منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 05 Apr 2016, 10:57 PM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي الدر والياقوت في ثبوت قصة المرأة الدومية التي تعلمت السحر من هاروت وماروت



الدر والياقوت في ثبوت قصة المرأة الدومية التي تعلمت السحر من هاروت وماروت.


الحمدلله ذي الملكوت والجبروت خلق الخلق فمنهم محبوب وممقوت وأمرهم بعبادته وطاعته ونهاهم عن عبادة الطاغوت وأخبرهم أن من اتخذ من دونه أولياء كان كمن اتخذ بيتا أوهن من بيت العنكبوت وصلى الله على النبي الخاتم ذي الفضائل والمكارم والنعوت وجمعنا به في دار رحمته وكرامته بعد الموت أما بعد:

فإن الفحص والتنقيب والتفتيش والتعقيب عما ورد في دواوين السنة النبوية وتفاسير الأئمة الأثرية من قصص وأخبار و حكايات وآثار وبيان ما فيها من غث وسمين وضعيف ومتين لمن أجل الطاعات وأعلى القربات.
وقد كنت وقفت على أثر غريب وسياق عجيب كما وصفه بذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في قصة المرأة الدومية التي تعلمت السحر من هاروت وماروت فأحببت أن أنقل كلام أهل العلم والحديث فيها والله من وراء القصد وهو وحده الهادي الى سواء السبيل.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره 247/1:

وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ غَرِيبٌ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ فِي ذَلِكَ، أَحْبَبْنَا أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهِ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم أنها قالت: قدمت علي امرأة مِنْ أَهْلِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ جَاءَتْ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ حَدَاثَةَ ذَلِكَ تَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَتْ فِيهِ من أمر السحر ولم تعمل به، وقالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي، فَرَأَيْتُهَا تَبْكِي حِينَ لَمْ تَجِدْ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فيشفيها، فكانت تَبْكِي حَتَّى إِنِّي لَأَرْحَمُهَا، وَتَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، كَانَ لِي زَوْجٌ فَغَابَ عَنِّي فَدَخَلْتُ عَلَى عَجُوزٍ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنْ فَعَلْتِ مَا آمُرُكِ بِهِ فَأَجْعَلُهُ يَأْتِيكِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ فَرَكِبْتُ أَحَدَهُمَا وَرَكِبَتِ الْآخَرَ، فَلَمْ يَكُنْ لشيء حَتَّى وَقَفْنَا بِبَابِلَ وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا فقالا: ما جاء بك؟قلت: أَتَعَلَّمُ السِّحْرَ، فَقَالَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرِي فَارْجِعِي، فَأَبَيْتُ وَقُلْتُ: لَا، قَالَا: فَاذْهَبِي إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ، فَذَهَبْتُ فَفَزِعْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقَالَا: أَفَعَلْتِ؟ فَقُلْتُ:نَعَمْ، فَقَالَا: هَلْ رَأَيْتِ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَقَالَا لَمْ تَفْعَلِي ارْجِعِي إِلَى بلادك ولا تكفري فأربيت وَأَبَيْتُ، فَقَالَا: اذْهَبِي إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ فَذَهَبْتُ فَاقْشَعْرَرْتُ وَخِفْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِمَا وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَقَالَا: كَذَبْتِ لَمْ تَفْعَلِي ارْجِعِي إِلَى بِلَادِكِ، وَلَا تَكْفُرِي فَإِنَّكِ عَلَى رأس أمرك فأربت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ، فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَبُلْتُ فِيهِ فَرَأَيْتُ فَارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ في السماء وغاب حَتَّى مَا أَرَاهُ، فَجِئْتُهُمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَا: فَمَا رَأَيْتِ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُ فَارِسًا مُقَنَّعًا خرج مني فذهب في السماء وغاب حَتَّى مَا أَرَاهُ، فَقَالَا: صَدَقْتِ ذَلِكَ إِيمَانُكِ خَرَجَ مِنْكِ اذْهَبِي، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَمَا قَالَا لِي شَيْئًا، فَقَالَتْ: لن لَمْ تُرِيدِي شَيْئًا إِلَّا كَانَ، خُذِي هَذَا الْقَمْحَ فَابْذُرِي، فَبَذَرْتُ وَقُلْتُ: أَطْلِعِي فَأَطْلَعَتْ، وَقُلْتُ: احقلي فأحقلت، ثم قلت: افركي فَأَفْرَكَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: أَيْبِسِي فَأَيْبَسَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: أَطْحِنِي فَأَطْحَنَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: أَخْبِزِي فَأَخْبَزَتْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنِّي لَا أُرِيدُ شَيْئًا إِلَّا كَانَ سَقَطَ فِي يَدِي، وَنَدِمْتُ، وَاللَّهِ يَا أُمَّ المؤمنين ما فعلت شيئا وَلَا أَفْعَلُهُ أَبَدًا.

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهِ مُطَوَّلًا كَمَا تقدم وزاد بعد قولها ولا أفعلها أَبَدًا: فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَاثَةَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ، فَمَا دَرَوْا مَا يَقُولُونَ لَهَا، وَكُلُّهُمْ هَابَ وَخَافَ أَنْ يُفْتِيَهَا بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ قَالَ لَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: لَوْ كَانَ أَبَوَاكِ حَيَّيْنِ أو أحدهما. قَالَ هِشَامٌ: فَلَوْ جَاءَتْنَا أَفْتَيْنَاهَا بِالضَّمَانِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: وَكَانَ هِشَامٌ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كانوا من أَهْلَ الْوَرَعِ وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ ثُمَّ يَقُولُ هِشَامٌ:
لَوْ جَاءَتْنَا مِثْلُهَا الْيَوْمَ لَوَجَدَتْ نَوْكَى أَهْلَ حُمْقٍ وَتَكَلُّفٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وقد اختلفت أقوال أهل العلم في هذه القصة بين مضعف و ساكت عنها ومصدق لها سأذكرها تباعا:
الأول: قول من ضعفها:

قال الألوسي في روح المعاني عند تفسير الآية بعد أن ذكر قصة المرأة من أهل دومة الجندل:

الخبر بطوله فهو ونظائره مما ذكره المفسرون من القصص في هذا الباب مما لايعول عليه ذوو الألباب والإقدام على تكذيب مثل هذه الأمرأة الدوجندية أولى من إتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي لم يصح فيها شيء عن رسول رب البرية صلى الله تعالى عليه وسلم وياليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التي لا يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام.

و ذهب ابن حزم أيضا الى رد القول بأن الله أنزل الملكين الى الأرض ليعلمان الناس السحر وفيه رد ضمني لقصة المرأة الدومية في الفصل في الملل والأهواء والنحل 26/4:

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا} فَأبْطل عز وَجل أَنه يُمكن ظُهُور ملك إِلَى النَّاس وَقَالَ تَعَالَى {وَلَو أنزلنَا ملكا لقضي الْأَمر ثمَّ لَا ينظرُونَ} فكذب الله عز وَجل كل من قَالَ أَن ملكا نزل قطّ من السَّمَاء ظَاهرا إِلَّا إِلَى الْأَنْبِيَاء بِالْحَقِّ من عِنْد الله عز وَجل فَقَط وَقَالَ عز وَجل {وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة أَو نرى رَبنَا لقد استكبروا فِي أنفسهم وعتوا عتواً كَبِيرا يَوْم يرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين} الْآيَة فَرفع الله تَعَالَى الأشكال بِهَذَا النَّص فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقرن عز وَجل نزُول الْمَلَائِكَة فِي الدُّنْيَا بِرُؤْيَتِهِ عز وَجل فِيهَا فصح ضَرُورَة أَن نزولهم فِي الدُّنْيَا إِلَى غير الْأَنْبِيَاء مُمْتَنع الْبَتَّةَ لَا يجوز وَأَن من قَالَ ذَلِك فقد قَالَ حجرا مَحْجُورا أَي مُمْتَنعا وَظهر بهَا كذب من ادّعى أَن ملكَيْنِ نزلا إِلَى النَّاس فعلماهم السحر وَقد استعظم الله عز وَجل ذَلِك من رَغْبَة من رغب نزُول الْمَلَائِكَة إِلَى النَّاس وسمى هَذَا الْفِعْل استكباراً وعتواً وَأخْبر عز وَجل أننا لَا نرى الْمَلَائِكَة أبدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَط وَأَنه لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا كُله فقد علمنَا ضَرُورَة أَنه لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما كَمَا قدمنَا قبل.

قال العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة 315/2:

وقد زعمت امرأة من أهل دومة الجندل أنها رأتهما معلقين بأرجلهما ببابل، وأنها تعلمت منهم السحر، وهما في هذه الحالة، في قصة طويلة حكتها لعائشة رضي الله تعالى عنها، رواها ابن جرير في " تفسيره " (2 /366 - 367) بإسناد حسن عن عائشة، ولكن المرأة مجهولة فلا يوثق بخبرها.
وقد ضعفها العلامة الوادعي رحمه الله أيضا في تحقيق الجزء الأول من تفسير ابن كثير رحمه الله.


الثاني: قول من سكت عن القصة:

ساق ابن كثير رحمه الله جملة من الروايات في تفسير الآية السابقة ثم قال بعد ذلك:

"وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين: كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة، وأبي العالية والزهري، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسراائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال". تفسير ابن كثير: 1 / 249-250.

وقال أحمد شاكر رحمهما الله في تحقيق تفسير الطبري 440/2:

وهي قصة عجيبة، لا ندري أصدقت تلك المرأة فيما أخبرت به عائشة؟ أما عائشة فقد صدقت في أن المرأة أخبرتها. والإسناد إلى عائشة جيد، بل صحيح.

الثالث: قول من صحح القصة.

قال أحمد شاكر رحمهما الله في تحقيق تفسير الطبري 440/2:

ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 280 رقم 1022) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 373) والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 137) والحاكم 4/ 171 وصححه ووافقه الذهبي .. كلهم من طريق الربيع بن سليمان عن عبد الله بن وهب اخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد حدثني هشام عن أبيه عن عائشة به. والزيادة عند البيهقي واللالكائي وبعضها عند الحاكم. وقال ابن كثير: أثر غريب وسياق عجيب .. وإسناده جيد إلى عائشة رضي الله عنها. قلت: ومن ضعفه فمن أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو وإن كان ضعفه البعض فقد قال ابن حجر: صدوق تغير بآخرة وقال ابن معين أنه كان من أثبت الناس في هشام بن عروة، وهو هنا يروى عنه فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث .. والله أعلم.

وقال العلامة المعلمي رحمه الله في آثاره 373/2 منكرا على من كذب المرأة الدومية:

أقول: أما السند فلا كلام فيه، وإنما الشأن في هذه المرأة الدُّومِيَّة. ومَن تأمل القصة ومناسبتها للآية وسكوت الصحابة عن إنكارها علم أنه ليس من الإنصاف تكذيبها. وفيها بقاء الملكين إلى ذلك الوقت، وقد يشهد له قول الله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ} بصيغة المضارع المشعرة بالاستمرار، ولم يقل: وما علَّما، أو: وما كانا يعلِّمان، أو نحو ذلك.

وقد أنكر أبو محمَّد بن حزمٍ رحمه الله بقاءهما، واحتجَّ بأن بابل موجودةٌ على وجه الأرض والناس يطوفون فيها ولا يرونهما، ومَنْ كان يؤمن بوجود الجنِّ والملائكة وإمكان أن يراهم بعض الناس بإذن الله تعالى لم يَخْفَ عليه الجوابُ.

وقد يُحتجُّ على عدم بقائهما بقلَّة السِّحر على وجه الأرض، وبأنه لو كان الأمر كما زعمت الدُّوميَّة - أنَّ مَن تعلَّم لم يُرِدْ شيئًا إلا كان - لفسدت السماوات والأرض.

والجواب: أنه لا مانع أن يقال: إن الله عزَّ وجلَّ يمنع الناس من الوصول إليهما إلا مَنْ ندر، ويمنع مَنْ تَعَلَّمَ ذلك مِنْ عَمَل ما يَخْتَلُّ به شيء من قوانين الخلق والأمر، كما يمنع الشياطين من ذلك، وقد بيَّنَ هذا في الآيات بقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}، هذا والسياق يدلُّ أن قولها: "لا أريد شيئًا إلا كان" محمول على المُحَقَّرَات فقط. على أن هذا التعميم إنما وقع من قول العجوز الفاجرة، ومِنْ ظن هذه الدُّوميّة لما رأت قصَّة القمح.

وفي القصة أنها رأت الرجلين أو قُل (الملَكَين) معلَّقَيْن بأرجلهما، فإن فُهِمَ من التعليق العذابُ فلا يجوز أن يكون هذا العذاب على التعليم؛ إذ كيف يُصِرَّان على المعصية مع أنهما يعذَّبان عليها ومع ذلك يقولان: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ويؤكَّدان ذلك غاية التأكيد مع أن في الآثار التي سيأتي الكلام عليها أنهما تابا وأنابا.
فإن قيل: لعلَّ العذاب على ذنبٍ آخر كما تدلُّ عليه الآثار الأخرى، فكذلك يبعد أن يصرّا على معصية مع تعذيبهما على أخرى ويقولان مقالتهما. والأقرب إن صدقت المرأة أنهما مُثِّلا لها كذلك ليكون أَبْلَغَ للتنفير، ولا عذاب ولا تعليقَ في نفس الأمر.

وموضعُ الفائدة في هذه القصَّة أنهما لا يُعَلِّمان شيئًا وإنما يقولان: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}، فإذا أصرَّ الطالبُ قالا له: اذهب فبُلْ في ذلك التنور فيذهب فَيَعْرِضُ له خوف ورعب، فإن صَمَّم وبال فما هو إلا أن يبولَ فيخرجَ منه إيمانه وَيعْلَمَ السَّحْر.

فإن صحَّ هذا فلا إشكال في الآية أصلًا، بل المعنى: ولم ينزل السَّحر على الملكين ببابل، وإنما هما فتنة يفتنان مَنْ طلب تعلُّم السحر ليتبيّن تصميمه على الكفر أو عدمه، فيعظانه ويحذِّرانه، فإن أصرَّ امتحناه بأن يبول فيعرض له ذلك الخوف والرعب، فإن صمَّم وبال تبيَّن أنه قد صمَّم على الكفر فَيُنْزَعُ منه التوفيقُ، ويُخَلَّى بين الشياطين وبينه، فيحصل له السحر من صحبة الشياطين، فليس في فعل الملكين رضًا بكفر ولا تعليمُ سحر؛ وذلك أن البول في التنُّور ليس كفرًا في نفسه، بل الطالب إذا أصرَّ على التعلُّم بعد أَن يقولا له: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} فقد صار كافرًا, وإنما البول في التنُّور دليل على تصميمه على الكفر وإصراره عليه وشدة حرصه على التعلُّم الذي هو كفر بجرأته على البول مع ما يعرض له من الرعب، ولكن لما كان البول في التنُّور يقع بإشارتهما وعِلْمُ السحر يَحْصُلُ عقِبه، وكان ذلك في صورة التعليم أطلق في الآية {يُعَلِّمَانِ} {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا}، وذلك على سبيل المجاز، والله أعلم، والقرينة الصارفة عن الحقيقة أمور:

الأوَّل: أنه قد بيَّن في الآية أن تعليم السحر كفر وأن تعلُّمه كفر، وأنهما ملكان، وقد قامت الدلائل على عصمة الملائكة.
أما بيان أن تعليم السحر كفر، فقوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. وأما بيان أن تعلُّمَه كفر ففي قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}، وقوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} , واشتراؤه تعلُّمه، ونفي النصيب في الآخرة البتة إنما يكون على الكفر، وقوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}، أي: باعوا، وبيع النفس عبارة عن إيقاعها في الهلاك التامّ، وذلك إنما يكون بالكفر.


وبعد سوق كلام الأئمة في هذه القصة فإن النفس تميل وتطمئن الى الاستئناس بروايتها والاستضاءة بها وتلقيها بحسن الظن والقبول لأمور أهمها:


أولا:

من القواعد المتقررة في مصطلح الحديث أن الجهالة سبب موجب في رد خبر الراوي إلا أنهم يستئنسون برواية المجهول إذا كان في القرون المفضلة على تفاصيل عندهم أو جلالة من روى عنه وغيرها وقول من قال من أهل العلم بتضعيف القصة سببه جهالة المرأة الدومية ودونك تفصيل ماتع وكلام جامع سطره العلامة المحدث أبو عبدالرحيم عبدالله بن عبدالرحيم البخاري حفظه الله في كتابه الماتع التعليقات الرضية على المنظومة البيقونية ص 111-106:

الوجه الثاني: أن يكون الإبهام في الإسناد في طبقة دون طبقة الصحابة.

ولهذا الوجه صيغتان:

الأولى: أن يقول الراوي ( حدثني رجل) أو ( أخبرني رجل) أو ( سمعت رجلا) ونحوه من الصيغ الصريحة في التحمل.

الثانية: قول الرواي ( عن رجل) أو ( قال رجل) أو ( أن رجلا قال) و نحوه من الصيغ المحتملة.
ووقوع الإبهام في هذا الوجه على قسمين:

القسم الأول: وقوع الإبهام في طبقة التابعين، فيُبهم التابعي، ويتعامل مع حديثهم بما قاله الحافظ الذهبي في خاتمة كتابه( ديوان الضعفاء والمتروكين) ص 478 تحقيق العلامة المحدث حماد الأنصاري رحمه الله:
"......... وأما المجهولون من الرواة:
فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه، وتُلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول ومن ركاكة الألفاظ.
وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين فسائغ رواية خبره، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه وتحريه وعدم ذلك.
وإن كان المجهول من أتباع التابعين فمن بعدهم، فهو أضعف لخبره، سيما إذا انفرد به."

وقال الحافظ ابن كثير في ( اختصار علوم الحديث) ( 293/1):
أما المبهم الذي لم يسم، أو من سمي ولا تعرف عينه، فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه، ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن، وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القببيل كثير والله أعلم".

القسم الثاني: وقوع الإبهام في طبقة التابعين فمن بعدهم.
سيق في كلام الحافظ الذهبي المتقدم ما يدل على اختلاف التعامل مع أحاديث هؤلاء وسابقيهم، حيث قال:
" وإن كان المجهول من أتباع التابعين فمن بعدهم، فهو أضعف لخبره، سيما إذا انفرد به.
وهو المفهوم من كلام الحافظ ابن كثير السابق.

وعليه فنقول:
سبق تقرير أن من شروط قبول الحديث( صحة أو حُسنا) الاتصال وعدالة الرواة، وسبق أيضا الكلام عن أهمية الاتصال، والكلام عن العنعنة وما يلتحق بها.
أما الابهام: فيقال: الرواي (المبهم) أو (مجهول الذات) لم يتحقق فيه شرط (العدالة) ، وعدم تحقق العدالة سبب موجب لرد خبر الرواي، ولا يخفى أن الحفاظ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والاحتياط لها واجب شرعي مقدم على أي أمر آخر.

ثم ساق حفظه الله جملة من الآثار في عدم احتجاج الأئمة بالمجاهيل وعدم قبول روايتهم الى أن قال حفظه الله:

وبناءا على ما سبق نخلص الى الصور التالية في الابهام في هذه الطبقة:

الأولى: إبهام في طبقة التابعين- على اختلاف طبقاتهم- مع صيغة تحمل صحيحة، كقول الراوي الثقة: (حدثني رجل) و نحوه، فيقبل منه ذلك التحمل ويحمل على اتصاله، وأما معاملة حديثه فمر بيانها، لكن تبقى علة الجهالة.

الثانية: إبهام في طبقة التابعين - على اختلاف طبقاتهم- مع صيغة محتملة كالعنعنة، كقول الرواي الثقة: ( عن رجل) و نحوه، فيعل بالانقطاع والجهالة.

الثالثة: إبهام في طبقة أتباع التابعين فمن دونهم، بصيغة صريحة في التحمل، كقول الرواي الثقة: ( حدثني رجل) و نحوها، فإنها تحمل على الاتصال كما سبق آنفا، أما معاملة حديثه فهو دون معاملة طبقة التابعين، كما مر.

الرابعة: إبهام في طبقة أتباع التابعين فمن دونهم، بصيغة محتملة كالعنعنة، كقول الراوي الثقة:( عن رجل) و نحوه، فإنها تعل بالانقطاع والجهالة أيضا ، وأما حديثه فكسابقه.

انتهى كلامه حفظه الله.

فإذا علمنا أن المرأة الدومية تابعية إذ أنها لقت الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بأيام وأن عائشة رضي الله عنها روت عنها بصيغة تحمل صحيحة تبين أن خبرها يندرج ضمن الصورة الأولى التي ذكرها الشيخ البخاري حفظه الله فيقبل منها ذلك التحمل ويحمل على اتصاله.

ثانيا:

أن عائشة رضي الله عنها روت عن المرأة قصتها و هي مستحضرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" فيبعد أن تحدث عائشة عنها إلا وقد اجتمعت لديها من القرائن ما أفادها أن المرأة صادقة في خبرها خصوصا وأنها تأثرت لحكايتها ورحمتها عند بكائها ضف الى ذلك ما جاء في رواية ابن أبي حاتم أنها سألت الصحابة وهم يومئذ متوافرون فهابوا أن يجيبوها ويفتوها بغير علم.

قال النووي في شرح حديث "كفى بالمرء إثما":

وأما معنى الحديث والآثار التي في الباب ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب ، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن . وقد تقدم أن مذهب أهل الحق أن الكذب : الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ، ولا يشترط فيه التعمد لكن التعمد شرط في كونه إثما والله أعلم .

ثالثا:

مما تقرر في علم المصطلح أيضا أن الجهالة قد ترتفع أحيانا عن المجهول إذا روى عنه الثقات الأثبات الجبال.

قال الشيخ الدكتور عبدالكريم بن عبدالله الخضير حفظه الله في تحقيق الرغبة في توضيح النخبة ص 111 بعدما ساق أقوال المحدثين في تعريف الجهالة لغة واصطلاحا:

روى الخطيب بسنده عن يحيى بن معين أنه قال : إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة ( الكفاية ص150)، لكن قد ترتفع الجهالة برواية واحد من النقاد الذي لا يروون إلا عن الثقات، كالإمام مالك وشعبة بن الحجاج وغيرهما.

قال ابن حجر في ترجمة عبدالله بن أبي حبيبة المدني من " تعجيل المنفعة:
قال ابن الحذاء: هو من الرجال الذي اكتفي بمعرفتهم برواية مالك عنهم.(تعجيل المنفعة ص 147).

رابعا:

مما قد يشهد بصحة هذه القصة أنه قد ذُكر أشباهها ونظائرها ومما وقفت عليه منها ما ذكره صاحب الدر المنثور في تفسيره 246/1 أنه قال:

أخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن هَارُون بن ربَاب قَالَ: دخلت على عبد الْملك بن مَرْوَان وَعِنْده رجل قد ثنيت لَهُ وسَادَة وَهُوَ متكىء عَلَيْهَا فَقَالُوا هَذَا قد لَقِي هاروت وماروت
فَقلت: هَذَا ، قَالُوا: نعم ،قلت حَدثنَا رَحِمك الله
فأنشلأ يحدث فَلم يَتَمَالَك من الدُّمُوع فَقَالَ: كنت غُلَاما حَدثا وَلم أدْرك أبي وَكَانَت
أُمِّي تُعْطِينِي من المَال حَاجَتي فأنفقه وأفسده وأبذره وَلَا تَسْأَلنِي أُمِّي عَنهُ فَلَمَّا طَال ذَلِك وَكَبرت أَحْبَبْت أَن أعلم من أَيْن لأمي هَذِه الْأَمْوَال فَقلت لَهَا يَوْمًا: من أَيْن لَك هَذِه الْأَمْوَال فَقَالَت: يَا بني كل وتنعم وَلَا تسْأَل فَهُوَ خير لَك فأححت عَلَيْهَا فَقَالَت: إِن أَبَاك كَانَ ساحراً فَلم أزل أسألها وألح فأدخلتني بَيْتا فِيهِ أَمْوَال كَثِيرَة فَقَالَت: يَا بني هَذَا كُله لَك فَكل وتنعم وَلَا تسْأَل عَنهُ، فَقلت: لَا بُد من أَن أعلم من أَيْن هَذَا
قَالَ: فَقَالَت: يَا بني كل وتنعم وَلَا تسْأَل فَهُوَ خير لَك
قَالَ: فألححت عَلَيْهَا فَقَالَت: إِن أَبَاك كَانَ ساحراً وَجمع هَذِه الْأَمْوَال من السحر
قَالَ: فَأكلت مَا أكلت وَمضى مَا مضى ثمَّ تفكرت قلت: يُوشك أَن يذهب هَذَا المَال ويفنى فَيَنْبَغِي أَن أتعلم السحر فأجمع كَمَا جمع أبي فَقلت لأمي: من كَانَ خَاصَّة أبي وَصديقه من أهل الأَرْض قَالَت: فلَان لرجل فِي مكانٍ مَا، فتجهزت فَأَتَيْته فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: من الرجل قلت: فلَان بن فلَان صديقك
قَالَ: نعم مرْحَبًا مَا جَاءَ بك فقد ترك أَبوك من المَال مَا لَا يحْتَاج إِلَى أحد قَالَ: فَقلت: جِئْت لأتعلم السحر
قَالَ: يَا بني لَا تريده لَا خير فِيهِ، قلت: لابد من أَن أتعلمه، قَالَ: فناشدني وألح عَليّ أَن لَا أطلبه وَلَا أريده
فَقلت: لَا بُد من أَن أتعلمه، قَالَ: أما إِذا أَبيت فَاذْهَبْ فَإِذا كَانَ يَوْم كَذَا وَكَذَا فوافن هَهُنَا
قَالَ: فَفعلت فوافيته قَالَ: فَأخذ يناشدني أَيْضا وينهاني وَيَقُول: لَا تُرِيدُ السحر لَا خير فِيهِ
فأبيت عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي قد أَبيت قَالَ: فَإِنِّي أدْخلك موضعا فإياك أَن تذكر الله فِيهِ
قالَ: فَأَدْخلنِي فِي سرب تَحت الأَرْض ، قَالَ: فَجعلت أَدخل ثلثمِائة وَكَذَا مرقاة وَلَا أنكر من ضوء النَّهَار شَيْئا قَالَ: فَلَمَّا بلغت أَسْفَله إِذا أَنا بهاروت وماروت معلقان بالسلاسل فِي الْهَوَاء قَالَ: فَإِذا أعينهما كالترسة ورؤوسهما ذكر شَيْئا لَا أحفظه وَلَهُمَا أَجْنِحَة فَلَمَّا نظرت إِلَيْهِمَا قلت: لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ: فضربا بأجنحتهما ضربا شَدِيدا وصاحا صياحاً شَدِيدا سَاعَة ثمَّ سكتا ثمَّ قلت: أَيْضا لَا إِلَه إِلَّا الله ففعلا مثل ذَلِك ثمَّ قلت الثَّالِثَة ففعلا مثل ذَلِك أَيْضا ثمَّ سكتا وَسكت فَنَظَرا إِلَيّ فَقَالَا لي: آدَمِيّ، فَقلت: نعم، قَالَ: قلت مَا بالكما حِين ذكرت الله فعلتما مَا فعلتما، قَالَا: إِن ذَلِك اسْم لم نَسْمَعهُ من حِين خرجنَا من تَحت الْعَرْش، قَالَا: من أمة من؟ قلت: من أمة مُحَمَّد قَالَا: أَو قد بعث؟ قلت: نعم، قَالَا: اجْتمع النَّاس على رجل وَاحِد أَو هم مُخْتَلفُونَ قلت: قد اجْتَمعُوا على رجل وَاحِد، قَالَ: فساءهما ذَلِك فَقَالَا: كَيفَ ذَات بَينهم قلت سِّيىء، فسرهما ذَلِك فَقَالَا: هَل بلغ الْبُنيان بحيرة الطبرية قلت: لَا، فساءهما ذَلِك فسكتا، فَقلت لَهما: مَا بالكما حِين أخبرتكما باجتماع النَّاس على رجل وَاحِد ساءكما ذَلِك فَقَالَا: إِن السَّاعَة لم تقرب مَا دَامَ النَّاس على رجل وَاحِد، قلت: فَمَا بالكما سركما حِين أخبرتكما بِفساد ذَات الْبَين قَالَا: لأَنا رجونا اقتراب السَّاعَة
قَالَ: قلت: فَمَا بالكما سَاءَ كَمَا أَن الْبُنيان لم يبلغ بحيرة الطبرية قَالَا: لِأَن السَّاعَة لَا تقوم أبدا حَتَّى يبلغ الْبُنيان بحيرة الطبرية،قَالَ: قلت لَهما: أوصياني، قَالَا: إِن قدرت أَن لَا تنام فافعل فَإِن الْأَمر جد.

وقد ذكر نحوها ابن العربي في أحكام القرآن 47/1:

وَقَدْ رَوَى سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ دُخِلَ إلَيْهِمَا-هاروت وماروت- فِي مَغَارِهِمَا وَكُلِّمَا، وَتُعُلِّمَ مِنْهُمَا فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ التَّعَلُّمُ مِنْهُمَا إلَّا سَمَاعَ كَلَامِهِمَا، وَهُمَا إذَا تَكَلَّمَا إنَّمَا يَقُولَانِ: إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ أَيْ لَا تَجْعَلْ مَا تَسْمَعُ مِنَّا سَبَبًا لِلْكُفْرِ، كَمَا جَعَلَ السَّامِرِيُّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ سَبَبًا لِاِتِّخَاذِ الْعِجْلِ إلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ.

خامسا:

رواية عائشة عن المرأة الدومية من باب رواية الأكابر عن الأصاغر وفيها نكتة لطيفة وهي أن رواية الكبير عن الصغير تدل على أن للصغير ميزة جعلت الكبير يتحمل عنه العلم.

قال الشيخ عبدالكريم الخضير في شرح اختصار علوم الحديث:
النبي -عليه الصلاة والسلام- يروي عن تميم وهو أجل قدراً منه بلا إشكال، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أكبر قدراً من تميم، كما أنه أكبر سناً، فهذا من أشرف ما يذكر، وأجلّ ما يذكر في هذا الباب، ولا شك أن مثل هذا مزيد فضل لتميم الداري الذي روى عنه النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولذا من فائدة هذا الباب الذي هو على خلاف الأصل، الأصل أن يروي الصغير عن الكبير، فإذا روى الكبير عن الصغير دلَّ على أن لهذا الصغير مزية بحيث يتحمل عنه العلم وهو صغير من قبل من هو أكبر منه.

سادسا:

المتأمل في كلام من ضعف القصة و أنكرها وشدد في ذلك أن منشأ تضعيفها راجع عند بعضهم لما جاء في ما روي في أصلها من مخالفة الأصول المسلمة في دين الاسلام مما تلقي من أهل الكتاب ولذلك قال القاضي عياض رحمه الله في الشفا 175/2:

وأنا أقول إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التى ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال فهى ساقطة ههنا، فما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم قصة هاروت وماروت وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين وما روى عن على وابن عباس في خبرهما وابتلائهما، فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو منها شئ لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو شيئا يؤخذ بقياس والذى منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم كما نصه الله أول الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه، وقد انطوت القصة على شنع عظيمة وها نحن نحبر في ذلك ما يشكف غطاء هذه
الإشكالات إن شاء الله.

ولما سألت اللجنة الدائمة عن قصة هاروت وماروت أجابت:

وأما أنهما كانا ملكين ومسخا رجلين، وأنهما أساءا بارتكاب المعاصي وحجبا عن السماء، وأنهما يعذبان في الدنيا أو معلقان من شعورهما، فكل هذا وأمثاله من كلام الكذابين من القصاص، فيجب على المسلم ألا يقبله منهم. فتاوى اللجنة الدائمة 59/1.

هذا والله أعلم فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


التعديل الأخير تم بواسطة أبوعبدالرحمن عبدالله بادي ; 14 Jan 2018 الساعة 06:53 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06 Apr 2016, 10:34 AM
ابومارية عباس البسكري ابومارية عباس البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: الجزائر بسكرة
المشاركات: 703
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ابومارية عباس البسكري
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي بادي على هذا الجمع الموفق
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09 Apr 2016, 07:07 AM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي


جزاك الله خيرا أخي عباس ونفع بك.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, مسائل

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013