
22 Dec 2016, 10:10 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 56
|
|
تفريغ لخطبة بعنوان: " بر الوالدين (١) " لفضيلة الشيخ عز الدين رمضاني - حفظه الله -
• الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه. أمَّا بعدُ:
• فهذا تفريغ لخُطبة جمعة :٢٧ من محرم ١٤٣٨هـ
• لفضيلة الشيخ عز الدين رمضاني - حفظه الله -
• المكان : مسجد عقبة بن نافع عين النعجة الجزائر
• تحت عنوان : بر الوالدين (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمدَ لله، نحمده - سبحانه - ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
ألا و إن أصدق الكلام كلام الله - جل وعلا -، وخير الهدي هدي نبينا محمد - صلوات الله وسلامه عليه -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
فأوصيكم - عباد الله - ونفسي بتقوى الله - عزوجل - ثم اعلموا رحمكم الله وإياي، أن من الحقوق الضائعة اليوم في مجتمعنا وما أكثر الحقوق الضائعة استخفاف الناس وتهاونهم في حق من أمر الله - عزوجل - ببرهما والإحسان إليهما ومحبتهما والتودد إليهما وطاعتهما في المعروف وهما الوالدان.
إن هذا الحق - عباد الله - إن حق الوالدين يأتي في المرتبة بعد حق خالق الكونين لأنه إذا كان الله - سبحانه وتعالى - هو الخالق الحَقِيقيُّ للولد فالوالدان هما مصدر هذا الخلق وسببه المباشر ولأنهما بذلا من التضحيات والجهود والمعانات لتربية أبنائهم وإعدادهم للحياة ما يستحقان عليه المكافأة وحسن الجزاء فعليك - يا عبد الله - أن لا تكون غافلا عن هذا الحق وأنت من حباك الله - سبحانه وتعالى - بنعمة الوالدين فلولاهما ما كنت إنسان لتمشي على هذه الأرض وتأكل من رزق الله فتأمل وانظر إلى هذا الحق العظيم أنظر إليه من خلال ما جاء من الآيات البينات في كتاب الله - سبحانه وتعالى - حيث جعل الله - سبحانه وتعالى - أمره بعبادته وتوحيده مقرونًا مع أمره - سبحانه وتعالى - بالإحسان إلى الوالدين وجعل شكره - تعالى - مقرونًا مع شكر العبد للوالدين كما قال - عزوجل - ﴿وقضىٰ ربّك ألّا تعْبدوا إِلّا إِيّاه وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا﴾[ الإسراء:٢٣]، وقال - سبحانه وتعالى - كما في سورة لقمان ﴿أنِ اشْكرْ لِي ولِوالِديْك إِليّ الْمصِير﴾[ لقمان:١٤] إشارة منه - سبحانه وتعالى - أن العبادة لا تفيد شيء مع عقوقهما والإساءة إليهما فمهما بالغ المرء في عبادة ربه وأكثر من الأعمال الصالحة فإنه لا ينفعه شيء من ذلك مع عقوقهما.
ومن هنا يعلم - عباد الله - أن العبد المستحق لبر الله - عزوجل - ومثوبته مقرونٌ بمدى قيام الرجل أو المرأة بهذا الحق العظيم ألا وهو حق الوالدين من السهر على خدمتهما والإحسان إليهما ومودتهما وعدم التضجر منهما وما إلى ذلك من الحقوق الكثيرة التي بينها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في كثير من أحاديثه الشريفة ومن أدلة القرآن الصريحة التي يمكن أن تكون أصلًا في فضل بر الوالدين وحسن التعامل معهما ما جاء في قول الله - عزوجل - في سورة الإسراء حيث يقول الله - عزوجل - ﴿وقضىٰ ربّك ألّا تعْبدوا إِلّا إِيّاه وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا إِمّا يبْلغنّ عِنْدك الْكِبر أحدهما أوْ كِلاهما فلا تقلْ لهما أفٍّ ولا تنْهرْهما وقلْ لهما قوْلًا كرِيمًا * واخْفِضْ لهما جناح الذّلِّ مِن الرّحْمةِ وقلْ ربِّ ارْحمْهما كما ربّيانِي صغِيرًا﴾[ الإسراء: ٢٣-٢٤] في هذه الآيات البينات - عباد الله - فوائد جما منها الإحسان إلى الوالدين أو المبالغة في الإحسان إلى الوالدين مقابل إحسانهما إلى الولد وفي الآية بيان جزاء فضلهما عليه لأن الله - سبحانه وتعالى - قرن طاعتهما بعد أمره سبحانه وتعالى - بعبادته وتوحيده وقول الله - عزوجل - ﴿وقضىٰ ربّك﴾ قضى هنا بمعنى أمر وبمعنى حكم وبمعنى وصى إذن فهو واجب إلزامي على كل إنسان.
ومن فوائد هذه الآية عدم نهرهما بغلظة وزجرهما بخشونة وأن يتوقى ويحذر من أن يتلفظ بالقول المشين الذي يسيء إليهما ولو كان بكلمة أف التي هي أدنى مراتب القول السيئ وإن كان الله - سبحانه وتعالى - قد قرن هذا بحالة الكبر لكن - قال العلماء - أن النهي عن تغليظ القول لهما ولو بكلمة أفٍ شاملةٌ وعامةٌ في جميع الأحوال وذكر هذه الحال في هذه الآية أي: حالة الكبر بأن لا يقول الإنسان لوالديه لما يكبرا أفٍّ لكما لأن هذا هو الغالب والعادة التي يكون الإنسان في حال تضجر من والديه.
ومن فوائد هذه الآية - عباد الله - التذلل والخضوع لهما وخفض جناح الذل لهم رحمةً بهم وتعطفًا عليهم ومن ذلك أن يحسن إليهما بالدعاء والاستغفار أحياءً وأمواتَّ وأن يجعل العبد نصب عينيه هذا الدعاء الرباني الكريم ﴿وقلْ ربِّ ارْحمْهما كما ربّيانِي صغِيرًا﴾ هذه الوصايا، هذه التعاليم - عباد الله - كررها الله - سبحانه وتعالى - في موضع آخر من القرآن الكريم كما في سورة لقمان الحكيم الذي أوصى ابنه بوصايا بالغة في غاية الأهمية والله - تعالى - إذا كرر شيئًا في القرآن من قصة أو حكم فذلك لأجل بيان أهمية هذا الأمر ومكانته وفضله يقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ووصّيْنا الْإِنْسان بِوالِديْهِ حملتْه أمّه وهْنًا علىٰ وهْنٍ وفِصاله فِي عاميْنِ أنِ اشْكرْ لِي ولِوالِديْك إِليّ الْمصِير * وإِنْ جاهداك علىٰ أنْ تشْرِك بِي ما ليْس لك بِهِ عِلْمٌ فلا تطِعْهما وصاحِبْهما فِي الدّنْيا معْروفًا واتّبِعْ سبِيل منْ أناب إِليّ ثمّ إِليّ مرْجِعكمْ فأنبِّئكمْ بِما كنْتمْ تعْملون﴾[ لقمان:١٤- ١٥] وفي هذه الآيات فوائد أخرى إضافةً على ما ذكرنا منها:
الفائدة الأولى أن الله - عزوجل - قرن شكره بشكر الوالدين فقال: ﴿أنِ اشْكرْ لِي ولِوالِديْك﴾ فيشكر الله - عزوجل - على نعمة الإيمان ويشكر الوالدان على نعمة التربية والرعاية مع اختصاص الأم بالذكر لأنه قال: ﴿حملتْه أمّه وهْنًا علىٰ وهْنٍ﴾ وذلك لتعبها من الحمل والوضع والرضاع والتربية التي تشترك فيها مع الأب مع مزيد العناية.
الفائدة الثانية من هذه الآيات أن الله - عزوجل - بين أن الوالدين لهما كامل الحق في البر والإحسان وإن كان على غير دين الإسلام أي: كان كافرين لا يؤمنان بالله - سبحانه وتعالى - قال: ﴿وإِنْ جاهداك علىٰ أنْ تشْرِك بِي ما ليْس لك بِهِ عِلْمٌ فلا تطِعْهما وصاحِبْهما فِي الدّنْيا معْروفًا﴾ يوضحه ما جاء في الصحيحين من حديث أسماء بنت الصديق - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت:قدمت أمي وهي مشركة فاستفتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، «راغبة» أي: في حاجة تريد أن أسدي إليها مما هي في حاجة إليه، أفأصلها" قال:«نعم؛ صلي أمك».
وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تشيد بهذا الفضل العظيم وبوجوب رعاية هذا الحق الأعظم الذي هو أعظم حق بعد حق الله - سبحانه وتعالى - فقد بين الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم فضل وجزاء البارين آبائهم وقد بين الله - سبحانه وتعالى - ذلك الثواب من قبول الأعمال والتجاوز عن السيئات ودخول الجنان فقال الله - سبحانه وتعالى - مثني على هؤلاء: ﴿ووصّيْنا الْإِنْسان بِوالِديْهِ إِحْسانًا حملتْه أمّه كرْهًا ووضعتْه كرْهًا وحمْله وفِصاله ثلاثون شهْرًا حتّىٰ إِذا بلغ أشدّه وبلغ أرْبعِين سنةً قال ربِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكر نِعْمتك الّتِي أنْعمْت عليّ وعلىٰ والِديّ وأنْ أعْمل صالِحًا ترْضاه وأصْلِحْ لِي فِي ذرِّيّتِي إِنِّي تبْت إِليْك وإِنِّي مِن الْمسْلِمِين * أولٰئِك الّذِين نتقبّل عنْهمْ أحْسن ما عمِلوا﴾ هذه الأولى، ﴿ونتجاوز عنْ سيِّئاتِهِمْ﴾ هذه الثانية، ثم ذكر مآلهم الجنة ﴿فِي أصْحابِ الْجنّةِ وعْد الصِّدْقِ الّذِي كانوا يوعدون﴾ [ الأحقاف:١٥-١٦].
إن هذا الجزاء - عباد الله - الذي أعده الله - سبحانه وتعالى - لمن كان باراً بوالديه محسنًا إليهما مطيعًا إياهما ليدل على أن هذه العبادة التي هي بر الوالدين من أعظم العبادات والقربات بعد عبادة الله - سبحانه وتعالى - وتوحيده وعليه فينبغي على المسلم أن لا يكون مستهينًا بهذا الحق العظيم فإن وصايا القرآن تؤكد هذا الحق وتبينه وتجليه في أصرح بيانٍ وأوضح معنًا لا يحتاج إلى تعنتٍ في الفهم أو الفقه.
يقول الله - سبحانه وتعالى - في سورة النساء ﴿واعْبدوا اللّه ولا تشْرِكوا بِهِ شيْئًا وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا وبِذِي الْقرْبىٰ والْيتامىٰ والْمساكِينِ والْجارِ ذِي الْقرْبىٰ والْجارِ الْجنبِ والصّاحِبِ بِالْجنْبِ وابْنِ السّبِيلِ وما ملكتْ أيْمانكمْ إِنّ اللّه لا يحِبّ منْ كان مخْتالًا فخورًا﴾[ النساء:٣٦] ويقول الله - عزوجل - في وصايا في سورة الأنعام ﴿قلْ تعالوْا أتْل ما حرّم ربّكمْ عليْكمْ ألّا تشْرِكوا بِهِ شيْئًا وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا﴾[ الأنعام:١٥١] فنهى عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب والمعاصي ثم ثنى بماذا؟ بالإحسان إلى الوالدين مفهومه عدم الإساءة إليهما فكما أمر الله - عزوجل - بعبادته أمر بالإحسان إليهما وكما نهى الله - سبحانه وتعالى - عن الشرك به والكفر به نهى أيضًا عن عقوقهما والإساءة إليهما.
بل إن الله - تبارك وتعالى - جعل بر الوالدين ميثاق أخذه على بني إسرائيل ﴿وإِذْ أخذْنا مِيثاق بنِي إِسْرائِيل لا تعْبدون إِلّا اللّه وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا﴾[ البقرة:٨٣] فهذا يدل دلالة واضحة على أن بر الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما في المعروف من الشرائع السابقة التي كانت في شريعة من قبلنا وهو قديم قدم البشرية وقدم الرسالات السماوية وجاء الإسلام ليقره وليزيده بيانًا وتأكيدًا لما له من هذا الفضل وهذا الجزاء العظيم حتى إن الله عزوجل أخبر في القرآن أن خيرة الناس والصفوة من عباده وهم الأنبياء والمرسلين كانوا لآبائهم بارين ولهم محسنين مطيعين كما في غير موضع من القرآن الكريم حيث يقول الله - عزوجل - عن عيسى لما قال:
﴿قال إِنِّي عبْد اللّهِ آتانِي الْكِتاب وجعلنِي نبِيًّا * وجعلنِي مباركًا أيْن ما كنْت وأوْصانِي بِالصّلاةِ والزّكاةِ ما دمْت حيًّا * وبرًّا بِوالِدتِي ولمْ يجْعلْنِي جبّارًا شقِيًّا﴾[ مريم:٣٠- ٣٢].
وقال أيضًا عن يحيى ﴿يا يحْيىٰ خذِ الْكِتاب بِقوّةٍ * وآتيْناه الْحكْم صبِيًّا * وحنانًا مِنْ لدنّا وزكاةً وكان تقِيًّا * وبرًّا بِوالِديْهِ ولمْ يكنْ جبّارًا عصِيًّا﴾[ مريم:١٢- ١٤].
وهذا إبراهيم - عليه السلام - يقول: ﴿ربِّ اجْعلْنِي مقِيم الصّلاةِ ومِنْ ذرِّيّتِي ربّنا وتقبّلْ دعاءِ * ربّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِديّ ولِلْمؤْمِنِين يوْم يقوم الْحِساب﴾[ إبراهيم:٤٠-٤١].
هذا نوح - عليه السلام - يقول: ﴿ربِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِديّ ولِمنْ دخل بيْتِي مؤْمِنًا ولِلْمؤْمِنِين والْمؤْمِناتِ﴾[ نوح:٢٨].
وهذا سليمان - عليه السلام - ﴿قال ربِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكر نِعْمتك الّتِي أنْعمْت عليّ وعلىٰ والِديّ وأنْ أعْمل صالِحًا ترْضاه وأدْخِلْنِي بِرحْمتِك فِي عِبادِك الصّالِحِين﴾[ النمل:١٩].
وهذا إسماعيل - عليه السلام - كما قال تعالى: ﴿فبشّرْناه بِغلامٍ حلِيمٍ * فلمّا بلغ معه السّعْي قال يا بنيّ إِنِّي أرىٰ فِي الْمنامِ أنِّي أذْبحك فانْظرْ ماذا ترىٰ قال يا أبتِ افْعلْ ما تؤْمر ستجِدنِي إِنْ شاء اللّه مِن الصّابِرِين﴾[ الصافات: ١٠١- ١٠٢].
وهذا في القرآن كثير وهذا مما يدلك على أن بر الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما صفة بارزة للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فيجب على العبد أن يقتفي آثارهم وأن يتخلق بأخلاقهم وليعلم أنه لن يستطيع أن يَسِم نفسه أو يجعل نفسه في مصاف الصالحين إذا كان مضيعًا لهذا الحق أو مفرطًا فيه أو مقصر فيه.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولائك رفيقا الذين جعلوا بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الحقوق بعد حق الله - تبارك وتعالى - والله أسأل أن يوفقنا لما فيه الخير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب يغفر لكم وهو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي حبانا إسلامًا وإيمانا ومنحنا بعفوه فضلًا وغفرانا القائل في كتابه: ﴿وقضىٰ ربّك ألّا تعْبدوا إِلّا إِيّاه وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا﴾[ الإسراء:٢٣] إبقاءًّ لحق من أنشأنا وكان سببًا في وجودنا وربانا وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه في الأولين وفي الآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا - عباد الله - لقد تقرر أن من أوجب الواجبات على المسلم أن يقوم بهذا الحق الذي أمره الله - سبحانه وتعالى - لما يترتب على ذلك من الصلاح وحسن العاقبة والجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة والحذر من مغبة التقصير في هذا الحق العظيم حيث لا ينفع الإنسان ما يقوم به اتجاه ربه إذا كان مفرطًا في أحق الحقوق وهو حق الوالدين، الإحسان إليهما أحياءً وأمواتًا وعدم التفريط في هذا الحق ومن فاته هذا الحق وأبواه على قيد الحياة فلا يفوته بعد ذلك ما قد يوصله إليهما من البر والإحسان بعد موتهما فالفرصة موجودة وينبغي على الإنسان أن يتدارك.
بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة فضل بر الوالدين ولقد أخبر أن من أحب الأعمال إلى الله بر الوالدين أحب الأعمال إلى الله مفادها أنك إذا أتيت هذا العمل وواظبت عليه صرت ممن يحبك الله وإذا أحبك الله أحبك أهل السماء وإذا أحبك أهل السماء أحبك أهل الأرض ووضع لك القبول في الأرض كما جاء ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء في البخاري عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «قلت يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ ، قال: الجهاد في سبيل الله»؛ قدم الصلاة لأنها أعظم الأعمال وأفضل القربات على الإطلاق وهي متعلقة بحق الله - عزوجل - لأن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة هي هذه الصلاة ولا يحاسب على تأديتها فحسب بل يحاسب على كيفية وطريقة أدائها ولهذا لما سُأل عن أحب الأعمال قال الصلاة لأول وقتها أو في أول وقتها أو الصلاة على وقتها كل هذا جاءت فيه الروايات ثم ثنى ببر الوالدين طاعة الوالدين والإحسان إليهما لأن البر يدخل فيه كل هذه المعاني الإحسان القولي والإحسان الفعلي، فقال بر الوالدين وقدمه على الجهاد في سبيل الله والسبب في ذلك كما - قال العلماء - أن الجهاد قد يكون فرضًا كفائيًا أما بر الوالدين فهو فرض عيني لا يمكن أن ينوب فيه غيرك ولهذا وجب أن تقوم به أنت إلا أن يكون الجهاد عينيًا وكان النفير عامًا فحينئذٍ يمكن للإنسان أن يخرج للغزو دون أن يستشير والديه فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله ثم قال جهاد في سبيل الله وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من أسباب دخول الجنة التي هي سلعة الله الغالية بر الوالدين، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رغم أنفه، رغم أنفه، ثم رغم أنفه» [يعني دعاء عليه، يعني لصق بالتراب] قالوا: من؟ يا رسول الله قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أو أحدهما، فلم يدخل الجنة»؛ وبين أيضا - عليه الصلاة والسلام - أن عقوقهما من أسباب دخول النار أيضا والعياذ بالله، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - «من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله وأسحقه»؛ وجاء في حديث آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « أتاني جبريل، فقال: يا محمد، من أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار ; فأبعده الله، قل: آمين، قال فقلت: آمين»؛ ولهذا بين النبي - صلى الله عليه وسلم - مكانة الوالدين عند الإنسان أنه لا يجب أن يقدم شيئًا بعد طاعة الله - سبحانه وتعالى - على طاعتهما، ولهذا ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال يا رسول الله إني أريد الغزو [يعني يريد الجهاد في سبيل الله] فقال له - عليه الصلاة والسلام -: «أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد»؛ فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهاد الذي هو استفراغ الطاقة في طاعة الله - عزوجل - جعلها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في البقاء مع الوالدين والسهر على خدمتهما والصبر عليهما لاسيما إن احتاجا إلى مساعدته بل - قال العلماء - أنه لا يجوز له حينئذٍ أن يخرج ولو لطلب العلم إذا كان في حاجة إليه، وجاء أيضا رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود، فقال: يا رسول الله، جئت أبايعك على الهجرة وإن أبواي يبكيان، قال: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»؛ الهجرة من أعظم الأعمال ولكن قال إذا هاجرة معك تركت والدي يبكيان فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما لهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول وهذا تحذير منه - عليه الصلاة والسلام - أن باب الجنة لا يفتحه إلا الوالد حيث قال - عليه الصلاة والسلام - الوالد وفي حكمه الوالدة أيضا ويدخل في بر الوالدين الأجداد أيضا والجدات كما قال ابن المنذر الأجداد أباء والجدات أمهات لا يجوز للإنسان أن يخرج للغزو إلا بإذنهما النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه»؛ إذا أردت أن لا تضيع الباب، لا يفوتك باب الجنة لتدخل منه فاحرص على طاعة والديك الوالد أوسط أبواب الجنة فكأنه هو الذي يفتح لك أبواب الجنة لتدخل فأضع ذلك الباب أو احفظه، أكثر من ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رضا الوالد في رضا الرب وسخط الوالد في سخط الرب».
هذه - عباد الله - بعض نصوص الكتاب والسنة في بيان عظم هذا الحق العظيم الذي تهاون فيه كثير من الناس، رأى عمر ابن عمر - رضي الله عنهما - رجلا يطوف بأمه وقد حملها على ظهره يقول: يا ابن عمر هل تراني وفيت حقها، قال: لا ولو بزفرة واحدة ولو بزفرة واحدة؛ ما قدمت لها شيئًا ومن هنا ينبغي أن نطرد من ألسنتنا هذه الكلمة العاقة التي يتفوه بها كثير من الناس إذا رأيته يحسن إلى والديه أو أحدهما يقول أرد لهما الخير كيف لك أن ترد الخير لوالديك وأنت الذي حملتك أمك تسعة أشهر وسهرت عليك وضمتك بحنانك إليها وكنت أنت العاق وكنت أنت الذي تسيء إليها عند الكبر فكيف يمكن أن ترد لك الخير.
ولهذا - عباد الله - ذكرنا هذه النصوص من أجل أن يتذكر الإنسان وليعلم كل واحد منا أنه قد يكون عنده هذا التقصير هذا التقصير والتفريط في القيام بحق والديه ولكن ليس كمن سمع كمن لم يسمع وليس من تلقى الوعظ والتذكير كمن غفل عن ذلك وأعرض عن ذلك فمن كان له بقية من والديه أو من أحدهما فالفرصة أمامه موجودة والباب مفتوح فليبادر إلى الإحسان إليهما والتصدق عليهما والدعاء لهما والاستغفار لهما أحياءً وأمواتًا ولا يجرمنكم بعض أفعال القوم الذين عرفوا بالعقوق، الذين ضجروا من بقائهم مع والديهم وزجوا بهم في دار العجزة وربما لم يحضروا حتى جنازة والديهم فإن هذا من أشد ومن أعظم العقوق الذي ظهر في الناس في مثل هذا الزمان.
نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يلطف بنا وأن يوفقنا لما فيه الخير وأن يجعلنا من عباده المهتدين العارفين بهذا الحق العظيم المؤدين لما يجب عليهم أن يؤدوه اتجاه من كانوا سببا في وجوده ألا وهما الوالدين فنقول اللهم ارحمهما كما ربيانا صغارا اللهم اغفر لهما وارحمهما كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك، وقد أكتفي بهذا القدر وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والحمد لله رب العالمين.
___________________________
فرّغه:/ أبو الرميصاء مصطفى قلي
|