عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 14 Dec 2013, 10:02 PM
مراد براهيمي مراد براهيمي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الدولة الجزائر/برج بوعريريج
المشاركات: 355
افتراضي

ما ظاهره سلوك الجادة لكنَّه صحيح محفوظ


إنَّ الحكم بأنَّ الراوي قد سلك الجادة وأخطأ الصَّواب في إيراد السَّند أمر يعود إلى خبرة النَّاقد وممارسته بعد أن يجمع طرق الحديث ويوازن بينها مع المعرفة بمراتب الرواة ومدى إتقانهم مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن تؤكد وجود العلَّة أو تنفيها ، فالحكم بخطأ الرواية ليس له قانون مطَّرد ، إنَّما هي الخبرة والموازنة بين الطرق والقرائن ، لذا قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى كما في (الجامع لأخلاق الراوي) 257/2 ((فمن الأحاديث ما تخفى علته فلا يوقف عليها إلاّ بعد النظرالشديد، ومضي الزمن البعيد)) .
وَقَالَ محمدُ بنُ صالح الكِيْلِينِي رحمه الله تعالى : ((سمعتُ أبا زرعة وَقَالَ لهُ رجلٌ : ما الحُجةُ في تعليلكم الحديث ؟قَالَ : الحجة أنْ تسألني عن حديثٍ لهُ عِلةٌ فأذكرُ علتَه ثم تقصدُ محمد بن مسلم بن وارة ، وتسأله عنه ، ولا تخبره بأنّك قد سألتني عنه فيذكر علته ، ثم تقصدُ أبا حاتم فيعلله ، ثم تميزُ كلامَ كلّ منّا على ذلكَ الحديث ، فإنْ وجدتَ بيننا خلافاً فيعلته ، فاعلم أنّ كلاً منا تكلم على مراده ، وإنْ وجدتَ الكلمة متفقة، فاعلمْ حقيقةَهذا العلم ، قَالَ : فَفَعَلَ الرجلُ ، فاتفقت كلمتُهم عليه ، فقال : أشهدُ أنَّ هذاالعلمَ إلهام)) . أنظر: معرفة علوم الحديث (113) ، والجامع لأخلاق الراوي 255/2 .
وَقَالَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله تعالى -عن أهل الحديث أنهم-: ((يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها ويسمون هذا "علم علل الحديث" وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه)) . مجموع الفتاوى 353/13 .
وَقَالَ ابن القيم رحمه الله تعالى : ((ومعرفةُ هذا الشأنِ وعللهِ ذوقٌ ونورٌ يقذفه اللهُ في القلبِ يقطعُ بهِ منذاقه ولا يشك فيه ، ومن ليس له هذا الذوق لا شعور له به ، وهذا كنقدِ الدراهم لأربابهفيه ذوق ومعرفة ليستا لكبار العلماء ، قَالَ محمدُ بن عبد الله بن نمير : قَالَ عبدُالرحمن بنُ مهديّ : إنَّ معرفةَ الحديثِ إلهام ، قَالَ ابنُ نمير: صَدَقَ لو قلتَ له: مِنْ أينَ قلتَ؟ لم يكن له جواب)) . الفروسية ص 235 .
لهذا نجد النُّقاد يحكمون في كثير من الأحيان بصحَّة الطَّريق التي قد يتوهم منها البعض أنَّ الراوي قد سلك الجادة .
مثال ذلك :
ما رواه البخاري في (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسننه وأيَّامه) في كتاب التفسير ، سورة إذا السَّماء انشقت ، باب : ((فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)) رقم : 4939 ؛ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي يُونُسَ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ)) .
قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا))
قَالَ : ((ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ)) .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في (فتح الباري) " واشتمل ما ساقه المصنف على ثلاثة أسانيد عثمان عن بن أبي مليكة عن عائشة . وتابعه أيوب عن عثمان . وخالفهما أبو يونس فأدخل بين بن أبي مليكة وعائشة رجلا وهو القاسم بن محمد .
وهو محمول على أن بن أبي مليكة حمله عن القاسم ثم سمعه من عائشة أو سمعه أولا من عائشة ثم استثبت القاسم .
إذ في رواية القاسم زيادة ليست عنده وقد استدرك الدارقطني هذا الحديث لهذا الاختلاف وأجيب بما ذكرناه ونبه الجياني على خبط لأبي زيد المروزي في هذه الأسانيد قال سقط عنده بن أبي مليكة من الإسناد الأول ولا بد منه وزيد عنده القاسم بن محمد في الإسناد الثاني وليس فيه وإنما هو في رواية أبي يونس وقال الإسماعيلي جمع البخاري بين الأسانيد الثلاثة ومتونها مختلفة " .
قلت : نلحظ أنَّ الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى قد اعتمد إضافة إلى إخراج البخاري رحمه الله تعالى للطريقين على قرينة وجود زيادة في رواية القاسم لم ترد في الطَّريق الأخرى ، ممَّا يدلُّ أنَّ ابن أبي مُليكة سمعه عاليا ونازلا .


التعديل الأخير تم بواسطة مراد براهيمي ; 14 Dec 2013 الساعة 10:23 PM
رد مع اقتباس