
25 Jan 2010, 06:46 AM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: القدس
المشاركات: 17
|
|
حفظ الله فضيلة الشيخ عبد الغني عويسات و جزاه المولى خير الجزاء ..
و أنت أخي الناقل بارك الله فيك و جزاك الله خيراً
واسمح لي أن أضيف هذه اثراءً للموضوع :
قال الشيخ محب الدين الخطيب - رحمه الله - في رسالته : [ إحياء سنن الإسلام و قواعده ] :
"
ميزان الإسلام
[ خلق الاعتدال ]
أفضل ما تحمل عليه نفسك و ذَويك
أثمن ما نصحتُ به لابني ودفعته إليه ، وأعظم ما ألزمتُ به نفسي وحملتها عليه ، ( خُلق الاعتدال ) . وكلما غُمَّ عليَّ أمر ، وترددت في تعيين وجهة الصواب فيه ، جنحت منه إلى ناحية الاعتدال ، فوجدت فيها الخير كله .
إذا كان الغلو ـ في النادر من الأمور ـ أجدى و أعظم خيراً من الاعتدال ، فالاعتدال أدنى إلى الخير و أجدى على المرء من أكثر صنوف الغلو . و المعتدل محمود حتى في الأمور النادرة التي يكون فيها الغلو أعلى مرتبة من الاعتدال . و مرجع الاعتدال ( العدل ) ، وهو رأس الفضائل وقلبها و موضع السرِّ منها ، ومنه اشتق الله سبحانه لنفسه اسماً من أسمائه الحسنى وما كانت الفضيلة فضيلة إلا وهي في مكان الاعتدال ، فإذا تجاوزته إلى أحد طرفي الغلو يميناً أو شمالاً ، سلباً أو إيجاباً ، أوشك أن تكون من الرذائل التي جاءت الديانات بتقبيحها ، و تواصى الحكماء بالتنفير منها وقامت الأنظمة للزجر عنها . وهل كان التواضع إلا الجانب المعتدل بين طرفي الذل و الكبرياء ؟ وهل كان للمجاملة جمال إلا بابتعادها عن رذيلتي الشراسة و المداهنة ؟ وهل كان الكرم كرماً إلا بتوسطه بين خساسة البخل و سفاهة التبذير ؟ وهل الشجاعة إلا الحالة الوسطى بين التهور و الجبن ؟ وهل تجد في الحياة طريقاً إلى هدفك أقرب من الطريق الوسط المعتدل ؟
و الاعتدال أخو الرفق و التيسير . وقد قال رسول الرحمة صلوات الله عليه وسلامه : « إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه »[1] . وقال صلى الله عليه وسلم : « ومن يحرم الرفق يحرم الخير كله »[2] . و « كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحداً في بعض أمره قال : بشّروا ولا تنفِّروا ، ويسروا ولا تعسروا »[3] و قال صلى الله عليه وسلم « الدين يُسر ، ولن يغالب الدينَ أحدٌ إلا غلبه »[4] و قال صلى الله عليه وسلم : « إياكم الغلو في الدين ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوِّ في الدين »[5] و قال صلى الله عليه وسلم : « إن المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى »[6].
و بالاعتدال تدنو من صاحب الإفراط و قد توفق إلى تقريبه منك ، وبه تشرف على صاحب التفريط وقد تتمكن من إقناعه بضرر ما هو فيه . وسيزعم لك جاهل أنك بما التزمته من الاعتدال تكون لا من هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فلا يخدعك ذلك عما أنت فيه لأنك لا تكون إلى هؤلاء أو أولئك إلا و أنت بعيد عن مباءة[7] الخير ، و في نجوة[8] عن موطن السلامة .
الاعتدال ، الاعتدال . ذلك ما أوصيك به ونفسي فهو طبك في صحتك ، إذا التزمته في مأكلك ومشربك وجهودك وهو ثروتك في معيشتك ، إذا التزمته في نفقاتك ومعاملاتك .
وهو ما تدخره لمعادك ، لأنه من معاني التقوى ، وهل التقوى إلا أن تتقي الشر الواقع في أحد طرفي الإفراط و التفريط ، وتكون في جميع تصرفاتك عادلاً معتدلاً .
الوقاية من الأمراض تقوى ، و مناطها الاعتدال . و الوقاية من المهالك تقوى ، و قوامها الاعتدال . و الوقاية من عُشراء السوء تقوى ، و لا تكون إلا بالاعتدال . و الوقاية من التبذير و الشُّح تقوى ، وهي هي الاعتدال .
خُلق الاعتدال ميزان الدين و زينة الحياة الدنيا ، فإذا كنت تنشد السعادة هنا وهناك فكن في جميع تصرفاتك متوخياً جانب الاعتدال ، فالاعتدال من الرفق و الرفق خير كله ، وقد جربت ذلك بنفسي ، فأردت أن لا أبخل به على أحد ممن أحبُّ ." ا.هـ
ــــــــــــــــــــ هامش ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
[1] صحيح مسلم [6545] .
[2] رواه أبو داود [4809] وغيره ، وصححه الإمام الألباني بهذا اللفظ، وهو في صحيح مسلم بدون لفظ ( كله ) برقم [6542] .
[3] انظر – مثلاً – صحيح البخاري [ 7172] .
[4] رواه البخاري [39] ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
[5]صحيح ، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة [ 1283] .
[6] ضعيف ، انظر السلسلة الضعيفة [2480] .
[7] المباءة : المنزلة .
[8] بعيد عنه ، بريء منه .
|