العام وقد فتح للإخوة باب المذاكرة, فرفعت يدي كما هي طريقتنا في المذاكرة التي تعلمناها من والدنا الإمام الوادعي غفر الله له ورحمه وأدخله في الصالحين, فقال عبد الرحمن: هاه ماذا عندك يا صلاح؟!

فقلت:
سجد إمام في مسجد مترامي الأطراف, ورفع من سجوده بغير تكبير, سهوًا منه والناس خلفه سجود ثم كبر للسجود فقام الناس من السجود, وحصل اضطراب, كيف يصنعون؟
فقال ماذا عندك أنت يا صلاح؟!
فقلت: إنما أسأل!!, قال عبد الرحمن هداه الله: لا لا ينبغي أن يكون عندك الجواب!!.
فقلت: الذي يظهر لي أن من فاتته أركان معينة فإنه يأتي بركعة إصلاحًا لما فاته!!.
فقال عبد الرحمن هداه الله: لا لا بل يأتون بما فاتهم في حينه, ويتابعونه في الباقي, وليس عليهم شيء!!!.
ثم أذن المؤذن, فدخلت إلى مجلسه, وعنده بعض الإخوة, فسلمت ثم قلت يا شيخ, فقال لي مقاطعًا إياي, انظر يا صلاح أنت من إخواننا الكبار, والإخوة يتأثرون بكم, وأنا لا أحب أن يحدث بيننا كما كان يحدث بين أهل السنة والمعتزلة من المناظرات والمجادلات!!!.
فلما سمعت هذه العبارات دارت بي الدنيا, وشعرت بحزن شديد اعتصر فؤادي, فتمالكت نفسي, قلت: أعتذر يا شيخ وخرجت, وأنا في قمة الحزن والكرب؛ لما لاقيت من حفاوة وترحيب!!!.

وقلت في نفسي: ما الخطب؟!!, أجاء الشيطان عبد الرحمن مرعي فقال له: إن صلاح كنتوش يريد أن يظهر عجزك العلمي أمام الطلاب؛ فارمه برمحك القاتل!!.
ويا ترى أينا كان في مقام السني وأينا كان في مقام المعتزلي, سبحان الله العظيم!!.
وقل لي بربك أيها القارئ اللبيب هل المقام يصل إلى هذا الحد, وانظر كيف تحصل الوحشة شيئًا فشيئًا, وقد كان في المجلس بعض الإخوة منهم أخونا الفاضل حسن باجبع, وبعض المقربين إليه, الله يعصمنا من الزلل.


الحادثة الرابعة: بعنوان «ولا تصعر خدك للناس».
حرص الإخوة طلاب العلم على النصح والتآخي والترابط, فكانوا يحرصون على إنكار المنكر والتناصح فيما بينهم, وهذا لا يخفى على من له عناية بمعرفة ما دار في دار الحديث بالفيوش حرسها الله, وكنت ممن يحرص على زيارته, رغم الوحشة التي كنت أجدها منه, وكنت ممن أنصح له محبة في إصلاح الأمور, وأحرص على الأخوة التي بيننا؛ فقلت: للأخ عبد الهادي المرفدي -وهو من إخواننا الذين يقومون على بعض الأمور في المركز- أخبر عبد الرحمن أني أريد أن أتكلم معه في بعض الأمور, ففي أي وقت تراه مناسبًا فقال بعد درس الظهر.

فقلت:
إذًا أخبره, فلما انتهى الدرس دخل بوابة الغرفة الخاصة, ثم خرج من الباب الآخر قافلًا إلى بيته, ولم يجلس لألقاه, ودخلت إلى الغرفة الخاصة فلم أجده وقال لي بعض الإخوة إن الشيخ قد مضى لبيته, فتبعته فرأيته واقفًا من أخ, فيممت وجهي إليه وأنا مبتسم, وفلما اقتربت منه وهو بين المسجد وبين باب بيته, وإذا به يحدق النظر في وجهي وترك الكلام مع ذلك الأخ ودخل بيته وولاني ظهره!!.
فقلت في نفسي يا أبا محمد, أحسن الظن, فاتصلت بعبد الهادي المرفدي مرة أخرى, فقلت يا عبد الهادي ألم تخبر الشيخ؟!!.
فقال: هاه هاه بلى بلى لكن آآآآآ ولم يدرِ ما يقول, ثم انقطع الاتصال, فما أدري أأغلق هو الهاتف أم ذهبت الشبكة!!.
فقلت في نفسي: أحسن الظن يا أبا محمد. ثم عاودت الاتصال بعبد الهادي, ففعلت هذا خمس مرات وهو لا يرفع الهاتف ولا يرد, فيممت وجهي نحو بيتي, والله المستعان.
كانت هذه الأحداث جميعها قبل سنوات, ثم لما وقعت الفتن والخصومة الحقيقية, جاءني عبد الهادي ومعه بعض الإخوة يخبروني بأمر عبد الرحمن بإيقاف التدريس.
وبدأ من كان مع عبد الهادي يهاجم بالكلام وقال: أنتم تريدون كذا وكذا, فقلت: يا عبد الهادي أنا ممن افتعلت الفتن ونقضت عروة الأخوة فقال نعم!!.

فقلت:

سبحان الله جاء اليوم الذي أذكرك يا عبد الهادي ببعض ما وقع قبل سنوات, وذكرته بهذه الحادثة, وقلت له: أنت أخبرت الشيخ بأني أريد أن أكلمه, فتهرب مني وولاني ظهره, والله تعالى يقول: ( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) [لقمان: ١٨], أيعطيني ظهره وقد رآني أقبلت عليه, ويغلق الباب في وجهي, أهذه الأخوة والتعاون الذي يتغنى به في ليله ونهاره, لا إله إلا الله!!.
ثم اتصلت عليك يا عبد الهادي خمس مرات, فلم ترفع سماعة الهاتف, لماذا؟!!!!.
فلم يجب عبد الهادي إلا بإطراق رأسه, وحك رأسه, والله المستعان !!!.
فكل ما سبق من الأحداث حصل قبل سنوات من تفجير الفتنة فقل لي أيها المنصف من الذي نقض عرى الأخوة وساهم في وأدها, أنحن أم هو؟!!
بل إن مشايخ عدن وفقهم الله هم من دفعوا عنه لوجه الله تعالى يوم أن طعن فيه من يناضل اليوم عنه, يوم أن رماه الحجوري بما رماه رجمًا بالغيب, فوافقه من مشايخ اليمن من وافقه, فوقفوا في وجههم ولم يهابوا من اجتمع عليه من الأنس والجن, كل ذلك لله تعالى وفي الله.
وأما اليوم فهم عند عبد الرحمن هداه الله من أشعلنا نار الفرقة والدمار في المركز, سبحان الله ثم سبحان الله.
ولو أنه سمع نصح المحبين له؛ لأصبح تاجًا على رؤوس الناس جميعًا, ولاستقام أمره, لكنه أراد أن يغير ويبدل, والله تعالى المستعان.
فهذه الأحداث بعض ما وقع من معاملته لإخوانه وزملائه طلاب العلم, وهذه الأمور قد يعده بعض من لم يعقل أمورًا شخصية, وهي إن كانت في بدأ أمرها تبدو كذلك لكنها الوحشة التي تؤول إلى الوحشة الدينية كما وقع ويقع, فاللهم رحماك, وأنت ربنا الحكم العدل.


الخاتمة:
شهادة من الحق ليت عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وأصلحه انتفع بها
اعلم أيها المسدد الموفق لطاعة الله تعالى أن من أعظم الانحراف أن يقرر العبد الحق ويدافع عنه ثم ينقلب قلبه فيصبح بعد أن كان يحمي العقيدة والمنهج يصبح هو الذي يهدمها ويطعن عليها, وصدق الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه وعن أبيه إذ قال: حذيفة لأبي مسعود البدري: «إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في الدين، فإن دين الله واحد».

قلت:
ومعناه أن الضلال المبين وأعظمه أن تصف الحق الذي كنت عليه بأنه الباطل، وأن يصبح الباطل بعد ذلك هو الحق عندك، بعد أن كنت على الحق الظاهر البين الذي شك فيه ولا مرية فتصير عدوه, بعد أن كنت وليه, بل إن هذا هو من المنكر الذي ليس بعده منكر، والباطل بعينه, فمن فعل هذا فقد دل على أن انحرافه كان لهوى متأصل في قلبه, ويدل على ذلك ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدّنْيَا»( ).

قلت:
وقد قال أهل العلم: ومعنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف صلى الله عليه وسلم نوعًا من شدائد تلك الفتن وهو أنه يمسي مؤمنًا ثم يصبح كافرًا أو عكسه، وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب، والله أعلم.
فهذا تلوّن في الدين مذموم وقبيح, فدين الله واحد ليس له إلا لون واحد ووجه واحد, نسأل الله أن يخلص النيات وأن يقيم لنا العثرات, ويعصمنا من الزلل.
فتأمل ما يأتيك من الكلام لتعلم كيف انقلبت المفاهيم عند بعض الناس وانتكست الأمور, واقرأ متأملًا كلام عبد الرحمن بن مرعي هداه الله وسدده, وهو اليوم يقرر شيئًا يسفه فيه قول الأمس, بعد أن كان يجزم به والله المستعان.
قال عبد الرحمن بن مرعي وفقه الله وسدده: «هكذا يا إخواني علينا أن نحذر من دسائس الأعداء وكيد الكائدين, وهذا ليس بجديد ولا قريب, بل إذا نظرت إلى سلف هذا الأمة, ونظرت إلى الرعيل الأول, الذين هم خير القرون وأزكاها وأحبها إلى الله, كم من الفتن التي حصلت بسبب دسائس المندسين, عبدالله بن سبأ وإخوانه من المنافقين, كانوا سببًا في حصول فتنٍ عظام في صدري هذه الأمة, والجماعات الباطنية الملحدة الكافرة, كان لها نصيب في صد المسلمين وعرقلة السير, وهكذا المنظمات الماسونية واليهودية كان لها دور كبير في محاربة المسلمين, في قعر ديارهم, وصدهم عن دينهم, وهكذا لاتزال هذه المؤامرات مستمرة, فعلى أهل الحق أن يستعينوا بالله, وأن يلزموا الصبر والتقوى, «والله يا إخواني لا نستعظم هذه المؤامرات؛ حتى نخذل عن الحق أو نتباطأ في طريقنا أو إننا نبقى فزعين جبناء ولا نتقدم إلى ربنا ولا ننصر الحق لا, الأمر ميسور على من يسره الله» قال الله ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) [آل عمران: ١٢٠] المشكلة فينا, المشكلة فينا نحن, معشر المسلمين إذا تخاذلنا وإذا قصّرنا, وإذا ساءت نياتنا, وإذا تقاتلنا وتنافسنا على حطام غير مبالين بالعواقب السيئة, غير مراقبين لربنا سبحانه وتعالى, وما أحسن الكلمة العظيمة التي رددها شيخنا الامام مقبل بن هادي الوادعي هذا المصلح الكبير الذي نفع الله عز وجل به البلاد والعباد, والذي أجرى الله سبحانه وتعالى على يديه من الخير العميم في هذه البلاد اليمينة وفي غيرها من البلاد الإسلامية إذ يقول: «والله ما نخاف على دعوتنا من أعداءنا, وإنما نخاف على دعوتنا -ممن يا عباد الله ؟ قال نخاف على دعوتنا - من أنفسنا, لا نخاف على دعوتنا من أعداءنا, ولكن نخاف على دعوتنا من أنفسنا» فالذنوب والمعاصي وفساد النيات, ومحاولة الوصول إلى أغراض, وأعواض وروح الانتقام والتشفي, وكذا هذه التي أخرت الدعوة, وشغلت الشباب فكما نكون يداً واحد لنصرة الحق, وردّ الباطل بالطرق الشرعية , ونكون خير عونٍ لعلمائنا لحل مشاكلنا وللإصلاح فيما بيننا( )...اهـ

وأقول:
إننا في هذا المقام نهيب بك يا أبا عبد الله هديت ووقيت أن تعيد نظرًا في كلامك هذا لتعلم أنك قد خُذِلتَ وأُتِيْتَ من حيث تشعر أو لا تشعر, ومن عجيب الأمر أن الكلام عن الخذلان فيما هو حاصل قد وقع فيه بعضكم هداكم الله وأصلحكم.
وتأمل ما كان يقوله محمد الإمام وفقه الله للتوبة والرجوع الذي ترقى ليصل إلى منصب إخواني مع مرتبة الشرف: يقول: «ومن الخذلان على الدول العربية أن كثيرًا منها تحرص على التحالف مع بعض الدول الكافرة ولا تبالي بعد ذلك بما يجري لجيرانها من قبل الأعداء بالاحتلال للدول العربية واحدة تلو الأخرى حتى يصلوا إلى الدولة المتحالفة معهم وما حصل في العراق خير دليل على ذلك..., ولن تنجح الدول العربية في الإصلاح المنشود إلا إذا نابذت سياسة الأعداء..., فمنذ تدخل الأعداء في شئون الدول العربية وخضعت لهم لم تقم لها قائمة, فلا توحدوا ولا اتحدوا ولا تعاونوا ولا تراحموا...»( )...اهـ

فأقول:
ألا تنزل هذا المقال على ما حصل عندكم هداكم الله وسددكم, فأين هذا التقرير يوم أن التهم الرافضة الحوثيون دماج واستباحوا بيضتها, أين هذه الغيرة يوم أن التهم الحوثيون البلاد شبرًا شبرًا, أليس هذا من الخذلان الذي تغنيتم ليل نهار بإنكاره, أم أن السكوت هو الحل ليأكل الأعداء لقمتهم سائغة بغير أن ينازعهم فيها أحد, ليس هذا فحسب بل ويأتي التسهيل لهم ليأكلونا كما أُكِل الثورُ الأبيض, اللهم رحماك!!!.
وأعود فأهمس في أذن أخينا عبد الرحمن بن مرعي هداه الله ووقاه شر التغير والتلون, فأقول: أبا عبد الله: اقرأ كتابك لتكون على نفسك شهيدًا, فإنك قلت: «يا أخي أكرم وأنعم بهم من علماء ودعاة وأئمة وناصحين, لكن بارك الله فيكم تعرفون بعض الفتاوى تحتاج إلى معرفة الواقع الذي أنت فيه, فأهل اليمن تعرفون عاشوا تجارب ومروا بالأزمات وعالجوا فتناً فهكذا بارك الله فيكم, احترام الجميع هذا أمر مطلوب لا إنك تحترم يعني طائفة دون طائفة فمن احرامك لمشايخك وعلماء اليمن أن تستشيرهم وأن تعرف ماذا عندهم نسأل الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق»( )...اهـ
هل تعتقد أن مشايخ اليمن قد عرفوا الواقع لما كانوا مستميتين في الدفاع عن أبي الحسن المأربي وأنت منهم في بادئ الأمر, هل تعتقد أن مشايخ اليمن قد عرفوا الواقع لما كانوا يتهمونك بالحزبية؛ لأنهم عرفوا واقعك الذي كنت تخفيه؛ ولأنهم عاشوا تجارب ومروا بالأزمات وعالجوا فتنًا, لماذا لم توافقهم على حكمهم عليك بالحزبية والزيغ -عصم الله قلبك منه-, أم أنك تألمت من صنيعهم وفعلهم ووقوفهم بالباطل وحكمهم به أين تجاربهم ومعالجتهم للفتن لتعلم أنك -هديت ووقيت شر الهوى- قد استزلك من استزلك ممن تأثر بتقريرات السياسيين, حتى أشربت قلوبكم تصديقهم وتكذيب أهل العلم والرسوخ والتحقيق, لكن الباب باب «تشابهت القلوب وتوافقت», والله يعصمنا من الزلل.

وفي ختام الكلام نقول:
اعلم أيها السلفي الموفق لطاعة الله تعالى أن من أعظم البلاء وأفظعه, ما وقع عند بعض المنتسبة للسنة, من التغيير والتبديل للمنهج الذي كان عليه شيخنا الإمام الهمام والفارس الضرغام مقبل بن هادي الوادعي, رحمه الله وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى, وألحقه بالنبيين والصدقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا, وهذا المنهج هو بعينه منهج سلفنا الصالحين والأئمة المهديين رضي الله عنهم وأرضاهم.
وليس هذا بعجيب ولا مستنكر فقد وقع التبديل والتغيير عند طوائف كثيرة ومتعددة على ممر التاريخ والزمان, فإن الحي معرّض للفتنة ما دامت روحه في بدنه, فنسأل الله العصمة من الزلل.
قال الصحابي الجليل والعالم الفضيل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»( )...اهـ
ولو تأملت وفقك الله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن الصيغ الدالة على الطلب والإرادة, إذا لم يكن المتكلم بها طالبًا مريدًا, كان عابثًا مستهزئًا أو ماكرًا خادعًا, وأن الرجل لو قال لعبده اسقني ماء وهو لا يطلبه بقلبه ولا يريده فأتاه , فقال ما طلبت ولا أردت , كان مستهزئًا به كاذبًا في إظهاره خلاف ما في قلبه»( )...اهـ
فأقول: لو تأملته بأدنى تأمل وتبصرت ستدرك لم قال فيك العلامة ربيع بن هادي حفظه الله «ماكر» و«وعنده مكر» و«هذا من مكره» و«أسوأ من الحجوري» و«لن يتراجع» و«لن يتوب», وقال فيك العلامة عبيد الجابري حفظه الله «مغفل» و«مضطرب أمره» و«لا يصلح للدعوة», وقال الشيخ عبد الله البخاري حفظه الله «مفتون مفتون» و«لم يعرف المعروف».
وبعد هذا أبقي الإشكال عندك قائمًا -هديت ووقيت-, كيف يطلق الأئمة فيك مقالهم ونحوه من ألفاظ الجرح, فاسمع النصح تنتفع ويعصم الله قلبك من الزيغ والانحراف.
ولنا إن شاء الله بقية حول بعض الشبهات والتنبيهات حول هذه القضايا, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وهذا آخر ما سطرته في ضحى يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة ست وثلاثين وأربعمائة وألف, خلا ما تم إصلاحه أو إضافته, والله يعصمنا من الزلل.


تم بحمد الله تعالى


كتبه
أبو محمد صلاح كنتوش العدني
وفقه الله وسدده وعصم قلبه.
[/font]


التعديل الأخير تم بواسطة أبو زكرياء إسماعيل الجزائري ; 23 Mar 2015 الساعة 03:21 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013