
28 Feb 2010, 02:35 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 379
|
|
( تابع )
الفصل الثالث :
أشهر الفتن النازلة بالأمة :
تقدم في الفصل السابق تنوع الفتن في الكبر والصغر، والناظر في تاريخ أمة الإسلام وما نزل بها من فتن يتبين له أن هناك فتناً عظيمة كبيرة قد نزلت بها، وأثرت فيها، وكان لها دعاة وأتباع، وذلك مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقه، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة)) وفي رواية: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي، رواه أبو داود وغيره، وصححه الألباني، ومن هذه الفتن:
1- فتنة الخوارج؛ الذين أول ما استعلن أمرهم، وظهرت شوكتهم، وتميز ميدانهم فيزمن علي رضي الله عنه؛ وإن كان لهم بذور من زمن النبي صلى الله عليه وسلم كذي الخويصري التميمي الذي اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم يوم حنين قائلاً: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل.
ثم من خرجوا في صورة أخرى خاطئة ظالمة على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه فتمالؤوا عليه وقتلوه، ثم اشتهر أمرهم، وتميز عسكرهم، في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه؛ فخرجوا عليه ومعه الصحابة، فشقوا عصا الطاعة، وفارقوا الجماعة، وكفروا المسلمين، وسفكوا دماءهم، ونقضوا العهود والمواثيق، وتأولوا القرآن على غير تأويله إذ حكموا عقولهم وفهمهم السقيم في القرآن، وعزلوا فهمهم عن فهم السلف الصالح؛ فضلوا وأضلوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
فقاتل علي رضي الله عنه والصحابة معه من لم يرجعوا إلى الحق بعد بيانه واحتسبوا الأجر والثواب في ذلك ولم ينج من الخوارج إلا قليل.ولم يزل الخوارج يخرجون على جماعة المسلمين، ويشقون عصا الطاعة، ويفرقون الجماعة، بأفهام سقيمة، وحجج واهية، مشاركين للخوارج الأولين في أصل الخروج وكثير من صفاتهم؛ بل ويزيدون عليها صفات سوء أخرى هي من كبائر الذنوب؛ من تقية، وكذب، وتشبه بالنساء، وارتكاب للمحرمات الصريحة، بحجة مصلحة الدعوة، وغير ذلك، مما نزه عنه الخوراج السابقون أنفسهم.
ولا يزال هؤلاء الخوارج يخرجون حيناً بعد حين، ويكبتون حيناً بعد حين كما وردفي الحديث عنهم (كلما ظهر منهم قرن قطع _ قالها مراراً _حتى يظهر في عراضهم الدجال) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني، فيكونون من أعوان الدجال وأتباعه. نسأل الله السلامة والعافية.
ولم يسلم من شرهم وأذاهم في هذه الأزمان حتى أهل بلاد الحرمين، والآمنين فيها، والدعاة إلى التوحيد، وولاة أمرها؛ حملة راية التوحيد فيها وحماتها، فأخافوا من أمنه الله، واستهانوا بما عظمه الله.
وقى الله المسلمين شرهم، وهتك سترهم، وكشف أمرهم، وأبطل مكرهم، ورد كيدهم فين حورهم.
2- فتنة الرفض وقد خرج الرافضة أول أمرهم بلباس نصرة آل البيت، ومحبتهم، وموالاتهم، إلا أنهم ما لبثوا أن غلوا حتى ألهوا بعض آل البيت، وادعوا عصمة أئمتهم، وتميزوا في مصادر تلقيهم وفهمهم عن عامة المسلمين، وكان لدعاة الضلالة المندسين بينهم اثر عظيم في غلوهم في الرفض، ومروقهم من الدين؛ كعبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم نفاقاً؛ ليفسد على المسلمين دينهم، فاقتطع منهم هذه الطائفة من خلال عاطفة محبة آل البيت لدى المسلمين.
والرفض طوائف، وهم دركات، ولكل منهم نحلته، والحكم عليهم بحسب ما هم عليه، وما يحكم به علماء الإسلام الراسخون عليهم.
3- فتنة الاعتزال والتجهم والتي نشأ عنها الضلال في باب الأسماء الصفات، وأفعال المكلفين، ومسائل القضاء والقدر، ونحو ذلك مما يطول شرحه.
4- فتنة التصوف والتي بدأت بالزهد والتقشف والإعراض عن الدنيا، ثم غلا أصحابها لما حكموا عقولهم ومواجيدهم، واعرضوا عن نصوص الوحي، وخطوا لهم منهجاً بدعياً خرج بهم عن الصراط المستقيم، حتى وقعوا في كثير من البدع التي تصل بهم إلى حد الكفر؛ كالقول بوحدة الوجود، وادعاء بعض صفات الإلهية لبعض أئمتهم، وادعاء وصول بعض أئمتهم إلى درجة رفع التكاليف التي لم ترفع عن أشرف الأنبياء والمرسلين.
ومن يضلل الله فلا هادي له.والفتن كثيرة ومتنوعة، وبالتالي كثر التفرق في الأمة كثرة بالغة، حتى لا يجد الناظر في كثرة الفرق بداً من أن يقول إن الثلاث والسبعين فرقة هي رؤوس الفرق وكبارها وتأمل الكتب المؤلفة في ذلك ككتاب (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري و (الملل والنحل) للشهرستاني و (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم و (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي.
الفصل الرابع :
الناس أمام الفتن :
من المعلوم أن الناس يتفاوتون في علمهم، وإدراكهم، وتقواهم، وما منحهم الله من توفيق وهداية، كما أن الفتن كثيرة متنوعة، لذا فإن الناس يتفاوتون في مقاماتهم، وأحوالهم، مع الفتن ويمكن أن يقسموا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العالم؛ والمراد به من وفقه الله فعلم الفتن من خلال نصوص الوحي المطهر، وحذِر منها، وحذَّر فنجا وسلم، وعلى هذا جاء حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
القسم الثاني: المتعرض لها، الساعي إليها، وهذا وقود فتنة، قد ضل وأضل، وقد جاء في الحديث (تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه) رواه البخاري. أي من تعرض لها التهمته وأهلكته. وفي الحديث الآخر ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً...)) الحديث وفيه.... ((وأي قلب أشر بها نكت فيه نكتة سوداء)) متفق عليه.
ومِن هؤلاء مَن أخبر بهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة حين قال: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
القسم الثالث: الجاهل بهذه الفتن، فهذا إن سلم من التعرض لها، والدعاة إليها، وإلا فإنه على خطر عظيم؛ إذ لا منعة له ولا عصمة، فيسهل قيادة ودعوته، والاستحواذ عليه، والله المستعان، وعلى مثله ينطبق قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين﴾.
يتبع إن شاء الله ...
|