
13 Jul 2014, 01:39 AM
|
|
موقوف
|
|
تاريخ التسجيل: Nov 2013
المشاركات: 139
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخوين الكريمين أبي أسامة عيسى الشلفي وأبي أمامة محمد يانس:
لقد بنيتما بارك الله فيكما وأحسن إليكما تعليقيكما على شيء مفقود، وأساس غير موجود، وهذا الشيء الذي أخطأتما في البناء عليه - بلا مؤاخذة – هو: أن الأخ المقصود بالرسالة رجع إلي ليستنصحني، وترك الرجوع إلى من هو أعلم مني، بل إلى من لا وجه للمقارنة بينه وبيني، وبيان خطئكما من وجوه عدة هي:
الأول: أنني لم أقل في المقالة أن الرجل جاء إلي ليستنصحني وإنما قلت: أنه كتب شعرا وأبياتا مضمونها الإخبار بتوديعه للجامعة، أراد مني أن اطلع عليها وأبدي له رأيي في سبكها ومسبوكها، وبخاصة وهو قد ابتدع شيئا جديدا في طريقة سبكها، وهذا يقع كما هو معلوم بين سائر الخلان، ويحصل بين جميع الإخوان، فأنتم تلاحظون أنه إنما ترك الجامعة قبل أن يأتي إلي بأبياته، وأما أسباب تركه لها فهي كثيرة منها فتاوى العلماء التي بلغته وأثرت فيه.
الثاني: وحتى لو فرضنا أنه استنصحني، وطلب النصيحة مني؛ فما هو المشكل في مثل هذا الأمر، أليس هو مما جاء بالترغيب فيه الخبر؟؛ حيث قال الرسول عليه الصلاة والسلام:" الدين النصيحة ثلاثا" بل قال عليه الصلاة والسلام آمرا بها، جاعلا لها من حقوق المسلم الواجبة له على أخوانه:" وإذا استنصحه أن ينصح له"، أقول: هذا ليس فيه أدنى إشكال، إنما المشكل في أمور وهي: أن يستفتيه وهو ليس بأهل للفتوى، أو أن ينصح الناصح للمستنصح بما لا يعود عليه نفعه في الدنيا والآخرة، أو أن يغشه في نصحه بأن ينصح له فيما لا يحسنه أو لا علم له به، أما إذا كانت النصيحة فيما يدخل تحت وسعه، والناصح لا يتعدى فيها قدره ولا يتجاوز طوره، ولا يخرج فيها عما أقدره الله عليه؛ فهذه لا بأس بها، ولا إشكال فيها، ولم يزل الناس يستنصحون إخوانهم، وينصحون لهم؛ من عهد سلف هذه الأمة إلى اليوم ولم أسمع في حدود معلوماتي الضيقة والضعيفة من قَيَّدَ طلب النصح بالعلماء، والأئمة الفقهاء، فلا يكون إلا منهم، ولا يطلب أبدا من غيرهم.
الثالث: أما إذا قال الأَخَوَان إن التقييد للنصيحة بالعلماء إنما يكون في الأمور المصيرية فالجواب: ما هو حد هذه الأمور المصيرية؟ وهل مسألتنا تدخل فيها؟ ومَنْ مِنَ العلماء قَيَّدَ النصح فيها بهذا القيد؟ وهل يُنهى أحد عن أن ينصح غيره في هذه الأمور المصيرية - بعد تحديدها - بكلام العلماء المعروفين ممن عرفوا بسلامة المنهج وصحة المعتقد؟.
الرابع: أن من الناس من ينصح غيره بما يؤديه إليه اجتهاده، ومن الناس من ينصحهم بما يطلع عليه من اجتهادات غيره، وهو الناقل الذي ينقل العلم وإن لم يكن له أدنى جهد في استنباطه، والذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالنضارة في وجهه، وقال عنه:"رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ"؛ وهذا القسم هو أكبر القسمين، وأوسع الطائفتين، ولهذا فمنعه من أن ينقل العلم الذي اطلع عليه، وبلغه من كلام غيره؛ فيه تحجير ما وسعه الله ونبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، يوضحه.
الخامس: أن إنكاركما كان يمكن أن يكون له وجها لو أن المستنصح استفتى الناصح وهو ليس بأهل للفتوى، أو أن الناصح لم يستند في نصيحته إلى ما هو معلوم من كلام العلماء، أما والأمر على خلاف هذين الوجهين فلا وجه لإنكاركما، إلا إذا كان المنكر عندكما هو ما تبناه الناقل من كلام العلماء، فحينئذ كان ينبغي عليكما أن تنقلا ما تعتقدان صحته، بشرط أن تحيلا على من أخذتما عنه، وبعد ذلك يرجع الأمر بالنسبة لمن يريد أن يتبنى حكما في المسألة - ممن يستطيع أن يقرأ ويطالع - أن ينظر في أدلة الطرفين؛ ثم يأخذ بالقول الذي تميل إليه نفسه، ويطمئن إليه قلبه، بشرط أن لا يكون متبعا لهوى نفسه عند نظره واطلاعه.
السادس: أنكما وقعتما في الذي أنكرتماه على غيركما، وبيانه كالتالي:
لقد نصحتما كل من يطلع على تعليقيكما أن يرجع في هذا الحكم المعين، إلى عالم معروف معين، ألا وهو الشيخ العلامة محمد علي فركوس حفظه الله ورعاه، فلماذا يا ترى أحلتما الناس عليه ولم تحيلا معه على غيره؟
والجواب واضح بين: أن الشيخ يتبنى حكما معينا في هذه المسألة المعينة وهي الدارسة في الجامعة، والحكم الذي يتبناه حفظه الله ورعاه وأجزل له المثوبة أن ذلك جائز مع تفصيل معروف لديه ذكره في بعض رسائله.
فأنتما ولا مؤاخذة أحلتما من يقرأ تعليقيكما عليه وحده، من باب نصح الناس بمضمون قوله، الذي سَيُفْتِيهِم به إن هم رجعوا إليه.
وهذا بلا مؤاخذة وقوع منكما في الذي أنكرتماه على غيركما، وهل فعلت أنا إلا هذا الذي فعلتماه، وسلكت إلا هذا السبيل الذي سلكتماه، الفرق بيني وبينكما أنني صرحت بالقول الذي تبنيته، وأنتما لم تصرحا بالقول الذي تعتقدانه واكتفيتما بالإحالة على من يفتي به.
وأبادر وأقول: لا بأس إن شاء الله على طاب العلم أن يتبنى القول الذي يعتقد صحته، وأثرت عليه أدلة صاحبه، حتى لم يلتفت إلى سواه، ولم يقتنع بغيره، بشرط أن تتوفر فيه جملة أمور هي:
الأول: أن لا يكون في اختياره متبعا لهوى نفسه، بل يكون آخذا بقول العالم الذي اطمأنت إليه نفسه، ومال إليه قلبه، وأسره صاحبه بالأدلة التي استند إليها، وعول عليها.
الثاني: أن لا يكون متعصبا لقول العالم الذي أخذ بقوله، إذا وُجد عالم معتبر يقول بخلافه، بل يكون محترما لجميعهم مثنيا عليهم بأكملهم، ومعلوم أنه حينما يأخذ بقول بعضهم دون قول بعضهم يكون متبعا لهم جميعهم، لأنهم جميعا يأمرونه بإتباع الدليل وعدم تقليدهم، فالشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ العثيمين رحمهم الله وهكذا الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله وغيرهم لا يرضون من الناس أن يقلدوهم، لأن ذلك خلاف منهجهم الذي يتبنونه ويدعون الناس إليه، بل الذي يسرهم ويثلج صدورهم أن يروا تعظيم الناس للدليل وانقيادهم له أيا كان القائل به.
الثالث: أن لا يحاول فرض القول الذي اختاره وتبناه على من خالفه فيه وتبنى غيره، بل يحاوره ويناقشه بذكر الأدلة التي تدل على صحة قوله، فإن سمع منه واقتنع بما اقتنع به فذاك وإلا بقيت الأخوة والمودة بينهم.
وبخاصة ونحن نتحدث عن طلبة العلم الذين لا يمكنهم أن يعلموا الحق إلا من خلال اجتهادات غيرهم.
وإذا كان العلماء رحمهم الله لا يفرضون على غيرهم الأقوال الفقهية التي يتبنونها، ويجزمون بصحتها، وإنما غاية ما يفعلونه أن يدللوا على ما ذهبوا إليه، ويبرهنوا على ما اقتنعوا به، ثم يخلون بين الناس وبين الأدلة التي سردوها عليهم، وذكروها لهم، فكيف إذا بغيرهم ممن لم يبلغ شأوهم؟ لا شك أن غيرهم من باب أولى أن لا يحاولوا فرض ما اختاروه من كلام العلماء على غيرهم ممن خالفهم فيه.
وسأذكر لكم قصة مناسبة للمقام وقعت لي مع العلامة محمد علي فركوس حفظه الله وأجزل له المثوبة وهي:
في أثناء زيارة للعاصمة في إحدى السنوات زرت مع رفقة من إخواني العلامة محمد علي فركوس حفظه الله ورعاه، وحضرنا مجلسه الذي كان يعقده آنذاك في المسجد المجاور لبيته، وكان المجلس عبارة عن أجوبة يقدمها الشيخ حفظه الله على أسئلة خمسة توجه إليه، وفي ضمن جوابه على سؤال وجه إليه قرر حفظه الله أن الشرك والكفر ليسا بمترادفين وأن لكل واحد منهما حدا يحده، ومعنى يخصه، وبعد انتهائه من جوابه رفعت يدي فأذن لي بالكلام فذكرت له أن من العلماء - دون أن أذكر أسماء – من يقول بترادفهما وأنهما يأتيان بمعنى واحد، فأجاب الشيخ أنه يدري أن الشيخ الألباني رحمه الله يقول بذلك وأنه يستدل بقول الله تعالى في سورة الكهف:"لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)" بعد قوله سبحانه:"قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)" ثم سألني قائلا: لكن كيف يكون المستحل للزنا مثلا مشركا؟ فقلت له على ما يقرر العلامة الألباني رحمه الله: لأنه يكون حينئذ عابدا لهواه والدليل قوله تعالى:"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" سورة الجاثية من الآية 23، فهو أشرك هوى نفسه مع ربه سبحانه، ثم قال لي: ومن استحل الخمر أو ذنبا نحوه؟ فقلت: الجواب نفسه. فقال لي حفظه الله ورعاه: أنا الذي اعتقده أن لكل واحد منهما معنى يخصه، وعلى ذلك أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
فلم يحاول حفظه الله أن يفرض علي قوله، ولا ما يذهب إليه، بل ذكر لي أدلته، وبعض ما يعتمد عليه، ثم أشار إلى وجود أدلة أخرى لم يذكرها لأن سؤالي كان فرعيا وكان حظ الأسئلة لغيري.
فعظُم الشيخ حفظه الله بهذا الموقف في عيني، وعلت منزلته بتصرفه أكثر عندي، وعلمت أن الشيخ لم يأسر قلوب الناس ويعظم في عيونهم إلا بعلمه، وحلمه، وحكمته، وحسن أخلاقه، فليتنا نأخذ من سمته وهديه، قبل أن نأخذ من علمه وفقهه.
هذا واعلموا رحمكم الله أنني ذكرت الذي ذكرته في المقالة التي أثارت هذه التعليقات وأنا أعلم أن العلامة محمد علي فركوس حفظه الله يقول بخلافه، ولم يمنعني علمي بكلام العلامة فركوس حفظه الله من ذكر ما ذكرت، وكتابة ما كتبت، لأمور:
أولا: لأنني تركت قوله لقول غيره من أهل العلم، وهذا الفعل يسر الشيخ ولا يسوؤه، حيث أنه يوافق المنهج العام الذي يسير عليه، ويوصي الناس دائما به.
ثانيا: ذكر كلام عالم من العلماء واعتماده، لا يعني أن الذاكر له يعتقد نقص العالم الذي ترك قوله، ولم يعتمده في حياته، ولم يزل الناس يأخذون بأقوال علماء ويتركون أقوال علماء آخرين، وهم يحبون الجميع ويحترمونهم، ويقدرونهم ويثنون عليهم.
ثالثا: أنني ربما أخذت في هذه المسألة بقول غيره، وآخذ في مسألة أخرى بقوله حفظه الله تعالى ورعاه، وهذا كله إتباعا للدليل الذي علمنا علماؤنا احترامه وتعظيمه، وأن يكون أحب إلى قلوبنا ممن يفتي به ويدعو إليه.
وأخيرا أقول لإخواني أنا أدري أن المسألة حساسة جدا كما يقولون، ومع ذلك فلا يضر أحدنا أن يذكر الذي يعتقده ويدين الله به.
ثم نصيحة الإنسان إخوانه بما يعتقده صوابا، ويقدره لهم نافعا؛ هو الذي نقوم به جميعا نحن أعضاء هذه المنتديات، بتلكم المواضيع المختلفات، فهل نوقف ذلك جميعا ونخصه بأهل العلم أم نقبل منه ما كان مستندا إلى كلام العلماء، ومبنيا على أقوال الفقهاء ممن عرفوا بسلامة المنهج وصحة المعتقد، ونرفض ما كان مرتجلا لا يدل عليه الدليل، أو مبنيا على الأهواء والتي هي شر سبيل؟
هذا فإن يكن صوابا فمن الله وحده وإن يكن خطأ فمن نفسي والشيطان.
والله الموفق للصواب ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك الوهاب.
وكتب: أبو عبد السلام عبد الصمد سليمان.
|