و إذا قلتَ: لقد ذكر “قضايا العقيدة“، كان الجواب: ارجع إلى الكتاب المُحال إليه أعلاه ’الإغراق في الجزئيات’؛ لترى أنه كلما تحدث عن العقيدة لا يكاد يفسرها إلا بالولاء و البراء، الأمر الذي يدلك على أن حاجته إلى العقيدة لا تتجاوز ما يخدم ذلك الباب الذي سميت لك آنفا، كيف لا و (الولاء و البراء) هو أوسع باب يُخرِج منه هؤلاء أمراءهم من الإسلام؟!
ثم جاء آخر يطعن على الفقهاء بسخرية إخوانية موروثة، و هو الشيخ عائض القرني، فبعد أن شهّر قوم ـ لغرض ما ـ (بتراجعه!!)، قام ليكتب من جديد في أواخر ما ألف، ألا و هو كتابه ’كونوا ربانيين’، حيث قال (ص 139): “في تلك الساعة التي جلس كثير من العلماء في صوامعهم، ينحتون الأفكار لتخريج حاشية الحاشية على مختصر المتن لشرح المؤلف، لا يدرون ما حولهم، و لا يعلمون ما يدور في أرضهم، فكان أن خلا الميدان لكل من عنَّ له رأي، أو اشتعلت في رأسه فكرة...!!!“.
قلت: إن هذا الطعن الجارح لأهل العلم لا يرقِّعه أن يعقد فصلا في كتابه بعنوان “لحوم العلماء مسمومة“؛ فإن التناقض سمة مجربة عليه، و الأمر لله!
ثم إن جلوس العلماء في “صوامعهم!“، مع سلامة الناس من غوائلهم خير من الدماء التي تهدرها جماعاتكم في بلاد المسلمين باسم الجهاد، ثم لا يُسمع منكم كلمة تنديد، بل يقابَل ذلك منكم بالتأييد!!
وها أنتم انتظرتم وفاة العلماء لتخالفوهم في الفتاوى الجهادية، التي تشهدون بأنها “مصيرية“، منها:
- تأييدكم للمتهورين في المظاهرات و المسيرات!
- و تأييدكم للمتهورين في العمليات الانتحارية!
- و تأييدكم للمتهورين في التفجيرات العمياء!
- و تأييدكم للمتهورين المؤيدين (للعبة!) أطفال الحجارة!
- و تأييدكم للماديين من العوام في تحريم التجارة مع أهل الكتاب؛ باسم المقاطعة الاقتصادية!
- و إفتاؤكم بالجهاد في أي بقعة من البقاع، قام فيها وِقاع و قِراع، غير مراعين في ذلك الشفقة على المسلمين في ضعفهم و قلة ذات اليد!
كل هذه المخالفات للعلماء المبرِّزين قد علمناه منكم بعد بروزكم في وسائل الإعلام اليوم، و الغريب أنكم من حين لآخر يكرّرون أن الشيخ ابن باز و الشيخ ابن عثيمين، و أمثالهم ـ رحمهم الله ـ قد زكَّوكم، فتوهمون الناس أنكم لم تخرجوا عن خط هؤلاء (المزكين!) لكم!!
و أغرب منه هو إجهاد أنفسكم لتلميع بعض المبتدعة المنتسبين إلى العلم؛ لموافقتهم لكم في هذه الفتاوى المضللة، كما سيأتي إن شاء الله!!
إنكم بالأمس القريب تجرأتم على واقع الجزائر، و أفتيتم أهلها ـ غير مبالين بمراغمة أهل العلم ـ بما جر عليهم من ويلات، إلى يوم الناس هذا،فذكرناكم بما فيه بلاغ لكم، لكن يبدو أن محطة الاستقبال عندكم عقيم، ثم جئتم اليوم تعيدون الكرة بعد أن (استرحتم!) من العلماء الذين كانوا يخالفونكم في الفتاوى الجهادية، و الله المستعان!
و الحقيقة أن هذه الكلمات خرجت من مدرسة واحدة، قال أبو قتادة في ’الجهاد و الاجتهاد’ (ص 245-246): “وعلى هذا فإن الفقيه لن يكون فقيها في ديننا، و لايُسمى فقيها وعالما، إلا إذا كان سياسيا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى و وقع على النفوس، و على الشباب المسلم أن يسقط من حسه من احترامه من يقول: إن من السياسة ترك السياسة؛ لأنه حين يكون كذلك ـ أي حين لا يكون سياسيا ـ لن يكون فقيها، بل يكون شيخ جهل و تجهيل، و على مثل هؤلاء الشيوخ الجهلة يعتمد الطاغوت في إمرار باطله على الناس، و في إصباغ الشرعية على نفسه، فشيوخنا كمخدَّرات البيوت...!!“.
قلت: صاحب هذه المقولة التي يأمر المشبوه بإسقاطه هو الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ رأسا؛ و بقية العلماء السلفيين تبعا؛ لأنهم على موافقة السيرة النبوية في ذلك، فإن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ لم يكن يشتغل بالسياسة إذ كان مستضعفا، و لا كان يشتغل بها عامتهم إذا كان قويا ذا سلطان، و إنما كان يومئذ يخص بها بعض أعيان أصحابه، كما هو معلوم من سيرته ـ صلى الله عليه و سلم ـ، و اشتغال الدعاة اليوم بالسياسة هو سبب نكساتهم، مهما توهموا أنهم مهتمون بحركات إخوانهم و سكناتهم، أو أنهم على مستوى الأحداث...!!
ثم إن هذه المقالة التي نقلتها عن المشبوه هنا تبين للمخدوعين به مبلغ صدق ما يتظاهر لهم به توقير للشيخ الألباني.
و ها هو يستمر في الطعن على العلماء قائلا: “و إلا ففسِّروا لنا ماذا نسمي هذا القطيع البهيمي الذي يتحلّق حول الطاغوت و قد زين الرؤوس بعمائم خربة، و لم ينس أن يطلق شعرات الخديعة على لحيته، و لعله نسي أن يحلقها ذلك اليوم لاضطرابه، ثم يخرج من عنده و هو يمدح و يثني و يقسم الأيمان المغلظة على أن حاكمنا هو ولي الأمر الشرعية الذي يجب طاعته!!
أهكذا يصنع الفقه بأهله؟!
أم هكذا يكون العلماء؟!“.
إلى أن قال: “هؤلاء من العار على أهل ديننا بمكان، و أنه مما يُخجَل منه أن يكونوا هم العلماء؛ و لو رضينا أن نطلق عليهم وصف العلم و الفقه لكان هذا شتما و قذفا لديننا؛ لأننا علّمنا الناس أن عالم هذا الدين و فقيه هذه الشريعة جاهل بالحياة، غبي بالزمان، و من اجل ذلك، لأن نشتم هؤلاء القوم و نخرجهم من زمرة العلماء، خير و ألف خير من أن نصبغ في أذهان الناس صورة قذرة عن الفقه المسلم!!“.
تشويه صارخ:
يقول الشيخ سلمان العودة في كتابه ’من أخلاق الداعية’ (ص 55): “و هناك من يقع في الخطأ المقابل، فيشتغل ببعض الكليات، و يقلل من شأن الجزئيات“.
قلت: لا تنخدع ـ أخي القارئ! ـ بحلاوة هذا الكلام؛ فإن آخر الطعم مر؛ إذ قال عقبه: “يقول أحدهم أنا سلفي، و عندما أنظر إلى شخصية عمر، أنظر فيها إلى عمر الذي نشر العدل بين الناس، عمر الذي كان يقول: لو عثرت بغلة في العراق لشعرت أن الله سائلي عنها: لمَ لم تسوّ لها الطريق يا عمر؟!
و لست أنظر إلى شخصية عمر الذي يقصر ثوبه و يطيل لحيته كما ينظر إليه بعض الصبي!!“.
قلت: لماذا يصف سلمان منتقَده بـ “سلفي“، مع أن السلفي لا يقول هذا أبدا؟!
هذه ـ في الحقيقة ـ أدهى مما مضى؛ إنها تشويه للسلفيين لا غير، و الكتاب لم يُكتب إلا لهذا كما رأيت قريبا، و الدواوين تُنشر يوم القيامة، قال الله ـ عز و جل ـ: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئا و إن كان مثقال حية من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين} (الأنبياء 47)!
و الحقيقة الأخرى أن اهتمام هذا المنتقد من شخصية عمر ـ رضي الله عنه ـ بالجانب السياسي فقط ـ باسم العدل ـ هو دعوة الشيخ سلمان العودة تماما؛ تعريضا بولاة الأمر من جهة، و بأهل العلم السلفيين من جهة أخرى؛ على زعم أن هؤلاء لا يعرفون الجوانب التي ينبغي أن يراعوها في الولاة!
و الحقيقة الثالثة أن قول هذا السياسي المنتقد: “أنا سلفي!“، ليس هو إلا سلمان العودة؛ لأن الشيخ سلمان هو الذي يركز على السياسة في محاضراته، و لا يحشد شبابه لخدمة شيء كحشده لهم لخدمة السياسة، و كي لا يقال له بحق: (يا إخواني! أو يا سروري!)، سارع ليموّه بقوله: أنا سلفي!
فإذا هو كما قيل جرْوَل يهجو نفسه!
و قد ذكّرني هذا صنيع شيخه محمد سرور زين العابدين الذي سمى مجلته السياسية المختصة بالطعن على الولاة باسم: ’السنة’، مع انه ليس فيها شيء من السنة!!!
وهو ما فعل ذلك إلا تعريض بعلماء السنة اليوم في محاربتهم للفرق؛ إذ أراد أن يفهمهم أن السنة قديما كانت تتمثل في الرد على الفرق المعاصرة لهم، و سموا كتبهم في الرد على المنحرفين عن العقيدة الصحيحة بـ 'السنة'، كـ'السنة' للإمام أحمد، و لابنه عبد الله، و لتلميذه الخلّال، و لابن أبي عاصم، و لابن نصر المروَزي وغيرهم، و هذه الفرَق قد تواترت اليوم في زعمه، فينبغي لمنشد السنة عنده أن ينبري للفرق المعاصرة التي لا يمثلها اليوم عنده إلا الحكام!!!
فالخلاصة أن سلمان طعن بكلامه ذاك على السلفيين تصريحا، كما طعن في كلامه الذي قبله على الدعوة السلفية تلميحا؛ حيث نعى عليهم تخصصهم في علم الحديث و شوّه صورتهم، و هو يدل دلالة واضحة عند من لم يُعمِه التعصب أنه لم يكتف بحياده و عدم انتمائه إلى الطائفة المنصورة التي كان و لا يزال يفرِّق بينها وبين الفرقة الناجية، بل أضاف، إلى التحذير منها اسما؛ ليقتل في نفوس أتباعه الولاء الصحيح لها و الغيرة على جنابها، و إنا لله!
قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ كما في 'مناقب الإمام أحمد' لابن الجوزي (ص 247): [من عظّم أصحاب الحديث تعظّم في عين رسول الله، و من حقّرهم سقط من عين رسول الله؛ لأن أصحاب الحديث أحبار رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ].
أهل الكلام و أهل الرأي قد جهلوا [][][] علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرَفوا الآثار ما انحرفوا [][][] عنها إلى غيرها بكنهم جهلوا
قال أبو المظفَّر السمعاني في المصدر السابق (ص 43-45): [كل فريق من المبتدعة يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ؛ لأنهم كلهم يدّعون شريعة الإسلام، ملتزمون في شعائرها، يرون ان ما جاء به محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ هو الحق، غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك، و أحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله و رسوله، فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بالشريعة الإسلام، و أن الحق الذي قام به رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ هو الذي يعتقده و ينتحله، غير أن الله ـ تعالى ـ أبى أن يكون الحق و العقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث و الآثار؛ لأنهم أخذوا دينهم و عقائدهم خلفا عن سلف، و قرنا عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، و أخذه التابعون عن أصحاب رسول الله، و أخذه أصحاب رسول الله عن رسول الله، و لا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله الناسَ من الدين المستقيم و الصراط القويم إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث، و أما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه؛ لأنهم رجعوا إلى معقولهم و خواطرهم و آرائهم، فطلبوا الدين من قِبَله، فإذا سمعوا شيئا من الكتاب و السنة عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبِلوه، و عن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة و المعاني المستنكرة، فحادوا عن الحق و زاغوا عنه، و نبذوا الدين وراء ظهورهم، و جعلوا السنة تحت أقدامهم، تعالى الله عما يصفون، و أما أهل الحق فجعلوا الكتاب و السنة إمامهم، و طلبوا الدين من قبلهما، و ما وقع لهم من معقولهم و خواطرهم عرضوه على الكتاب و السنة؛ فإن وجدوه مخالفا لهما قبلوه و شكروا له الله ـ عز و جل ـ؛ حيث أراهم ذاك و وقفهم عليه، و إن وجدوه مخالفا لهما تركوا ما وقع لهم و أقبلوا على الكتاب و السنة، و رجعوا بالتهمة على أنفسهم؛ فإنّ الكتاب و السنة لا يهديان إلا إلى الحق، و رأي الإنسان قد يري الحق و قد يري الباطل، و هذا معنى قول أبي سليمان الداراني، و هو واحد زمانه في المعرفة: ما حدّثَتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب و السنة، فإن أتى بهما و إلا رددته في نحره، أو كلام هذا معناه].
إلى أن قال في (ص 52-58): [فإن قال قائل: إنكم سميتم أنفسكم أهل السنة، و ما نراكم في ذلك إلا مدعين؛ لأنا وجدنا كل فرقة من الفرق تنتحل اتباع السنة، و تَنسب من خالفها إلى الهوى، و ليس على أصحابكم منها سمة و علامة أنهم أهلها دون من خالفها من سائر الفرق، فكلها في انتحال هذا اللقب شركاء متكافئون، و لستم أولى بهذا اللقب إلا أن تأتوا بدلالة ظاهرة من الكتاب و السنة أو من إجماع أو معقول؟
الجواب: قولكم إنه لا يجوز لأحد دعوى إلا ببينة عادلة أو دلالة ظاهرة من الكتاب و السنة هما لنا قائمتان بحمد الله و منه، قال الله ـ تعالى ـ: {و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر 7)، فأمرنا باتباعه و طاعته فيما سن و أمر و نهى و حكم و علّم، و قال النبي: "عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، و قال: "من رغب عن سنتي فليس مني"...
فوجدنا سنته و عرفناها بهذه الآثار المشهورة التي رويت بالأسانيد الصحاح المتصلة التي نقلها حفاظ العلماء بعضهم عن بعض، ثم نظرنا فرأينا فرقة أصحاب الحديث لها أطلب، و فيها أرغب، و لها أجمع، و لصحاحها أتبع، فعلمنا يقينا أنهم أهلها دون من سواهم من جميع الفرق؛ فإن صاحب كل حرفة أو صناعة ما لم يكن معه دلالة عليه من صناعته و آلة من آلاته، ثم ادعى تلك الصناعة كان في دعواه عند العامة مبطلا، و في المعقول عندهم متجهّلا، فإذا كانت معه آلات الصناعة و الحرفة شهدت له تلك الآلات بصناعته، بل شهد له كل من عاينه قبل الاختبار، كما أنك إذا رأيت رجلا قد فتح باب دكانه على بزٍّ (1) علمت أنه بزّاز و إن لم تختبره، و إذا فتح على تمر علمت أنه تمار، و إذا فتح على عطر علمت أنه عطّار، و إذا رأيت بين يديه الكِير (2) و السندان(3) و المطرقة علمت أنه حداد، و إذا رأيت بين يديه الإبرة و الجَلَم (4) علمت أنه خياط، و كذلك صاحب كل صناعة إنما يُستدل على صناعته بآلته، فيُحكم بالمعاينة من غير اختبار، و لو رأيت بين يدي نجار قدوما و منشارا و مثقبا، و هو مستعد للمعمل بها، ثم سميته خياطا جهلت، و لو قال صاحب التمر لصاحب العطر: أنا عطار، قال له كذبت، بل أنا هو! و شهد له بذلك كل من أبصره من العامة، ثم كل صاحب صناعة و حرفة يفتخر بصناعته، و يستطيل بها، و يجالس أهلها، و لا يذمّها، و رأينا أصحاب الحديث ـ رحمهم الله ـ قديما و حديثا هم الذين رحلوا في طلب هذه الآثار التي تدل على سنن رسول الله، فأخذوها من معادنها، و جمعوها من مظانها، و حفظوها و اغتبطوا بها، و دعوا إلى اتباعها، و عابوا من خالفها، و كثرت عندهم و في أيديهم، حتى اشتهروا بها كما اشتهر البزّاز ببزّه و التمار بتمره و العطار بعطره، ثم رأينا أقواما انسلخوا من حفظها و معرفتها، و تنكبوا اتباع أصَحّها و أشهرها، و طعنوا فيها و فيمن أخذ بها، و زهّدوا الناس في جمعها و نشرها، و ضربوا لها و لأهلها أسوأ الأمثال، فعلمنا بهذه الدلائل الظاهرة و الشواهد القائمة أن هؤلاء الراغبين فيها و في جمعها و حفظها و اتباعها أولى بها و أحق من سائر الفرق الذين تنكبوا أكثرها، و هي التي تحكم على أهل الأهواء بالأهواء؛ لأن الاتباع عند العلماء هو الأخذ بسنن رسول الله التي صحت عنه عند أهلها و نقلتها و حفاظها، و الخضوع لها و التسليم لأمر النبي فيها تقليدا لمن أمر الله بتقليده و الائتمار بأمره و الانتهاء عما نهى الله عنه، و وجدنا أهل الأهواء الذين استبدوا بالآراء و المعقولات بمعزل عن الأحاديث و الآثار التي هي طريق معرفة سنة رسول الله، فهذا الذي قلناه سمة ظاهرة و علامة بينة تشهد لأهل السنة باستحقاقها، و على أهل الأهواء في تركها و العدول عنها ـ بأنهم ليسوا من أهلها، و لا نحتاج في هذا إلى شاهد أبين من هذا، و لا دليل أضوأ من هذا].
قلت: تأمل هذا ما أحسنه؛ فإن المؤلف وجد هذا الوصف الأخير علامة على استحقاق أهله لاسم السنة و انفرادهم بالحق، بيد أن الشيخ سلمان انعكس الفهم عنده؛ فأراه شيطان الحركة أن هذا تقوقع على جزء من الدين، و أنه سبيل مهلكة، و أراه المنقبة مثلبة، فالله المستعان.
ثم انطلق المؤلف ـ رحمه الله ـ في بيان أن بروز القوم في صورة أصحاب الحديث لا يغير من جوهر دعوتهم شيئا، فقال: [فإن قالوا: إن لكل فريق من الأهواء و أصحاب الآراء حججا من آثار رسول الله يحتجون بها، قلنا: أجل، و لكن يحتج بقول التابعي على قول النبي أو بحديث مرسل ضعيف على حديث متصل قوي، و من هنا امتاز أهل اتباع السنة عن غيرهم؛ لأن صاحب السنة لا يألو أن يتبع من السنن أقواها، و من الشهود عليها أعدلها و أتقاها، و صاحب الهوى كالغريق يتعلق بكل عود ضعيف أو قوي، فإذا رأيت الحاكم لا يقبل من الشهود إلا أعدلها و أتقاها، كان ذلك منه شاهدا على عدالته، و إذا غمص و قنع بأرداها، كان ذلك دليلا على جَوْره، و كان المتبع لا يتبع من الآثار إلا ما هو عند العلماء أقوى، و صاحب الهوى لا يتبع إلا ما يهوى و إن كان عند العلماء أوهاها، و كل ذي حرفة و صناعة موسوم بصناعته، معروف بآلته، متى أعوزته الآلة زالت عنه آية الصناعة و كذلك سمات أهل السنن و الأهواء وفي دون ما فسرناه ما يشفي، و الأقل من هذا يكفي من كان موفقا، و لحقه عون من الله ـ تعالى ـ.
قالوا: قد كثرت الآثار في يد الناس، و اختلطت عليهم، قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها، فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم و الدنانير، فيميزون زيوفها، و يأخذون جيادها، و لئن دخل في غمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث و رتوت(5) العلماء حتى أنهم عدوا أغاليط من غلط في الأسانيد و المتون، بل تراهم يعدون على كل رجل منهم في كم حديث غلط، و في كم حرف حرّف، و ماذا صحّف، فإذا لم تُرج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد و المتون و الحروف، فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة و توليدهم الأحاديث، يقول بعض الناس: (إن بعض الزنادقة ادعى أنه وضع ألوفا من الأحاديث، و خلطها بالأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيَت على أهلها!!)، و ما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب، يريد أن يُهجّن بهذه الدعوى الكاذبة صحاح أحاديث النبي و آثاره الصادقة، فيغلط جهّال الناس بهذه الدعوى، و ما احتج مبتدع في رد ّآثار رسول الله بحجة اوهى منها، و لا أشد استحالة من هذه الحجة، فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يُسَفّ في فيه الرماد، و ينفى من بلاد الإسلام، فتدبر رحمك الله: أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار رسول الله شرقا و غربا، برا و بحرا، و ارتحل في الحديث الواحد فراسخ، و اتهم أباه و أدناه في خبر يرويه عن النبي إذا كان موضع التهمة و لم يحابه في مقال و لا خطاب؛ غضبا لله و حمية لدينه، ثم ألّف الصحف و الأجلاد في معرفة المحدثين و أسمائهم و أنسابهم، و قدر أعمارهم و ذكر أعصارهم و شمائلهم و أخبارهم، و فصل بين الرديء و الجيد، و الصحيح و السقيم؛ حنقا لله و لرسوله، و غيرة على الإسلام و السنة، ثم استعمل آثاره كلها، حتى فيما عدا العبادات من أكله و طعامه و شرابه، و نومه ويقظته، و قيامه و قعوده، و دخوله و خروجه، و جميع سيرته و سسنه، حتى في خطراته و لحظاته، ثم دعا الناس إلى ذلك و حثّهم عليه ندبهم إلى استعماله و حبب إليهم ذلك بكل ما يمكنه، حتى في بذل ماله و نفسه، كمن أفنى عمره في اتباع أهوائه و آرائه و خواطره و هواجسه، ثم تراه يرد ما هو أوضح من الصبح من سنن رسول الله و أشهر من الشمس، برأي دخيل، و استحسان ذميم، و ظن فاسد، و نظر مشوب بالهوى؟!
فانظر ـ وفقك الله للحق ـ أي الفريقين أحق أن ينسب إلى اتباع السنة و استعمال الأثر: الفرقة الأولى أم الثانية؟
فإذا قضيت بين هذين بوافر لُبّك، و صحيح نظرك، و ثاقب فهمك، فليكن شكرك لله على حسب ما أراك من الحق، و وفّقك للصواب، و ألهمك من السداد، و اختصك به من إصابة الحسن في القول و العمل،فإذا كنت كذلك فقد ازددت يقينا على يقين، و ثلجا على ثلج، و إصابة على إصابة، و مِن الله التأييد و التسديد و الإلهام و الإعلام، و هو حسب أهل السنة، و عليه توكلهم، و منه معونتهم و توفيقهم و نصرتهم، بمنه و فضله، و عميم كرمه و طوله].
---------------------------------------
1: أي الثياب.
2: هو زِقّ ينفخ فيه الحداد، كما في 'القاموس المحيط'.
3: السندان: زُبرة الحداد، كما في 'المصباح المنير' مادة: زبر، و الزبرة هي قطعة من الحديد ضخمة، كما في 'العَين' مادة: زرب.
4: هو من جَلَمَ الشيء، أي قطعه،و الجلم كالمقراض و ما يجزّ به، كذا في 'لسان العرب' باختصار في مادة جَلَمَ.
5: الرتوت: جمع رَتّ، و هو الرئيس من الرجال في الشرف و العطاء، و جمعه رتوت، و هؤلاء رتوت البلد، كذا في 'لسان العرب' مادة: رتت.
|