
02 Mar 2010, 03:42 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 379
|
|
( تابع ) :
الفصل السادس :
أسباب النجاة من الفتن :
لقد تركنا نبينا صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، ليلها ونهارها سواء، لا يضل عنها إلا هالك، وكان من بيانه لنا أن بين لنا أسباب النجاة والوقاية من الفتن، كما أنه بمعرفة أسباب الوقوع في الفتن تعرف أسباب النجاة منها، فمن أسباب النجاة من الفتن ما يلي:
1- الاعتصام بالكتاب والسنة، وفهمهما على ضوء فهم السلف الصالح :
وذلك يعنى العلم بدين الله تعالى، والعمل بذلك العلم والتمسك به، بعد فهمه على ضوء فهم السلف الصالح، وذلك ليبقى الفهم منضبطاً والمنهج قويماً.
والتمسك بالكتاب والسنة هو أعظم أسباب العصمة والنجاة من الفتن، قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آيته لعلكم تهتدون﴾ وقال: ﴿فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً﴾.
وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تهلكوا ولن تضلوا بعدي أبداً؛ كتاب الله وسنتي)) وقال: ((إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً)) رواه ابن حبان، وصححه الألباني.
ولما وعظ أصحابه كما في حديث العرباض رضي الله عنه موعظة بليغة؛ وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا:
يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً؛ فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) رواه الإمام أحمد.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً، وقال هذا صراط الله مستقيماً، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً، وقال: ((هذه السبل؛ ما من سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه)) ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ رواه الإمام أحمد.
وقد جاء عن الصحابة والتابعين الحث على التمسك بالكتاب والسنة، والتحذير من مخالفة ذلك، كما جاء عن كثير من أئمة السلف بعدهم، فمن ذلك: قول ابن مسعود رضي الله عنه: (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة) .
وعنه قال: (إن هذا القرآن شافع مشفع؛ من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه - أو كلمة نحوها - زخ في قفاه إلى النار) .
وعنه قال: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله تعالى لصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم على الهدى المستقيم) .
وعنه رضي الله عنه قال: (تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع، والتعمق، والبدع، وعليكم بالعتيق) .
وعنه قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة) وقوله (قد كفيتم) أي كفيتم التشريع، وإنما عليكم الإتباع.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب) ، وعنه قال: (عليك بتقوى الله تعالى والاستقامة، اتبع ولا تبتدع) .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، إنك إن تتبع خير من أن تبتدع، ولن تخطئ الطريق ما اتبعت الأثر) .
وعن أبي العالية رحمه الله قال: (تعلموا الإسلام؛ فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تحرفوا عن الإسلام يميناً وشمالاً، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقى بين الناس العداوة والبغضاء) .
وكتب عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) إلى أحد عماله يقول له: (أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنته وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعده، مما جرت به سنته، وكفوا مؤونته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك –بإذن الله – عصمة، واعلم أن الناس لم يحدثوا بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من علم ما في خلافها من الخطأ، والزلل، والحمق، والتعمق، فارض لنفسك ما رضي القوم لأنفسهم، فإنهم السابقون، وإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل فيه لو كان أحرى، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه ! ولئن قلت إنما أحدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، لقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محصر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنه آخرون فغلوا إنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) .
ووصايا السلف في التمسك بالكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح أكثر من أن تحصر، وذلك دليل صدق المحبة والمتابعة؛ كما قال ابن تيمية (رحمه الله): «فمن كان محباً لله لزمه أن يتبع الرسول؛ فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله؛ فيحبه الله».
2- الأخذ عن العلماء، والرجوع إليهم، والالتفاف حولهم وتوفيرهم :
فقد أمرنا الله تعالى بسؤال أهل العلم فقال: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.
وقال: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾.
وفي الحديث المتقدم: ((إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)) فالواجب الأخذ عن العلماء الراسخين؛ الذين يعظمون السنة، ويظهرونها، ويدعون إليها، ويحرصون على جمع الكلمة ولم الشمل، فطاعتهم رشاد، والأخذ عنهم هدى، واستشارتهم سداد في الرأي، قال الله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ وأولوا الأمر على التحقيق هم العلماء والأمراء كما نص على هذا غير واحد من المحققين.
فالعلماء يلون أمر الدين، والأمراء يلون أمر الدنيا، ويحملون الناس على الدين، وقد تقدم الحديث: ((إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس؛ ولكنه يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) .
3- لزوم الجماعة، وطاعة أولى الأمر: فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، ويد الله على الجماعة، ومن شد شذ في النار وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ومن خرج على الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية كما دل على كل هذا أحاديث.
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إن كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال: ((نعم)) ، قلت: وهل بعد هذا الشر من خير ؟ قال: ((نعم وفيه دخن)) قلت: وما دخنه ؟ قال: ((قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر)) ، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال: ((نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)) . قلت: يا رسول الله: صفهم لنا. فقال: ((هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) . قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) . قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) رواه البخاري.
فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم عند كثرة وجود الدعاة إلى الشر أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، ونحمد الله أن جعل لنا إمامة راشدة وعلماء كباراً؛ يرجع إليهم المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فالعاقل لا يترك المنبع العذب، ويبحث عن المشارب هنا وهناك.
وفي الحديث: ((ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم؛ إخلاص العمل لله، ومناصحة أولياء الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) فهذه الثلاث تنقي القلب، ولا يبقى فيه مع وجودها غش ولا دغل فيسلم من الفتن. والله المستعان.
4- تقوى الله تعالى، فهي أعظم أسباب الوقاية والنجاة من الفتن :
كما قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾ أي بصيرة و قدرة على التفريق والتمييز بين الحق والباطل.
والتقوى وصية الله للأولين والآخرين كما قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾.
وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه لما استوصى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما أوصاهم به التقوى فقال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة)) .
والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية؛ باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وقد فسرها طلق بن حبيب (رحمه الله) بقوله: التقوى أن تعمل بطاعة الله؛ على نور من الله؛ ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله؛ على نور من الله؛ تخشى عقاب الله، وقوله «على نور من الله» أي على وفق دليل شرعي.
وهي تتحقق من خلال أمور منها:
أ- الصلاة: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر -أي أهمه أمر ونزل به- فزع إلى الصلاة.
ولما استيقظ ذات ليلة فزعاً وهو يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتنة؟ من يوقظ صواحب الحجرات لكي يصلين ؟ فأمرهن بالصلاة عند كثرة نزول الفتن؛ إذ الصلاة نور، ونجاة، وبرهان للعبد في الدنيا والآخرة، وقد قال الله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾.
ب- الصبر عند نزول الفتن: وذلك بالتمسك بما دل عليه الكتاب والسنة كما بينه السلف الصالح وعلماء الأمة والصبر على ذلك لقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)) .
والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وقد قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها)) و (واها) كلمة معناها التلهف أي التلهف على الصبر وهذه المنزلة.
وفي الحديث: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر)) والمهم في هذا أن يتبين العبد أن ما هو عليه هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وقرره سلف الأمة وعلماؤها، وتحتم الأخذ به فيلزمه.
ومن الصبر المأمور به الصبر على جور الأئمة إن جاروا، فذلك من التقوى المنجية من الفتن، قال صلى الله عليه وسلم: ((من كره من أميره شيئاً فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية)) .
وفي رواية: ((من رأي من أمره شيئاً يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية)) .
ج- التثبت والتأني وعدم العجلة: فإن الأناة من الله، والعجلة من الشيطان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله؛ الحلم، والأناة)) .
فالواجب التأني والتثبت في قبول الأخبار، ونقلها، والحكم بها قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾.
وذم المسارعين إلى نشر الأقوال وإذاعتها قبل التثبت فقال: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولوردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذباًَ أن يحدث بكل ما سمع)) أي يكفيه من الكذب حديثه بكل ما يبلغه، ولو لم يتعمد الكذب فإن نقل الناس لا يخلو من زيادة أو نقصان غالباً وكما قيل (وما آفة الأخبار إلا رواتها) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((بئس مطية الرجل زعموا)) أي بئس اتخاذه لهذا المنهج والمسلك، وهو حديثه بحديث الناس بدون تثبت، كما اشتهر عند كثير من الناس يقولون: (سمعنا، بلغنا) بدون تثبت.
وكذا يجب التأني والتثبت في الحكم على الناس بكفر، أو فسق، أو معصية، ما لم تتحقق الشروط لذلك، وتنتفي الموانع التي يعلمها أهل العلم، فالواجب التأني والتثبت في الأمور كلها.
وإن مما ابتلي الناس به في هذا الزمان الشبكة العنكبوتية المسماة (بالإنترنت) حيث إنه متاح لكل أحد؛ بلا نظام، ولا زمام، ولا خطام، فكل يكتب، ويفتي، ويقرر، ويهرف بما يعرف، وما لا يعرف، ويتدخل فيما يعنيه، وما لا يعنيه، مع جهالة القائل في الغالب، فيقع الغِرُّ المتصفح لتلك المواقع ممن لم يتزود بالعلم، ويرزق البصيرة، يقع في البلبلة، وربما بنى عقيدته، ومنهجه، وتصوراته، وتصرفاته، وأرائه، وأفكاره، على ما يرى ويسمع بلا تثبت ولا أناة، ولا روية، فوقع في الضلال، والهلكة، والندم.
فإن الكاتب في تلك المواقع ربما يكون غير معروف، أو معروفاً بكنية لا تميزه عن غيره، أو باسم مستعار، أو مكذوب عليه، ودين العاقل ثم عقله أسمى وأعظم قدراً من أن يجعل في يد مجهول، قد يكون مغرضاً، مسلماً، أو غير مسلم، أو جاهلاً أو ضالاً.
وللعاقل عبرة في منهج أئمة الإسلام في التثبت في نقل الأخبار، وقبولها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومعرفة رجال إسنادها، وعدالتهم، وضبطهم، فربما ردوا خبر الفقيه، العالم، لسوء حفظه، أو كثرة وهمه، أو نحو ذلك، مع صلاحه، وورعه، وربما كان معنى الخبر في ذاته صحيحاً، لكن لا تقبل نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً لعدم سلامة سند روايته.
فكيف يليق بعاقل أن يبني أعظم ما عنده من عقيدة وعلم على خبر مجهول، أو غير متثبت منه.
وكم انتشر من خلال هذا الجهاز وأمثاله من الجوالات، وسائر وسائل الاتصال من كذب وافتراء، وكم ضل بسببها من أناس، فأوقعوا أنفسهم في الحرج، وفي ما هم في غنية عنه.
ومن جعل الغراب له دليلاً ***** يمر به على جيف الكلاب
د- حفظ اللسان في الفتنة: فإن اللسان صغير جِرمه، عظيم جُرمه، وقد قـال تعالى: ﴿ما يلفظ من قوله إلا لديه رقيب عتيد﴾.
وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوي بها في نار جهنم)) .
وفي لفظ: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)) .
وفي حديث معاذ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) .
وفي حديث بلال بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة)) .
وقد حذر العلماء من اللسان في الفتنة، وذكروا أن وقعه في الفتنة أشد من وقع السيف؛ كما روى بهذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف)) رواه أبو داوود وغيره.
ومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقع السيف)) .
ومما ورد من الأمر بحفظ اللسان في الفتنة ما جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: ((بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه-)) قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: ((الزم بيتك، واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة)) رواه الإمام أحمد وغيره.
وقد ذكر العلماء أن من الخوارج من يخرج بلسانه، وإن لم يحمل السيف بيده، وهم الخوارج القعدة، بل ما حمل حامل السيف إلا بأثر لسان جر إلى هذا.
5- ومن أسباب الوقاية من الفتن مجانية الفرق والجماعات الحادثة كلها ولزوم جماعة أهل السنة والجماعة :
فعلى طالب السلامة والنجاة أن يجانب أهل الأهواء والبدع، ولا يجالسهم، ويلزم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسلف الأمة الأخيار.
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) .
وأما عزلة عامة الناس فإنما يكون في آخر الزمان، عند فساد الناس، وعدم المصلحة الراجحة لمخالطتهم، وإنما يغلب الضرر، والأمور مختلطة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتنة)) .
وأما إن كان الإنسان يستطيع أن يرشد، وينفع، ويصبر، فإن المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، كما ورد هذا عن عمر رضي الله عنه، فالنصوص في الخلطة والعزلة تنـزل على أحوال.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
يتبع إن شاء الله ...
|