عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 25 Oct 2016, 05:38 PM
نسيم منصري نسيم منصري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2016
الدولة: ولاية تيزي وزو حرسها الله
المشاركات: 1,038
افتراضي

قال الشيخ الفوزان: ((فالحاصل؛ أن طالب العلم والواعظ والمعلم يجب عليه أن يراعي أحوال الحاضرين وأحوال الناس، ويعطيهم ما يحتاجون إليه من المسائل، ولا يُلقى عليهم المسائل الغريبة التي لم يتوصلوا إليها، فلو أتيت عند طلبة علم مبتدئين، فلا تلق عليهم غرائب المسائل التي لا يعرفها إلاَّ الراسخون في العلم، بل تعلمهم مبادئ مبسطة سهلة يتدرّجونبها شيئاً فشيئاً، ...، الحاصل: أن كل شيء له شيء، وكل مقام له مقال)) ترجمة الشيخ صالح بن عبدالله الفوزان - (2 / 85).
فلا تتكلم مع العامي بكلام لا يبلغه عقله، لأن سامعه يفهمه - في الغالب - على غير وجهه، وهو فتنة تؤدى إلى التكذيب بالحق وإلى العمل بالباطل وكلامك هذا يوقعه إما في النفرة والشرود، وإما في التخبط الفكري والدخول في غياهب الفتن.
والكلام في موضعه جعله الشاطبي رحمه الله من السنة، وجعل الكلام في غير موضعه مما يترتب عليه الفهوم والأعمال الخاطئة ضرب من ضروب البدع ، كماقال الإمام الشاطبي: ((ومن ذلك- أي الابتداع- التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه فإنه من باب وضع الحكمة غير موضعها فسامعها:
1. إما أن يفهمها على غير وجهها - وهو الغالب - وهو فتنة تؤدى إلى التكذيب بالحق وإلى العمل بالباطل
2. وإما لا يفهم منها شيئا وهو اسلم ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله)). الاعتصام ـ للشاطبى (2 / 13)
وقال ابن القيم في 'إعلام الموقعين' تنبيهًا على هذا الأمر: ((ولا تَجْمد على المنقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك)) إعلام الموقعين [3/78].
ثم بين ما يترتب على ذلك من الاضرار، فقال: ((ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم بل هذا الطبيب وهذا المفتي الجاهل أضر منه على أديان الناس وأبدانهم )) [إعلام الموقعين (3/78)].
وقال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله: ((فيجوز أن نخصص بعض الناس بالعلم دون بعض، حيث أن بعض الناس لو أخبرته بشيء من العلم أفتتن فيحدث كل أحد حسب مقدرته وفهمه وعقله)) وقال: ((فلهذا نحن لا نحدِّثُ العامة بشيء لا تبلغه عقولُهم؛ لئلا تحصُلَ الفتنة ويتضرَّرَ في عقيدته وفي عَمَلِهِ)) وقال: ((فالحاصلُ: أنه ينبغي لطالب العِلم أن يكون معلِّماً مربيًّا، والشيءُ الذي يُخشى منه الفتنة؛ وليس أمراً لازماً لا بُدَّ منه؛ ينبغي له أن يتجنَّبه.)). محمد الصالح العثيمين - (127 / 38) و(173 / 63)
ولكن ينبغي أن يُعْلَم أنه ليس معنى هذا الكلام هو كتم العلم الذي لا تبلغه عقول العامة وإنما المراد هو أن لا يُفاجئهم به مفاجئة بدون تمهيد ومقدمات وتدرج كما قال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله (26/212) : ((فإن قيل: هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس، وإن كانوا محتاجين لذلك؟

أجيب: لا ندعه، ولكن نحدثهم بطريق تبلغه عقولهم، وذلك بأن ننقلهم رويدا رويدا؛ حتى يتقبلوا هذا الحديث ويطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم ونقول: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به)).
وقال ابن الجوزي: ((فالله الله أن تحدث مخلوقاً من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف؛ فإنه لا يزول ما في نفسه، ويخاطر المحدِّث له بنفسه)).
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ورعاه في الجواب على هذا السؤال : (إذا كان التنبيه على البدعة المتأصلة سيحدث فتنة؛ فهل السكوت عليها أولى؟ أم يجب التنبيه ويحدث ما يحدث؟)
فقال حفظه الله: ((حسب الظروف، إذا كان يترتب مضرة أكثر من المصلحة؛ فهنا ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما هو الأنسب، لكن لا تسكت عن البيان والدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة وتعليم الناسشيئًا فشيئًا؛ فالله يقول جل وعلا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]؛ فإذا كان مثلاً إظهار الإنكار يحدث مفسدة أكبر؛ فنحن لا نظهر الإنكار أول مرة، ولكن نعلم الناس، ونخبر ونبين، ونبصر الناس حتى يتركوا هذا الشيء من أنفسهم، والله جل وعلا يقول:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]؛ فالجاهل يُبدأ معه بالحكمة واللين، وإذا رأينا منه بعض النفور، يوعظ ويخوف بالله عز وجل، وإذا رأينا منه أنه لا يقبل الحق ويريد أن يدافع الحق بالقوة؛ فإنه يقابل بالقوة عند ذلك.
فالحاصل أن القاعدة الشرعية أنه يجوز ارتكاب أخف الضررين لتفادي أعلاهما، كذلك درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.ولكن هذا شيء مؤقت؛ فنحن نتعامل مع هؤلاء الذين اعتادوا على هذا الشيء وأصروا عليه، نتعامل معهم بالرفق واللين، ونبين لهم أن هذا خطأ لا يجوز، ومع كثرة التذكير والتكرار؛ فإن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء؛ فربما يتأثرون بالموعظة والتذكير، ويتركون هذا الشيء من أنفسهم؛ فنحن نتبع الطرق الكفيلة لإنجاح المهمة، ونستعمل الحكمة في موضعها، والموعظة في موضعها، ونستعمل الشدة في موضعها، وهكذا يكون الداعية إلى الله عز وجل، فلكل مقام مقال)). (مجموع رسائل دعوية ومنهجية)
وينبغي أن يُعلم أيضا أن عدم تحديث العوام بما يثير الفتن ليس معناه أن يغير الدعاة وطلبة العلم أو يبدلوا شيئا مما قرره الشرع تحت أي دعوى بل ينبغي التفريق بين:
- سعة الأمر في كيفية الدعوة، واختيار الأسلوب المناسب، والوقت الملائم.
- وبين تغيير المنهج الصحيح، وتمييع الأصول السنية السلفية.
فالأول مشروع، وأما الآخر فمحرم و غش وخيانة، فلا يجوز لأحد أن يُثني على مبتدع بحجة عدم تحديث العوام بأنه قد بدّعه العالم السُنّي في وقت ما أو مكان ما. فإن الشارع قد جوز للعالم، أو الداعية أن يكتم بعض العلم في بعض الأحيان لمصلحة معتبرة يراها، كما يدل على ذلك قوله تعالى: [ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم] وهكذا فقد يكون التصريح لبعض الناس بتبديع شخص ما يثير ردة فعل منهم بأن يطعنوا في علماء السنة ويسيئون بهم الظن ولا يقبلون منهم الحق فيُمنع التصريح وقتيا سدا للذريعة.
ولكن ليس له قلب الحقائق وجعل السنة بدعة والبدعة سنة، فليُنتبه لهذا.
القاعدة السادسة: وجوب مراعاة الفرق بين النصيحة والتعيير

فإنه يجب أن يحمل كلام أهل العلم ودعاة أهل السنة السلفيين الذي يحتمل أكثر من معنى على أحسن مُحْمَلاتِهِ ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته . وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه : ( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً ) .
وأما إذا وجد أحدٌ كلاما لأحدهم لا يحتمل غير الخطأ فإذا أمكن الاتصال به ليخبره بالخطأ وبالعيب ليجتنبه كان ذلك حسناً لمن أُخبر بعيب من عيوبه أن يعتذر منها إن كان له منها عذر أو يصلح خطأه بنفسه ويظهر ذلك، وإن ذلك أفضل للناصح والمنصوح، وأما أن يغتنم الناصح هذا الخطأ ليتخذه وسيلة وذريعة للطعن المبطن في المنصوح ولتوبيخه على خطأه فهذا قبح مذموم . وقيل لبعض السلف : أتحبُّ أن يخبرك أحد بعيوبك ؟ فقال : (إن كان يريد أن يوبخني فلا) فكيف إذا كان التوبيخ على رؤوس الأشهاد فلا ك أن هذا أقبح لأنه يفتح باب الجدل والقيل والقال ويثير الفتن ويوغر الصدور.
قال الفضيل : ( المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعيِّر ) .
فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير ، وهو أن النصح يقترن به الستر والتعيير يقترن به الإعلان .
وكان يقال : ( من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيَّره ) أو بهذا المعنى .
وكان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه ويحبون أن يكون سراً فيما بين الآمر والمأمور فإن هذا من علامات النصحفإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها . وأما إشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله ورسوله قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:19)والأحاديث في فضل السر كثيرةٌ جدَّاً .
ومِن أظهرِ التعيير : إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح ... وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى
ومثال ذلك : أن يريد الإنسان ذمَّ رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه إما محبة لإيذائه أو لعداوته أو مخافة من مزاحمته على مال أو رئاسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني مثل : أن يكون قد ردَّ قولاً ضعيفاً من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظِّم ذلك العالم أن فلاناً يُبغِضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعن عليه فيغرُّ بذلك كل من يعظِّمه ويوهمهم أن بغض الراد وأذاه من أعمال العرب لأنه ذبٌّ عن ذلك العالم ورفع الأذى عنه وذلك قُربة إلى تعالى وطاعته فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَّمين :
أحدهما : أن يحمل ردُّ العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين وإظهار ما لا له كتمانه من العلم .
والثاني : أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع.

يتبع......

رد مع اقتباس