منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم مشاركات اليوم Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 18 Jul 2010, 11:01 PM
أحمد سالم أحمد سالم غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: الجزائري مقيم في فرنسا
المشاركات: 608
افتراضي

ثم ألا تذكرون قصة الشورى في اختيار الخليفة من بعد عمر؟ ألم يكن الصحابة أكثر من عشرة آلاف؟ فلم يزد الأمر على أن تشاور ستة من أعيانهم فقط. وشبابنا اليوم يريدون من كبار المشايخ أن يخرجوا من الكتب الصفراء ليشاركوا أمتهم أحزانها زعموا، يريدون منهم أن يكونوا تحت ضغط الاستفزازات السياسية، ألا فهاكم كلمة حكيمة للشيخ ابن عثيمين ـ حفظه الله ـ لما سأله بعض المستعجلين في جرأة سخيفة: لماذا لا تردون على الحكام وتُبَيِّنوا ذلك للناس؟
قال الشيخ في وقاره وحلمه: " .. ولكن النصح مبذول ... والله! أنا أعلمتُك يا أخ ( فلان! ) وأعلمتُ الإخوان أن بيان ما نفعله مع الولاة فيه مفسدتان:
المفسدة الأولى: أن الإنسان يَخشى على نفسه من الرياء، فيبطل عمله.
المفسدة الثانية: أن الولاة لو لم يُطيعوا صار حجة على الولاة عند العامة فثاروا، وحصَل مفسدة أكبر ".
فتأمّلوا هذا الجواب الحكيم فإنه مستوحى من جواب بعض السلف حيث طلب منه بعض الثائرين أن ينكر على الخليفة عثمان بن عفان ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه؟ فقال: " أترون أني لا أكلمه إلا أُسمِعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه ". وفي رواية: " إني أكلمه في السر ".
ومثله ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " دخلتُ على حفصة ونسْواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما تَرَيْن، فلم يُجعل لي من الأمر شيء، قالت: اِلْحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدَعْهُ حتى ذهب، فلما تفرَّق الناسُ خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليُطْلع لنا قرنه، فلنحن أحقُّ به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مسلمة: فهلاَّ أجبته؟ قال عبد الله: فحللتُ حَبْوتي وهممت أن أقول: أحقّ بهذا الأمر منك مَن قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيتُ أن أقول كلمة تفرِّق بين الجمع وتَسفِك الدم ويُحمَل عني غير ذلك، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجنان، قال حبيب: حُفظتَ وعُصمتَ ".
قلت: يظهر من هذه الرواية رجاحة عقل ابن عمر رضي الله عنهما وسياسته الرشيدة؛ حيث منَعته مصلحة اجتماع الأمة على رجل واحد مِن ذكر مصلحته الخاصة، على الرغم من أن معاوية كان يقصده بكلمته تلك؛ كما في رواية عبد الرزاق بسند البخاري نفسه، قال الراوي: " يُعَرِّض بعبد الله بن عمر "، ثم لا بدّ من التنبيه على أنه جاء في » أمالي ابن الأنباري « زيادة بالسند الآتي، قال الراوي: حدَّثنا محمد ثنا أبو بكر ثنا موسى بن محمد الخياط ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن هزيل بن شرحبيل قال: " خطب الناسَ معاويةُ فقال: لو بايع الناسُ عبدا مجدَّعا لتبعتُهم، ولو لم يبايعوني برضاهم ما أكرهتُهم، فنزل، فقال له عمرو بن العاص: قد قلتَ قولا ينبغي أن تأمَّله، فرجع إلى المنبر فقال ... " بنحوه.
قلت: فيُفهَم من هذه الرواية أن معاوية قال كلمةَ تواضعٍ في وقت اشتداد الفتن ـ أيام صفين كما نبَّه عليه الحافظ ـ الأمر الذي يتنافى مع سياسة الأمة بالحزم سدًّا لأبواب الشر، ولذلك لما نبَّهه عمرو بن العاص غيَّر اللهجة، وهذا ـ بغضّ النظر عن قضية صفين ـ هو الذي تقتضيه السياسة؛ فقد نصّ بعض الفقهاء على أن سلوك السياسة هو الأخذ بالحزم، وعند بعضهم أن السياسة شَرْعٌ مغلّظ، والله أعلم.
أذكركم بهذا لتعلموا أن شيوخ السلفية لا يتخطون خطى السلف، فليعرف لهم قدرهم من للحق انتصف.
فيا شباب الإسلام! توعية الأمة ليست بحاجة إلى داعية متحمس ولكن إلى مجتهد متفرس. فهل آن لكم أن تفرقوا بينهما؟
وأن تعرفوا أن فقه الواقع راجع إلى الذين شابت رؤوسهم مع نصوص الشارع، إنكم بجرأتكم هذه على أهل العلم واستصغاركم لهم واستخفافكم العملي بالوحيين وحملتهما، وتعظيمكم المدهش لحملة قصاصات الجرائد لنذير شر مستطير قال الله تعالى : {وقالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْءَانَ مَهْجُوراً}.
وتأملوا ما رواه البخاري عن ابن عباس " أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس ( في وفاة رسول الله )، فقال : اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال اجلس، فأبى أن يجلس، فتشهد أبو بكر فمال إليه الناسُ وتركوا عمر ". تركوا عمر ـ وما أدراك ما عمر! ـ لأنهم وجدوا أفضل وأعلم من عمر، وبرباطة جأش أبي بكر، وبحسن استماع الرعية، وبعدهم عن الحماسة التي لا تدعمها النصوص عُرف مصدر التلقي، فخمدت الفتنة في مهدها.
فلماذا زهدتم في المشايخ الكبار الذين أفنوا أعمارهم مع العلم تعلُّماً وتعليماً مع جَلَدٍ في الدعوة إلى الله أمثال الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان وغيرهم، ومِلْتم إلى ( طلبة العلم !! ) أول خطئهم التشبّع بما لم يعطوا حين عُنُوا بالتوجيه السياسي، وقد كفاهموه هؤلاء، لولا أنه قد قيل ويا بئس ما قيل: ( علماؤنا .. عندهم تقصير في معرفة الواقع .. نحن نستكملهم ) !!
وحتى الشيخ الألباني الذي ظل رَدْحا من الزمن متَّهَما بما اتُهِم به إخوانُه من المذكورين، رَقَّوْه اليوم وأوصلوه بصف فقهاء الواقع، لكن على حذر شديد جدا؛ لأنه لا يزال عندهم محدِّثا فقط، ولذا لم يبلغ رتبة فقيه الواقع
ـ عندهم ـ بفقهه، ولكن بفتواه في قضية الخليج التي وقعت في الوقت المناسب على قلوب تهواها، لا لدليلها، ولكن لتهييجها السياسي. ومثل هذا حب بعض الإخوان المسلمين لابن تيمية والإشادة بفضله، لا باعتبار عقيدته وفقهه وجهاده العلمي؛ لأن هذا لا يهتمون به إن لم يقفوا في وجهه، لكن فقط لأنه وقف في صف الجهاد ضد التتار فتأمل هذا الولاء السياسي المحض، وقل لا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو حضرت حلقات الشيخ ابن باز ـ حفظه الله ـ لبكيت لنفرة الشباب
( الواعي!! ) منها، وهو من هو علما وسمتا ووقارا، ثم هم يزدحمون على الدروس العاطفية والسياسية التي تنفخ ولا تربي وإن ربت ففي حدود البنود الحزبية؛ ذلك لأنهم يجهلون أن الشيخ وأمثاله يقدمون دروسهم على ذلك النمط لأنه منهج عرفوه من سيرة الرسول أقصد ما قاله بعض السلف: " الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره " ـ كما يأتي بيانه قريبا فيما رواه البخاري ـ، وهؤلاء يقولون: ( يقدّم علما جافا ) ويقصدون جفافه من تزويقات قُصّاص هذا الزمان والكلمات المنمقة المؤنَّثة التي يبهرجون بها سترا لعورتهم العلمية، وتغريرا بالسذج إلى بدعتهم الحزبية، والحقيقة أنه هو العلم لو وجدوا له صبرا.
لقد عقد البخاري ـ رحمه الله ـ في »"صحيحه في" باب العلم قبل القول والعمل"مقارنة بين ابن عباس وأبي ذر رضي الله عنهما يبين بها معنى
( الرباني ) في قوله تعالى: {ما كانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وَبِما كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} بين فيه أن أبا ذر كان يذيع كل خبر يَعْلَمه من رسول الله خوف كتمان العلم، وقد لا يراعى في ذلك مستوى الناس أو قدرتهم على التحمل. وأما ابن عباس فخلاف ذلك.
قال ـ رحمه الله ـ: " وقال أبو ذر: لو وضعتم الصَمْصامة على هذه
ـ وأشار إلى قفاه ـ ثم ظننت أني أُنْفِذ كلمة سمعتها من النبي قبل أن تُجِيزوا علي لأَنْفَذتها.
وقال ابن عباس: ( كونوا ربانيين ) حكماء فقهاء، ويقال الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ". اهـ من » صحيح البخاري «.
قال ابن حجر: " وهذا التعليق رُوِّيناه موصولا في مسند الدارمي وغيره من طريق الأوزاعي: حدثني أبو كثير ـ يعني مالك بن مرثد ـ عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تُنْه؟ فرفع رأسه إليه، فقال: أرقيب أنت علي؟ لو وضعتم ... فذكره مثله. ورويناه في الحلية من هذا الوجه، وبيَّن أن الذي خاطبه رجل من قريش، وأن الذي نهاه عن الفتيا عثمان ".
وفي ( باب ما كان النبي يتخوَّلهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ) قال ابن حجر: " ومناسبته لما قبله ظاهرة من جهة ما حكاه أخيرا من تفسير الرباني، كمناسبة الذي قبله من تشديد أبي ذر في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ، وغالب أبواب هذا الكتاب لمن أمعن النظر فيها لا يخلو من ذلك ".
وقال ابن القيّم ـ رحمه الله ـ: " وفيه أيضا تنبيه لأهل العلم على تربية الأمة كما يُربي الوالدُ ولدَه؛ فيُرَبّونهم بالتدريج والترقي من صغار العلم إلى كباره، وتحميلهم منه ما يطيقون كما يفعل الأب بولده الطفل في إيصال الغذاء إليه ... .
وقد ذكر ابنُ حجر أيضا في موضع آخر فقال بعد ذكر الخلاف بين أبي ذر وجمهور الصحابة في كنز المال عن شداد بن أوس أنه قال: " كان أبو ذر يسمع من رسول الله الحديث فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه، ثم يرخص فيه النبي فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول ".
وقال مالك: " اعلم أنه ليس يسلم الرجل حدّث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع " رواه مسلم في مقدمة » صحيحه «.
قلت: ولعله السر في قول النبي لأبي ذر: (( يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم )) رواه مسلم.
قال الذهبي: " وقد قال النبي لأبي ذر ـ مع قوة أبي ذر في بدنه وشجاعته ـ: » يا أبا ذر! إني أراك ضعيفا «.
فهذا محمول على ضعف الرأي؛ فإنه لو ولي مال يتيم، لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرا. فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادّخار النقدين. والذي يتأمّر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر كانت فيه حدّة ـ كما ذكرناه ـ فنصحه النبي ".
الخلاصة
إن من يعلّم الناس عامةً القضايا السياسية ليس ربانيا، وإن زعم أنه يريد توعية الغافلين وتحريك الجامدين، أو يريد تحقيق شمولية العمل الإسلامي، ألا ترى ما بوب له البخاري حين قال: " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا " وروى فيه عن علي قوله: " حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟! "، وفي » صحيح مسلم « أن ابن مسعود t قال:
" ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ".
وفي » الصحيحين «أن أبا هريرة كره التحديث بحديث الجِرابَيْن ـ الذي فيه تنقّص بعض الحكام ـ لظهور بوادر الخروج عليهم في وقته مع تفشي الجهل، وكان يقول : " لو شئتُ لسَمَّيتُهم "، ومثله عن حذيفة قال الحافظ: " ولهذا كره أحمد التحديث ببعض دون بعض الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ... "، فتأمل تصرف هؤلاء الحكماء من الفقهاء، وقارن بينه وبين تصرف متناقضي زماننا، الذين إن سَلَّموا بأن الردود على الحكام بالطريقة المعروفة اليوم لا يُجنَى منها خير، فإنهم يزعمون أنه لا بد من بيان تخطيطهم الماكر للمسلمين وفضح أسرارهم ليعرفوهم ... الخ، كأنه لم يبق من بنيان دين المسلمين إلا هذا، مع أن أكثر ديار المسلمين لا تزال مقيمة على شرك القبور. ولتعلم قيمة العلماء الربانيين اقتن الأشرطة المسجلة التي ناقش فيها الشيخ الألباني الدكتور ناصر العمر فإن فيها علما جمّا، وأذكر بهذه المناسبة أن هذا الأخير حين ذكر أن أصل كتابه » فقه الواقع « محاضرة عامة اعترض عليه الشيخ قائلا: " هذا خطأ؛ لأن فقه الواقع لا يكون إلا بين العلماء أو الأقوياء من طلبة العلم ... ".
ومن خالف هذا المنهج الرصين وقع وأوقع في فتنة عظيمة؛ لأنَّ التحليلات السياسية من أصعب الأمور، ثم الاختلاف في يسيرها أسرع شيء إحراجا للصدور، وأكثر فتنة للناس لضيق عَطَنهم، خاصة في عصر أضحى فيه الولاء والبراء بين الإسلاميين الواعين!! سياسيا بالدرجة الأولى لا عقديا.
الجامعون لفنون الشريعة هم السياسيون الشرعيون
لما كان لا يُفتي في السياسة إلا العالم المجتهد، كان لا يمارس السياسة إلا هو، قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " فإذا بلغ الإنسان مبلغا فَهِمَ عن الشارع فيه قَصْدَه في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصفٌ هو السبب في تنزّله منزلة الخليفة للنبي في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله ".
وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ: " ولا يشاوِر إذا نزل المشكل إلا أمينا عالما بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس والقياس ولسان العرب " » مختصر المزني «.
قال ابن الصباغ في الشامل: " اعتبر الشافعي أن يكون الإمام من أهل الاجتهاد؛ لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فلا قول له في الحادثة ).
وقال الشاطبيّ: " إنّ العلماء نقلوا الاتّفاق على أنّ الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع ".
قلت: وهذا الاتّفاق لا يضره وجود المخالف؛ لأنّ من خالف فقد شرط الاجتهاد فيمن يستفتيه الإمام كما قال الشهرستاني: " ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد فيراجعه في الأحكام ". فعاد الأمر إلى اشتراط الاجتهاد سواء في الإمام نفسه أو فيمن يرجع إليه الإمامُ من الفقهاء.
وقال ابن حمدان الحرّاني: " المجتهد المطلق وهو الذي ذكرناه آنفا إذا استقلّ إدراكه للأحكام الشرعيّة من الأدلّة العامة والخاصة، وأحكام الحوادث
منها ...).
نكت في آيات الكتاب
من تدبّر آيات الكتاب الكريم في كل حديث عن الخلفاء الشرعيّين ـ ونحن نحب أن تكون الخلافة لفقهاء الشريعة ولاريب ـ يجد أنّ الله ما ذكر أحدا منهم إلا وصفه بالعالم المحيط بفنون الشريعة؛ فآدم أوّل من ساس البشر، ميّزه الله عن الملائكة بالعلم حتى كانت الخلافة له دونهم، ومهما اختلف المفسّرون في كلمة {خَلِيفَة} التي في أوّل سورة البقرة، فإنّه لا ينتفي عنها معنى السلطان، وهذا الذي أشار إليه ابن تيمية حين قال: " في الخلافة والسلطان وكيفية كونه ظلّ الله في الأرض، قال الله تعالى: {وإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقال الله: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ}، وقوله: {إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً} يعمّ آدم وبنيه، لكن الاسم متناول لآدم عيناً، كقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ... "، ولهذا قال القرطبي ـ رحمه الله ـ: " هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يُسمَع له ويطاع ...".
وأقول: إنّ الله اختار آدم لخلافة الأرض دون الملائكة لا لكونه عالما ببعض دون بعض، ولكن لكونه محيطا بما عبّر الله عنه بلفظ الكلية حين قال: {وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ} ولم يسكت ولكن زاد {كُلَّهَا}.
ـ ومثله قوله تعالى: {ولَقَدْ آتَيْنا دَاوُودَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقَالاَ الحَمْدُ لِلَهِ اَّلِذي فَضّلَنا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ}، قال ابن باديس ـ رحمه الله ـ: " {عِلْماً} نوعاً عظيماً ممتازاً من العلم، جَمَعا به بين المُلْك والنّبوّة وقامَا بأمر الحُكم والهداية ".
وقال: " تنويه وتأصيل: قد ابتدأ الحديث عن هذا المُلْك العظيم بذكر العلم، وقدّمت النّعمة به على سائر النّعم تنويها بشأن العلم وتنبيها على أنّه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنّه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا، وأنّ الممالك إنما تُبنى عليه وتُشاد، وأنّ الملك إنما يُنظَّم به ويُساس. إنّ كل مالم يُبْن عليه فهو على شفا جرف هار وأنّه هو سياج المملكة ودرعها وهو سلاحها الحقيقيّ، وبه دفاعها وأنّ كل مملكة لم تُحْم به فهي عُرضة للانقراض والانقضاض ".
ـ ومثله قوله تعالى: {ويَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِنْهُ ذِكْراً، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ في الأَرْضِ وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً}، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسُّدي وغيرهم: " يعني عِلْماً "؛ أي من كل شيء علماً، إذن فهي الإحاطة بكل فنون العلم.
فتأمّل العلم المبسوط على هؤلاء السياسيين الصّالحين، وقد روى أبو حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدّث عن النبي قال: (( كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هَلَك نبيٌّ خَلَفَه نبيٌّ، إلا أنّه لا نبيَّ
بعدي )) متفق عليه، ومصداقه في كتاب الله قوله سبحانه: {إنّا أنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ ...} الآية.
إذن فالسياسة كانت للأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم كانوا أحقّ بها وأهلها، فإذا مات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانت نصيب ورثتهم قال رسول الله :" إنّ العلماء ورثة الأنبياء « رواه التّرمذيّ وهو حسن.

يتبع
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013