عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 16 Jun 2010, 10:23 AM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي بابُ مَن تبرَّكَ بشَجَرٍ أو حجَرٍ ونحوِهما

بابُ مَن تبرَّكَ بشَجَرٍ أو حجَرٍ ونحوِهما


قوله: "تبرَّك"، تفعَّل مِن البَرَكة، وهي كثرةُ الخير وثبوتُه، مأخوذةٌ مِن البِركة، وهي مجمَع الماء، الَّذي يتميَّز بكثرة الماء، وثبوته.
والتَّبرُّك طلَب البَركة، وطلَب البَركة لا يخلُو مِن أمرَين:
الأوَّل: أن يكون بأمرٍ شرعيٍّ معلومٍ، مثل القُرآن، قال تعالى: "كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ" [ص: 29]؛ فمِن بَرَكتِه:
ـ أنَّ مَن أخذ به حصَل له الفَتح، فأنقذ اللهُ بذلك أُممًا كثيرةً مِن الشِّرك.
ـ أنَّ الحرف الواحِد بعَشر حسَناتٍ، وهذا يوفِّر للإنسان الوقتَ والجهدَ.
الثَّاني: أن يكون بأمرٍ حسِّيٍّ معلومٍ، مثل: التَّعليم، والدُّعاء، ونحوه، فيُتبرَّكُ بعمل الرَّجل ودعوتِه إلى الخير، فيكون بَركةً لأنَّنا نِلنا منه خيرًا كثيرًا.
وقال أُسَيد بن حُضَير: "مَا هَذِه بأَوَّلِ بَرَكَتِكُم يا آلَ أبِي بَكرٍ" [البخاري ومسلم]؛ فإنَّ الله يُجرِي على بعض النَّاس مِن أُمور الخَير ما لا يُجريه على يدِ الآخر.

[بَرَكةٌ باطِلةٌ]
وأمَّا ما يزعُمه الدَّجالون: أنَّ فلانًا الميِّت ولِيٌّ أنزل علَيكم مِن بَركَتِه، وما أشبَه ذلك؛ فهذه بَركةٌ باطِلةٌ، لا أثَر لها، وقد يكون للشَّيطان أثرٌ في هذا الأَمر، لكنَّها لا تعدُو أن تكون آثارًا حسِّيَّةً؛ بحيث إنَّ الشَّيطان يخدُم هذا الشَّيخ، فيكون في ذلك فِتنةٌ.

[كيفِيَّة تميِيز البَركة الباطِلة]
أمَّا كيفيَّةُ تمييز البَركات الباطِلةِ مِن الصَّحيحة؛ فبِحال الشَّخص؛ إن كان مِن أوليَاء الله المتَّقين المتَّبِعين للسُّنة المبتَعِدين عن البِدعة، فإنَّ الله قد يجعَلُ على يدَيه مِن الخَير والبَركة ما لا يحصُل لغَيره، ومِن ذلك ما جعَل اللهُ على يدِ شيخ الإسلام ابنِ تيمِيَّة مِن البَركة الَّتي انتَفع بها النَّاسُ في حياتِه وبعدَ مَوته.
أمَّا إن كان مخالِفًا للكِتاب والسُّنة، أو يدعُو إلى باطِلٍ، فإنَّ بَركتَه مَوهومَةٌ، وقد تضَعُها الشَّياطينُ له مساعدَةً على باطِله، وذلِك مثلُ ما يحصُل لبَعضِهم أن يقِف مع النَّاس في عرَفَةَ ثمَّ يأتي إلى بلدِه، ويضَحِّي مع أهلِ بلِده.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة: "إنَّ الشَّياطين تحمِلُهم لكي يغتَرَّ بهم النَّاس، وهؤلاء وقَع منهم مخالَفاتٌ، منها: عدَم إِتمام الحجِّ، ومنها أنَّهُم يمرُّون بالمِيقات ولا يُحرِمون منه" [مجموع الفتاوى: 1/83].

قوله: "شَجَرٍ" اسم جِنس، فيشمل أيَّ شجَرةٍ تكون، ومِن حسَنات أمير المؤمِنين عُمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه لما رأى النَّاس ينتابُون الشَّجرة الَّتي وقعَت تحتَها بيعَةُ الرِّضوان أمر بقَطعِها.

قوله: "وَحَجَرٍ" اسم جِنسٍ، يشمل أيَّ حجَرٍ كان، حتَّى الصَّخرة الَّتِي في بَيت المقدِس، فلا يُتبرَّكُ بها، وكذا الحَجر الأَسود لا يُتبرَّك به، وإنَّما يُتعَبَّد اللهُ بمَسحِه وتقبِيله، اتِّباعًا للرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبذلك تحصُل بَركة الثَّواب.
ولهذا قال عُمَر ـ رضي الله عنه ـ: "إنِّي لأَعلم أنَّك حجَرٌ لا تضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولَولا أنِّي رأَيتُ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُقبِّلُك، ما قبَّلتُك" [البخاري ومسلم].
فتقبِيلُه عِبادةٌ محضَةٌ، خلافًا للعامَّة؛ يظنُّون أنَّ به بَركةً حسِّيَّةً، ولذلك إذا استَلمه بعضُ هؤلاء مسَح على جمِيع بدنِه تبرُّكًا بذلك.

قوله: "ونحوِهما"، أي: مِن البُيوت، والقِباب، والحجَر، حتَّى حُجرَة قبرِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فلا يُتمسَّحُ بها تبرُّكًا.

وقول الله تعالى: "أَفَرَأَيتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى" الآيات [النجم: 19]


قوله: "أَفَرَأَيتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى": لـمَّا ذكر اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ المِعراج بقوله: "وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم وَمَا غَوَى" إلى قوله: "لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى"؛ أي رأَى النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعضَ الآيات الكُبرى.
ثمَّ قال تعالى: "أَفَرَأَيتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخرَى"، أي: أخبِروني ما شَأنُها؟ وما حالُها بالنِّسبة إلى هذِه الآيات العظِيمة؟ إنَّها ليسَت بشيءٍ.
والاستِفهام للاستِخفاف والاستِهجان بهذِه الأصنَام.

قوله: "اللاَّتَ": تُقرَأ بتشدِيد التَّاء وتخفِيفها، والتَّشديد قراءَةُ ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ، فعلى قراءَة التَّشديد تكون اسمَ فاعِلٍ مِن (اللَّتِّ)، وكان هذا الصَّنم أصلُه رَجُلٌ يلُتُّ السَّوِيق للحُجَّاج، أي: يجعَل فيه السَّمن، ويُطعِمه الحُجَّاج، فلمَّا مات عكَفُوا على قبرِه وجعلُوه صنَمًا.
وأمَّا على قراءة التَّخفيف؛ فإنَّ اللاَّت مشتَقَّةٌ مِن (الله)، أو مِن (الإله)، فهم اشتَقُّوا مِن أسماء الله اسمًا لهذا الصَّنم، وسمَّوه (اللاَّت)، وهي لأهل الطَّائِف ومَن حولهم مِن العَرب.

وقوله: "العُزَّى": مؤنَّث أَعَز، وهو صنَمٌ يعبُده قريشٌ وبنو كِنانة، مشتَقٌّ مِن اسم الله (العزيز)، كان بنَخلةٍ بين مكَّة والطَّائف.

قوله: "وَمَنَاةَ": قيل: مشتَقَّةٌ مِن (المَنَّان)، وقيل: مِن (مِنًى)؛ لكثرَة ما يُمنَى عندَه مِن الدِّماء بمعنى يُراق، ومِنه سمِّيَت (مِنًى)؛ لكثرة ما يُراق فيها مِن الدِّماء.
وكان هذا الصَّنم بين مكَّة والمدينة لهُذَيلٍ وخُزاعَة، وكان الأَوس والخَزرج يعظِّمونَها ويُهِلِّون مِنها للحجِّ.

قوله: "الثَّالِثَةَ الأُخرَى": إشارَةٌ إلى أنَّ الَّتي تعظِّمُونها، وتذبحون عندها، وتَكثُر إراقَةُ الدِّماء حولَها: أنَّها أُخرَى بمَعنى مُتأخِّرة، أي: ذميمَة حقِيرة، مأخوذَة من قولهم: فلانٌ أُخَر، أي: ذمِيمٌ، حقِيرٌ، متأَخِّرٌ.
فهذه الأصنَام الثَّلاثة المعبودَة عِند العَرب، ما حالُها بالنِّسبة لما رأَى النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ لا شَيء، وإنَّما ذكر هذِه الأصنام الثَّلاثة لأنَّها أشهر الأصنَام، وأعظَمُها عند العَرب.

قوله: "أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى"، هذا أيضًا استِفهامٌ إنكارِيٌّ على المشرِكين الَّذين يجعَلُون لله البَناتِ ولَهُم البنِينَ، فإذا وُلِد لهم الذَّكرُ فرِحُوا واستَبشروا به، وإذا وُلِدت الأُنثى ظلَّ وجهُ الإنسان مِنهم مُسوَدًّا وهو كظِيمٌ، ومع ذلِك يقولون: الملائِكةُ بناتُ الله، فيَجعلُون البناتِ لله ـ والعياذ بالله ـ، ولهم ما يَشتهون.

قوله: "تِلكَ إِذًا قِسمَةٌ ضِيزَى": أي: جائِرةٌ؛ لأنَّه على الأقلِّ إذا أَردتُم القِسمةَ، فاجعَلُوا لكم مِن البَناتِ نصِيبًا، واجعلوا لله من البنِين نصِيبًا.

قوله: "إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ"، أي: هذه الأصنام (اللاَّتُ والعُزَّى ومَناةٌ) هي مجرَّد أسماءٍ سمَّيتموها، وما أنزل اللهُ بها مِن سلطانٍ وحجَّةٍ ودلِيلٍ، بل أبطَلها اللهُ ـ سبحانَه ـ، قال تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ" [الحج: 62]

قوله: "إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ"، أي: ما يتَّبِعون إلا الظَّن، والظَّنُّ الَّذي يتَّبعونه هو أنَّها آلهةٌ، وأنَّ لله البناتِ ولهم البنِين، والظَّن لا يُغنِي من الحق شيئًا.

قوله: "وَمَا تَهوَى الأَنفُسُ"، أي: يتَّبعون ما تهوَى الأنفُس، وهذا أضرُّ شيءٍ على الإنسان؛ أن يتَّبع ما يهوى، فالإنسان الَّذي يعبُد اللهَ بالهوى لا يعبُده حقًّا، إنَّما يعبُد عقلَه وهَواهُ، قال تعالى: "أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلمٍ" [الجاثية: 23]، لكِنَّ الَّذي يعبُد اللهَ بالهُدى لا بالهَوى هو الَّذي على الحقِّ.

قوله: "وَلَقَد جَاءَهُم مِن رَبِّهُمُ الهُدَى"، أي: علَى يدِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فكان الأجدَر بهم أن يتَّبعوا الهُدى دون الهوَى.

مُناسَبَةُ الآيَة للتَّرجمة:
أنَّهم يعتَقِدون أنَّ هذه الأصنَام تنفَعُهم وتضُرُّهم، ولهذا يأتُون إليها؛ يدعُونها، ويذبَحون لها، ويتقرَّبون إليها، [يرجون بركتها]، وقد يبتلي اللهُ المرءَ فيحصُل له ما يُريد من اندِفاعٍ ضرٍّ، أو جَلب نفعٍ بهذا الشِّرك.

وعَن أبِي واقِدٍ اللَّيثِيِّ، قال: "خَرجنَا معَ رسُولِ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إلى حُنَينٍ، ونحنُ حُدَثاء عَهدٍ بكُفرٍ، وللمُشرِكين سِدرَةٌ يعكُفون عِندَها، ويَنُوطُون بهَا أَسلِحَتهم، يُقال لها: ذاتُ أَنواطٍ، فمَرَرنَا بسِدرَةٍ، فقُلنا: يا رسُولَ اللهِ! اجعَل لنَا ذاتَ أَنواطٍ كمَا لَهُم ذاتُ أنوَاطٍ. فقَال رسُولُ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: "اللهُ أَكبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ! قُلتُم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَت بَنُو إِسرَائِيلَ لِمُوسَى: "اِجعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُم قَومٌ تَجهَلُونَ" [الأعراف: 138]، لَتَركَبُنَّ سُنَنَ مَن كَانَ قَبلَكُم". رواه التِّرمذي وصحَّحه.


قوله: "خَرَجنَا مَعَ النَّبِيِّ ـ صلَّى الله علَيه وسلَّم ـ"، أي: بعد غزوة الفَتح.

قوله: "حُدَثَاءُ" أي: أنَّنا قرِيبُو عهدٍ بكُفرٍ، وإنَّما ذكر ذلِك ـ رضي الله عنه ـ للاِعتذار لطَلَبِهم وسُؤالهم، ولو وقَر الإيمانُ في قلُوبِهم لم يسأَلوا هذا السُّؤال.

قوله: "يَعكُفُونَ عِندَهَا"، أي: يُقِيمون عليها، والعُكوف: ملازمةُ الشَّيء.

قوله: "يُقَالُ: لَهَا ذَاتُ أَنوَاطٍ"؛ لأنَّها تُناط فيها الأسلِحة، وتُعلَّق عليها رجاءَ برَكتِها.

قوله: "اللهُ أَكبَرُ": أي: استِعظامًا لطَلَبِهم وتعجُّبًا، لا فرَحًا به، كيف يقُولون هذا القَول وهم آمنوا بأنَّه لا إله إلاَّ الله؟! لكن: "إِنَّهَا السُّنَنُ"، أي: الطُّرق الَّتي يسلُكها العِباد.

قوله: "قُلتُم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ..."، أي: إنَّ الرَّسولَ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قاس ما قاله الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ على ما قاله بنو إسرائيل لموسى حين قالوا: اجعَل لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ، فأنتم طلَبتُم ذاتَ أنواطٍ، كما أنَّ لهؤلاء المشرِكين ذاتَ أنواطٍ.

قوله: "لَتَركَبُنَّ سُنَنَ مَن كَانَ قَبلَكُم"، أي: لتَفعلُنَّ مثلَ فِعلِهم، ولتقُولُنَّ مثلَ قولِهم، وهذا لا يرادُ به الإِقرارُ، وإنَّما التَّحذِير.

مُناسَبةُ الحدِيث للبَاب: والشَّاهد مِن هذا الحديث قولُهم: "اِجعَل لَنَا ذَاتَ أَنوَاطٍ كمَا لَهُم ذاتُ أَنواطٍ"، فأنكَر علَيهم النَّبِيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ.

كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.

رد مع اقتباس