![]() |
43- سئل فضيلة الشيخ : إذا كان آفة العلم النسيان ،فما الأمور أو الطرق التي تعين على ضبط وحفظ العلم ؟ فأجاب فضيلته بقوله : من أعظم الطرق التي تعين على ضبط العلم: أن يهتدي الإنسان بعلمه قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم ﴾ [محمد، الآية: 17] فإذا عمل العالم بعلمه، ازداد علماً وأوتي تقوى- أي عبادة وخشية-. ومنها: أن يفرغ قلبه للعلم ، بحيث لا يتشاغل بغيره عنه ؛ بل يكون هو همه وهاجسه. ومنها: أن يتعاهده بالحفظ والمذاكرة. ومنها: أن يستحضر الحكم ودليله عند كل عمل يقوم به. ومنها: أن يكب على طلب العلم فلا يجعل طلب العلم عند التفرغ فقط، ولهذا يقولون: "اعط العلم كلك يعطيك بعضه ؛ و اعط العلم بعضك لا يعطيك شيئاً" ؛ فلا بد من الإكباب على طلب العلم ليلاً ونهاراً، والمناقشة وتطبيق ما علمت على ما عملت حتى يبقى العلم. *********************** 44- سئل فضيلة الشيخ: ما توجيهكم – حفظكم الله تعالى – لطلاب العلم ، حيث يلاحظ الإهمال وعدم الجد مما له آثار سيئة في التحصيل العلمي؟ فأجاب بقوله: يجب على طلاب العلم أن يبذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم، حتى يدركوا المعلومات إدراكاً قوياً ، راسخاً في نفوسهم ؛ لأنهم إذا اجتهدوا أو أخذوا العلوم شيئاً فشيئاً سهلت عليهم ورسخت في نفوسهم وسيطروا عليها سيطرة تامة، وإن أنتم يا طلاب العلم أهملتم وتهاونتم انطوى عنكم الزمن ، وتراكمت عليكم الدروس ؛ فأصبحتم عاجزين عن تصورها فضلاً عن تحقيقها ، فندمتم حين لا تنفع الندامة. **************** 45- وسئل فضيلته: نرجو من سماحتكم – حفظكم الله تعالى – توجيه نصيحة لمن عمل في مجال التدريس ، عسى الله أن ينفع بها وجزاكم الله خيراً ؟ فأجاب فضيلته بقوله : نقول أهم ما يتعلق بالمعلمين: أن يدركوا العلوم التي يعطونها للطلبة -إدراكاً جيداً مستقراً في نفوسهم - قبل أن يقفوا أمام الطلبة ، حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند سؤال التلاميذ له ومناقشتهم إياه ؛ فإن من أعظم المقومات الشخصية لدى الطلبة أن يكون المعلم قوياً في علمه وملاحظته. إن قوة المعلم العلمية في تقويم شخصيته لا تقل عن قوة ملاحظته ؛ إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره أمام تلاميذه ؛ وإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا فيه بعد ذلك ؛ وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه. إذن فلا بد للمعلم من إعداد واستعداد وتحمل وصبر . المعلم -عند توجيه السؤال له- إن كان عنده علم راسخ في ذهنه مستقر في نفسه أجاب بكل سهولة وانطلاق ؛ وإلا فإنه لا يخلو بعد ذلك من هذه الأمور الثلاثة السابقة ، وكل ذلك ينافي الآداب التي ينبغي أن يكون المعلم عليها ؛ وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة ، فإن عليه أن يحرص على حُسن إلقائه إليهم بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني وضرب الأمثال ومناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقاً ؛ أما أن يأتي يقرأ الشيء عليهم قراءة ولا يدري من فهم ممن لم يفهم ولا يناقشهم فيما مضى ، فإن هذه الطريقة عقيمة جداً ،لا تثمر ثمراً ، ولا تكون نتيجتها طيبة ؛ وإذا كان المعلم يجتهد في الأمور العلمية تحصيلاً وعرضاً ، فعليه أن يجتهد في الأمور التعبدية ؛ عليه أن يكون حسن النية والتوجيه ؛ فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم ؛ وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الرفيق الشفيق ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم ؛ وعلى المعلم أن يظهر أمام طلبته بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها تمسك بكتاب الله –تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل ؛ فإن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر ؛ لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة معبرة عما في نفسه ظاهرة في سلوكه ،فتنعكس هذه الصورة تماماً على إرادة التلاميذ. إن على المعلم أن يتقي الله –تعالى- في نفسه، وفيمن ولاه الله عليهم من التلاميذ ، وأن يحرص غاية الحرص أن يمتثل أمامهم بالأخلاق حتى يكون قدوة صالحة (( ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة )) (1) . وإنني أقول للمعلمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنهم ؛ إن المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به ، فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام وجه هذا المعلم : كيف يعلمنا بشيء ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به ؟ ؛ لا تستهن يا معلماً بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغاراً ، فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة. ---------------- (1)- أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. |
46- وسئل فضيلة الشيخ: عن طالب علم يريد أن يذهب مع إخوانه في الله لطلب العلم ؛ وكان الحائل بينه وبين الذهاب معهم هو أهله - والده وأمه- فما الحكم في خروج هذا الطالب ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الطالب إن كان هناك ضرورة لبقائه عندهم فهذا أفضل ؛ مع أنه يمكنه أن يبقى عندهم مع طلب العلم ؛ لأن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله ؛ والعلم من الجهاد ؛ وبالتالي فيكون بر الوالدين مقدماً عليه إذا كانا في حاجة إليه. أما إذا لم يكونا في حاجة إليه ويتمكن من طلب العلم أكثر إذا خرج ، فلا حرج عليه أن يخرج في طلب العلم في هذه الحال ؛ ولكنه مع هذا لا ينسى حق الوالدين في الرجوع إليهما وإقناعهما إذا رجع ؛ وأما إذا علم كراهة الوالدين للعلم الشرعي ، فهؤلاء لا طاعة لهما، ولا ينبغي له أن يستأذن منهما إذا خرج ؛ لأن الحامل لهما كراهة العلم الشرعي. * * * 47ـ سئل فضيلة الشيخ ـ غفر الله له ـ: هل يجوز تعلم العلم من الكتب فقط دون العلماء ، وخاصة إذا كان يصعب تعلم العلم من العلماء لندرتهم؟ وما رأيك في القول القائل: " من كان شيخه لكتابه كان خطؤه أكثر من صوابه " ؟ فأجاب قائلاً: لا شك أن العلم يحصل بطلبه عند العلماء وبطلبه في الكتب ؛ لأن كتاب العالم هو العالم نفسه ؛ فهو يحدثك من خلال كتابه ؛ فإذا تعذر الطلب على أهل العلم ، فإنه يطلب العلم من الكتب ؛ ولكن تحصيل العلم عن طريق العلماء أقرب من تحصيله عن طريق الكتب ؛ لأن الذي يحصله عن طريق الكتب يتعب أكثر ويحتاج إلى جهد كبير جداً ؛ ومع ذلك فإنه قد تخفى عليه بعض الأمور كما في القواعد الشرعية التي قعدها أهل العلم والضوابط ؛ فلابد أن يكون له مرجع من أهل العلم بقدر الإمكان. وأما قوله: "من كان دليله كتابه فخطؤه أكثر من صوابه" ، فهذا ليس صحيحاً على إطلاقه ولا فاسداً على إطلاقه ؛ أما الإنسان الذي يأخذ العلم من أي كتاب يراه فلا شك أنه يخطئ كثيراً ؛ وأما الذي يعتمد في تعلمه على كتب رجال معروفين بالثقة والأمانة والعلم ، فإن هذا لا يكثر خطؤه بل قد يكون مصيباً في أكثر ما يقول. * * * 48ـ سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز تفسير القرآن الكريم بالنظريات العلمية الحديثة؟ فأجاب بقوله: تفسير القرآن بالنظريات العلمية له خطورته ؛ وذلك إننا إذا فسرنا القرآن بتلك النظريات ، ثم جاءت نظريات أخرى بخلافها ؛ فمقتضى ذلك أن القرآن صار غير صحيح في نظر أعداء الإسلام ؛ أما في نظر المسلمين فإنهم يقولون إن الخطأ من تصور هذا الذي فسر القرآن بذلك ؛ لكن أعداء الإسلام يتربصون به الدوائر ؛ ولهذا أنا أحذر غاية التحذير من التسرع في تفسير القرآن بهذه الأمور العلمية ولندع هذا الأمر للواقع، إذا ثبت في الواقع فلا حاجة إلى أن نقول القرآن قد أثبته ؛ فالقرآن نزل للعبادة والأخلاق والتدبر ؛ يقول الله ـ عز وجل- : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ﴾ [ص:29] ؛ وليس لمثل هذه الأمور التي تدرك بالتجارب ويدركها الناس بعلومهم ؛ ثم إنه قد يكون خطراً عظيماً فادحاً في تنزيل القرآن عليها ؛ أضرب لهذا مثلاً قوله –تعالى-: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ) [الرحمن:33] لماّ حصل صعود الناس إلى القمر ، ذهب بعض الناس ليفسر هذه الآية ، ونزلها على ما حدث وقال: " إن المراد بالسلطان العلم ؛ وأنهم بعلمهم نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية " وهذا خطأ ؛ ولا يجوز أن يفسر القرآن به وذلك ؛ لأنك إذا فسرت القرآن بمعنى ، فمقتضى ذلك أنك شهدت بأن الله أراده ؛ وهذه شهادة عظيمة ستسأل عنها. ومن تدبر الآية وجد أن هذا التفسير باطل ؛ لأن الآية سيقت في بيان أحوال الناس وما يؤول إليه أمرهم ؛ اقرأ سورة الرحمن تجد أن هذه الآية ذُكرت بعد قوله –تعالى- : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [ الرحمن الآيات 26 - 28 ] فلنسأل هل هؤلاء القوم نفذوا من أقطار السموات؟ الجواب: لا ؛ والله يقول: ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض ﴾ . ثانياً: هل أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس؟ والجواب: لا ؛ إذن فالآية لا يصح أن تفسر بما فسر به هؤلاء ونقول: إن وصول هؤلاء إلى ما وصولوا إليه ، هو من العلوم التجريبية التي أدركوها بتجاربهم ؛ أما أن نُحرِّف القرآن لنخضعه للدلالة على هذا فهذا ليس بصحيح ولا يجوز. |
49ـ سئل الشيخ : ذكرتم ـ جزاكم الله خيراً ـ أن الاعتماد على أقوال الرجال خطأ يضر طالب العلم ؛ فهل يفهم من هذا عدم التمذهب أو الرجوع إلى مذهب معين فيما يشكل من أحكام ؟ فأجاب فضيلته بقوله : التمذهب بمذهب معين ، إذا كان المقصود منه أن الإنسان يلتزم بهذا المذهب معرضاً عما سواه -سواء كان الصواب في مذهبه أو مذهب غيره- فهذا لا يجوز ولا أقول به . أما إذا كان الإنسان يريد أن ينتسب إلى مذهب معين لينتفع بما فيه من القواعد والضوابط ، ولكنه يرد ذلك إلى الكتاب والسنة ؛ وإذا تبين له الرجحان في مذهب آخر ذهب إليه ،فهذا لا بأس به ؛ والعلماء المحققون -كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- هم من هذا النوع ،هم محققون ،ولهم مذهب معين ولكنهم لا يخالفون الدليل إذا تبين لهم . * * * ** 50ـ سئل الشيخ: هل حديث (( كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله ...)) إلى آخر الحديث حديث صحيح ،لأنه يكثر في مؤلفات العلماء؟فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث اختلف العلماء في صحته ؛ فمن أهل العلم من صححه واعتمده كالنووي ؛ ومنهم من ضعفه ؛ ولكن تلقي العلماء له بالقبول ووضعهم ذلك الحديث في كتبهم يدل على أن له أصلاً ؛ فالذي ينبغي للإنسان التسمية على كل الأمور المهمة، أو البداية بحمد الله ـ عز وجل ـ . * * * ** 51ـ سئل الشيخ ـ غفر الله له ـ: أيهما أفضل: مخالطة الناس بعد العشاء لتعليمهم وإرشادهم ونصحهم بحيث لا يمكن قيام الليل ، أو اعتزالهم حتى يتم قيام الليل؟فأجاب قائلاً : طلب العلم أفضل من قيام الليل ؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد:"لا يَعدلُهُ شيء لمن صحته نيته" قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره"، فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل في طلب العلم ابتغاء لوجه الله ،سواء كان يدرُسه أو يدرِّسه أو يعلِّمه ،ثم يقوم الليل ؛فهو أفضل ؛ لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى ؛ ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا هريرة أن يوتر قبل أن ينام ؛ قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة كان يحفظ أحاديث الرسول أول الليل وينام آخر الليل ؛ فأرشده النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن يوتر قبل أن ينام (1) . * * * ** 52 ـ سئل الشيخ ـ غفر الله له ـ : ماذا يجب عليَّ تجاه أحد الأساتذة عندما يخطئ -وخصوصاً في المواد الدينية- وأنا متأكد من الجواب الصحيح؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا سؤال مهم ، حيث نجد أن بعض الأساتذة لا يريد لأحد أن يخطئه مهما ارتكب من الخطأ ؛ وهذا ليس بصحيح ؛ فكل إنسان معرض للخطأ ؛ والإنسان إذا أخطأ ونُبّه فهذا من نعمة الله عليه، حتى لا يغتر الناس بخطئه ؛ ولكن ينبغي للطالب أن يكون عنده شيء من اللباقة ؛ فلا يقوم أمام الطلبة يرد على هذا المدرس ؛ فهذا خلاف الأدب ؛ ولكن يكون ذلك بعد انتهاء الدرس ؛ فإن اقتنع المدرس فعليه أن يعيد ذلك أمام الطلبة في الدرس المقبل وأن لم يقتنع فعلى الطالب أن يقوم أمام الطلبة في الدرس المقبل ليقول: يا أستاذ إنك قلت كذا وكذا وهذا ليس بصحيح. * * * ** 53ـ وسئل ـ جزاه الله خيراً ـ: هل يجوز إلقاء التحية على مدرس غير مسلم في الفصل أو خارجه؟ فأجاب فضيلته بقوله: ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام )) (2) ؛ وكان اليهود يمرون على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: "السام عليكم" والسام معناه الموت ؛ فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نقول: وعليكم (3) فأنت لا تبدأه بالسلام ؛ فإذا سلم وبدأ فردّ عليه وعليكم ؛ إلا أن ابن القيم رحمه الله ـ ذكر في أحكام أهل الذمة أن الكافر إذا علمنا أنه قال: السلام عليكم ؛ فلنا أن نقول: وعليكم السلام. ---------------------- (1)- أخرجه البخاري، كتاب الصيام، باب: صيام البيض، ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى، ولفظه: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام" . (2)- رواه مسلم ؛ كتاب السلام، باب : النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم . (3)- أخرجه البخاري ؛ كتاب الأداب، باب: الرفق في الأمر كله، مسلم، كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم. |
54ـ وسُئل فضيلة الشيخ: أمامي مجال لدخول كلية علمية ، فهل أدخلها لنفع المسلمين أم أسلك المجال في كلية الشريعة؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً. فأجاب بقوله: الذي أرى أن أفضل الكليات في الجامعات هي الكليات الدينية ؛ وأما المواد الأخرى فربما يقوم بها رجل آخر ؛ لا سيما من كانت له رغبة في دراسة العلوم الدينية ؛ ومادام عندك رغبة في دخول كلية الشريعة فإن ذلك من أفضل. * * * 55ـ سئل فضيلة الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: ما سبب توقف العالم عن الفتوى؟ فأجاب فضيلته بقوله : توقف العالم عن الفتوى -إذا كان أهلاً للفتوى وعنده علم- قد يكون لتعارض الأدلة عنده ؛ وقد يكون لظنه أن هذا المستفتي متلاعب ؛ لأن بعض المستفتين لا يستفتي للحق ، إنما يريد التلاعب والنظر فيما عند هذا العالم ، والعالم الثاني ، والعالم الثالث وهكذا ؛ فيتوقف العالم أو يعرض عن إجابة هذا السائل الذي يعلم أو يغلب على ظنه أنه متلاعب لينظر ماذا عند الناس ، أو يريد أن يضرب أقوال الناس بعضها ببعض ؛ وهذا أشد ؛ فيذهب ويقول: قال العالم الفلاني كذا، وقال العالم الفلاني كذا، فهذا من أسباب توقف المفتي. * * * 56ـ سئل فضيلة الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: هناك من الناس من يفتي بغير علم، ما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل من أخطر الأمور وأعظمها إثماً ؛ وقد قرن الله -سبحانه وتعالى- القول عليه بلا علم بالشرك به ، فقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:33]. وهذا يشمل القول على الله في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو شرائعه ؛ فلا يحل لأحد أن يفتي بشيء حتى يعلم أن هذا هو شرع الله - عز وجل - ، وحتى تكون عنده أداة وملكة يعرف بها ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وحينئذٍ يفتي . والمفتي معبرِّ عن الله ـ عز وجل ـ ومبلِّغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فإذا قال قولاً وهو لا يعلم ، أو لا يغلب على ظنه - بعد النظر والاجتهاد والتأمل في الأدلة - ، فإنه يكون قد قال على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- قولاً بلا علم ؛ فيتأهب للعقوبة ؛ فإن الله ـ عز وجل يقول : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ ﴾ [العنكبوت:68] . |
57- سئل الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل هناك دعاء لحفظ القرآن؟ وما طريقة حفظه ؟ فأجاب قائلاً : لا أعرف في ذلك دعاء يحفظ به القرآن إلا حديثاً ، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم -علمه علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - (1) ، وفي صحته نظر ؛ قال عنه ابن كثير - رحمه الله تعالى-: " إنه من البينّ غرابته بل نكارته" . وقال السيد محمد رشيد رضا - في التعليق عليه -: " بل أسلوبه أسلوب الموضوعات ، لا أسلوب أفصح البشر محمد -صلى الله عليه وسلم - وعلي -رضي الله عنه - ولا أسلوب عصرهما "اهـ . وقال الذهبي: " هذا الحديث منكر شاذ" ؛ ولكن الطريق إلى حفظه هو: أن يواظب الإنسان على حفظه وللناس في حفظه طريقان: أحدهما : أن يحفظه آية آية ، أو آيتين آيتين ، أو ثلاثاً ثلاثاًَ ، حسب طول الآيات وقصرها . الثاني : أن يحفظه صفحة صفحة. والناس يختلفون منهم من يفضل أن يحفظه صفحة صفحة يرددها حتى يحفظها ؛ ومنهم من يفضل أن يحفظ الآية ثم يرددها حتى يحفظها ، ثم يحفظ آية أخرى كذلك ، وهكذا حتى يتم . ثم إنه أيضاً ينبغي -سواء حفظ بالطريقة الأولى أو الثاني-ة ألا يتجاوز شيئاً حتى يكون قد أتقنه ، لئلا يبني على غير أساس ؛ وينبغي أن يستعيد ما حفظه كل يوم خصوصاً في الصباح ؛ فإذا عرف أنه قد أجاد ما حفظه أخذ درساً جديداً. * * * 58- سئل الشيخ : أريد أن أتعلم العلم الشرعي وأبدأ في التعلم ولا أعرف كيف أبدأ ؛ فبماذا تنصحوني في ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: خير منهج لطالب العلم أن يبدأ الطالب بفهم كلام الله -عز وجل - من كتب التفسير الموثوق بها ،كتفسير ابن كثير والبغوي ؛ ثم بفهم ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من السنة من الكتب الحديثية الموثوقة ، كبلوغ المرام والمنتقى ؛ وأصول كتب الحديث الملتزمة بالصحيح كصحيحي البخاري ومسلم ؛ثم بكتب العقيدة السليمة مثل العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ؛ ثم بكتب الفقه المختصرة ليتفقه بها على المذهب الذي يراه أقرب إلى الكتاب والسنة ؛ وحين يترقى في العلم يقرأ الكتب المطولة ليزداد بها علماً . ---------------- (1) أخرجه الترمذي (3570) ، والحاكم (1/316). |
59ـ سئل الشيخ رحمه الله تعالى ـ: هل يجوز للمرء أن يترك عمله ويتفرغ لطلب العلم ، فيكون عالة على أبيه وأخيه؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال ، بل هو من الجهاد في سبيل الله ؛ ولا سيما في وقتنا هذا حين بدأت البدع تظهر في المجتمع الإسلامي وتنتشر وتكثر ؛ وبدأ الجهل الكثير ممن يتطلع إلى الإفتاء بغير علم ، وبدأ الجدل من كثير من الناس ؛ فهذه ثلاثة أمور كلها تحتم على الشباب أن يحرص على طلب العلم: أولاً: بدع بدأت تظهر شرورها. ثانياً: أناس يتطلعون إلى الإفتاء بغير علم . ثالثاً: جدل كثير في مسائل قد تكون واضحة لأهل العلم لكن يأتي من يجادل فيها بغير علم . فمن أجل ذلك فنحن في ضرورة إلى أهل علم عندهم رسوخ وسعة اطلاع ، و عندهم أيضاً فقه في دين الله ، وعندهم حكمة في توجيه عباد الله؛ لأن كثيراً من الناس الآن يحصلون على علم نظري في مسألة من المسائل و لا يهمهم النظر إلى إصلاح الخلق و إلى تربيتهم، وأنهم إذا أفتوا بكذا وكذا صار وسيلة إلى شرٍّ أكبر لا يعلم مداه إلا الله. وهاهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أحياناً يُلْزَمون بأشياء قد تكون النصوص دالة على عدم الإلزام بها من أجل تربية الخلق . عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ألزم الناس بإمضاء الطلاق الثلاث ؛ كان الطلاق الثلاث في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ؛ كان الطلاق الثلاث أي في مجلس واحد ـ واحداً ، لكن هو محرم أي طلاق المرأة ثلاثاً في مجلس واحد حرام ، لأنه تعدى حدود الله ـ عز وجل ـ . قال عمر ـ رضي الله عنه ـ: "أرى الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم" (1) ، فأمضاه عليهم ، وجعل الطلاق الثلاث ثلاثاً لا واحداً بعد أن مضى عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعهد أبي بكر وسنتان من خلافته ـ رضي الله عنه ـ ألزم الناس بالطلاق الثلاث ، مع أن الإنسان لو راجع زوجته بعد هذا الطلاق لكان رجوعه صحيحاً في العهدين السابقين لعهد عمر وسنتين من خلافته ؛ لكن رأى أن المصلحة تقتضي إمضاء الطلاق الثلاث ومنع الإنسان من الرجوع إلى زوجته . أيضاً عقوبة الخمر في عهد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يؤتى بالرجل الشارب فيضرب بطرف الثوب أو بالجريد أو النعال نحواً من أربعين جلدة ، وفي عهد أبي بكر يجلد أربعين، وفي عهد عمري يجلد أربعين ؛ لكنه لما كثر الشرب جمع الصحابة واستشارهم فقال عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون ؛ فجعل عمر عقوبة شارب الخمر ثمانين جلدة.(2) كل هذا من أجل إصلاح الخلق ؛ فينبغي للمسلم أو المفتي والعالم في مثل هذه الأمور أن يراعي أحوال الناس وما يصلحهم . * * * 60ـ وسئل الشيخ : طالب العلم المبتدئ هل يبدأ في طلب العلم بالبحث عن الأدلة أم يقلد في ذلك أئمة أحد المذاهب ؟ ما توجيه سماحتكم ـ حفظكم الله تعالى ـ ؟ فأجاب فضيلته بقوله : الطالب المبتدئ في العلم يجب عليه البحث عن الدليل بقدر إمكانه؛ لأنه المطلوب الوصول إلى الدليل، ولأجل أن يحصل له التمرن على طلب الأدلة وكيفية الاستدلال فيكون سائراً إلى الله على بصيرة وبرهان ؛ ولا يجوز له التقليد إلا لضرورة كما لو بحث فلم يستطع الوصول إلى نتيجة أو حدثت له حادثة تتطلب الفورية فلم يتمكن من معرفة الحكم بالدليل قبل فوات الحاجة إليها ، فله حينئذ أن يقلد بنية أنه متى تبين له الدليل رجع إليه، وإذا اختلف عليه المُفتون، فقيل يخيَّر ؛ وقيل يأخذ بالأيسر لأنه الموافق لقوله -تعالى- : ( ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ))[البقرة: من الآية185] . وقيل: يأخذ بالأشد لأنه أحوط وغيره مشتبه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" (3) ؛ والأرجح أن يأخذ بما يغلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب لكون قائله أعلم وأورع، والله أعلم. * * * 61ـ وسئل فضيلته: ما هي الكتب التي تنصح بها؟ ونرجو توجيه نصيحة للطلاب جزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته بقوله: من أحسن ما يطالعه الطلاب من الكتب ، كتب التفسير الموثوقة كتفسير ابن كثير، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وكتب الحديث كفتح الباري شرح صحيح البخاري، وسبل السلام شرح بلوغ المرام، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ، ورياض الصالحين. ننصح أبناءنا الطلبة بالحرص على العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الحسنة، وكسب الوقت فيما فيه خيرهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم ، وأن يمرِّنوا أنفسهم على فعل الجميل والصبر على الأمور التي فيها مصلحتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. -------- (1)- أخرجه مسلم ، كتاب الطلاق ، باب : طلاق الثلاث. (2)- أخرجه مسلم ، كتاب الحدود ، باب : حد الخمر . (3)- خرجه البخاري، كتاب الإيمان ، باب : فضل من استبرأ لدينه، ومسلم، كتاب المساقاة ، باب : أخذ الحلال وترك الشبهات . |
62ـ وسئل ـ رحمه الله تعالى ـ: بماذا تنصح من بدأ في طلب العلم على كبر سنه؟ وإن لم يتيسر له شيخ يأخذ منه ويلازمه فهل ينفعه طلب العلم بلا شيخ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نسأل الله -تعالى- أن يعين من أكرمه الله بالاتجاه إلى طلب العلم ؛ ولكن العلم في ذاته صعب يحتاج إلى جهد كبير؛ لأننا نعلم أنه كلما تقدمت السن من الإنسان زاد حجمه وقل فهمه ؛ فهذا الرجل الذي بدأ الآن في طلب العلم ينبغي له أن يختار عالماً يثق بعلمه ليطلب العلم عليه ؛ لأن طلب العلم عن طريق المشائخ أوفر وأقرب وأيسر ؛ فهو أوفر لأن الشيخ عبارة عن موسوعة علمية، لا سيما الذي عنده علم نافع في النحو والتفسير والحديث والفقه وغيره. فبدلاً من أن يحتاج إلى قراءة عشرين كتاباً يتيسر تحصيله من الشيخ ، وهو لذلك يكون أقصر زمناً، وهو أقرب للسلامة كذلك ؛ لأنه ربما يعتمد على كتاب ويكون نهج مؤلفه مخالفاً لنهج السلف سواء في الاستدلال أو في الأحكام . فننصح هذا الرجل الذي يريد طلب العلم على الكبر أن يلزم شيخاً موثوقاً، ويأخذ منه؛ لأن ذلك أوفر له، ولا ييأس، ولا يقول بلغت من الكبر عتيًّا؛ لأنه بذلك يَحرمُ نفسه من العلم. وقد ذُكر أن بعض أهل العلم دخل المسجد يوماً بعد صلاة الظهر فجلس، فقال له أحد الناس: قم فصل ركعتين، فقام فصلى ركعتين ، وذات يوم دخل المسجد بعد صلاة العصر فكبر ليصلي ركعتين فقال له الرجل: لا تصلِّ فهذا وقت نهي، فقال : لا بد أن أطلب العلم ؛ وبدأ في طلب العلم حتى صار إماماً ، فكان هذا الجهل سبباً لعلمه ، وإذا علم الله منك حسن النية ومنَّ عليك بالتوفيق فقد تجمع من العلم الشيء الكثير . * * * 63ـ وسئل فضيلة الشيخ : ما هي نصيحتك لمن ينسى ما يقرأ ويتعلم ؟ فأجاب بقوله : أهم شيء في حفظ العلم أن يعمل الإنسان بحفظه ، لقوله الله -تعالى- : (( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ )) (محمد:17) وقال : (( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ))(مريم: الآية76) . فكلما عمل الإنسان بعلمه زاده الله حفظاً وفهماً ، لعموم قوله: (( زادهم هدى )) وقد روي عن الشافعي ـ رحمه الله ـ قوله : شكوت إلى وكيع سـوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلـم بـأن العلـم نـور ونـور الله لا يـؤتاه عاصي ومن أسباب ذلك الإعراض عن الشواغل التي تأخذ الفكر عن العلم ؛ لأن الإنسان بشر إذا تشتت همته ضعفت قدرته على تحصيل العلم . وكذلك كثرة البحث مع الزملاء بغرض الوصول للحق وليس للغلبة ولا شك أن الإخلاص من جملة ما يحفظ به العلم. * * * 64ـ سئل فضيلة الشيخ: انتشرت الفتوى حتى صار الصغير يفتي، فما تعليقكم ـ غفر الله لكم ـ ؟ فأجاب قائلاً : كان السلف ـ رحمهم الله ـ يتدافعون الفتوى لعظم أمرها ومسئوليتها وخوفاً من القول على الله بلا علم؛ لأن المفتي مخبر عن الله مبين لشرعه، فإن قال على الله بلا علم فقد وقع فيما هو صنو للشرك، واستمع إلى قول الله -تعالى- : ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ )) (الأعراف:33) فَقَرَنَ الله ـ سبحانه ـ القول عليه بلا علم بالشرك، وقال -سبحانه-: (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )) (الإسراء:36) . فلا ينبغي أن يتسرع الإنسان في الفتوى ، بل ينتظر ويتدبر ويراجع ، فإن ضاق الوقت فيحول المسألة إلى من هو أعلم منه ليسلم من القول على الله بلا علم . وإذا علم الله من نيته الإخلاص وإرادة الصلاح فسوف يصل إلى المرتبة التي يريدها بفتواه ، فمن اتقى الله فسيوفقه الله ويرفعه . والذي يفتي بلا علم أضل من الجاهل ، فالجاهل يقول : لا أدري ويعرف قدر نفسه ، ويلتزم الصدق ، أما الذي يقارن نفسه بأعلام العلماء بل ربما فضل نفسه عليهم فيَضل ويُضل ويخطئ في مسائل يعرفها أصغر طالب علم فهذا شره عظيم وخطره كبير . |
جزاك الله خيراً
بارك الله فيك جهد مبارك واصل أخى الكريم أرجوا أن تضع الموضوع الذى جمعت كلام أهل العلم حول الخوارج قمت بنشره فى سحاب |
و فيك بارك الله أخي
65ـ سئل فضيلة الشيخ : هل يجوز لطالب العلم أن يرجح بعض الآراء الفقهية على بعض ثم يلزم بها غيره؟ و هل له أن يأخذ بالرأي المرجوح في بعض الأحوال وهو يعلم الراجح؟ فأجاب بقوله : إذا لم يتبين الحكم بياناً تامًّا لطالب العلم ويظل عنده شك منه، فله أن يلزم نفسه به احتياطاً، ولا يلزم غيره بذلك، لأنه ليس عنده دليل بين يكون حجة له أمام الله -عز وجل- ـ حين يحرِّم أو يوجب على عباد الله ما لم يثبت شرعاً ـ وكثيراً ما يتردد المجتهد في بعض الأشياء فيحب أن يطبقها على نفسه ويتحمل ما يكون فيها من المشقة، ولكنه يخشى من إلزام عباد الله بها . ولذلك نقول : لا مانع أن يسلك الإنسان هذا المسلك، ولكنه لا يترك إعادة النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين الأمر ويلزم الناس بمقتضى الدليل ولا يكون مقصراً في طلب الدليل فيكون مقصراً في بيان الشرع. ولا يجوز له العمل بالمرجوح، بل يتعين عليه أن يعمل بالراجح إذا تبين له أنه راجح. * * * 66ـ سئل فضيلة الشيخ: يلاحظ التقصير في العمل بالعلم، فما نصيحة فضيلتكم؟ فأجاب فضيلته بقوله: يجب على من علم شيئاً صحيحاً من الشريعة أن يبلغه للناس لأن العمل بما علم الإنسان يستوجب حفظه بالعمل ويزيده الله -تعالى- بالقرآن نوراً ؛ فيكتسب من حفظ العلم بطريقة العمل به أن الله ـ عز وجل – يهبه نوراً زائداً على ما عنده قال الله -تعالى- : (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ() وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:125،124) . ولهذا قيل : العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل . السلف الصالح في طلب العلم إذا علموا مسألة عملوا بها وكثير منهم لا يخفى عليه ما يقع من سرعة الامتثال والمبادرة للصحابة فيما عملوا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث النساء على الصدقة في يوم العيد فجعل النساء يلقين ما على آذانهن من الحلي يلقينه في ثوب بلال رضي الله عنه ـ ولم يقلن إذا وصلنا إلى البيت تصدقنا بل بادرن بذلك . وكذلك الرجل الذي طرح النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتمه الذي كان من ذهب وألقاه في الأرض ما رجع إليه بعد أن علم التحريم حتى قيل له خذ خاتمك لتنتفع به فقال : والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما قال اخرجوا إلى بني قريظة : (( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة )) (1). فخرجوا بعد أن كانوا مرهقين حتى إن الصلاة أدركتهم في الطريق فمنهم من صلى خوفاً من فوات الوقت ومنهم من أخر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة )) . فأنظر يا أخي طالب العلم إلى سرعة امتثال الصحابة لما علموا من تعليم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهل إذا طبقنا هذا الأمر على ما هو الواقع الآن فهل نحن على هذا الأمر في هذا الوقت؟ أعتقد أن هذا يفوت كثيراً وما أكثر ما علمنا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام يكفر المرء بتركها وما أكثر ما علمنا أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان ولابد منه، وما أكثر ما علمنا أشياء كثيرة هي من المحظورات ومع ذلك نجد في طلبة العلم من ينتهك هذا المحظور، وكذلك من يترك هذا الواجب ولا يبالي به فهذا فرق عظيم بين طلب العلم في الماضي وطلبه في الحاضر. * * * 67ـ وسئل فضيلة الشيخ: ما هي الطريقة الصحيحة في طلب العلم؟ هل يكون بحفظ المتون في علوم الشريعة أم فهمها؟ نرجو التوضيح حفظكم الله تعالى . فأجاب فضيلته بقوله: على طالب العلم أن يبدأ العلم شيئاً فشيئاً ، فعليك أن تبدأ في الأصول والقواعد والضوابط وما أشبه ذلك من المختصرات مع المتون؛ لأن المختصرات سُلّم إلى المطولات، لكن لابد من معرفة الأصول والقواعد ومن لم يعرف الأصول حُرم الوصول. وكثير من طلبة العلم تجده يحفظ مسائل كثيرة لكن ما عنده أصل لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلاًّ ، لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائلة، ولهذا فأنا أحث إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد لما فيها من الفائدة العظيمة وهذا شيء جربناه وشاهدناه مع غيرنا على أن الأصول هي المهم، ومنها حفظ المختصرات ، وقد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا قالوا لنا: إن الحفظ لا فائدة فيه، وإن المعنى هو الأصل، ولكن الحمد لله أنه أنقذنا من هذه الفكرة وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد. وعلى هذا فلا يُستهان بالحفظ ؛ فالحفظ هو الأصل، ولعل أحداً منكم الآن يذكر عبارات قرأها من قبل مدة طويلة، فالحفظ مهم لطالب العلم حتى وإن كان فيه من الصعوبة، ونسأل الله سبحانه وتعالى ـ أن تكونوا ممن اهتدوا بطريقة سلفنا الصالح وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم . ----------------------- (1)- أخرجه البخاري، كتاب صلاة الخوف ، باب : صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماءً ، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب : المبادرة بالغزو. |
68ـ سئل فضيلة الشيخ : ما رأيكم بمن يترك الدعوة بحجة التفرغ لطلب العلم ؛ وأنه لا يتمكن من الجمع بين الدعوة والعلم في بداية الطريق ، لأنه يغلب على ظنه ترك العلم إذا اشتغل بالدعوة، ويرى أن يطلب العلم حتى إذا أخذ منه نصيباً اتجه لدعوة الناس وتعليمهم وإرشادهم؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الدعوة إلى الله -تعالى- مرتبة عالية ومقام عظيم؛ لأنه مقام الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وقد قال الله -تعالى-: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )) (فصلت:33) ؛ وأمر الله -تعالى- نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) (يوسف:108) ومن المعلوم أنه لا يمكن الدعوة بغير علم كما في قوله هنا ((على بصيرة )) وكيف يدعو الشخص إلى شيء لا يعلمه؟ ومن دعا إلى الله -تعالى- بغير علم كان قائلاً على الله ما لا يعلم، فالعلم هو المرتبة الأولى للدعوة. ويمكن الجمع بين العلم والدعوة في بداية الطريق ونهايته ؛ فإن تعذر الجمع كان البدءُ بالعلم ، لأنه الأصل الذي ترتكز عليه الدعوة؛ قال البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه في الباب العاشر من كتاب العلم : " باب العلم قبل القول والعمل" واستدل بقوله -تعالى- : (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ )) (محمد:19) قال فبدأ بالعلم قبل القول و العمل. ومن ظن أنه لا يمكن الجمع بين العلم والدعوة فقد أخطأ؛ فإن الإنسان يمكنه أن يتعلم ويدعو أهله وجيرانه وأهل حارته وأهل بلدته وهو في طلب العلم . والناس اليوم في حاجة بل في ضرورة إلى طلب العلم الراسخ المتمكن في النفوس المبني على الأصول الشرعية، وأما العلم السطحي الذي يعرف الإنسان به شيئاً من المسائل التي يتلقاها كما يتلقاها العامة دون معرفة لأصولها وما بنيت عليه فإنه علم قاصر جدًّا لا يتمكن الإنسان به من الدفاع عن الحق وقت الضرورة وجدال المبطلين. فالذي أنصح به شباب المسلمين أن يكرسوا جهودهم لطلب العلم مع القيام بالدعوة إلى الله بقدر استطاعتهم وعلى وجه لا يصدهم عن طلب العلم ؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله -تعالى-، ولهذا قال أهل العلم: إذا تفرغ شخص قادر على التكسب من أجل طلب العلم فإنه يُعطى من الزكاة؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله بخلاف ما إذا تفرغ للعبادة، فإنه لا يعطى من الزكاة، لأنه قادر على التكسب. * * * 69ـ سئل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما رأي فضيلتكم في تعلم التجويد والالتزام به؟ وهل صحيح ما يذكر عن فضيلتكم ـ حفظكم الله تعالى ـ من الوقوف بالتاء في نحو(الصلاة، الزكاة)؟ فأجاب قائلاً: لا أرى وجوب الالتزام بأحكام التجويد التي فصلت بكتب التجويد، وإنما أرى أنها من باب تحسين القراءة، وباب التحسين غير باب الإلزام،وقد ثبت في صحيح البخاري(1) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنهما ـ أنه سئل كيف كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم )) يمدّ ببسم الله، ويمد بالرحمن ، ويمد بالرحيم. والمد هنا طبيعي لا يحتاج إلى تعمده والنص عليه هنا يدل على أنه فوق الطبيعي . ولو قيل بأن العلم بأحكام التجويد المفصلة في كتب التجويد واجب للزم تأثيم أكثر المسلمين اليوم، ولقلنا لمن أراد التحدث باللغة الفصحى: طبق أحكام التجويد في نطقك بالحديث وكتب أهل العلم وتعليمك ومواعظك. وليعلم أن القول بالوجوب يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة أمام الله ـ عز وجل ـ في إلزام عباده بما لا دليل على إلزامهم به من كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو إجماع المسلمين وقد ذكر شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ في جواب له أن التجويد حسب القواعد المفصلة في كتب التجويد غير واجب. وقد اطلعت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حول حكم التجويد قال فيه ص50 مجلد 16 من مجموع ابن قاسم ـ رحمه الله ـ للفتاوى : "ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك ، فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق ب(أأنذرتهم) وضم الميم من (عليهم) ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت" . ا.هـ . وأما ما سمعتم من أني أقف بالتاء في نحو " الصلاة، الزكاة" فغير صحيح بل أقف في هذا وأمثالها على الهاء. * * * 70ـ سئل فضيلة الشيخ: بعض الناس يكتبون حرف(ص) بين قوسين ويقصدون به رمزاً لجملة "صلى الله عليه وسلم" فهل يصح استعمال حرف (ص) رمزاً لكلمة "صلى الله عليه وسلم"؟ فأجاب فضيلته بقوله: من آداب كتابة الحديث كما نص عليه علماء المصطلح ألا يرمز إلى هذه الجملة بحرف(ص)، وكذلك لا يعبر عنها بالنعت مثل(صلعم)، ولا ريب أن الرمز أو النعت يفوت الإنسان أجر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إذا كتبها ثم قرئ الكتاب من بعده وتلا القارئ هذه الجملة صار للكاتب الأول نيل ثواب من قرأها، ولا يخفى علينا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فيما ثبت عنه : "أن من صلى عليه صلى الله عليه وسلم مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً" (2). فلا ينبغي للمؤمن أن يحرم نفسه الثواب والأجر لمجرد أن يسرع في إنهاء ما كتبه. ---------------- (1)- في فضائل القرآن، باب: مدّ القراءة(4759). (2)- أخرجه الإمام أحمد 2/168. |
71ـ سئل فضيلة الشيخ: عندما يطرح سؤال شرعي يتسابق عامة الناس إذا كانوا في مجلس مثلاً بالفتيا في تلك المسألة وبغير علم غالباً، فما تعليقكم على هذه الظاهرة؟
وهل يعتبر هنا الأمر من التقديم بين يدي الله ورسوله؟ فأجاب بقوله: من المعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله بغير علم؛لأن الله -تعالى- يقول: (( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ )) (الأعراف:33) والواجب على الإنسان أن يكون ورعاً خائفاً من أن يقول على الله بغير علم؛ وليس هذا من الأمور الدنيوية التي للعقل فيها مجال، على أنها وإن كانت من الأمور الدنيوية التي للعقل فيها مجال، فإن الإنسان ينبغي له أن يتأنى وأن يتروى، وربما يكون الجواب الذي في نفسه يجيب به غيره فيكون هو كالحكم بين المجيبين وتكون كلمته هي الأخيرة الفاصلة، وما أكثر ما يتكلم الناس بآرائهم ، أعني غير المسائل الشرعية، فإذا تأنى الإنسان وتأخر ظهر له من الصواب من أجل تعدد الآراء ما لم يكن على باله. ولهذا فإني أنصح كل إنسان أن يتأنى وأن يكون هو الأخير في التكلم ليكون كالحاكم بين هذه الآراء، ومن أجل أن تظهر له في الآراء المختلفة ما لم يظهر له قبل سماعها؛ هذا بالنسبة للأمور الدنيوية؛ أما الأمور الدينية فلا يجوز أبداً أن يتكلم الإنسان إلا بعلم يعلمه من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو أقوال أهل العلم. * * * 72ـ وسئل ـ أعلى الله درجته ـ: عن كتاب بدائع الزهور؟ فأجاب قائلاً: هذا الكتاب رأيت فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، ولا أرى أن يقتنيه الإنسان ولا أن يجعله بين أيدي أهله لما فيه من الأشياء المنكرة. * * * 73ـ وسئل أيضاً: عن كتاب تنبيه الغافلين؟ فأجاب فضيلته بقوله: تنبيه الغافلين كتاب وعظ وغالب كتب المواعظ يكون فيها الضعيف، وربما الموضوع ويكون فيها حكايات غير صحيحة؛ يريد المؤلفون بها أن يرققوا القلوب وأن يبكوا العيون، ولكن هذا ليس بطريق سديد؛ لأن فيما جاء في كتاب الله وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المواعظ كفاية. ولا ينبغي أن يوعظ الناس بأشياء غير صحيحة سواء نُسبت إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو نُسبت إلى قوم صالحين قد يكونوا أخطأوا فيما ذهبوا إليه من الأقوال والأعمال؛ والكتاب فيه أشياء لا بأس بها ومع ذلك فإنني لا أنصح أن يقرأه إلا الشخص الذي عنده علم وفهم وتمييز بين الصحيح والضعيف والموضوع . |
75ـ وسئل فضيلته: ما هي مكانة وفضل أهل العلم في الإسلام؟ فأجاب فضيلته بقوله: مكانة أهل العلم أعظم مكانة، لأنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا يجب عليهم من بيان العلم والدعوة إلى الله ما لا يجب على غيرهم؛ وهم في الأرض كالنجوم في السماء يهدون الخلق الضالين التائهين، ويبينون لهم الحق ويحذرونهم من الشر ولذلك كانوا في الأرض كالغيث يصيب الأرض القاحلة فتنبت بإذن الله . ويجب على أهل العلم من العمل والأخلاق والآداب ما لا يجب على غيرهم؛ لأنهم أسوة وقدوة فكانوا أحق الناس وأولى الناس بالتزام الشرع في آدابه وأخلاقه . * * * 76ـ سئل فضيلة الشيخ: بعض الناس يعتقد أن دور علماء المسلمين مقصور على الأحكام الشرعية وأنه لا دخل لهم في العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد ونحوهما، فما رأيكم في هذا الاعتقاد؟ فأجاب فضيلته بقوله: رأينا في هذا الاعتقاد أنه مبني على الجهل في حال العلماء، ولا ريب أن العلماء علماء الشريعة عندهم علم في الاقتصاد وفي السياسة، وفي كل ما يحتاجون إليه في العلوم الشرعية؛ وإذا شئت أن تعرف ما قلته فانظر إلى محمد رشيد رضا ـ رحمه الله صاحب مجلة المنار في تفسيره وفي غيرها من كتبه . وانظر أيضاً إلى من قبله من أهل العلم بالشرع من يكون مقدماً للأهم على المهم، فتجده في العلم الشرعي بلغ إلى نصيب كبير وفي العلوم الأخرى يكون أقل من ذلك بناء على قاعدة أن تبدأ بالأهم قبل المهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) (1). * * * 77ـ سئل فضيلة الشيخ: متى يكون الخلاف في الدين معتبراً؟ وهل يكون الخلاف في كل مسألة أم له مواضع معينة؟ نرجو بيان ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: أولاً اعلم أن خلاف علماء الأمة الإسلامية إذا كان صادراً عن اجتهاد فإنه لا يضر من لم يوفق للصواب ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد)) (2) . ولكن من تبين له الحق وجب عليه اتباعه بكل حال؛ والاختلاف الذي يقع بين علماء الأمة الإسلامية لا يجوز أن يكون سبباً لاختلاف القلوب؛ لأن اختلاف القلوب يحصل فيه مفاسد عظيمة كبيرة كما قال -تعالى- : ((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) (الأنفال:46) والخلاف المعتبر بين العلماء والذي ينقل ويذكر هو الخلاف الذي له حظ من النظر، أما خلاف العامة الذين لا يفهمون ولا يفقهون فلا عبرة به ولهذا يجب على العامي أن يرجع إلى أهل العلم كما قال الله -تعالى-: ((فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) (النحل ، الآية: 43) . وأما قول السائل: هل يكون الخلاف في كل مسألة؟ فالجواب أن الخلاف قد يكون في بعض المسائل التي يختلف فيها الاجتهاد أو يكون بعض الناس أعلم من بعض في الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة، أما المسائل الأصلية فإنها يقل فيها الخلاف. ----------------- (1)- تقدم تخريجه . (2)- أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب : أجر الحاكم إذا اجتهد، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد . |
78ـ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الاجتهاد في الإسلام؟ فأجاب قائلاً: الاجتهاد في الإسلام هو: بذل الجهد لإدراك حكم شرعي من أدلته الشرعية. وهو واجب على من كان قادراً عليه؛لأن الله ـ عز وجل ـ يقول: (( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )) (النحل: الآية43). والقادر على الاجتهاد يمكنه معرفة الحق بنفسه ولكن لابد أن يكون ذا سعة في العلم واطلاع على النصوص الشرعية وعلى الأصول المرعية، وعلى أقوال أهل العلم لئلا يقع فيما يخالف ذلك، فإن من طلبة العلم من لم يدركوا من العلوم إلا الشيء اليسير، ثم ينصب نفسه مجتهداً فتجده يعمل بأحاديث عامة، لها ما يخصها أو يعمل بأحاديث منسوخة لا يعلم ناسخها أو يعمل بأحاديث أجمع العلماء على أنها على خلاف ظاهرها ولا يدري عن إجماع العلماء ومثل هذا على خطر عظيم. فالمجتهد لابد أن يكون عنده علم بالأدلة الشرعية وعنده علم بالأصول التي إذا عرفها استطاع أن يستنبط الأحكام من أدلتها وعلم بما عليه العلماء لئلا يخالف الإجماع وهو لا يدري فإذا كانت هذه الشروط في حقه موجودة متوافرة فإنه يجتهد ويمكن أن يتجزأ الاجتهاد بأن يجتهد الإنسان في مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها ويكون مجتهداً فيها أو في باب من أبواب العلم كأبواب الطهارة مثلاً يبحثه ويحققه ويكون مجتهداً فيه . * * * 79ـ سئل فضيلة الشيخ : هل يجب التقليد لمذهب معين أم لا ؟ فأجاب قائلاً: نعم، يجب التقليد لمذهب معين وجوباً لازماً؛ لكن هذا المذهب المعين الذي يجب تقليده مذهب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأن الذي ذهب إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- واجب الاتباع، وهو الذي به سعادة الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )) (آل عمران:31) وقال -تعالى- : (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) (آل عمران:132) فهذا هو المذهب الواجب الاتباع بإجماع أهل العلم وأما غير هذا المذهب فإن اتباعه ضائع إذا لم يتبين الدليل من خلافه فإن تبين الدليل بخلافه فاتباعه محرم . حتى قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ من قال : " إن أحداً من الناس يجب طاعته في كل ما قال ، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن في ذلك طاعة غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" وصدق ـ رحمه الله ـ لا أحد من الناس يجب أن يؤخذ بقوله مطلقاً إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه يجب الأخذ بقوله ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : (( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (( (1). وقال : (( إن يطيعوا أبابكر وعمر يرشدوا )) (2). ------------------ (1)- أخرجه الترمزي كتاب المناقب وابن ماجه في المقدمة. (2)- مسلم كتاب المساجد ، باب قضاء الصلاة الفائتة . |
أ ـ العرض للصحيحين (البخاري ومسلم) نقداً، تضعيفاً وتصحيحاً من قبل بعض طلبة العلم الذين لم ترسخ أقدامهم في هذا العلم، علماً بأن هذين الكتابين من أصول السنة والجماعة وقد تلقتهما الأمة بالقبول. ب ـ رواج مذهب الظاهرية عند غالبية الشباب والإعراض عن كتب فقهاء الأمة . جـ ـ انشغال بعض طلبة هذا العلم الشريف به عن العلوم الضرورية لطلبة العلم الشرعي مثل القرآن الكريم، واللغة العربية ، والفقه ، والفرائض ... إلخ . د ـ شيوع ظاهرة التعالم والتصدر للتدريس والفتيا من قبل بعض طلبة العلم الذين لا يعرف لهم شيوخ ولا قدم ثابتة في العلم وإنما هي القراءة ومطالعة الكتب . فما توجيهكم حفظكم الله ورعاكم؟ فأجاب رحمه الله : الجواب على الملاحظة الأولى: لا شك أن هذه الصحوة صاحَبَها ولله الحمد حب اتباع السنة والحرص عليها، ولكن كما ذكرت صار ينتهج هذا المنهج قوم لم يبلغوا ما بلغ أهل العلم من قبلهم في التحري والدقة، وربط الشريعة بعضها بعض، وتقييد مطلقها وتخصيص عامها والرجوع إلى القواعد العامة المعروفة بالشريعة، فصاروا يلتقطون من كل وجه حتى في الأحاديث الضعيفة التي لا يعمل بها عند أهل العلم لشذوذها ومخالفتها لما في الكتب المعتمدة بين الأمة. تجدهم يتلقفونها ويحتدون فيها وفي العلم بها وفي الإنكار على من خلافها، وكذلك أيضاً تجدهم قد بلغ ببعضهم العجب إلى أن صاروا يعترضون على الصحيحين أو أحدهما من الناحية الحديثية، ويعترضون على الأئمة من الناحية الفقهية، الأئمة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم وحسن نيتهم وعلمهم، فتجد هؤلاء الذين لم يبلغوا ما بلغه من سبقهم يتعرضون لهؤلاء الأئمة ويحطون من قدرهم وهذه وصمة عظيمة لهذه الصحوة، والواجب على الإنسان أن يتريث، وأن يتعقل وأن يعرف لذوي الحق حقهم ولذوي الفضل فضلهم، وإنما يعرف الفضل من الناس أهله، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق. وأما الجواب على الملاحظة الثانية فنقول: هذا أيضاً من البلاء، ولعل في جوابي السابق ما يدل عليه؛ لأن مذهب الظاهرية كما هو معروف مذهب يأخذ بالظاهر ولا يرجع إلى القواعد العامة النافعة، ولو إننا ذهبنا نتتبع من أقوالهم ما يتبين به فساد منهجهم أو بعض منهجهم لوجدنا الكثير، ولكننا لا نحب أن نتتبع عورة الناس . والجواب على الملاحظة الثالثة : فلا شك أن الأولى بطالب العلم أن يبدأ أولاً بكتاب الله ـ عز وجل ـ فإن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا لا يتعلمون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل ، ثم بالسنة النبوية، ولا يقتصرون على معرفة الأسانيد والرجال والعلل إنما يحرصون على مسألة فقه هذه السنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((رب مُبلغ أوعى من سامع)) (1) ويقول : (( رُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه )) (2) . والناس الآن في ضرورة إلى معرفة الأسانيد وصحتها وفي ضرورة أيضاً إلى الفقه في هذه السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقها على القواعد والأصول الشرعية حتى لا يضل الإنسان ويضل غيره . الجواب على الملاحظة الرابعة : يجب أن يعلم الإنسان المفتي، أنه سفير بين الله وبين خلقه، ووارث لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلابد أن يكون عنده علم راسخ يستطيع به أن يفتي عباد الله، ولا يجوز للإنسان أن يتصدر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أخبر ((أن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلَّوا وأضلُّوا )) (3) والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ولكنه يأتي حتى يدركه وينشره فإنه إن فسح له الأجل حتى أدرك ما أراد فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقضى الله عليه الموت، فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله . وكم من إنسان تعجل في التدريس والفتيا فندم؛ لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا خرجت من فم صاحبها ملكته، وإذا كانت عنده ملكها. فليحذر الأخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة؛ وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يبيع بل يدرك من يشتري منه، بل العلم إرث الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعراً حين الفتوى شيئين: الأول: أنه يقول عن الله ـ عز وجل ـ وعن شريعة الله . الثاني: أنه يقول عن رسوله الله -صلى الله عليه وسلم- لأن العلماء ورثة الأنبياء. ------------------- (1) أخرجه البخاري ، كتاب الحج، باب: الخطبة أيام منى. (2) أخرجه الإمام أحمد 5/ 183 . (3) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب: كيف يُقبض العلم، ومسلم، كتاب العلم، باب: رفع العلم وقبضه . |
| الساعة الآن 04:48 AM. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013