منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15 Oct 2016, 10:57 AM
خالد فضيل خالد فضيل غير متواجد حالياً
مـشـرف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 49
افتراضي نقض مقالات عبد الحليم توميات الموسومة بـ: (الخوارج على العلماء..) -الحلقة الأولى-






نقض مقالات عبد الحليم توميات الموسومة بـ: "الخوارج على العلماء.."

-الحلقة الأولى-


الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
فقد وقفت على بعض ما كتبه عبد الحليم توميات في مجموع مقالات سماها "مقارنة بين الخوارج على الأمراء والخوارج على العلماء" ينتقص فيها أهل السنة الذين ردوا على أهل البدع وحذروا منهم ومن بدعهم، ولم يكن كلامه في بيان حقائق المسائل التي خالف فيها عصابة الحق، ولكنه أتى بمجملات من القول تحتمل الحق والباطل،فلم يميز حقها من باطلها،بل جعل باطلها موضع الحق، وأعاد ما يقوله جماعة من أهل الجهل بلا نظر في كلامهم ولا تمحيص، فعزمت على كتابة ما يبين خطأه في هذه المقالات على أهل السنة، ونقلت كلامه بحروفه.

ثم تبيّن لي أن المعترض إنما سرق مقالاته عازيا إياها إلى نفسه من كتاب أبي الحسن المأربي، فإنه ذكر هذه المعاني في كتابه:" فتنة التفجيرات و الاغتيالات" ص10 فما بعدها، وأتي بمجمل نقوله وألفاظه، ولم يعز إليه ولا ذكر أنه عول عليه، وهكذا يأخذ الأعمى عن الأعور، والله المستعان.
قال:
فقد قال يزيد بن عياض رحمه الله:" لَمّا نَقِمَ النَّاس على عثمان رضي الله عنه، خرج يتوكّأ عَلَى مروان، وهو يقول: لكلِّ أمَّةٍ آفة، ولكلِّ نِعمة عاهَة، وإنّ آفةَ هذه الأمّة عَيّابون طعَّانون " ["البيان والتّبيين" (1/377)]. وأعظم العيّابين، وأخطر الطعّانين، هم أولئك الّذين يطعنون في ولاة الأمور: الأمراء أو العلماء. الأمراء الّذين بهم تُحفظ أمور الدّنيا، والعلماء الّذين تحفظ بهم أمور الدّين، وقد ثبت عن الصّحابة رضي الله عنهم قولان في تفسير قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}: فقال أبو هريرة رضي الله عنه:" هم الأمراء"، وهو ما رجّحه الطّبري والشّافعي رحمهما الله.وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه:" هم أهل العلم والقرآن "، وهو قول مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية والضحّاك والإمام مالك رحمهم الله، وكلّ من القولين صحيح، إذ إنّ:" الأمراء إنّما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم " ["أعلام الموقعين" (1/10)]. بل إنّ الخوارج قبل أن يخرجوا على عليّ رضي الله عنه الأمير النّبيه، فإنّهم خرجوا على عليٍّ العالم الفقيه"اهـ
قلت: وهذا اصطلاح منه خرج به عما اصطلح عليه أهل العلم، فإن الخوارج إنما سموا خوارج بخروجهم على علي رضي الله عنه الأمير النبيه،لا بخروجهم على علي العالم الفقيه، وبرهان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تكون أمتي فرقتين، تخرج بينهما مارقة ، يلي قتلها أولاهما بالحق"، فأطلق الخروج والمروق على طائفة، ولم يطلقها على أحد فرقتي الأمة مع أنها في مقابلة على رضي الله عنه، والمقطوع به أنهم خرجوا على علي العالم الفقيه، ولم يخرجوا على علي الأمير النبيه،فلم يكونوا من الخوارج،وإنما سمي خارجيا من خرج على علي الأمير النبيه رضي الله عنه.
كذلك مخالفة أهل العلم تختلف بحسبها،فقد تكون معصية وقد تكون بدعة وقد تكون كفرا،وليست محصورة في الخروج، وإنما يكون الرجل من الخوراج إذا خرج على الأمير لا على العالم، واعتبر ذلك بالخروج عن أمر الله، فإن العالم لا يأمر إلا بما أمر الله، فعاد الأمر إلى الله تعالى، ولم يسم من يخرج عن أمره خارجيا،وإنما هذه التسمية مختصة بمن خرج على الأمير مع شروط توجد فيه، وعلى هذا مضى أهل العلم.
فإن قال قائل: إنما سمي هؤلاء وهؤلاء خوارج لعلة جمعت بينهما،هي الخروج على ولاة الأمر الذين هم العلماء والأمراء.
قلنا: أما كونه متعلقا بالأمراء فمما لا نختلف فيه، وأما العلماء فكونهم ولاة أمر على قول من قاله من أهل العلم لا يلزم من مخالفتهم أن يكون حكم من خالفهم حكم من خالف الأمراء.
كما أن طاعة الأمراء تجب لما في خلافهم من المفاسد،ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما كائنا من كان"، وهذا لما يلزم من وجود خليفتين من الفساد، بخلاف العلماء، فإنهم متكاثرون في كل عصر من العصور،وبينهم من الخلاف ما يعلمه أهل العلم، فلم تكن طاعتهم جميعا على اختلافهم ممكنة،ولا طاعة بعضهم تجعل من أطاعهم خارجا على الباقي.
وإن أراد بالخروج على العلماء بالطعن و الثلب، فإن هؤلاء أيضا لا يسمون خوارج، بل هذا من جملة الكبائر،التي هي غيبة العلماء، ولا يزال أهل العلم من قديم الدهر على هذا الحال مع الناس، وقد قال الإمام أحمد: "فما أحسن أثرهم على الناس، وما أسوء أثر الناس عليهم".
فإن قال قائل: هذا اصطلاح منه،ولا مشاحة في الاصطلاح.
قيل له: إنما يصح له أن يصطلح فيما لا يترتب عليه حكم شرعي،ولا إيهام في علم، وهذا المصطلح له تعلق بالأمرين جميعا.
فأما الأول: فإن من الناس من ينقل الخلاف في حكم الخوارج،هل هم مسلمون أم كفار؟
وأما الثاني: فإن كتب العقائد والمقالات تكلمت عن الخوارج وعقائدهم،فإذا أطلق مثل هذا المصطلح فإنه ينصرف إلى هؤلاء، فإن أراد به غيرهم كان موهما بذلك، فإذا أضاف إلى ذلك كون العلماء ولاة أمر كالأمراء،تم له الخروج عن أهل العلم لفظا ومعنى.
فإن أطلقها رجل من أهل العلم من غير أن يقصد ترتيب معنى من أحكام الخوارج عليها فهذا هو الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه،وعليه يحمل إطلاق بعض أهل العلم المعاصرين.
ثم قال الشيخ: "وأشهرُ من تقلّد رُمْحه وسلَّ سيفَه، ونذر غزوَ ولاة الأمور شتاءهَ وصيفَه، فآذنهم بالطّعن والحرب، ورماهم بالنّقيصة والثّلب: غلاة التّكفير، وغلاة التّبديع والتّجريح.
والعجيب أنّ هاتين الطّائفتين مع شدّة التّنافر الّذي بينهما، فقد تشابهت في كثير من الأمور أحوالُهم، وتطابقت في كثير من الأحيان أقوالُهم، وهذا شأن كلّ حزبٍ من الأحزاب، يفرّون من القطر ليحتموا بالميزاب"

قلت: جمع الرجل بينهما لأجل ما قرره من أن مخالفة العلماء هو خروج على ولاة الأمر،فيكون حالهم كحال الخارجين على ولاة الأمر الذين هم الأمراء، وهذا قد سبق بيان ما فيه.
ثم يقال له: إن التشابه بين غلاة التكفير وبين جفاة التبديع والتجريح ألصق في باب طاعة ولاة الأمر بقسميهما، فإن جفاة التبديع والتجريح هم أشد الناس مدحا لغلاة التكفير ،ولنضرب مثلا قريبا تصح به الدعوى، فهذا عبد الحليم نفسه ممن يجافي من يسميهم غلاة التبديع، فإذا نظرت إلى ممدوحيه وجدته يمدح من يقف على باب الخروج ويواليهم كمدحه لعائض القرني وغيره ممن اشتهروا بمخالفة العلماء والأمراء، والتلاعب بالدين، وفي مقابل هذا تجده يرمي من ينشر دين الإسلام ويدافع عنه بالغلو والجهل، فكانت هذه الصفة أقرب إلى صفة الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان".
ثم لو سلمنا أن هذه الجماعة التي يذمها عبد الحليم فيها ما يُذم، فإن الذم في مناوئيها من جماعته أشد وأعظم، وقد قال الله تعالى:"يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل"، وذلك أن السلفيين تكلموا فيمن خالف السنة،وأنتم تكلمتم في السلفيين لأجل كلامهم فيمن خالف السنة، فصار كلامكم في أناس وافقوا السنة ووالوا عليها وعادوا على مخالفتها، لأجل أناس خالفوا السنة،فكلتا الطائفتين تكلمت،لكنكم زدتم عليهم بكلامكم في أهل السنة لأجل أهل البدعة، فكنتم حقا كمن فرّ من القطر إلى الميزاب، وهذا كله لو سلمنا أن كلام أهل السنة في أهل البدع خطأ، فكيف وهو حق وصواب.
ثم إن من الصفات ما لا تشبه به طائفة بطائفة، لكون تلك الصفات مما يشترك فيه البشر جميعا، ولا يختص بطائفة حتى يشبه بها من وافقها في تلك الصفة ، وهذا كصفة الجهل، قال الله تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا"، ورغّب الناس في العلم، ومن لم يتعلم كان موصوفا بالجهل سواء كان من غلاة التكفير أو من غلاة التبديع كما تسميهم أو من الملل الأخرى، لأن هذه الصفة ليست مختصة بفرقة دون فرقة.
ومما ينبغي أن يعلم أن ظاهر الفعل الواحد قد يكون متماثلا، لكن هذا محرم وهذا واجب أو مأذون فيه، فالذي يجب على المسلم التفريق بين ما فرق الله، وإنما الحكم عليهم بحكم واحد لأجل التشابه سبيل أهل الجاهلية الذين قال الله عنهم "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا" ثم ذكر الله الفرق بين الأمرين فقال: "وأحل الله البيع وحرم الربا"، وذكر الله هذه السبيل عن أهل الشرك في الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، ثم قال تعالى:"وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم" فجعل الله قياس الحلال على الحرام من عمل أولياء الشياطين، ولهذا فلا يصحّ أن يقاس الحاجّ عند حلقه بأتباع ذي الخويصرة الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن سيماهم التحليق.
إذا تبين هذا فإن ما ذكره من التشابه إنما هو من جنس ما ذمه الله،لأنه من تشبيه الواجب بالمحرم، وإنما يصحّ له هذا التشبيه لو أثبت بطلان الطعن على أهل الأهواء والبدع ومعاداتهم في الدين -وهيهات أن يثبت ذلك-
ثم قال: "وفي هذه المقالات بيانٌ مختصر لأهمّ ما يتشابهون فيه من الأقوال، وأبرز ما يسلكونه من الأحوال. الشّبه الأوّل: اتّهام النيّات - والعياذ بالله -
-فالخوارج وغلاة التّكفير: تراهم يشقّون عن الصّدور، وينبشون في النيّات نبْشَ القبور، فيتّهمون غيرهم بإضمار الإلحاد والكفران،وإظهار الإسلام والإيمان، ليعصموا -بزعمهم - دماءَهم وأعراضَهم،ويحقّقوا أهدافَهم وأغراضَهم!
-وغلاة التّجريح والتّبديع: تراهم لا يكتفون بظاهر الحال، ولا بصريح من المقال، فصار من شعارِهم ووِرْدِهم، قولهم في لمزهم ورَدِّهم: حزبيّ متستّر خبيث، في ثوب سلفيّ من أهل الحديث، لا يزال يتمسكن حتّى يتمكّن، ويُضمر عقيدته حتّى يرفع بها عقيرتَه! فما أغفلهم عن كلام الله العزيز الغفّار، وما أبعدهم عن سنّة النبيّ المختار صلّى الله عليه وسلّم!
قال الله تعالى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ )) [رواه البخاري ومسلم]. فإن سلّمنا لهم دعوى التستّر والإضمار، فليسلّموا لفرسان هذا المضمار، الّذي قرّروا أنّ الأصل هو الأخذ بالظّاهر، والله يتولّى السّرائر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين سُئل عمّن تستّر بمذهب السّلف: "وإن أردت بالتستّر أنّهم يجتنون به ويتّقون به غيرَهم، ويتظاهرون به حتّى إذا خوطب أحدُهم قال: أنا على مذهب السّلف، وهذا الّذي أراده والله أعلم، فيقال له: لا عيب على من أظهر مذهب السّلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتّفاق؛ فإنّ مذهب السّلف لا يكون إلاّ حقّا: فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا فهو بمنزلة المؤمن الّذي هو على الحقّ باطنا وظاهرا.
وإن كان موافقا له في الظّاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق، فتُقبل منه علانيته، وتوكل سريرته إلى الله، فإنّا لم نؤمر أن ننقّب عن قلوب النّاس ولا أن نشقّ بطونهم"["مجموع الفتاوى "لابن تيمية (4/149)].
فتبّاً للخلاف والشّقاق، إذ صِرْنا نرجو معاملةَ أهلِ النّفاق!
قلت: وهذا الذي ذكره عبد الحليم عن أهل السنة -غلاة التجريح والتبديع عنده- من أنهم شابهوا الخوارج في اتهام النيات وعدم اكتفائهم بالظاهر دليل على أنه لا يفرق بين الظاهر والباطن، ولا بين النية والفعل، ولا عرف طريقة أهل السنة في ذلك،وبيان ذلك أن يقال:
الظاهر هو ما أظهره المرء، فإن أظهر خيرا،وجب قبول ذلك منه، وإن أظهر شرا لم تشفع له فيه نيته في الحكم، وفي هذا يقول عمر رضي الله عنه: "إنَّ أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمِناه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، اللَه يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدِّقه وإن قال إن سريرته حسنة".(أخرجه البخاري رقم 2641)
فمن أظهر البدعة فظاهر حاله البدعة، ومن أظهر السنة فظاهر حاله السنة، ولكن دخل على الرجل و ذويه الزغل من جهة عدم تحقيقه لمعنى الظاهر،فتجدهم لا يعدون من الظاهر من أظهر الانحراف إذا ادّعى الاستقامة.
أما أهل السنة فإنهم يكتفون بظاهر الحال، وصريح المقال،فتجدهم يحذرون ممن ظهر منه الانحراف والابتداع، ويوالون من أظهر السنة والاتباع، ولا يتهمون أحدا بإرادة غير ما أظهر،فإن أعرب عن نيته،فإنهم يصدقونه إن كان أهلا للصدق، ولكنهم لا يجعلون بدعته صوابا لأجل حسن قصده، بل يبقى فعله على ظاهر الحال، وقد دل على هذا حديث كعب بن مالك ،فإنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بسبب تخلفه، فأمر بهجره ولم يعتبر نيته في الحكم.
وأما قوله: "فصار من شعارِهم ووِرْدِهم، قولهم في لمزهم ورَدِّهم: حزبيّ متستّر خبيث، في ثوب سلفيّ من أهل الحديث، لا يزال يتمسكن حتّى يتمكّن، ويُضمر عقيدته حتّى يرفع بها عقيرتَه"
فهذا من الوهم و الإيهام ،فقولهم حزبي متستر ليس من الحكم على النية، وإنما هو حكم على الفعل، فإن الحزبي هو من وقع في التحزب حقا، لكنه لا يظهره لعامة الناس، فهو على هذا حزبي متستر، فإذا تكلم تكلم بكلام الحزبيين، وهو مع هذا ينسب نفسه للسلفيين، فيدرك أهل العلم أن هذا حزبي متستر، وينكر أهل الجهل ذلك، ونظير هذا المنافقون، فإن الله قال فيهم:"يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" والمنافقون منهم من يعرف بعينه، ومنهم من يعرف بوصفه، فتجتمع فيه صفات المنافقين، ولو كان المنافقون لا يعرفون بإطلاق لتعذر الأمر بجهادهم والإغلاظ عليهم، ولهذا أخبر الله بصفاتهم حتى يعرفوا فيتقوا، وقال الله تعالى:"ولتعرفنهم في لحن القول"، فكذلك يعرف أهل العلم الحزبي المتستر في لحن القول، قال الشيخ حمود التويجري رحمه الله تعالى:"وأولوا البصائر والفراسة الإيمانية يعرفون كثيرا منهم -أي المنافقين- بما يبديه الله على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من آثار المرض الكامن في قلوبهم، وبما يظهر من أفعالهم المطابقة لأفعال المنافقين"{غربة الإسلام 1/347}.
وهكذا كل من انتسب إلى مذهب السلف ادعاءا ظاهرا،ثم تجده يقرر مذهب الخلف، فإن أهل العلم يعرفون أنه ليس بسني،وأما أهل الجهل فهم الذين يجادلون عنه، واعتبر ذلك في زماننا برجل يسمى الددو،فإنه ظهر وانتشر ذكره،وحذر منه أهل العلم،ودافع أهل الجهل عنه،بدعوى أنه ينتسب سلفيا،وشرح كتاب التوحيد،فزاد أهل الجهل شبهة، وازداد أهل العلم يقينا بأنه صوفي أشعري متستر،ثم ظهر أمره ولله الحمد.
وخلاصة الأمر أن هذا حكم على الظاهر بأنه حزبي متستر، وليس اتهاما للنيات، وقد قال الله تعالى:"وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه"، نظيره قول أهل السنة: حزبي متستر يكتم حزبيته،لكن تظهر حزبيته لبعض الناس جلية، وتظهر لآخرين في لحن القول،كما أظهر مؤمن آل فرعون إيمانه في لحن قوله.
وأما قوله: "لا يزال يتمسكن حتّى يتمكّن، ويُضمر عقيدته حتّى يرفع بها عقيرتَه"، فهذا اتهام في النية لوجود لوث،و التهمة مع الشبهة مما جاءت به الشريعة في الجملة،سواء كانت في الأفعال أم في النيات، فأما في الأفعال فقول يعقوب عليه السلام:" بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل"، وهم مع هذا صادقون، لكن لما كان من أمرهم ما كان مع يوسف عليه السلام جاز ليعقوب عليه السلام أن يتهمهم.
وأما في الإضمار، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب:"أما هذا فقد صدق" حجة على تهمة من سبقه ممن جاء يعتذر.
وكان أهل السنة من القديم يتهمون من دافع عن أهل البدع أو غضب لثلبهم أو والاهم أو لم يغضب لثلب أهل السنة أو فضل أهل السنة على أهل البدعة مع دعواه السنة، وغير هذا من الأمور التي جاءت عن السلف في ذلك، وقد دل القرآن على جملة من هذا، قال الله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" وقال تعالى:" المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض"، بل يستدلون على مذاهب أهل البدع التي يكتمونها بما يظهرونه مما خفّ من مخالفة السنة، وهذا منقول عن السلف كحماد بن زيد وغيره.
ثم قال: "فما أغفلهم عن كلام الله العزيز الغفّار، وما أبعدهم عن سنّة النبيّ المختار صلّى الله عليه وسلّم
قال الله تعالى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) [رواه البخاري ومسلم.

قلت: وهذه الآية لا تدل على مطلوبه، لأن من ادعى الإسلام فإنه يقبل منه مالم يظهر منه ما يدل على نقضه له، فإن ظهر ما يدل على نفاقه أو ردته حكم بذلك عليه على حسب ما جاء في الشريعة من قيود، و قد أجاب عن مثل هذه الشبهة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لما اعترض عليه بتكفير من يقول لا إله إلا الله وهو مع ذلك يشرك بالله تعالى.
وهكذا من أظهر السنة وانتسب إليها فإنه يقبل منه ولا يحلّ تهمته في نيته، لكن إن ظهر منه ما يدلّ على مخالفتها فإنه يبين ذلك، ولا يكون انتسابه للسنة مانعا من بيان كونه مخالفا لها في نفس الأمر، وهؤلاء الذين يبدعون إنما يبدعون من أظهر مخالفة السنة ،لا من أظهر موافقتها وانتسب إليها.
وكذلك الكلام على الحديث،فإن من أظهر شيئا لا يجوز نسبته إلى غيره، فمن أظهر سنة فلا ينسب إلى بدعة،ومن أظهر بدعة فلا يجوز نسبته إلى سنة،و إظهار الشيء لا ينحصر في الانتساب والدعوى بل يدخل فيه حقيقة الدعوى،فمن انتسب للسنة، وأظهر معاداة أهلها لأجلها، وموالاة أهل البدعة لأجلها فهذا يحكم عليه بالظاهر الذي هو البدعة لا السنة.
وأما تمسكن أهل البدع ليتمكنوا، وإظمار العقائد ليرتفعوا فهذا معروف عنهم،وقد نبه عليه أهل العلم قديما وحديثا، قال الإمام القدوة أبو محمد البربهاري -رحمه الله-كما في"طبقات الحنابلة" (2/44): "مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا،وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس،فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية"(3/510): "وكانوا -أي الجهمية- في الباطن ينكرون أن يرى أو أن يتكلم بالقرآن أو غيره،أو يكون فوق العرش،أو أن يكون موصوفا بالصفات التي جاءت بها الكتب وعلمت بدليل من الدلائل العقلية وغيرها، لكن ما كانوا يظهرون من قولهم للناس إلا ما هو أبعد عن أن يكون معروفا مستيقنا من الدين عند العامة والخاصة، وأقرب إلى أن يكون فيه شبهة، ولهم فيه حجة، ويكونون فيه أقل مخالفة لما يعلمه الناس من الحجج الفطرية والشرعية والقياسية وغير ذلك.
فهذا شأن كل من أراد أن يظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى موافقتهم،فإن شياطين الإنس والجن لا يأتون ابتداء ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة،فإنهم لا يتمكنون" إلى أن قال:"وكان أهل العلم والإيمان قد عرفوا باطن زندقتهم ونفاقهم....لكن كثير من الناس لا يعلمون ذلك"اهـ.

أفتريد أن تذمّ من علم لأن غيره جهل، ووالله ما أراه إلا أنه صدق ابن قتيبة في قولته:" قد كنا زمانا نعتذر من الجهل،فقد صرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العلم".(إصلاح غلط أبي عبيد ص46-47)
ثم ذكر كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين سُئل عمّن تستّر بمذهب السّلف
"فيقال له: إن أردت بالتستّر أنّهم يجتنون به ويتّقون به غيرَهم، ويتظاهرون به حتّى إذا خوطب أحدُهم قال: أنا على مذهب السّلف، وهذا الّذي أراده والله أعلم، فيقال له: لا عيب على من أظهر مذهب السّلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتّفاق؛ فإنّ مذهب السّلف لا يكون إلاّ حقّا: فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا فهو بمنزلة المؤمن الّذي هو على الحقّ باطنا وظاهرا.
وإن كان موافقا له في الظّاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق، فتُقبل منه علانيته، وتوكل سريرته إلى الله، فإنّا لم نؤمر أن ننقّب عن قلوب النّاس ولا أن نشقّ بطونهم"
["مجموع الفتاوى" لابن تيمية (4/149)].
وإن أردت بالتستر من تستر بمذهب السلف دعوى وانتسابا، وأظهر مذهب الخلف تقريرا وتحقيقا، وهذا القسم لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية،لأنه لا يصح أن يقبل منه ما ادعاه، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه أكثر ما كان يكتبه في الرد على المتكلمين هو بيان بطلان دعواهم موافقة السنة فيما يزعمونه من عقائد باطلة، بل وكان يبين بطلان انتسابهم لمذهب الأشعري على التحقيق، وقد كان اليهود والنصارى ينسبون إبراهيم عليه السلام إليهم فلم يقبل الله منهم هذه النسبة.
ولعل الذي أغراه بنقل كلام ابن تيمية مع بُعده عن المقصد ما وقع من الاشتراك بين ما ذكرته من تستر الحزبي في كلامه، والتستر بمذهب السلف في كلام شيخ الإسلام، وليس الكلام فيهما في واد واحد. ولو تدبر كلام شيخ الإسلام وأعطاه حقه لعلم أنه ليس في محل نزاع.
ثم قال المعترض:
الشّبه الثّاني: ظاهرة الوعيد
- فالخوارج ما كفّروا بالكبيرة إلاّ عندما اعتقدوا أنّ الإيمان لا يتجزّأ بحال ! واجتماع الإيمان مع الفسوق ضربٌ من المحال ! فالمرء إمّا مؤمن خالص الإيمان، أو كافر يبوء بالحرمان !
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "... فكان من أوّل البدع والتفرّق الّذي وقع في هذه الأمّة: " بدعة الخوارج " المكفّرة بالذّنب، فإنّهم تكلّموا في الفاسق الملِّي، فزعمت الخوارج والمعتزلة أنّ الذّنوب الكبيرة - ومنهم من قال: والصّغيرة - لا تجامع الإيمان أبدا ! بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشّرب الصّيام ! قالوا: لأنّ الإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور، فمتى بطل بعضُه بطل كلّه كسائر المركّبات. ثمّ قالت " الخوارج " : فيكون العاصي كافرا؛ لأنه ليس إلاّ مؤمن وكافر " اهـ ["مجموع الفتاوى" (12/470،471)].
والمقصود: أنّهم لمّا ظنّوا أنّ الإيمان لا يتبعّض قالوا: إذا فعل ذنبا زال بعضه فيزول كلّه، لأنّ الإيمان عندهم لا يتبعّض ! ["مجموع الفتاوى" (13/50)].
- وغلاة التّجريح والتّبديع قالوا بلسان الحال: كلٌّ يتجزّأ إلاّ السنّة والسّلفية ! فالرّجل إمّا سنّي سلفيّ، أو بِدعِي خلفيّ ! ويا ليتهم يمشون على أصولٍ لها ما يضبطها، وقواعدَ لها ما يطردها، ولكنّهم يبنون أحكامهم على حكم ساداتهم وكبرائهم {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}. ولا شكّ أنّ الصّواب، الّذي عليه أولو الألباب، أنّ المرء لا يخرج من دائرة السنّة الشّريفة، والسّبيل السّلفيّة المنيفة، بمجرّد وقوعه في بعض البدع والمحدثات، وتلبّسه ببعض المخالفات. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
" وإذا اجتمع في الرّجل الواحد خيرٌ وشرّ وفجورٌ، وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسنّةٌ وبدعةٌ استحقّ من الموالاة والثّواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشرّ، فيجتمع في الشّخص الواحد موجباتُ الإكرام و الإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا؛ كاللصّ الفقير تُقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.هذا هو الأصل الّذي اتّفق عليه أهل السنّة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا النّاس لا مستحقّا للثّواب فقط، ولا مستحقّا للعقاب فقط "اهـ["مجموع الفتاوى" (28/209)].

قلت: وهذا فيه خلط عجيب ناشيء عن سوء تصور، لأن الإيمان إذا كان كلاًّ يتجزأ، فإن السلفية هي الإيمان الذي هو كل يتجزأ،لأن الإيمان هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباعه اتباع لسنته، وهذه هي السلفية، فإذا فرط الإنسان في شيء من الاتباع فقد فرط في شيء من السلفية والسنة، وتفريطه في هذا الباب قد يكون بدعة وقد يكون كفرا.
لكن صار من مصطلح الناس قديما وحديثا إطلاق السنة والسلفية في مقابل أهل البدعة، وعلى هذا فإن الرجل إما سني سلفي،أو بدعي خلفي، وبيان ذلك أن الرجل إما أن يكون على معتقد السلف في الإيمان،فيكون سنيا سلفيا، أو يخالفهم فيه فيكون بدعيا خلفيا، ولم يكن السلف يقولون عمن هذا حاله أن سلفيته تتجزأ، وهؤلاء الخوارج أنفسهم خالفوا في مسائل الإيمان فبدعهم السلف، ولم يقولوا إنهم سنيون في غيرها، و وصف الله المشركين بهذا الوصف مع بيان أنهم يقرون بالخالق الرازق، وأنه إيمان،لكن لما صرفوا شيئا من العبادة لغير الله حكم عليهم بالشرك،ولم ينفعهم إيمانهم، ولا يقال لهم أنهم موحدون مسلمون بما معهم من الإيمان ومشركون بما معهم من الشرك، بل يحكم عليهم بحكم واحد إجماعا.
فما ذكره في قوله:"وغلاة التّجريح والتّبديع قالوا بلسان الحال: كلٌّ يتجزّأ إلاّ السنّة والسّلفية ! فالرّجل إمّا سنّي سلفيّ، أو بِدعِي خلفيّ"
فيه إجمال وباطل، وكان حقه البيان.
وأما قوله:"ويا ليتهم يمشون على أصولٍ لها ما يضبطها، وقواعدَ لها ما يطردها، ولكنّهم يبنون أحكامهم على حكم ساداتهم وكبرائهم {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}".
فيقال: بل لهم أصول وقواعد مضبوطة محررة غاية في الإحكام والإتقان،مصدرها الكتاب والسنة وإجماع السلف، علمها من علمها وجهلها من جهلها، فمن علمها منهم عمل بها، ومن جهلها بنى حكمه على حكم مفتيه من علماء السنة، وعلماء أهل السنة هم ساداتهم وكبراؤهم، لكن الذي جاء به القرآن أن الدين والعلم والأحكام المتعلقة بالشريعة إنما يطلق على أهلها العلماء والحكماء وأهل الذكر، كما قال الله تعالى:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم" وقال سبحانه:"ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" وقال: "لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون" وقال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" وقال سبحانه: "أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بني إسرائيل" وهذا الوصف هو المناسب لهذا المقام، لأنه مقام دين وعلم وشرع.
وأما السادة والكبراء فقد جاء ذمّ طاعتهم في مخالفة الشرع، قال الله تعالى: "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا" وقال تعالى: "فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها" ونحوه في البقرة والأعراف، وقد جاءت في سياق الذّمّ.
وهذا يبين الفرق بين اتباع أحكام العلماء وسؤالهم والأخذ بأقوالهم، فإن الشرع أمر به و ندب إليه، بخلاف اتباع السادة والكبراء، فإن الشرع زجر عنه و حذر منه، ولهذا لا تجد في الكتاب ولا في السنة ذما لمن سأل أهل العلم واتبعهم في رشدهم، ولا مدحا لمن تبع السادة والكبراء في بغيهم وغيهم، وهؤلاء إنما سألوا أهل العلم بالشرع، وأخذوا أحكامهم، وهكذا كان أهل السنة في القديم يسألون أئمتهم عن العلم ورجاله، ويأخذون بجرحهم وتعديلهم، فكان ينبغي له أن يربأ بنفسه عن أن يَسِم أهل السنة تابعين ومتبوعين بسيما أهل النار.
ثم قال:"ولا شكّ أنّ الصّواب، الّذي عليه أولو الألباب، أنّ المرء لا يخرج من دائرة السنّة الشّريفة، والسّبيل السّلفيّة المنيفة، بمجرّد وقوعه في بعض البدع والمحدثات، وتلبّسه ببعض المخالفات".
وهذا الكلام مجمل يحمل حقا وباطلا، فإن من البدع ما يخرج صاحبه عن السلفية بمجرد الوقوع فيها، ومنه ما لا يخرجه عنها لكونه وقع فيها بنوع شبهة أو تأويل، إلا أنه لا يكون من خيار أهلها، وقد كان السلف يبدعون من وقع في بعض البدع، وهم أولوا الألباب.
بل كانوا يبدعون من يمدح أهل البدع ويذم أهل السنة ويلحقونه به، وهذا مأثور عن أحمد وغيره.
ثم استدل بما نقل عن ابن تيمية من قوله: "وإذا اجتمع في الرّجل الواحد خيرٌ وشرّ وفجورٌ، وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسنّةٌ وبدعةٌ استحقّ من الموالاة والثّواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشرّ، فيجتمع في الشّخص الواحد موجباتُ الإكرام و الإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا؛ كاللصّ الفقير تُقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.
هذا هو الأصل الّذي اتّفق عليه أهل السنّة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا النّاس لا مستحقّا للثّواب فقط، ولا مستحقّا للعقاب فقط "
اهـ ["مجموع الفتاوى" (28/209)].
واستدلاله على ما قال بهذا النقل عن ابن تيمية يدل على مبلغه من العلم والفهم في هذا الباب، فإن ما ذكره شيخ الإسلام من اجتماع الخير والشر في الرجل الواحد حق، فإنك تجد الرجل يصلي ويسرق،ويثبت الصفات ويقول بالإرجاء، فخلط عملا صالحا وآخر سيئا، فالأول فاسق والثاني مبتدع، وهذا مذهب أهل السنة، لكن الخوارج والمعتزلة يقولون بأنهما خرجا عن الإيمان، فلهذا لا يجتمع فيه الخير والشر،وإنما يحكم فيه للشر.
وأهل السنة يقولون بأن كل من لم يخرج عن الإسلام فإنه يجتمع فيه الخير والشر،واجتماع الخير والشر والسنة والبدعة لا يمنع من تفسيقه وتبديعه، فإنه يبدع ويفسق ويقام عليه الحد ويعزر ويعطى من الزكاة لفقره وينصر على عدوّه الكافر أو الأغلظ بدعة منه وفجورا و نحو ذلك.
بخلاف أهل الإرجاء فإن مذهبهم أن من قال لا إله إلا الله فقد كمل فيه الخير، فلا يبدع ولا يفسق.
فكلام ابن تيمية لا علاقة له بنفي التبديع والتجريح عمن وقع في شيء من البدع والمعاصي، وإنما في بيان مذهب أهل السنة في جواز اجتماع الخير والشر في الرجل،خلافا للخوارج والمعتزلة، ولو كان شيخ الإسلام يقصد ما أراد عبد الحليم من معنى،لكان كلام ابن تيمية عليه لا له، فإنه كما نفى أن يكون الرجل مستحقا للعقاب فقط، فقد نفى أن يكون مستحقا للثواب فقط.
تنبيه: جاء في الفتاوى: "وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا النّاس لا مستحقّا للثّواب فقط، ولا مستحقّا للعقاب فقط "،ولعل صواب العبارة:" فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط، أو مستحقا للعقاب فقط"،وإن كانت قد تصحّ لكن مع تكلف في الفهم.
ثم قال المعترض:"الشّبه الثّالث: الجهل - عند كثير منهم-
4- جهلهم بمعاني كلام أهل العلم في التّكفير والتّفسيق، والتّبديع، والهجر، وغير ذلك.

فتراهم يسيئون فهمَ كلام الأئمّة، وإن فهموه أساءوا إنزاله على المعيَّن ! فينسبون إلى العلماء ما ليس من مذاهبهم ! قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ردّه على من أطلق الهجْر وعدمه: "وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمّة، خرج على سؤال سائل قد علم المسؤولُ حالَه، أو خرج خطابًا لمعيَّن قد عُلم حالُه، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصّادرة عن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، إنّما يثبت حُكْمُها في نظيرها، فإن أقوامًا جعلوا ذلك عامًا..." .اهـ [من "مجموع الفتاوى" (28/213)].فهذا الشبه الثالث ذكره وبيّن أوجهه فقال:" فكلٌّ من غلاة التّكفير والتّبديع يتّصفون بجهل فاضح، وتخليط واضح، فلا يَرْعَون للشّريعة مقاصدَها، ولا يحفظون أصولها وقواعدَها، ومن أمثله ذلك:
1- أنّهم لا يبالون بعواقب أقوالهم، ولا بمغبّة أفعالهم!
فأدخلوا عامّة النّاس في متاهات، وفرّقوا بينهم إلى جماعات، فلم يعُد لأكثر النّاس اهتمامٌ إلاّ بالتّكفير أو التّبديع، والتّنفير أو التّشنيع! مع أنّ المقرّر لدى علماء الإسلام، أنّه لكلّ مقام مقال، وليس كلّ ما يُعرف يقال، أي: حتّى لو وقع من فلان ما يقتضي تكفيره أو تبديعه، فلا بدّ قبل الحكم عليه من النّظر في العواقب، والتريّث إلى الحال المناسب. فإلى غلاة التّكفير، قول البشير النّذير صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ )) [متّفق عليه].وإلى غلاة التّبديع قول الإمام أحمد رحمه الله:" إِخراجُ النَّاسِ مِنَ السُّنَّةِ شَديد" [أخرجه الخلاّل في "السّنّة" (2/373، رقم 513) بإسناد صحيح"

وجوابه أن الرجل وقع فيما يحذر منه، فها هو يشنع وينفر ويلمز ويهمز ويثلب غيره بما هم برءاء منه،وأما إكفار المسلم وتبديعه فهذه المسألة ليست لآحاد الناس،لأنها من عظيم المسائل وشديدها، وإنما يتكلم في هذه المسائل من رسخ قدمه في العلم،وكان موصوفا بالورع، وعلماء أهل السنة بحمد الله من أبعد الناس عن مجاوزة الحدّ في هذا الباب،وعوام أهل السنة تبع لعلمائهم.
ثم بعد ذلك قد يحدث الخطأ من بعض الأتباع، وهذا لا يكون منهجا عاما،بل يرد على من أخطأ ولا يحمل غيره تبعة خطئه.
ثم إن مسألة التكفير والتبديع هي راجعة إلى الله تعالى، فمن كان كافرا عند الله سبحانه فلن يدخله في الإسلام حكم الناس له بذلك،ومن كان مسلما فلن يخرجه إخراج الناس له، لكن جعل الله لنا نصوصا نكفر بها من كفر،وصفات نعرف بها من نافق، والعالم إنما يحكم بما علمه من الشرع في هذا الباب، ويبين حكمه بدليله، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر،والله يغفر له خطأه،
وقد دلت النصوص على أنه لا ينبغي أن يسارع إلى الحكم بكفر أو إسلام شخص حتى يتبين ذلك جليا، فقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا قال المسلم لأخيه ياكافر فإن كان كذلك وإلا حارت عليه" أي رجعت عليه،وهذا لأنه وصف الإسلام الذي عليه أخوه بأنه كفر، فوصف الإسلام بأنه كفر عظيم كما أن وصف الكفر بأنه إسلام عظيم مثله، فكما أنه لا يجوز تكفير المسلم،فكذلك لا يجوز وصف الكافر بالإسلام، وإنما الواجب اتباع الدليل في هذا،فما حكم به فهو اللازم.
وكذلك إخراج الناس من السنة شديد، وإدخال من ليس من أهلها شديد، ووالله إن المسلم ليصيبه الأسى على ما آل إليه من ينتسب إلى العلم من دروس آثار العلم وانقلاب مفاهيمها عندهم، فقد كان أهل العلم يستجهلون من لا يكفر ويبدع من يستحق ذلك، ثم صار من ينتسب إلى العلم يستجهل من وافق السلف على ذلك، فانقلبت الموازين، وأصبح الشين زينا، والله المستعان.
يتبع


التعديل الأخير تم بواسطة أبو معاذ محمد مرابط ; 15 Oct 2016 الساعة 03:03 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15 Oct 2016, 11:01 AM
لزهر سنيقرة لزهر سنيقرة غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 343
افتراضي

جزاك الله خيرًا أخي خالد على هذه المقالة النَّافعة الَّتي تضمَّنت ردًّا علميًّا مشبعًا بنَفَسٍ سلفيٍّ.
فقد رددت على شبهات الرَّجل وتلبيساته حتَّى وإن كانت مسروقةً عن غيره.
فبيان الحقِّ واجبٌ على الأعيان، والرَّدُّ على المخالفين والملبِّسين جهادُ العلماء الأعلام، وعلى هذا قام المنهج السَّلفي، وهذه حقيقة التَّصفية والتَّربية.
والله أعلم.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15 Oct 2016, 11:08 AM
أبو معاذ محمد مرابط
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بمثل هذه المقالات تزهو الأنفس، وتُثبّت الأفئدة، ويدرك الناس أن في الأمة عقلاء يكشفون خبث العقائد والمناهج
بارك الله فيك أخي خالد على ما تفضلت به، فقد كدنا نقول:
كل من هو خالد في المنتدى فهو موفق مسدّد
فالحمد لله الذي أكرمنا بمنتديات التصفية والتربية
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 15 Oct 2016, 11:09 AM
أبو البراء
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أخي الفاضل!
أزلت وهم الواهم، ونقضت تلببيس الملبِّس، وكشفت سرقة السَّارق، وأبنت عن تحامل المتحامل..
كل ذلك بحجَّة قويَّة غير متهاوية، وفهمٍ قويم ليس بخشنٍ ولا سقيم.
فجزاك الله من رادٍّ منافح عن السُّنَّة وأهلها خيرًا، وبارك فيك وفي قلمك.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15 Oct 2016, 11:42 AM
أبو الهيثم هابيل أبو الهيثم هابيل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
المشاركات: 14
افتراضي

بارك الله فيك أخي خالد على هذا البيان المبين ونرجو أن ينتفع به عبد الحليم توميات
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15 Oct 2016, 12:40 PM
مهدي بن صالح البجائي مهدي بن صالح البجائي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
المشاركات: 591
افتراضي

نفَس في الكتابة أصيل، وتفنيد للشُّبهات متين، فجزاك الله خيرا أخانا الفاضل.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15 Oct 2016, 02:14 PM
أبوعبد الله مهدي حميدان السلفي أبوعبد الله مهدي حميدان السلفي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
الدولة: الجزائر /باتنة /قيقبة
المشاركات: 590
افتراضي

جزاكم الله خيرا ، وزادكم حرصا
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15 Oct 2016, 02:33 PM
نسيم منصري نسيم منصري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2016
الدولة: ولاية تيزي وزو حرسها الله
المشاركات: 1,039
افتراضي

جزاك الله خيرا فصلت و نصرة و أصلت نعم هذا هو منتدى التصفية و التربية
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15 Oct 2016, 02:48 PM
عبد الله بوزنون عبد الله بوزنون غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
المشاركات: 187
افتراضي

قد أنصفت الرجل فلم تترك لذي لب شبهة.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15 Oct 2016, 03:19 PM
أبو حفص محمد ضيف الله أبو حفص محمد ضيف الله غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 436
افتراضي

جزاك الله خيرا اخي فضيل وجعل ما كتبت في ميزان حسناتك .
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 15 Oct 2016, 04:06 PM
التصفية والتربية السلفية التصفية والتربية السلفية غير متواجد حالياً
إدارة منتدى التصفية و التربية السلفية
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 440
افتراضي

تنبيه: قد وقع سقط في مقدمة الحلقة هذا نصه
ثم تبيّن لي أن المعترض إنما سرق مقالاته عازيا إياها إلى نفسه من كتاب أبي الحسن المأربي، فإنه ذكر هذه المعاني في كتابه:" فتنة التفجيرات و الاغتيالات" ص10 فما بعدها، وأتي بمجمل نقوله وألفاظه، ولم يعز إليه ولا ذكر أنه عول عليه، وهكذا يأخذ الأعمى عن الأعور، والله المستعان.
__________________
عنوان البريد الإلكتروني
tasfia@tasfiatarbia.org

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 15 Oct 2016, 05:13 PM
أبو الحسن نسيم أبو الحسن نسيم غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2015
الدولة: الجزائر العاصمة
المشاركات: 391
افتراضي

أخي الكريم،بارك الله فيك على هذا المقال السديد،والرد القوي،وهو من الوفاء لهذا المنتدى بالرد على أهل الأهواء وكشف تلبيساتهم،والإنتصار لأهل الحق،وهو من العلم النافع والجهاد المبارك،ومن النصيحة لدين الله تعالى عسى أن ينتبه غافل وأن يسترشد مغرر به وأن يتوب صاحب الهوى،وكلما ظهر التشغيب على أهل الحق بالطرق الملتوية والإجمال في القول احتاج أهل السنة لبيان تلبيسات الملبسين وشبهات المخالفين،ولعل هذا التكالب على هذه الدعوة تظهر من جهة أن هؤلاء الذين ينبزون أهل الحق بالغلاة إنما أوتوا من ضعف الولاء لأهل الحق والبراء من أهل الباطل،بحيث اختلطوا بهم فصاروا يحمونهم ويدافعون عنهم وأثنوا على رؤوس أهل الضلال،زادك الله توفيقا أستاذنا الكريم ووفقك لما يحبه ويرضى إنه سميع مجيب.
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 15 Oct 2016, 05:45 PM
اسماعيل بلخيري اسماعيل بلخيري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 30
افتراضي

بارك الله في الأخ كاتب المقال و نفع به, قد أثلج مقالك و ردك صدر كل غيور على هذا المنهج الذي ننتسب إليه و نسأل الله أن يثبتنا عليه. و لعل القوم أو بعضهم يطلع على ما خطت يمينك فيزيل عنهم شبها يحسبونها حقا . بارك الله فيك و نفع بك .
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 16 Oct 2016, 12:26 AM
أبو عمر محمد أبو عمر محمد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
المشاركات: 176
افتراضي

جزاكم الله خيرا على هذا الرد العلمي الماتع المؤصل المتين و وفقكم لإتمام باقي الحلقات
و أسأل الله أن ينتفع بها المردود عليه فقد حوت - حقّا - نقضا لما حاول تأسيسه في مقاله بالحجة الواضحة و البرهان الساطع

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر محمد ; 16 Oct 2016 الساعة 12:30 AM
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 16 Oct 2016, 09:35 AM
صديق جحيش صديق جحيش غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
الدولة: الجزائر
المشاركات: 10
إرسال رسالة عبر MSN إلى صديق جحيش
افتراضي

كلمات جميلة:
(لأن الإيمان إذا كان كلاًّ يتجزأ، فإن السلفية هي الإيمان الذي هو كل يتجزأ،لأن الإيمان هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباعه اتباع لسنته، وهذه هي السلفية)

(كلام ابن تيمية لا علاقة له بنفي التبديع والتجريح عمن وقع في شيء من البدع والمعاصي، وإنما في بيان مذهب أهل السنة في جواز اجتماع الخير والشر في الرجل)

وما أكثر من يجري كلام ابن تيمية على ما يهواه، فهذا توجيه قيم له
بارك الله في كاتبها، ونفع بمقاله

التعديل الأخير تم بواسطة صديق جحيش ; 16 Oct 2016 الساعة 09:42 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013