عرض مشاركة واحدة
  #56  
قديم 22 Nov 2014, 01:07 PM
يوسف بن عومر يوسف بن عومر غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2013
الدولة: الجزائر-ولاية سعيدة
المشاركات: 594
افتراضي

قوله تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)"

1- أصلُ البعثِ الإرْسالُ، وقيل: بلْ أصله إثارَةُ الشَّيءِ من مَحَلِّه، يقال: بعثتُ النَّاقةَ: أَثَرْتُها، أيْ: حرَّكتُها، قال امرؤ القيس من قصيدة مطلعها: من الطويل

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَعِرفانِ *** وَرَسمٍ عَفَت آياتُهُ مُنذُ أَزمانِ

وفيها:

وفتيانِ صدقٍ قد بعثتُ بسُحرةٍ *** فقاموا جميعًا بين عاثٍ ونَشْوان


وقال عنترة من قصيدة مطلعها: من الكامل

يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي *** إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها

وفيها:

وَصَحابَةٍ شُمَّ الأُنوفِ بَعَثتُهُم *** لَيلاً وَقَد مالَ الكَرى بِطُلاها

قلت: وإنما يصحُّ هذا المعنى إذا كان معنى الموت هو: همود يعتبر به الغير، وقيل: معنى قوله: "ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ": علَّمناكم بعد جهلكم.
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "والأول أصحُّ، لأنَّ الأصل الحقيقة، وكان موتَ عقوبةٍ" اهـ يعني: الموتَ على الحقيقة والله أعلم.

تعقيب:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: " وقدُ اختُلِف في جواز رؤيةِ الله تعالى، فأكثرُ المبتدعةِ على إنكارها في الدُّنيا والآخرة.
وأهلُ السُّنَّة والسَّلف على جوازها فيهِما ووقوعها في الآخرة، فعلى هذا لم يطلبوا من الرُّؤية مُحَالًا، وقد سألها موسى عليه السَّلام"
اهـ.

قلتُ – وبالله التَّوفيقُ -:

هناك مسْألتان تتعلَّقان بالرُّؤيةِ نذكرها باختصارٍ شديدٍ ومَن أراد التفصيلَ فعليه بكتب العقائد السَّلفيَّة:

المسألة الأولى: رؤيتُه تعالى في الدُّنيا، وفيها فروع:

الأول: رؤية الملائكة لربِّهم، وفيها خلاف، وليس هناك دليل صريح أو صحيح يثبت ذلك، فوجب التَّوقف، بلْ جاء ما يدلُّ على أنَّ الملائكة يعبدون الله تعالى في الدُّنيا، حتَّى إذا كان يوم القيامة، كشف لهم عن الحجاب، فيقولون: "سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك" والله أعلم.

الثاني:
رؤية الأنبياء لربِّهم، فاختُلف في آدم عليه السلام هل رأى ربَّه؟ وإنما المُثبَت الكلام دون الرُّؤية، وقد يُستدلُّ على الرُّؤية أنَّ المؤمنين يدخلون الجنَّة على صورة آدم، وآدم إنما خلق في الجنّة، جنَّة عدن، على الصّحيح، والرُّؤية ثابتة للمؤمنين في الجنَّة بالاتِّفاق، والله أعلم.

وأمّا موسى عليه السَّلام، فقد طلبها لمَّا كلّمه ربه وهو على الجبل، فحدث ما حدث، فاندكَّ الجبل، وخرَّ موسى صعقًا، ولم يسطِع ذلك مع أنَّه من أولى العزم من الرُّسل، والخبر في التَّنزيل من سورة الأعراف.

وأمَّا نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، فقد اختُلف في ذلك أيضا والصحيح الذي عليه المحقِّقون من أهل العلم: أنّه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه، وقال عليه الصلاة والسَّلام: "نور أنَّى أراه"، وبهذا يجمع بين رأي عائشة رضي الله عنها، ورأي أبي ذرٍّ وابن عبَّاس وغيرهما رضي الله عنهم.

وأمَّا غيرهم من الأنبياء فلم يثبت ما يدل على الاختلاف في رؤيتهم لربِّهم، فنتوقَّف.

الثَّالث: رؤية غير الأنبياء لربِّهم، أمَّا حواء عليها السلام أمُّنا فيقال فيها ما قيل في آدم والله أعلم.

وأمَّا أصحاب موس عليه السلام فقد قال الله تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ".

وأمَّا أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم وأمَّته من بعده، أعني صالحيهم ومن اتَّبع بإحسان، ففيه خلاف، فمنهم من أثبتها وهي رواية عن أحمد، والجمهور على خلاف ذلك، وهو الصَّحيح لعدَّة وجوه، يضيق المقام بذكرها، ولعلَّ من أقوى الوجوه الخلاف المذكور عن الأنبياء ونبيِّنا عليهم الصلاة والسلام.

المسألة الثانية: رؤية الله تعالى في الآخرة، أما في الجنة، فالمؤمنون يرون حقًّا ربَّهم، بل هو أعظم نعيمٍ يعطوه، وهذا بالاتِّفاق، فنسأل الله تعالى أنْ لا يُحرمناهُ، والأدلَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر، وهي مما تواتر به النَّقل من القرآن والسُّنَّة، خلافا للمعتزلة والخوارج المارقين.

وأما في الموقف، فيراه أهل الموقف كلُّهم، كافرهم ومؤمنهم، ولكن الرؤية بالنسبة للكفار هي رؤية تعذيب وعقاب لا رؤية تنعيم، لقوله تعالى: "كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ" والحجب لا يكون إلا بعد الكشف، وهو أبلغ في التقريع والتعذيب، والله أعلم، وبهذا قال عبد الرّزاق عفيفي رحمه الله في فتاويه (ج1 / 157).


التعديل الأخير تم بواسطة يوسف بن عومر ; 22 Nov 2014 الساعة 04:59 PM
رد مع اقتباس