مظاهر سلوك الجادة
هناك جملة من مظاهر سلوك الجادة تُعرف باستقراء الحالات التي يقع فيها الرواة في الأوهام عند إيراد الأسانيد ، فشهرة السند وكثرة الرواية به تجعل الألسنة تسبق إليه .
1- استبدال المحفوظ بالمشهور :
والمقصود بشهرة السند كثرة استعماله .
مثال ذلك :
قال ابن أبي حاتم الرَّازي رحمه الله تعالى في (علل الحديث 27/1) "وسألتُ أبِي ، وأبا زُرعة ، عَن حدِيثٍ ؛ رواهُ سهلُ بنُ حمّادٍ أبُو عتّابٍ ، عن عَبدِ اللهِ بنِ المُثنّى ، عن ثُمامة ، عن أنسٍ ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قال : ((إِذا وقع الذُّبابُ فِي إِناءِ أحدِكُم فليغمِسهُ فِيهِ ، فإِنّ فِي أحدِ جناحيهِ داءً ، وفِي الآخرِ شِفاءً)) .
فقال أبِي ، وأبُو زُرعة جمِيعًا : رواهُ حمّادُ بنُ سلمة ، عن ثُمامة بنِ عَبدِ اللهِ ، عن أبِي هُريرة .
قال أبُو زُرعة : وهذا الصّحِيحُ .
وقال أبِي : هذا أشبهُ عن أبِي هُريرة ، عنِ النّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم ، ولزِم أبُو عتّابٍ الطّرِيق ، فقال : عن عَبدِ اللهِ ، عن ثُمامة ، عن أنسٍ .
وقال أبُو زُرعة : هذا حدِيثُ عَبدِ اللهِ بنِ المُثنّى ، أخطأ فِيهِ عَبدُ اللهِ ، والصّحِيحُ : ثُمامةُ ، عن أبِي هُريرة رضي الله عنه" .
2- من روى عن أبيه عن جده :
مثل سلم عن أبيه ، عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وهكذا ، حيث إنَّ كثيرا من الأحاديث تُروى عن بعض الصَّحابة من طريق أبنائهم وأحفادهم ، فيسبق إلى لسان الراوي كلمة عن أبيه ، أو عن جده ، إذا روى عن راو عُرف بروايته عن أبيه عن جده ، وليس بالضرورة أن يروي الراوي دائما عن أبيه عن جده ، فينظر هنا إلى المحفوظ من الطرق .
مثال ذلك :
قال ابن أبي حاتم الرَّازي رحمه الله تعالى في (علل الحديث 2/24) "وسألتُ أبِي عَن حدِيثٍ ؛ رواهُ قبيصة ، عن سُفيان ، عن الأغرِّ ، عن خليفة بن حصين ، عن أبِيهِ ، عن جدِّهِ قيس بن عاصِم ، أنّهُ أتى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فأسلم ((فأمره أن يغتسل بِماء وسدر)) ؟
قال : إنَّ هذا خطأٌ ، أخطأ قبيصة فِي هذا الحديث ، إِنّما هُو الثوري ، عن الأغر ، عن خليفة بن حصين ، عن جدِّهِ قيس أنّهُ أتى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، ليس فِيهِ : أبوه .
3- رفع الموقوف والمقطوع :
من تدبر كلام النُّقاد عند حديثهم عن تعارض الرفع والوقف في كتب العلل يجد أنَّهم كثيرا ما يُعلُّون الأحاديث بالوقف حيث يكثر قولهم الموقوف محفوظ ، أو الصَّواب هو الوقف ، أو الموقوف أشبه ، ونحو ذلك من العبارات ، بيانا منهم أنَّ الذي رفع قد أخطأ ، وسبب خطئه هو انتهاء السند إلى الصَّحابي أو التَّابعي ، فيسهل عليه بعد ذلك رفع الحديث ، ويُفهم من كلام النُّقاد أنَّ سبب ذلك سلوك الجادة .
مثال ذلك :
قال ابن أبي حاتم الرَّازي رحمه الله تعالى في (علل الحديث 74/1 و 165/2) "وَسَأَلتُ أَبِي ، وَأَبا زُرعَةَ ، عَن حَدِيثٍ ؛ رَواهُ يُوسُفُ بنُ عَدِيٍّ ، عَن عَثّامٍ ، عَن هِشامِ بنِ عُروَةَ ، عَن أَبِيهِ ، عَن عائِشَةَ ، أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيلِ ، قالَ : ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ، رَبُّ السَّمَواتِ والأَرضِ وَما بَينَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ)) .
قالا : هَذا خَطَأٌ ، إِنَّما هُوَ هِشامُ بنُ عُروَةَ ، عَن أَبِيهِ ، أَنَّهُ كانَ يَقُولُ نَفسَهُ ، هَكَذا رَواهُ جَرِيرٌ .
وَقالَ أَبُو زُرعَةَ حَدَّثَنا يُوسُفُ بنُ عَدِيٍّ بِهَذا الحَدِيثِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنكَرٌ" .
4- وصل المرسل :
مثال ذلك :
ما رواه الترمذي في (جامعه كتاب الديات ، باب ما جاء في الدية كم هي من الدَّراهم رقم 1388) ، وفي (العلل الكبير 577/2) ؛ حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن هانئ ، حدثنا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل الدية اثني عشر ألفا .
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال : سفيان بن عيينة يقول : عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل . وكأن حديث ابن عيينة عنده أصح .
وقال ابن أبي حاتم في (علل الحديث 463/1) "وسُئِل أبِي عَن حدِيثٍ ؛ رواهُ مُحمّدُ بنُ سِنانٍ العوقِيُّ ، عن مُحمّدِ بنِ مُسلِمٍ الطّائِفِيِّ ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ ، عن عِكرِمة ، عنِ ابنِ عبّاسٍ : ((أنَّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قضى بِالدِّيةِ اثنا عشر ألفًا)) .
قال أبِي : قال : حدّثنا يسرةُ بنُ صفوان ، عن مُحمّدِ بنِ مُسلِمٍ ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ ، عن عِكرِمة ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
فقال أبِي : المُرسلُ أصحُّ .
5- سلوك الجادة في الاسم :
وهو أن يهم الراوي في تمييز الراوي المقصود لاشتراكه مع غيره في الاسم الأول ، ويكون الراوي المقصود في السند غير مشهور بينما الراوي المذكور هو المشهور لكنَّه غير مراد .
مثال ذلك :
قال ابن أبي حاتم الرَّازي رحمه الله في (علل الحديث 291/1 ) "وسألتُ أبِي ، وأبا زُرعة ، عَن حدِيثٍ ؛ رواهُ صدقةُ بنُ يزِيد الخُراسانِيُّ نزِيلُ الرّملةِ ، عنِ العلاءِ بنِ عَبدِ الرّحمنِ ، عن أبِيهِ ، عن أبِي هُريرة ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قال : ((قال اللَّهُ عزّ وجلّ : إِنَّ من أصححتُهُ ، وأوسعتُ لهُ ، لم يزُرنِي فِي كُلِّ خمسةِ أعوامٍ لمحرُومٌ)) .
قالا : هذا عِندنا مُنكرٌ مِن حدِيثِ العلاءِ بنِ عَبدِ الرّحمنِ ، وهُو مِن حدِيثِ العلاءِ بنِ المُسيّبِ أشبهُ .
قال أبِي : والنّاسُ يضطرِبُون فِي حدِيثِ العلاءِ بنِ المُسيِّبِ .
فأمّا خلفُ بنُ خلِيفة ، فقال : عنِ العلاءِ بنِ المُسيِّبِ ، عن أبِيهِ عن أبِي سعِيدٍ الخُدرِيِّ ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
ورواهُ بعضُهُم ، فقال : عنِ العلاءِ بنِ المُسيّبِ ، عن أبِيهِ ، عن أبِي هُريرة ، موقُوفًا .
ورواهُ بعضُهُم ، فقال : عنِ العلاءِ بنِ المُسيّبِ ، عن أبِيهِ ، عن أبِي هُريرة ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قُلتُ لأبِي : فأيُّهُما الصّحِيحُ مِنهُما ؟
قال : هُو مُضطرِبٌ فأعدتُ عليهِ ، فلم يزِدنِي على قولِهِ : هُو مُضطرِبٌ .
ثُمّ قال : العلاءُ بنُ المُسيّبِ ، عن يُونُس بنِ خبّابٍ ، عن أبِي سعِيدٍ موقُوفٌ ، مُرسلٌ أشبهُ .
قُلتُ لأبِي : لم يسمع يُونُسُ مِن أبِي سعِيدٍ ؟
قال : لا .
قال أبُو زُرعة : قال بعضُهُم : العلاءُ بنُ المُسيّبِ ، عن يُونُس بنِ خبّابٍ ، عن أبِي سعِيدٍ موقُوفًا .
قال : وقال أبُو زُرعة : والصّحِيحُ : عنِ العلاءِ بنِ المُسيّبِ ، عن أبِيهِ ، عن أبِي سعِيدٍ ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم" .
وقال ابن عدي في (الكامل في ضعفاء الرجال 78/4) "وهذا عن العلاء منكر كما قاله البخاري ولا أعلم يرويه عن العلاء غير صدقة وانما يروي هذا خلف بن خليفة وهو مشهور وروي عن الثوري أيضا عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فلعل صدقة هذا سمع بذكر العلاء فظن أنه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وكان هذا الطريق أسهل عليه وانما هو العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد" .
6- سلوك الجادة في الصِّيغة :
وهو أن يُروى إسناد مسلسل بصيغة حدثنا أو أخبرنا سوى موضع واحد تكون فيه الصيغة بحرف "عن" فيأتي أحد الرواة ويجعل هذا الموضع مثل هذا الموضع مثل غيره سهوا منه ، اتباعا لما سبقه من مواضع السند ، وتشابه مواضع السند في الصيغة أسهل على الراوي من أن يرويه بعدة صيغ تكون أصعب عليه في الحفظ .
مثال ذلك :
ما رواه الترمذي في (جامعه ، كتاب الدعوات ، باب : ما يقول إذا خرج من بيته 114/5) حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن جريج ، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال له كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وقال في (العلل الكبير 910/2) "سألت محمدا عن هذا الحديث فقال : حدثوني عن يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج بهذا الحديث ولا أعرف لابن جريج ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث . ولا أعرف له سماعا منه" .
قلت : يشير البخاري إلى أنَّه لم يثبت سماع ابن جريج من ابن إسحاق ، حيث لم يُصرح بالسماع منه لا في هذا الحديث ولا في غيره .
وهذا يدل على سلوك الجادة في الصيغة وخطأ التَّصريح بالسَّماع الذي جاء في رواية ابن حبان كما في (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان 590) ، وقد جاءت الرواية في (الإحسان 104/3 ، رقم : 822 ) بدون صيغة التَّحديث . والله أعلم .
وكتب
مراد براهيمي
يوم الأحد 19 جمادى الآخرة 1422 هجري
الموافق لِ 09 أيلول 2001 م
بعد صلاة المغرب بمكتبة الجامعة الأردنية
عمان البلقاء عاصمة جند الأردن حرسها الله من كل سوء وسائر بلاد المسلمين
التعديل الأخير تم بواسطة مراد براهيمي ; 25 Dec 2013 الساعة 09:03 PM
|