منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم مشاركات اليوم Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام » ركن الخطب المنبريّة والدروس العلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22 Dec 2016, 10:40 PM
أبو الرميصاء مصطفى قلي أبو الرميصاء مصطفى قلي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 56
افتراضي تفريغ لخطبة بعنوان: " بر الوالدين (٢) " لفضيلة الشيخ عز الدين رمضاني - حفظه الله -



• الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه. أمَّا بعدُ:
• فهذا تفريغ لخُطبة جمعة :٤ من صفر ١٤٣٨هـ
• لفضيلة الشيخ عز الدين رمضاني - حفظه الله -
• المكان : مسجد عقبة بن نافع عين النعجة الجزائر
• تحت عنوان : بر الوالدين (٢)

الخطبة الأولى:

إن الحمدَ لله، نحمده - سبحانه - ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].


ألا و إن أصدق الكلام كلام الله - جل وعلا -، وخير الهدي هدي نبينا محمد - صلوات الله وسلامه عليه -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد: فأوصيكم ونفسي - عباد الله - بتقوى الله - عزوجل -

لقد تقدم في موضوع الخطبة المنصرمة أن بر الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما في المعروف واجب ٌ شرعي بنص الكتاب والسنة وأنه يجب على كل واحد منا أن يتوخى هذا العمل الصالح وأن يحرص على أن يكون لوالديه معينً ومشفق و بهما براً ورحيما يخاف عليهما كما يخاف على نفسه أو أكثر ويرجوا لهما من الخير ما يرجوه لنفسه أو أكثر وهذا أقل القليل الذي قد يسديه المرء إلى من أوجب الله - سبحانه وتعالى - عليه هذا الحق العظيم الذي قرنه بعبادته وتوحيده لما قال عز من قائل ﴿وقضىٰ ربّك ألّا تعْبدوا إِلّا إِيّاه وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا﴾[ الإسراء:٢٣] والآيات في هذا كثيرة معلومة والإنسان مهما بالغ في إكرام والديه والقيام بحقهما والإحسان إليهما في حياتهما وبعد مماتهما فلن يرد لهم إلا بعض الجميل لن يرد لهم إلا بعض الجميل لأن حق والديه عليه أكبر مما يتصور اللهم إلا إذا وجدهما عبدين مملوكين فاشتراهما فأعتقهما كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن العتق أعظم وأنفع ما ينعم به إنسان على إنسان.

وقد بينا أيضا- عباد الله - أن من فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده أنه أخبر البارين بآبائهم عما ادخره الله - سبحانه وتعالى - لهم في الدنيا من العاقبة الحسنى وفي الآخرة من الجزاء الجزيل والثواب العظيم ﴿أولٰئِك الّذِين نتقبّل عنْهمْ أحْسن ما عمِلوا ونتجاوز عنْ سيِّئاتِهِمْ فِي أصْحابِ الْجنّةِ وعْد الصِّدْقِ الّذِي كانوا يوعدون﴾[ الأحقاف:١٦].

وأنواع البر - عباد الله - بالآباء والأمهات كثيرة ولو تأملنا في جملة النصوص الواردة في أنواع الخير والبر الذي بإمكان كل واحد منها أن يكون له منها النصيب الأوفر لكان حقيق بذلك بل ومسارعاً إلى ابتغاء الأجر والثواب من عند الله - تبارك وتعالى - ببر والديه.

من علامات وأنواع البر - عباد الله - بالوالدين الإحسان إليهما بالمال وسد ما يحتاجان إليه من المأكل والملبس والمشرب والمسكن والحفاظ على سمعتهما ومقامهما حتى لا يتعرضا إلى ذل السؤال ومنة الغير لأنهما أحق الناس بمال ولديهما وللوالدين في مال أبنائهم وبناتهم الحق الأوفى والنصيب الأعظم ما لم يؤدي ذلك إلى اجتياح ماله فساد وإفسادا لأن الأبناء كما جاء في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - من كسب الوالدين لأنهما السبب المباشر في وجودهم في هذه الحياة الدنيا ولهذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح أنه قال: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد المرء من كسبه»، ويوضح هذا المعنى أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أيضا «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو أباه فقال: إن لي مالا وولدا وإن والدي يريد أن يجتاح مالي » فقال: له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - «أنت ومالك لوالدك» «وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم»، والأمر لا يختلف إذا كان الوالدان مؤمنين أو كافرين فهما في هذا الأمر سيان لما ثبت في البخاري عن أسماء بنت الصديق - رضي الله تعالى عنها - أن أمها جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت قدمت أمي وهي مشركة فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إن أمي أتتني وهي راغبة، «راغبة» أي: في حاجة إلى أن أعينها بمال أو بما تستحق من مال لتسد حاجتها فقال: لها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن سألته ، أفأصلها قال:«نعم؛ صلي أمك».

ومن أنواع البر أيضا التي لا بد أن تذكر في هذا المقام العمل على جعل الآباء والأمهات يحبان ما يحبان ويكرهان ما يكرهان وذلك معنى موافقتهما فيما يحبان ويكرهان ما لم تكن معصية - لله عزوجل - مثال ذلك أن لا يُدخل عليهما من ينزعجان منه أو يتضرران به أو يتضايقان بوجوده في البيت من مثل زوجة أو جار أو صديق ولهذا جاء عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في الحديث الصحيح أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال: له يا رسول الله أبايعك على الجهاد والهجرة، فقال: له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أحي والدك، قال: نعم قال: فارجع إليهما وأحسن صحبتهما وفي رواية ففيهما فجاهد. فالوالدان لما كانا كارهين لخروج ولدهما إلى الجهاد وهو من أفضل أنواع الطاعات أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الولد بأن يعمل على إرضاء والديه وأن لا يجعلهما حزينين عليه بما قام به من تصرف.

ومن أنواع البر أيضا - عباد الله - الدعاء لهما والإستغفار لهما في حياتهما وبعد مماتهما فإن ذلك ينفعهما كثيرا جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقال: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك له» فانظروا ماذا يجني الدعاء والإستغفار للوالدين ولهذا لا بد على عباد الله - سبحانه وتعالى - أن يحرصوا على هذا الخير العظيم.

ومن أنواع بر الوالدين تقديم النصح لهما وتعليمهما وأمرهما بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمة ولين وشفقة ورحمة ولنا في ذلك المثل الأعلى في قصة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - شيخ الأنبياء مع أبيه لما دعاه إلى الإسلام ودعاه إلى الإيمان بكل شفقة ورحمة متخذًا من أسلوب الخطاب اللَّيِن والدعوة بالتي هي أحسن سبيلاً وطريقاً إلى فتح قلبه وهدايته إلى الحق ﴿واذْكرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيم إِنّه كان صِدِّيقًا نبِيًّا * إِذْ قال لِأبِيهِ يا أبتِ لِم تعْبد ما لا يسْمع ولا يبْصِر ولا يغْنِي عنْك شيْئًا * يا أبتِ إِنِّي قدْ جاءنِي مِن الْعِلْمِ ما لمْ يأْتِك فاتّبِعْنِي أهْدِك صِراطًا سوِيًّا * يا أبتِ لا تعْبدِ الشّيْطان إِنّ الشّيْطان كان لِلرّحْمٰنِ عصِيًّا * يا أبتِ إِنِّي أخاف أنْ يمسّك عذابٌ مِن الرّحْمٰنِ فتكون لِلشّيْطانِ ولِيًّا﴾[ مريم:٤١-٤٥] إلى آخر ما جاء في هذا السياق الرباني الكريم ومن السور المعبرة بالحق عن بر الولد بوالديه والإحسان إليهما والحرص على إهدائهما أثمن وأصدق هدية وهي الدعاء لهما بالرحمة والإستغفار لهما وسؤال الله - عزوجل - لهما الهداية والإيمان ما جاء في بر الصحابي الجليل أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - الذي ضرب لنا هذا المثل العظيم في بره لوالديه وهو أن يحرص على أن تسلم أمُه بعد أن كانت كافرة مشركة لا كما يفعل عصاة هذا الزمان أصحاب العقوق الذين يحرصون على إهداء الأغاني لوالديهم عبر أمواج الأثير اسمعوا إلى هذه القصة وهي في الصحيح رواها مسلم ورواها أحمد في مسنده والحاكم وابن سعد وغيرهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنت أدعوا أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أكره فجئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنا أبكي فقلت يا رسول الله إني قد دعوة أمي اليوم فأسمعتني فيك ما أكره ودعوتها فتأبى فادعوا يا رسول الله لأمي أن يهدي أم أبي هريرة فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم أهدي أم أبي هريرة، قال: - رضي الله تعالى عنه - فرجعة فأتيت الباب فإذا هو جاف أي:مغلق، فسمعت أمي خشخشت قدمي فقالت: يا أبا هريرة مكانك، قال: - رضي الله عنه - فسمعت خضخضت الماء فاغتسلت ولبست درعها وتعجلت عن خمارها، قال: ففتحت الباب فقالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: أبو هريرة فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأتيته وأنا أبكي من الفرح فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله - تعالى - دعوتك فقد هدى الله أم أبي هريرة فحمد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ الله - عزوجل - وأثنى عليه وقال: خيرا ثم قال: أبو هريرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله أدعوا الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا فقال: النبي - عليه الصلاة والسلام - اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين قال: أبو هريرة فما خلق مؤمنٌ أي: بعد هذا يسمع بي أو يراني إلا وأحبني إلا وأحبني أنظر هذا المثل الأعلى وهذا النموذج الفريد كيف كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - بآبائهم وأمهاتهم بارين ولهم مطيعين، والمعدن الطيب لا يستغرب إذا علمنا أن هذا الصحابي وغيرهم من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين تركوا لنا هذا النموذج الطيب وهذه القدوة الحسنة في برهم بآبائهم وفي طاعتهم وقرباتهم لله - تبارك وتعالى - فقد ثبت في الصحيح وهذه صورة أخرى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه جاء إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فأعطاه النبي - عليه الصلاة والسلام - تمرتين قال: أبو هريرة فأكلت تمرة ووضعت تمرة في حجري فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ترفع هذه يا أبا هريرة، قال: أرفعها لأمي قال: فكلها وكان من فقراء الصحابة - رضي الله تعالى عنه - قال: فكلها أي: التمرة الثانية وأنا أعطيك لها تمرتين، قال: فأكلتهما وأعطاني لها تمرتين، ومن ذلك أيضا أنه - رضي الله تعالى عنه - كما جاء في صحيح مسلم أنه يقول كما روى ذلك سعيد بن المسيب عنه - رضي الله عنه - أنه كان يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في حديثه الصحيح للعبد المملوك أجران كان أبو هريرة يقول بعد ذلك فوالذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد والحج وبر أمي لاخترت أن أكون عبداً مملوك قال سعيد بن المسيب - رحمه الله - بلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها وهذا طبعاً كما قال العلماء في حجة التطوع ولعل من أبلغ صور البر بالأمهات ما ثبت أيضاً عن هذا الصحابي الجليل - رضي الله تعالى عنه - كما روى ذلك البخاري في أدب المفرد وعبد الله بن وهب في جامعه عن ابن أبي هلال قال: كان أبو هريرة يدخل كل يوم على أمه فيقول: جزاك الله خيراً يا أمي كما ربيتني صغيرا فكانت تقول له: جزاك الله خيرًا كما يا أبا هريرة كما بررتني كبيرا، فهل بعد هذا كله يأتي اليوم من عسى أن يكون متخومًا وأمه تتضور جوعًا يطعن في أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - هيهات أن ينالوا منه شيئا ونحن - عباد الله - لما نرى مثل هذه الصور الواضحة وهذه النماذج الحية لا بد أن يحرك هذا في شجوننا هذه الصور فنسعى إلى ما كان عليه هؤلاء الأصحاب الأخيار فإن في الإقتداء بهم واتباعهم في أقوالهم وأفعالهم التي كانوا عليها لمسلكٌ خَيِّرٌ في إتباع منهج الله - تبارك وتعالى -.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لما فيه الخير وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.


الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى هم من أهل الصفا اشتعل بهم النور وما انطفئ.

- عباد الله - من صور البر بالآباء والأمهات إلتماس رضاهما عند مغادرتهما أو الاستئذان منهما عند الخروج من عندهما لما جاء في ذلك من النصوص والآثار الكثيرة منها ما ذكرناه أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني أريد الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله - عزوجل - فقال: له النبي - صلى الله عليه وسلم - أمك حية وفي رواية ألك والدان قال: نعم قال: فتبتغي الأجر من الله - عزوجل - قال: نعم قال: فأرجع إليهما فأحسن صحبتهما وفي رواية ففيهما فجاهد.

ولهذا ذكر أبو داود في سننه في باب في - غزو الرجل وأبواه كارهان - ذكر بسنده أن رجلا جاء إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال: يا رسول إني أريد الهجرة وقد تركت أبواي يبكيان، فقال: «ارجع عليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»، والسبب في ذلك ترك الجهاد والهجرة وتفضيل بر الوالدين عليهما أي: على الجهاد والهجرة لأن الذي يريد الهجرة والجهاد لا شك أنه يريد سلعة الله الغالية وهي الجنة وهي لا تنال إلا بشيء صعب، لا تنال إلا ببذل العظيم والكبير والكثير من الجهود، وقد تحول دون هذه الغايات عوائق كثيرة، فقد يتحقق للمرء ما يريده من الهجرة ومن الجهاد وقد لا يتحقق له، أما البقاء مع الوالدين وصحبتهما والإحسان إليهما والصبر عليهما هذا عمل عظيم هو مفتاح للجنة، وينال بيسير العمل وقليل الجهد، ولذلك جعل النبي - صلى اله عليه وسلم - البقاء مع الوالدين أفضل من الجهاد والهجرة في سبيل الله ما لم يكون فرض عين، أما إذا كان الأمر يتعلق بالواجب العيني فهذا له حكم آخر أما التطوع أو إذا كان الجهاد فرض كفاية فإن الإنسان لا بد أن يستأذن والديه في ذلك كما ذكرناه غير مرة.

ومن أنواع البر أيضاً التي ينبغي أن تذكر هو إكرام أصدقاء الوالدين وإن لم يكن المرء يعرفهما من قبل فإنه باستطاعة الإنسان أن يوصل الخير والأجر والجزاء الحسن إلى والديه وهما تحت التراب، وقد جاء هذا في حديث صحيح رواه أبو يعلى وابن حبان عن أبي بردة - رضي الله تعالى عنه - قال: أتاني عبد الله بن عمر لما قدمت المدينة قال: فدخل علي فقال: له عبد الله بن عمر أتدري لما أتيتك قال: لا قال: أتيتك لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: في حديثه إذا أراد الرجل أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده ولقد كان بين أبي عمر وبين أبيك ود وإخاء فأحببت أن أصل ذلك أتاه للبيت لأجل إخباره بهذا الحديث ويوضح هذا الذي كان عليه ابن عمر من البلاغ والبيان أنه ثبت عنه كما في صحيح مسلم إذا خرج إلى مكة يركب الراحلة ومعه حمار إذا مل من ركوب الراحلة انتقل إلى الحمار وكانت معه عمامة يشد بها على رأسه فمر به أعرابي فقال: له عبد الله بن عمر، قال: ألست فلان بن فلان، قال: نعم قال: اركب هذا الحمار وخذ هذه العمامة واشدد بها رأسك، فقال: له أصحابه يا عبد الله غفر الله لك أتعطي هذا حمارك الذي تركب عليه وتعطيه هذه العمامة التي تشد بها رأسك، فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن من أبر البر أن يبر الرجل أصدقاء والديه بعد أن يولي قال: كان أبوه صديق لعمر».

ومن أنواع البر أيضاً - عباد الله - الحرص على قضاء دينهما وهذا من الأهمية بمكان أيًّا كان الدين إبراءً لذمتهما وتجنيبًا لما قد ينالهما من العذاب والسخط في الآخرة وقد جاءت في هذا أحاديث كثيرة ومعلومة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وكلها صريحة في الدلالة في الانتفاع الوالدين بعمل ولدهما الصالح وأن الأجر يلحقهما من غير أن ينقص من ذلك شيئا سواء كان صيامًا أو حجًا أو عتقًا أو صدقة كما توضحه الأحاديث الكثيرة فقد أخرج الشيخان عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: إن أمي أفلتت بمعنى: ماتت فجأة ولم توصي وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها، قال: نعم تصدق على أمك، وأيضا أخرج البخاري عن سعد بن عبادة - رضي الله عنه - أن أمه توفيت وهو غائب فلما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله هل ينفعني إن تصدقت عنها، قال: نعم فقال أشهدك على أن حائط المخراف يعني: المثمر بستان عظيم صدقة عنها، وثبت أيضاً عن عبد الله بن عباس وهذا في قضاء الدين الذي يكون من مثل الصيام فأن امرأة ركبت البحر فنذرت لله - عزوجل - إن أنجاها الله - عزوجل - من الهلاك صامت شهراً فلم تصم حتى توفيت فجاءت أمها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألته إن أمي نذرت شهراً إن أنجاه الله - عزوجل - من البحر أفأصوم عنها، فقال: لها النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان على أمك دين أكنت قاضيته قالت: نعم، قال: فاقضي فإن دين الله أحق أن يقضى فصامت عنها، وما يقال في الصوم أيضاً يقال في الحج فقد ثبت أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت: له إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها، قال: نعم، قالت: ولم تحج قط أفأحج عنها، قال: حجي عنها، فهذه أعمال بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تنفع الوالدين وهذا لا يتعارض مع قول الله - عزوجل - ﴿وأنْ ليْس لِلْإِنْسانِ إِلّا ما سعىٰ﴾[ النجم:٣٩] لأن الأولاد من كسب وسعي الآباء ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، و علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

فهذه - عباد الله - بعض أنواع البر التي بإمكان كل واحد منا أن يكون له منها حظٌ فيتنافس في ذلك ويسارع حتى ينال رضا الله - سبحانه وتعالى -.

ومن البر أيضاً التي ينبغي أن يعرف أنه للإنسان يتوجب عليه أن يكون مطيعاً لوالديه بقدر المستطاع إلا فيما لا يستطيع وموافقة الوالدين فيما يحبان ويكرهان ذكرنا كثيراً من الأدلة ومن هذا الذي يحضرني أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنه - كانت له امرأة يقول: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها فقال: لي عمر ابن الخطاب أي: أبوه، طلقها قال: فأبيت فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: له النبي - صلى الله عليه وسلم - أطع أباك وطلقها وهذا الحديث ليس على إطلاقه كما يظن البعض ليس على إطلاقه لأن الرجل المذكور في هذا الأثر هو عمر ابن الخطاب وهو من هو في علمه ودينه وورعه وعدله وهو لا شك أنه لم يأمر ابنه عبد الله إلا لريبة رآها أو سمعها من هذه المرأة وعليه فلا حجة لأب أو أب يأمر ولده بتطليق زوجته لمجرد هوى في النفس أو قسوة في المعاملة أو بسبب كسر إناء أو عدم رضا الزوجة بالوقوع في مخالفة شرعية اضطرت إليها أو تحت ضغط والدي الزوج خصوصاً ونحن نعلم أنه في وسطنا العائلي توجد كثير من العادات والتقاليد المخالفة للشرع أحياناً كما هو الشأن في الأعراس والضيافة والولائم وما إلى ذلك من الأمور التي يعرفها الخاص والعام ولهذا أحمد بن حنبل - رحمه الله - لما جاء رجل إليه وقال له إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي قال له لا تطلقها قالوا لما قال لأن عمر ابن الخطاب أمر ابنه بتطليق زوجته قال حتى يكون أبوك مثل عمر، ولهذا فينبغي على الولد أن ينظر في هذا الأمر بميزان الشرع ولا يسارع حتى لا يقع في معصية والديه أو يقع أيضاً في ظلم زوجته لاسيما إذا كان لها أولاد ولهذا لما وقع لرجل من الصحابة - رضي الله تعالى عنه - أن أمه أمرته ليتزوج لما تزوج قالت: له فارق هذه الزوجة قال: فرحلة إلى أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه- فقلت: له إن أمي أمرتني أن أتزوج وأمرتني أن أفارق هذه المرأة قال: له أبو الدرداء أما أنا فلست الذي أقول لك بأن تطلق ولا لأقول لأن تمسك لكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الوالد أوسط أبواب الجنة فاحفظ ذلك الباب أو ضيعه قال: فرجع إليها ففارقها وهنا لابد للإنسان أن يحكم الشرع لا الهوى هذه أمور لعله قد يكون الحديث عنها في موضوع لاحق بحول الله - تبارك وتعالى -.

وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير وأن يهدينا سواء السبيل وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجعل طاعتنا له من أسباب رحمته وتفضله علينا - سبحانه وتعالى -.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم ارحمنا، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إنك أنت الغفور الرحيم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين


___________________________
فرّغه:/ أبو الرميصاء مصطفى قلي

رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013