منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم مشاركات اليوم Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام » ركن الخطب المنبريّة والدروس العلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22 Dec 2016, 10:51 PM
أبو الرميصاء مصطفى قلي أبو الرميصاء مصطفى قلي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 56
افتراضي تفريغ لخطبة بعنوان: " بر الوالدين (٣) " لفضيلة الشيخ عز الدين رمضاني - حفظه الله -



• الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه. أمَّا بعدُ:
• فهذا تفريغ لخُطبة جمعة :١١ من صفر ١٤٣٨هـ
• لفضيلة الشيخ عز الدين رمضاني - حفظه الله -
• المكان : مسجد عقبة بن نافع عين النعجة الجزائر
• تحت عنوان : بر الوالدين (٣)

الخطبة الأولى:

إن الحمدَ لله، نحمده - سبحانه - ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].


ألا و إن أصدق الكلام كلام الله - جل وعلا -، وخير الهدي هدي نبينا محمد - صلوات الله وسلامه عليه -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد: فأوصيكم - عباد الله - ونفسي بتقوى الله - عزوجل - فإنها وصية الله تعالى للأولين والآخرين فاحفظوا وصية الله - عزوجل - إليكم

سبق وأن أشرنا - عباد الله - في بعض الخطب السابقة أن بر الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما في المعروف وإسداء أنواع الخير إليهما في حياتهما وبعد مماتهما من أعظم الأعمال الصالحة التي رتب الشارع عليها ثوابًا جزيلًا وأجرًا عظيما.
فبر الوالدين لا يخفى على أحد أنه من جملة ما أمر الله - عزوجل - به في غير ما موضع في كتابه وكذلك الناظر والمتأمل في أحاديث الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - يجد كيف أن النبي - عليه الصلاة والسلام - حث أمته على هذا النوع من أنواع العمل الصالح ومن أعظم أنواع البر ما حفز به النبي - عليه الصلاة والسلام - المسلم ليكون من الفائزين الغانمين في الدنيا والآخرة وكما أمر الشارع الحكيم ببر الوالدين نهى أيضًا عن عقوقهما ومعصية أمرهما والعقوق - عباد الله - هو ضد البر ومعناه شق عصى الطاعة وقطع صلة الرحم التي تكون بين العبد ووالديه وقد عرف العلماء العقوق بأنه كل ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل ما لم يكن شركًا أو معصية ولهذا جاء في الأثر عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا يقبل واحدة منها إلا بقرينتها إحداها قول الله - عزوجل -:﴿يا أيّها الّذِين آمنوا أطِيعوا اللّه وأطِيعوا الرّسول﴾[ النساء:٥٩] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، والثانية قوله تعالى: ﴿وأقِيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة﴾[ البقرة:٤٣] فمن صلى ولم يزكي لم يقبل منه.
والثالثة قوله تعالى: ﴿أنِ اشْكرْ لِي ولِوالِديْك إِليّ الْمصِير﴾[ لقمان:١٤] فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
والأحاديث التي جاء فيها العقوق عقوق الوالدين كثيرةٌ وكثيرةٌ جدا وكلها مصرحةٌ بل دالةٌ بأصرح الدلالات على أنه لا ينبغي لمسلم أن يعصي والديه إلا إذا تعارض ما أمراه به والداه بأصل شرعي أو حكم شرعي فإن حصل التعارض بين طاعة الوالدين وشرع الله - سبحانه وتعالى - فيجب هنا أن تنبذ معصية المخلوق ويستأثر بطاعة الله - عزوجل - لأن الإنسان عبدٌ لربه لا لوالديه ولا لغيرهما وقد قال الله - عزوجل -: ﴿واللّه ورسوله أحقّ أنْ يرْضوه﴾[ التوبة:٦٢] والأحاديث التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تشكل حيزًا معتبرًا في التحذير من عقوق الوالدين وهذه الأحاديث تتضمن ترهيبًا وتخويفًا لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد بل إن جل الأحاديث التي جاء فيها التخويف والترهيب من اقتراف الذنوب والمعاصي لم يأتي فيها الوعيد كما جاء في وعيد من عق والديه بعد الإشراك بالله - سبحانه وتعالى - فلا يوجد ذنب أعظم عند الله - تبارك وتعالى - بعد الإشراك به - جلا وعلا - من عقوق الوالدين وعصيان أمرهما ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: يا ليته سكت، أي: قال الحضور ومن كان معه يا ليته سكت فانظروا رحمكم الله كيف قرن الإساءة إلى الوالدين وعقوقهما وعدم برهما والإحسان إليهما برأس الخطايا وأعظم الذنوب على الإطلاق الذي هو الإشراك بالله - عزوجل - قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقد أخذ هذا التحذير كما قلنا حيزًا معتبرًا في الأحاديث التي تنهي عن اقتراف المعاصي وقد ذكرنا في غير مناسبة أن الله - تبارك وتعالى - أو نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر بشيءٍ أو نهيا عنه أو رغبا في شيءٍ أو رهبا منه وكرراه في غير ما موضع وبأساليب شتى كل ذلك لأجل بيان وإثبات أهمية ذلك الأمر أو مغبته أو لما له من الصدارة والسبق بين مراتب المأمورات والمنهيات كما يتجلى ذلك واضحًا في ذلك الحديث الصحيح حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الكبائر الإشراك بالله «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ثنى بعقوق الوالدين وثلث - صلوات الله وسلامه عليه - باليمين الغموس» وهي اليمين الفاجرة الكاذبة كالتي يقطع بها الحالف مال غيره فقال الإشراك بالله ثم ثنى بعقوق الوالدين وثلث باليمين الغموس وقد جاء أيضًا هذا التحذير في أحاديث كثيرة منها ذلك الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحاب اليمن مع عمرو بن حزم وقد قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء هذه الرسالة «إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله وثنى بعد ذلك قال وعقوق الوالدين وثلث بعد ذلك باليمين الغموس ثم قال وأكل الربا وتعلم السحر والفرار من الجهاد في يوم الزحف وتعلم السحر وقتل النفس المؤمنة بغير حق» وهذه كما يقول العلماء أصول الكبائر وأمهات الذنوب لأنه من وقع فيها تمكن من أن يقع في غيرها ولهذا جاء التحذير من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في أحاديث كثيرة ولهذا تنوعت هذه الأحاديث في ذكر كبائر الذنوب وكلما ذكر منها حديث في التحذير من كبائر الذنوب إلا واشتمل العقوق أو احتل عقوق الوالدين الصدارة في هذه الذنوب ويأتي ذلك بعبارات مختلفة بزيادة ونقصان أو بتقديم وتأخير تركنا ذلك تجنبًا للتكرار ولهذا ينبغي على العبد أن يحذر هذا الأمر العظيم وليعلم أن الله - سبحانه وتعالى - بالمرصاد وقد عرف الناس في هذه الحياة ومن واقعهم أمثلة حية لذلك وكيف كان مصير أولئك الذين أساءوا المعاملة مع والديهم مع الآباء والأمهات فأذاقهم الله - سبحانه وتعالى - صنيع ما قدموا ولحق بهم النكال والهلاك والخزي في الدنيا وهذا قبل عذاب الآخرة ولهذا جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قال: ذنبان معجلان عقوبتهما من الذنوب التي يعجل الله - سبحانه وتعالى - لصاحبها العقوبة "البغي والعقوق".

البغي: هو التعدي على الناس وظلمهم والجور عليهم إما بسلطان وإما بمال وإما بجاه وإما بصحة وقوة.
والعقوق: الذي يتمثل في عصيان الوالدين مع إمكان برهما والإحسان إليهما.

ولهذا ينبغي على العبد أن يكون خائِفًا من هذا الأمر وأن يحترز من أن يصدر منه ما يشم أو يشتم منه رائحة العقوق لأن العقوق - عباد الله - جاءت الأحاديث الكثيرة في التحذير من مغبته وأن عواقبه وخيمة وآثاره سلبية على العبد في الدنيا وفي الآخرة ولهذا جاء في أحاديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في بيان العواقب الوخيمة والآثار السيئة.

من عقوق الوالدين أن العاق لوالديه محرومٌ من دخول الجنة وهو كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يدخل الجنة قاطع) والمراد بالقاطع هنا قاطع رحم وليس معناه أنه لا يدخل الجنة البتة وإنما كما قال العلماء لا يدخلها دخولًا مطلقًا أو لا يكون من أول الدخلين فلا يدخل الجنة إلا بعد الحساب أي: بعد أن يعذب، وإما أن تدركه رحمة الله - عزوجل - فيغفر الله ذنوبه وقد لا يدخل النار أصلاً لقول الله - عزوجل - ﴿إِنّ اللّه لا يغْفِر أنْ يشْرك بِهِ ويغْفِر ما دون ذٰلِك لِمنْ يشاء﴾[ النساء]

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة حرم الله عليهم دخول الجنة فقال: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان والمكذب بالقدر وجاء في حديث آخر بيان أن هؤلاء لا تدركهم رحمة الله - سبحانه وتعالى - بل إن الله - عزوجل - أوجب عليهم النار فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة يدخلون النار وذكر من بين ذلك فقال ثلاثة العاق لوالديه والمنان والديوث الذي يقر في أهله الخبث والعاق لوالديه من المغضوب عليهم الذين لا ينظر الله - تعالى - إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يقبل الله - عزوجل - منهم توبة ولا فدية ولا ينجيهم من ذلك حيلة ولا فداء يوم يقف الجبابرة أمام الله - عزوجل - في ذلك اليوم تذل الجبابرة وتخضع لرب العالمين الرقاب.

ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا) وهذه الكلمة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلا كلمات وألفاظ تتردد كثيرًا في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعناها الذي بينه العلماء أن الصرف: هو التوبة، أي:لا يقبل الله - عزوجل - منهم توبة بمعنى ليس أن الله - عزوجل - لا يتوب عليهم إذا تابوا ولكن لا يقبل منهم توبة أنهم لا يوفقون للتوبة وهذا يدل على عظم ما وقعوا فيه من الذنب العظيم ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا أي: توبة، ولا عدلًا والمراد بالعدل هنا هي الفدية يعني حتى ولو أعطوا أغنى ما عندهم من مال ليفتدوا به من عذاب الله - عزوجل - فلن يقبل منهم وذكر هؤلاء الثلاث منهم المكذب بالقدر والمنان الذي يمن على الناس بما يعطي والعاق لوالديه بل إنه ذكر العاق لوالديه في أول ما ذكر وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ثلاثة لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم فقال: الأول مدمن الخمر والثاني العاق لوالديه والثالث المرأة المتبرجة المتشبهة بالرجال) فهؤلاء ممن بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى لا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم فإذا كانت مثل هذه الأحاديث المرهبة والمخوفة من أن يحرم الإنسان من دخول الجنة ويستوجب بذلك دخول النار وألا يوفق لتوبةٍ فهذا ينبأ عن خطر هذا الذنب العظيم الذي ينبغي على كل مسلم إن وقع فيه أو لا يزال مصر عليه أن يرجع إلى بارئه - سبحانه وتعالى - ليتوب من ذنبه ويصلح فيما تبقى له من عمره.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لما فيه الخير وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.


الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى هم من أهل الصفا اشتعل بهم النور وما انطفئ.

بعد هذا الحديث أو بعد ذكر هذه الجملة من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في التحذير من العقوق وجب علينا أن نبين شيئًا من النماذج التي يكون فيها العقوق محرمًا مما له صلة بحياتنا اليومية وواقعنا المعاش من العقوق التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - سب ولعن الوالدين وهذا للأسف الشديد مما ابتلي به الناس واستخفوا به في هذه الأعصر وليس المعنى هنا أن يتولى سب والديه مباشرة فهذا وإن حصل فإنه من أعجب العجاب ولكن معناه أن يسب والد من خاصمه فيسب الآخر أباه أو يسب أمه ردًا للسيئة بالسيئة وإطفاءً للنار بالنار ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الشيخان وأبو داود عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أكبر الكبائر أن يشتم الرجل والديه [أي: يسب الرجل والديه] تعجب الصحابة، قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أب الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)؛ وفي رواية (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أباه فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)؛ وعلى هذا ينبغي للإنسان أن يكون محترزًا في مثل هذا وإلا وقع في العقوق.

ومن العقوق أيضًا الذي جاء التأكيد عليه أن يبرهما فيما يقسمان عليه بمعنى ذلك ألا يكون مصرًا على مخالفة أمر والديه في كل شيء وتمرير أمره وأن يستغني عن مشورة والديه ويترفع عن نصحهما فإن هذا يعد من العقوق.

ومن العقوق أيضًا أن يبخل عليهما بما أعطاه الله - سبحانه وتعالى - وإذا سألاه شيئًا لم يعطيهما وقد مر بنا في الحديث السابق، «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إن والدي يريد أن يجتاح مالي، أي: يأخذ مالي» فقال: «أنت ومالك لأبيك».

ومن العقوق أيضًا أن يهمل والديه بغير خادم ولا معين يتركهما يقاسيان مرارة العيش وهو في مقابل ذلك يتنعم أو يزج بهما في دار العجزة ومن المؤسف ومن الغريب حقًا أن نجد مثل هذه الدور في بلاد المسلمين وإن تطلبت الحاجة أن تكون مثل هذه الدور ولكن ليس بهذه الصورة وبهذه الكيفية لأن هذا مخالف للتعاليم الإسلامية والتعاليم الشرعية ومخالف حتى لجميع أعرافنا المعروفة بالتكافل الاجتماعي وصلة الأرحام ومواساة الغير والإحسان إليهم فكم سمعنا من أناسٍ قد زجوا بوالديهم إلى مثل هذه الدور وكل هذا - عباد الله - ناتج عن الحب المفرط لهذه الدنيا تعلق الناس بهذه الدنيا فربما أهمل والديه لأنه لا يستطيع أو لا يريد أن يطعمهما أو يكسوهما ويقول إن من ورائي زوجة وأولاد أريد أن أوصل إليهم العيش الرغيد وربما للأسف الشديد أحيانًا يكون مطية طاعة زوجه إذا كان عنده أو إذا فقد القوامة وكان ضعيف في الشخصية ربما سولت له نفسه بأن يترك والديه وهذا أيها المؤمنون من أعظم الغبن الذي وقع فيه كثير من المسلمين.

جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة إلى معاذ وأوصاه بوصية قال له لا تشك بالله وإن حرقت أو قطعت ولا تعقن والديك ولو أمراك أن تخرج من أهلك ومالك أمره بأمرين أن لا تشرك بالله وإن حرقت أو قتلت ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك أن تخرج من مالك وأهلك.

وقد ذكرنا في الخطبة السابقة أيضًا أنه لا يجوز للمسلم أن يخرج ولو للجهاد في سبيل الله - عزوجل - إلا إذا كان الجهاد عينيًّ أي: يجب عل المسلمين بلا استثناء أما الجهاد الكفائي ومثله طلب العلم فضلًا عن السفر لأجل لقمة العيش فلا بد من استئذان الوالدين وإلا فالبقاء معهما لخدمتهما والإحسان إليهما نوع من الجهاد الأكبر والله - سبحانه وتعالى - ذكر لنا سورة في القرآن عن رجال سموا برجال الأعراف أو بأهل الأعراف، والأعراف هو حاجز بين الجنة والنار يقال أن هؤلاء الرجال الذين كانوا عليه ممن استوت حسناتهم وسيئاتهم فكانوا ينتظرون ليفصل الله - سبحانه وتعالى - بقضائه وحكمه فيه وقيل أنهم رجالٌ خرجوا للجهاد في سبيل الله بغير رضا أبائهم وأمهاتهم فلما قتلوا في سبيل الله منعهم دخول النار جهادهم في سبيل الله ومنعهم دخول الجنة عدم استئذان والديهم أو عقوق والديهم.

ومن العقوق أيضًا أن يرى الولد أنه أحسن من أبيه أو أفضل من أبيه ولهذا ثبت أن أبي غسان الضبي كما ذكر ذلك الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد أنه لما خرج رآه أبو هريرة - رضي الله عنه - (يمشي مع أبيه فقال له من هذا؟ فقال: له هذا أبي، قال: له أبو هريرة لا تمشي وأبوك خلفك بل امشي خلفه أو امشي لجنبه ولا تجعل أحدًا يحول بينك وبينه وإذا رأى لحمًا أو اشتهى شيئًا وقعت عينه عليه فإياك أن تسبقه إلى أكله فربما اشتهاه) هذه وصية أبي هريرة لهذا.
وذكر أيضًا ابن قتيبة في عيون الأخبار عن عمر بن زيد قيل له كيف طاعة ابنك لك قال والله ما مشيت في النهار إلا وهو ورائي وما مشيت في الليل إلا وهو أمامي ليحفظني وما رقيت سطحًا إلا وهو تحتي.

ومن العقوق أيضًا أن يستحي الإنسان أن يُعرِف بأبيه أو بأصل أبيه لاسيما إذا كان صاحب مكانة اجتماعية مرموقة وهذا في الحقيقة من العار والخذلان وقد كان العرب الأشراف في الجاهلية وفي الإسلام يفتخرون بالانتساب لآبائهم ومن طريف ما يذكر في ذلك أن رجلًا يدعى أبا العباس من بني هاشم دخل على المنصور العباسي فكان يكثر أن يقول بين يديه رحم الله أبي لقد كان كذا فقال حاجب الخليفة الربيع ولم يكن عنده أب قال له لا تكثر من الترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين قال له إنك لم تذق حلاوة الآباء فقال المنصور لحاجبه هذا جزاء من تعرض لبني هاشم هذا جزاء من تعرض لبني هاشم - ووالله لقد صدق - ما ذاق حلاوة الإيمان ولا ذاق حلاوة الحياء ولا آنس بالعيش الرغيد من لم يسعد بطاعة والديه والفرح بوجودهما والدعاء لهما وبرهما وإيصال أنواع المعروف إليهما.

وهكذا - عباد الله - فإن الله - سبحانه وتعالى - بقدر بِرك لأبويك بقدر ما يقيض لك من يكون لك عونًا وذخرًا لك في الدنيا وفي والآخرة فاحذروا - عباد الله - من أن تكونوا من العاقين لاسيما من أمر الله - عزوجل - بالإحسان إليهما وبرهما في حياتهما وبعد مماتهما ﴿ربِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكر نِعْمتك الّتِي أنْعمْت عليّ وعلىٰ والِديّ وأنْ أعْمل صالِحًا ترْضاه وأدْخِلْنِي بِرحْمتِك فِي عِبادِك الصّالِحِين﴾.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا والحمد لله رب العالمين

___________________________
فرّغه:/ أبو الرميصاء مصطفى قلي


التعديل الأخير تم بواسطة أبو الرميصاء مصطفى قلي ; 27 Dec 2016 الساعة 07:19 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013