
14 Dec 2009, 02:02 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 379
|
|
" القَاسِمُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الأَشْعَرِيَّةِ وَ السُّرُورِيَّةِ ..." للشّيخ أبي مالك الرّفاعي
بسم الله الرحمن الرحيم
القَاسِمُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الأَشْعَرِيَّةِ وَ السُّرُورِيَّةِ
الأشعرية مذهب معروف في العقيدة ينسب إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (324هـ).
وكان أبو الحسن هذا ـ واسمه علي بن إسماعيل ـ على مذهب المعتزلة، وبقي كذلك نحواً من أربعين سنة من عمره، ثمَّ تحوَّل عن مذهب الاعتزال لماَّ تبيَّن له تناقض المعتزلة، وبطلان ما هم عليه من العقائد المخالفة للسنة.
ثمَّ إنَّ أبا الحسن الأشعري التقى أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري، وأخذ عنهم أقوال ابن كلاب يظنُّها أنَّها هي الحق.
وابن كلاب ـ هذا ـ كان معاصراً للإمام احمد بن حنبل، غيْرَ أنَّه لم يكن على طريقة أحمد وغيره من أئمة السنَّة، بل كان أحد المتكلمين، وقد انفرد بأصول خالف فيها السلف، وكان ابن كُلاَّب وأصحابُه بالبصرة حرباً على المعتزلة مع أنهم يشاركونهم في كثير من الأصول الكلامية, وكان الإمام أحمد بن حنبل لا يرى طريقة ابن كلاب؛ بل كان يحذِّرُ منه، ومن أصحابِه ـ كما نقل ذلك الإمام أبو بكر ابن خزيمة كما في ترجمته في "سير أعلام النبلاء".
واتبع أبو الحسن الأشعري مذهب الكُلاَّبيَّة، وانتصر لهم، وذبَّ عنهم، وفضح المعتزلة، وهتك أستار مذهبهم، وكشف عن عوار عقيدتهم ـ وهو الخبير المتمرس لأصولهم وطرائقهم ـ، وأكْثَرَ من التأليف في الرد عليهم، وبيان تناقضهم، وكانت هذه الفترة أخصْبَ فترة في حياة أبي الحسن، وأكثرها نشاطاً ونتاجاً حتى نسي الناس ابن كلاب وصاروا ينسبون هذا المذهب إلى أبي الحسن.
وخلاصة هذه الطريقة الكلابية ـ التي اشتهرت بالنسبة إلى أبي الحسن ـ أنَّها خليطٌ بين عقيدة السلف، وأصول المتكلمين؛ فليست هي طريقة سلفية محضة ـ كالتي كان عليها أحمد بن حنبل ـ، وليست طريقة اعتزالية خالصة ـ كالتي كان عليها بشر المرِّيسي، وابن الثلجي وابن أبي دؤاد ـ؛ فابن كلاب أخذ من هؤلاء وهؤلاء, وهو أقرب ـ بدون شك ـ إلى السلف من المعتزلة، وعنده من الأصول الصحيحة والعقائد السليمة ما ليس عند المعتزلة.
وأبو الحسن الأشعري ـ لماَّ كان قليل الخبرة بمذهب السلف في هذا الباب، ودقيق المعرفة بمذهب المعتزلة ـ حَسِبَ أن طريقة ابن كلاب هي الطريقة الصحيحة؛ فسلك مسلك ابن كلاب، ولم يتخلص من شوائب مذهب المتكلمين، حتى التقى بعد ذلك بعض أصحاب الإمام احمد بن حنبل، وحينها انتقل أبو الحسن الأشعري إلى الطور الثالث له في حياته، وألف في هذه المرحلة كتابه "الإبانة"، وأفصح فيه عن معتقده، وانتسابه إلى الإمام أحمد بن حنبل.
وكان أبو الحسن الأشعري في عصره إماماً مشهوراً، فانتحلته الكلابية، وجعلت تنتسب إليه، وليس إلى ابن كلاب؛ ومن ذاك الوقت صارت الكلابية تعرف بالأشعرية، وافترق الناس إلى ثلاث فرق مشهورة:
-الأولى: الحنابلة وهم الذين يمثلون المذهب السلفي الذي كان عليه الإمام أحمد بن حنبل , وهو الذي تحول إليه أبو الحسن في طوره الثالث .
-الثانية: المعتزلة وهم الذين يمثلون المذهب الجهمي المحض، وعداؤهم للحنابلة ظاهر من زمن الإمام أحمد، وكان أبو الحسن منهم في طوره الأول.
-الثالثة: الأشعرية ـ وهم بيْنَ بَيْنَ ـ ينتسبون للسنَّة، ويشاركون المعتزلة في كثير من أصولهم ـ، وهؤلاء هم طائفة الكلابية في الأصل، وكان أبو الحسن معهم في طوره الثاني, وقد سبق أنَّ الإمام أحمد كان يُحذِّر منهم، ومن شيخهم ابن كلاب.
ولكن العِدَاء لم يكن ظاهراً بين الحنابلة والأشعرية لانتساب هذه الفرقة الأخيرة إلى السنة، وكذلك لوجود العدو المشترك بين الطائفتين أعني طائفة المعتزلة, وكان الأشاعرة يسمون أنفسهم - وإلى اليوم - بأهل السنة، أو أهل السنة والجماعة .
ومع مرور الوقت أخذ الخلاف يقوى بين الحنابلة السلفيين، والأشاعرة المتكلمين، حتى انفجر أيام ما يعرف في التاريخ بفتنة ابن القشيري ببغداد (سنة 469هـ)، فقد كان هذا الرجل كلابياً جلداً يطعن على الحنابلة، ويرميهم بالتجسيم، ممَا سبَّبَ فتنة بدار الخلافة، ثم أُخْرِجَ من بغداد كما قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (16/249).
ولم يخف على علماء السنة منذ ذلك الوقت ـ بل وقبله ـ أنَّ طائفة الأشاعرة لا تعدو كونَها فرقة من فرق المتكلمين، غير أنها من أخف الطوائف وأقربها، وفي هذا المعنى يقول بعض العلماء المتقدمين: «المعتزلة: الجهمية الذكور، والأشعرية: الجهمية الإناث!»، وَوُصِفوا بأنهم أفراخ الجهمية.
وهكذا نرى أن الأشعرية ـ وريثة الكلابية ـ لما أرادوا خلع عباءة الاعتزال والتجهم، لبسوا عباءة مرقعة؛ ليست عباءة جهمية خالصة، ولا سلفية خالصة, ممَّا جعل شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه يصفهم بالتناقض؛ حيث يزعمون أنهم يردُّون على المعتزلة، وهم يشاركونهم في كثير من أصولهم الباطلة!
هذه هي الأشعرية التي وقفت في منتصف الطريق بين السلف والجهمية...
وانتقل بك أخي القارئ الكريم من ذلك الزمن الغابر إلى وقتنا الحاضر: إلى طائفة أخرى بُليَتْ بهذا التذبذب، وهذا التلون والترقيع.
وقبل أن أذكر لك هذه الطائفة ومنهجها التلفيقي، أعود بك إلى الوراء نحواً من سبعين سنة، حيث ظهرت عدة مناهج في الدعوة إلى الله كان من أبرزها على الساحة الإسلامية منهجان معروفان:
الأول: المنهج السلفي: ولم يكن مبتكراً في ذلك الوقت، ولم يخترعه أحد من العلماء ـ لا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا غيره من المصلحين ـ بل هو الأمر العتيق، والخط المتصل إلى السلف من الصحابة والتابعين، المتلقَّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: المنهج السياسي الحركي: وتمثله جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الشيخ حسن البنا، وكثُر أتباعها في جميع البلدان.
وأنبه - هنا- إلى خطأ علمي، وتاريخي، ودعوي، وقع فيه مؤلِّفوا كتاب "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" حيث جعلوا عنوان الفصل الخامس: (الحركات الإصلاحية الحديثة)، وذكروا إحدى عشرة حركة, ثلاثة منها فقط سلفية وهي:
- دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
- جماعة أهل الحديث
- جماعة أنصار السنة المحمدية
أما البواقي فهي داخلة في المنهج الحركي السياسي، وليس بينها، وبين التي قبلها التقاء لا في العقيدة ولا في المنهج! فارجع إليها في فهرس الكتاب (من 19 إلى 26).
ثُمَّ إنَّ وصْفَ دعوةِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها حركة فيه نظر؛ فالحركة مصطلح سياسي ـ وليس دينيا ـ ولا يصح إطلاقه على دعوات الأئمة المجددين؛ فلا يقال: حركة أحمد بن حنبل، أو حركة ابن تيمية، أو حركة محمد بن عبد الوهاب...
فهذا غلط ! والغلط الأكبر من ذلك، أن تحشر دعوات هؤلاء الأئمة المصلحين مع الحركات السياسية الحديثة.
وهذا يذكرني بصنيع صاحب كتاب "ظاهرة الإرجاء" حيث كان يضم سيد قطب إلى الإمامين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وهذه إحدى مغالطاته، أو أغلاطه.
وأعود إلى صلب الموضوع حيث بقي الحال على ما هو عليه عشرات السنين: الإخوان المسلمون هم الإخوان المسلمون، على طريقتهم المعروفة في التكثيف والتجميع بدون هوية، مع اتفاقهم على أمرين أساسيين:
الأول: قيام الدولة الإسلامية المنشودة، وهذا رأس الأمر عندهم وعموده وذروة سنامه.
والثاني: الحرب على جميع الأنظمة القائمة، والعمل على زوالها، واستبدالها بالحكم الإسلامي المأمول.
ثم اختلفوا في الأسلوب الأمثل والمتبع في اجتثاث هذه الأنظمة:
- فذهب الغالبية منهم إلى إتباع النظام النيابي (الديمقراطية)، بتكوين الأحزاب، والدخول في الصراعات والمنافسات على المقاعد، وكان أول من اتبع هذا الأسلوب هو حسن البنَّا نفسه.
- أما التيار القطبي فرأى أن هذا الأسلوب عبث، وتضييع وقت، والأوْلى منه تربية الشباب على فكرة الدولة الإسلامية، وإعْدَادُهم فكرياً وروحياً وعسكرياً من أجل فرض فكرة التغيير ولو بالقوة.
والإخوان المسلمون ـ في ظل هذا الزخم السياسي ـ ليس لهم عناية بالعقيدة وتصحيحها، بل الأصل عندهم أن يجتمع الناس على فكرتهم، وليس على عقيدة السلف؛ فيُدْخِلُون في تنظيمهم جميع الفرق الإسلامية: من رافضة، وصوفية، وإباضية، وعقلانية، وأشعرية، وماتريدية، ويمسكون عن الصدع بالحق في باب العقيدة لئلا ينفضَّ هؤلاء من حولهم, وليس لهذه الجماعة عقيدة محددة؛ فهم خليط من عقائد، وأهواء شتى.
أما السلفيون فالأصل عندهم ـ وهو منطلق دعوتهم ـ أنْ يجتمع الناس على العقيدة الصحيحة، ولا اجتماع إلاَّ بهذا الأصل؛ فمِنَ المحال أنْ يلتقيَ السلفيون مع من يشتم الصحابة، أو يسب السلف، أو ينكر صفة العلو، أو يؤمن بالخرافات، أو يدين بالبدع...
في الوقت الذي همش فيه الإخوان المسلمون قضية العقيدة وجعلوها خلف ظهورهم:
-إما لأن كثيراً منهم من أهل البدع.
-وإما لأن العقيدة الصحيحة تنسف ما هم عليه من الاجتماع على الأباطيل والتضليل السياسي.
وفي الآونة الأخيرة ظهرت منهم فئة جديدة متفرعة عن الجماعة الأم، نشأوا في بلاد سلفية ـ كالبلاد السعوديةـ، أو تأثروا ببعض علماء الدعوة السلفية كابن تيمية وابن القيم، وهؤلاء الإخوانيون الجدد ليسوا صوفية ولا أشعرية، بل هم من الناحية النظرية يقررون عقيدة السلف في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ولهم عناية بالعلم الشرعي من حيث الجملة، ويعيبون على الجماعة الكبرى ـ جماعة الإخوان المسلمين الأم ـ إهمالهَا لجانب تصحيح العقيدة, وكتب أحدهم رسالة "العقيدة أولاً لو كانوا يعلمون" يرُدُّ بها على جماعته الأولى.
وفي الوقت نفسه يعيب هؤلاء الإخوان الجدد على الدعوة السلفية: ترْكَها الاصطدام بالأنظمة الحاكمة، ومقارعة الحكام، وابتعادها عن الصراعات السياسية بين أحزاب اليمين واليسار، وسمَّوْا هذا الخوض السياسي ـ الذي هو كسراب بقيعة ـ: بفقه الواقع، ونبزوا علماء الدعوة السلفية بأنهم لا يفقهون الواقع، كما عابوا على السلفيين عنايتهم البالغة بالعلم ومسائله الدقيقة، وسمَّوْا ذلك إغراقا فى الجزئيات! كما حاربوا "التصنيف"، الذي يتبيَّن به أهل الحق من أهل الباطل وقالوا: (( مسلمون وكفى ))!
بل بالغ بعض مشاهير دعاتهم ورأى أن من دعا أحدا إلى السلفية أو غيرها؛ فإنه يستتاب وإلا ضربت عنقه!
وإن كانت هذه المسألة الأخيرة فيها خلط بين الإخوانية القديمة، والإخوانية الجديدة؛ إلاَّ أن الباطل لا يكاد ينضبط كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والمقصود أن هذه الطائفة الاخوانية الجديدة أصبحت في مفترق الطريق؛ فهم من الناحية النظرية يقررون العقيدة السلفية ـ من حيث الجملة ـ، ويفتحون الدروس في "شرح العقيدة الطحاوية", أما من الناحية التطبيقية فهم أهل منهج حركي، وتهييج سياسي على طريقة الإخوان القدماء ـ بل أشد ـ ، ولهذا التبس أمرهم على الشباب التباساً شديداً، وظنَّ كثيرٌ من الناس أنهم سلفيون، وهم في حقيقة الأمر وجه آخر للإخوان المسلمين.
وظهرت مع هؤلاء الإخوان الجدد العبارة التي نسمعها من بعض الشباب: ((فلان سلفي العقيدة، إخواني المنهج))، مع أن التفريق بين العقيدة والمنهج تفريق باطل، فإن المنهج السليم لا يكون إلاَّ عن عقيدة سليمة، ولا يختل المنهج إلا مع اختلال العقيدة, فموقف الإمام أحمد بن حنبل من قضية القول بخلق القرآن، كان منهجاً سار عليه بناءً على عقيدته السلفية الراسخة في قلبه؛ فلا انفصال بين المنهج والعقيدة.
وقد حاول الإخوان الجدد إدخال فكرة التفريق هذه على الشباب الإسلامي، كما حاولوا إدخال فكرة التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لمآرب سياسية وحزبية مكشوفة!
وهكذا بقيت طائفة (السرورية) الإخوان الجدد متذبذبة، متلونة متأرجحة بين السلفية المحضة، والإخوانية المحضة، فصدق عليهم أنهم أفراخ الإخوان المسلمين، كما كان الاشاعرة ـ ولا يزالون ـ أفراخ المعتزلة.
فهل تفطنت أيها القارئ الكريم إلى القاسم المشترك بين الأشعرية والسرورية؟
كتبه الشيخ / أبو مالك عبدالحميد الرفاعي الجهني
http://abumalik.net/play.php?catsmktba=210
|