منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 25 Aug 2019, 05:14 PM
خالد فضيل خالد فضيل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 48
افتراضي تنبيه النّبيه إلى ما قرّره قرازة من الضّلال والتِّيه


تنبيه النّبيه إلى ما قرّرَه قرازة من الضّلال والتِّيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فقد كتب مراد قرازة كتابة تعقب فيها أبا أسامة -وإن كان أبو أسامة قد رجع عن مقاله في الجملة فإنّ الحق لا يبطل برجوع من رجع عنه- فيما ذكره من الغلو الحاصل في فركوس، وكان أبو أسامة قد ذكر أنموذجا للغلو قولَ الغالي:
محمد أحيا الناس والناس في بلى *** موات ألا إن الجهالة تقتل!
فكان هذا موضع تعقب الرجل على أبي أسامة والتشنيع عليه، وأنا أنقل كلام المعترض-إن شاء الله-بحروفه، وأبيّن ما فيه من الزيغ عن سبيل المرسلين في هذا الأمر العظيم الذي له تعلق بمسألة من أعظم أسباب الشرك بالله سبحانه، بل هي سبب كفر بني آدم وشركهم بربهم، فأقول:
قال قرازة: (فإني كسائر إخواني من أهل السنة، قد ساءني كثيرا ما جاء به الشيخ أبو أسامة في مقاله الذي اجتر فيه شبهات الغلمان، زاعما أنها دراسة علمية، ونظرة محايدة....).
ولي على هذا ملاحظات:
فقوله:" فإني كسائر إخواني من أهل السنة، قد ساءني كثيرا ما جاء به الشيخ أبو أسامة في مقاله"، إن قصد الهمج الرعاع أتباع كل ناعق فقد صدق، وإن قصد أهل السنة علماء وطلاب علم فقد كذب، فإن رأس العلماء المشتغلين بهذا الشأن من غير منازعة هو العلامة ربيع بن هادي -وهو من أعيان أهل السنة- وقد سرّه ما كتب أبو أسامة، وكذا غيره من أهل العلم، كما أن من أعيان السفهاء في هذا العصر أسامة بن عطايا؛ وقد ساءه ما كتب أبو أسامة، وهذه أمارة من أمارات الحق، بها يعرف أهل السنة من أهل البدعة.
ثم قال: (قد ساءني كثيرا ما جاء به الشيخ أبو أسامة في مقاله الذي اجتر فيه شبهات الغلمان).
وهذا فيه من سوء الأدب ما فيه، فإن "اجترّ" تقال للبعير والبقرة ونحوها من المجترات، فإسناده لأبي أسامة فيه من مخالفة الأدب ما هو معلوم، كيف والرجل كان قبلُ يوصف بأنه عالم، فهل العلماء والحيوانات عندكم سواء!؟
وقوله: "شبهات الغلمان"، فهذا خلاف الواقع، فإن هؤلاء الذين تقول عنهم "غلمان":
إن أردت أنهم غلمان من جهة السن: فإن أكثرهم أكبر منك سنّا، بل منهم من هو جدّ له أحفاد، فوصفك لهم خلاف الواقع كما أنه خلاف اللغة، ولو نظرت في الكتاب والسنة لوجدت الإطلاق على هذا النحو؛ كما جاء في سورة مريم وحديث أنس وحديث ابن عباس رضي الله عنهم، وفي القرآن: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة}.
وإن أردت من جهة العلم: فإن أكثرهم يفوقك علما ودعوة كما هو معروف لدى أهل العلم الذين هم الميزان، وعليهم المعوّل في الحكم.
فخالفت الواقع واللغة في هذه الكلمة، كما أنك خالفت الشرع، فإن إطلاق من أطلقها إنما أراد بها الهمز واللمز والتحقير، وقد قال الله تعالى: {ويل لكل همزة لمزة}، وقال سبحانه: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} كما جاء في الحديث: (سباب المسلم فسوق)، وفي الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).
والذي أشاعها في الناس ونشرها في هذه الفتنة لزهر، ثم الناس بعده تبع له، وقد جاء في ترجمة محمد بن شجاع الثلجي الجهمي أنّه كان يقول عن أحمد بن حنبل قولتكم هذه عن أهل السنة.
ثم شرع في تعقب أبي أسامة، فقال: "وقد أردت أن أجيب في هذه العجالة عن شبهة غريبة عجيبة أتى بها الرجل، وهي زعمه أن السلفيين يقدسون شيخهم ويعظمونه ويغالون في منزلته!! وقد استشهد لدعواه هذه ببيت من الشعر، قال أنه نشر على بعض المواقع السلفية، وإن كنت لا أعرف قائله؛ وهو قول الناظم: محمد أحيا الناس والناس في بلى *** موات ألا إن الجهالة تقتل! ومعنى البيت أوضح من أن يوضح، وأظهر من أن يجلى!!! فصاحبه لم يترك لذي شبهة سبيلا، فقد نص في أول البيت أن محمدا يحيي الناس، ثم بين نوع الموت فقال أنهم قتلى الجهل، فحياتهم حياة علم".
قلت: أبو أسامة لايزعم أنّ السلفيين يقدسون شيوخهم ويغالون في منزلتهم، وإنما ذكر أن من الناس من غلا في فركوس، والغالي ليس على السنة في هذا، وكم من رجل سلفي انحرف بسبب الغلو، بل كم من مسلم كفر بسبب الغلو، فنسبة هذا إلى أبي أسامة يوهم أنه يطعن في السلفيين، وهذه طريقة جمعة.
أمّا طريقة النبي صلى الله عليه وسلم فخلاف ذلك، فإنه أخبر أنه يلحق فئام من أمته بالمشركين، وأن منهم من يرجع إلى عبادة ذي الخلصة، وأن الشيطان يحرش بين أمته، وأنهم يتبعون سنن من كان قبلهم، فكان هذا تحذيرا لأمته أن يفعلوا ذلك الفعل، ونصحا لهم، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يطعن في المؤمنين، بل هو صلى الله عليه وسلم كما قال الله سبحانه: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}.
وهذا البيت الذي لم يعرف قرازة قائله ولا موقعه هو: لشاعرهم أبي ميمونة منور عشيش في منتدى -المطة- وقد كان قرازة ممّن علق على القصيدة وأثنى عليها، وقد تعقب هذا البيت أخي الفاضل أبو معاذ المرابط فيما كتبه من نقد على فركوس في حوار هاديء (الحلقة السادسة).
وأمّا ما ذكره قرازة من أن المراد بالبيت أنها حياة العلم، فهذا أيضا يدركه أبو أسامة، ومع ذلك حكم على البيت أن فيه غلوّا، لأن هذا التركيب والسياق لا ينبغي أن يقال فيه إلاّ:
الله أحيا الناس والناس في بلى*** موات ألا إنّ الجهالة تقتل.
فالذي يحيي الناس عموما هو الله وحده سبحانه، سواء كان حياة بدن أم حياة قلب، وصاحب البيت أتى به على صيغة العموم.
كما أنّ مما يعكر على معنى البيت قوله "والناس في بلى" والبلى عادة يكون للأجساد في مثل هذا السياق، فصاحب البيت غلب عليه الغلو حتى ما كان يدري ما يخرج من رأسه.
كما أنّ هذا كذب مخالف للواقع فإن الناس قبل فركوس كانوا على ملة حنيفية، وعلى علم بميراث النبوة، وأكثر الناس لم يأخذوا علمهم عنه، ولا منهجهم ولا عقيدتهم منه، كيف وهو ليس بذاك في هذا.
ومما يبيّن فساد هذا البيت أن قوله "والناس في بلى" هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك الناس فهو أهلكهم".
ومن تدبر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه كان ينهى أصحابه عما هو أقل من هذا، فمن ذلك ما أخرجه أبو داود عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ»[أبوداود وصححه الألباني في المشكاة برقم 4900].
ثم إذا غفل المرء عن هذا واشتبه عليه الأمر فلا أقلّ من أن ينظر في كلام العلماء، وما انتقدوا به البردة الوثنية، فإن بعض ما انتقدوه على صاحبها يشبه هذا البيت، ولم يعتبروا ما ذُكر من جهة القرائن التي يدعيها قرازة.
وكل من كان على الفطرة ممن لم يدخل في هذه الحزبيات التي ابتلاكم الله بها إذا سمع هذا البيت استنكرته فطرته، وعلم أنه مما لا ينبغي لغير الرب سبحانه.
ثم قال قرازة: "وأعجب من هذا وذاك أن الشاعر قد استعمل لفظ القرآن، فهل يرد أبو أسامة على الله قوله كما رده على صاحب البيت؟؟! فمما جاء في الكتاب العزيز:ّ 1/ قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ غ– وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (الأنفال 24)، قال البخاري : "لما يحييكم: لما يصلحكم" (فتح الباري 158/8).قال الحافظ: "لما يحييكم أي لما يهديكم ويصلحكم" (المصدر السابق). قال القرطبي: "يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ; لأنه من موت الكفر والجهل . ( الجامع لأحكام القرآن7/389)".
قلت: وهذا الاستدلال غلط، فإن القرآن جاء باستعمال لفظ الإحياء الذي يكون بالعلم، وهذا مما لا يخالف فيه الشيخ أبو أسامة، ولكن الإحياء لم ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن أن ينسب إلى فركوس، ثم إذا كان فركوس يحيي الناس، فإنه قادر على إماتتهم، فإن المحيي هو المميت، فينبغي أن يكون قادرا على أن يحول بين المرء وقلبه، فيميته بالجهالة، وما أوصل إلى هذه الضلالة فقد لاح بطلانه.
وهذا المعنى الذي في قول الله سبحانه: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} هو نكتة المسألة، وأنّ هذا الإحياء الذي أحيا به فركوس الناس بزعم الناظم إنما هو الهداية الخاصة بالله رب العالمين التي نفاها عن خير خلقه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}، فهداية التوفيق هي الهداية التي يحيي بها الله بعد موت القلب، وهي المشار إليها في قول الله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} إلى قوله: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} فالذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي القلوب بعد قسوتها وموتها، وأهل الإسلام قاطبة يؤمنون بأن الله هو الذي يفعل ذلك لا فركوس.
وقد جعل الحافظ ابن كثير في معنى هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فتثبيت القلب على الدين هو معنى الإحياء بالعلم والإيمان، وهذا خاص بالله عز وجل ليس لفركوس فيه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
ثم استدلّ بقول الله تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
واستدلاله كسابقه لا يدلّ على مراده، بل يدل على صحة ما ذكره أبو أسامة، فإن الله سبحانه نسب الإحياء إليه، لا إلى مخلوق غيره، وإنما يصح استدلال المتعقِّب لو جاز أن يقال: (أو من كان ميتا فأحياه فركوس وجعل له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)، لأن النّاظم أضاف الإحياء إلى فركوس.
واستدل أيضا بقول الله تعالى: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} وقوله : {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}، وقوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ}.
فأمّا الآية الأولى فكونه حيّا فبإحياء الله له، لا بإحياء النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره، وليس الكلام في هذا.
وأمّا قول الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} فهي حجة عليك، فإن الله نفى عن نبيه إسماع الموتى -على القول بأن المراد منه الكفار- وهذا يدل على أن إسماعهم لله سبحانه وحده.
وإسماع الموتى -أي الكفار- الإسماع الذي به حياة قلوبهم إنما هو لله وحده، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هدي له، وهذه هي هداية التوفيق التي قال فيها شعيب لقومه في مقام التوحيد وإفراد الله سبحانه: {وما توفيقي إلا بالله}.
وأما قول الله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} فهي أيضا حجة عليك، فإن الأحياء والأموات إنما هم أحياء وأموات بإحياء الله لهم وإماتته سبحانه وحده، وليس بفعل مخلوق من مخلوقاته، فإن كان المراد به ما يتعلق بالإيمان والكفر فقد أخبر الله سبحانه أنه هو يُسمع من يشاء؛ فقال: {إن الله يُسمع من يشاء} ونفى الإسماع عن نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقال: {وما أنت بمسمع من في القبور}، وهذه هي هداية الله لعبد وتوفيقه كما سبق، وقد أخبر الله أنها له ونفاها عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أفتريد من السلفيين أن يثبتوها لفركوس.
قال قرازة: "وحتى لو لم يصرّح، فاللفظ المشترك والمتواطئ وكذا اللفظ العام يحمل على بعض معانيه بحسب السياق والقرينة، فما نسب لمخلوق يفهم بحسب نسبته، وكذلك ما نسب للخالق ...قال الإمام الشاطبي: "... فَلَا مَحِيصَ لِلْمُتَفَهِّمِ عَنْ رَدِّ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِذْ ذَاكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِي فَهْمِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ فَرَّقَ النَّظَرَ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَا يَصِحُّ الاقْتِصَارُ فِي النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ دُونَ بَعْضٍ" (الموافقات4/268)، ومثل هذا مشهور عن ابن تيمية وابن القيم، وكثير من الاصوليين واللغويين واهل التفسير، ولا أظن طالب علم يجهله فضلا عمن قيل في حقه عالم!!".
قلت: لو لم يأت بالقرينة لما اختلف مسلمان في كون هذا كفرا وردّة عن دين الإسلام، لأن كلامه يكون على هذا النحو: محمد أحيا الناس والناس في بلى موات، وهذا صريح في إثبات الربوبية، والله سبحانه يقول عن الكافر: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم} وقال سبحانه: {والله يحيي ويميت}.
ثم جعل قرازة من القرينة على صرف المعنى إلى ما يصح أن يُنسب الفعل إلى الله أو إلى المخلوق، فإن نسب إلى الخالق كان على حسبه، وإن نسب إلى المخلوق كان كذلك، وهذا تقرير باطل وفتح لباب الشرك على مصراعيه.
فإن مراده أنك إذا قلت: فركوس يحيي الموتى، جائز، لأنك نسبتها إلى مخلوق، والمخلوق لا يحيي الموتى بعد البلى، وإنما يقدر على إحيائهم الحياة العلمية، فكان هذا قرينة على المراد، ولا شك أن تصور مثل هذا يرد صاحبه عن مذهبه إن كان له علم وعقل وإيمان، فإن هذا الذي قرره قرازة هو عينه مذهب النمرود بن كنعان، فإنه زعم مثل هذا الزعم، وقد ذكر الله القرينة التي هي الملك، فهي قرينة بحسب من نُسبت إليه، ولم يعتبرها الله سبحانه ولا اعتبرها خليله إبراهيم عليه السلام، بل حكم الله عليه بالكفر، قال الله سبحانه: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت}، وكان يزعم أنه يعفو عمن حكم عليه بالقتل فهذا إحياء له، كما يقتل غيره فهذا إماتة له، فختم الله الآية بقوله: {فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} فاتفقت صورة دعوى النمرود بن كنعان ودعوى قرازة، إلا أن الأول منسوب إلى الملك، والآخر منسوب إلى العلم.
وكان من آيات عيسى عليه السلام إحياء الموتى بإذن الله، والحجة في هذا على المبطل أن الله جلّ ذكره أطلق الموت، ولم يقيده بالعلم ولا بمن كان رميما، فحمل على الأصل الذي هو الموت المعروف، فقول القائل: فركوس أحيا الناس الأصل فيه أن يحمل على الموت الذي يقابل الحياة، كما قال الله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى} فالموتى ما قابل الأحياء.
فإذا كان عيسى عليه السلام؛ وهو أحد أولي العزم من الرسل يحيي أبدان الموتى بإذن الله آية له، و نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليس إليه إحياء القلوب الذي هو أشرف الحياتين وأعلاهما وأكملهما، وبه السعادة في الدارين، فكيف يُنسب ذلك لفركوس، ثم يدعي المدّعون أن هذا ليس بغلو.
وهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت الجارية: "وفينا نبي يعلم ما في غد"[البخاري 5147] نهاها عن هذا القول، ولم يجعل ذكر النبوة قرينة على المراد بأنه يعلم ما في غد بتعليم الله إيّاه كما قال سبحانه: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول}، وقوله: {وما هو على الغيب بضنين}، بل نهاها مطلقا.
ولو طردنا قاعدة قرازة لجاز له أن يقول: سبحان فركوس وتعالى عما يصفونه من طعون، وسلام عليه، والحمد له، كما قال الله سبحانه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} فإن التسبيح يدلّ على التنزيه، والسلام مأخوذ من السلامة، والحمد مضاف إلى مخلوق كإحياء الموتى؛ فهو قرينة يحمل على حسب ما أضيف إليه على زعم هذا المبطل.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي" ما يدل على إبطال هذه القاعدة، فإن إضافة العبودية إلى المخلوق هنا ليست إضافة عبادة، والقرينة فيها ظاهرة، ومع ذلك لم يعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أجمع الناس على حرمة التعبيد لغير الله سبحانه، مع أنها لا تكون إلا في اللفظ، فالقرينة الصارفة عن إرادة التعبد له ظاهرة.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل لما قال: "ومن يعصهما فقد غوى" "بئس خطيب القوم أنت" ما يدلك على هذا المعنى، فأيهما أشد قول هذا الخطيب أم قول هذا الغالي.
ومن فقه أهل التوحيد والسنة، المعظمين لله رب العالمين ما ذكره الحافظ ابن كثير عن شيخ الإسلام ابن تيمية عند ذكره أبيات المتنبي:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ... وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسَرُهُ ... وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ.
قال ابن كثير: "وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى الْمُتَنَبِّي هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا يَصْلُحُ هَذَا لِجَنَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَخْبَرَنِي الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخَ يَقُولُ: رُبَّمَا قُلْتُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي السُّجُودِ"[البداية والنهاية 15/278]، فلم يعتبر ابن تيمية قرينة الملك في نسبة هذه الأشياء إلى غير الله.
ولو أعملنا قاعدة قرازة لعذر صاحب البردة في كثير مما أخذ عليه من الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أبياته من جنس هذا البيت، ومع ذلك لم يعذره العلماء، وإن كان أصحابه من القبوريين يصرفون كثيرا من معاني أبياته إلى معنى لا يكون شركيا لقرينة يدّعونها.
وأبو أسامة ذكر هذا البيت على سبيل المثال لا الحصر، وإلا فحصر ذلك مما يشق.
فإن قال قائل: فما الفرق بين قول هذا الغالي وقول أحمد في مقدمة كتابه "الرد على الجهمية" (فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه)
قيل: عبارة الإمام من أبعد الكلام عن الغلو وعمّا يستشنع عند سماعه، فإنه ذكر هذا عن علماء الأمة عموما، كما أنّه ذكر الإحياء في مقابل القتل، فكان كقول الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} فالقتل المذكور لإبليس مقابل الإحياء، لا كما ذكر صاحب البيت الإحياء في مقابلة الموت كما قال الله تعالى: {والله يحيي ويميت}.
ولما ذكر الإمام أحمد الإحياء في مقابل الإماتة أتى بما يدلّ على تعظيم الله، وأن مردّ ذلك إلى الله سبحانه فقال: (وكم من ضال قد هدوه، يحيون بكتاب الله الموتى) فكان إحياء العلماء عموما بكتاب الله، وهذا فيه من تعظيم الله وكتابه ما ينافي ما جاء في البيت المذكور، فإن صاحب البيت أكده بأن الناس في بلى موات، ثم جاء بقرينة تخالف ذلك المعنى الذي أكده ليس فيها شيء يفهم منه تعظيما لله في سياق ينبغي أن يكون لله، وهذا كله إنما هو على المعنى الأول الذي ذكره قرازة -أي مع القرينة- أما المعنى الثاني فلا إشكال أنه ضلال، والحمد لله رب العالمين.

كتبه:
أبو إسحاق خالد فضيل
الأحد 23 / 12 / 1440 هـ
الموافق لـ 25 /08 /2019

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 Aug 2019, 09:31 PM
أبو عبد الله جابر عبد الإله حيمر أبو عبد الله جابر عبد الإله حيمر غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2019
المشاركات: 13
افتراضي

مقال مسدد، جزاك الله خيرا شيخ خالد.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25 Aug 2019, 09:55 PM
أبو بكر يوسف قديري أبو بكر يوسف قديري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 176
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذا المقال الطيب
يا ليت الشيخ أبا أسامة يقرأ مثل هذا التقرير الطيب لما ذكره في بيانه الأول حتى يطمئن قلبه إلى سلامة منهجنا من جهة
وسوء خلق المفرقين الذين وصفوه بأبشع الأوصاف من جهة أخرى
وكما ذكرتَ يا طيب فإن للمفرقين مثيلاتها في الغلو في فركوس حتى قال أحد مبرقعيهم (كربوز): اللهم رد مشايخ الإصلاح إلى الريحانة ردّا جميلًا -والعياذ بالله-
والأدهى والأمرّ أن الداعي يدرس تخصص العقيدة وفي مرحلة الدكتوراه!
العمى والله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 25 Aug 2019, 09:58 PM
أبو أويس موسوني أبو أويس موسوني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 17
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ خالد فضيل لقد كشفت ضعفه العلمي وتخبط المفرقة و تصدرهم لهذا العلم علم الردود
جزاك الله خيرا ونفع الله بك.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 25 Aug 2019, 10:26 PM
فاتح عبدو هزيل فاتح عبدو هزيل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 82
افتراضي

جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25 Aug 2019, 10:37 PM
أبو الزبير خيرالدين الرباطي أبو الزبير خيرالدين الرباطي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 31
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا خالد فقد اشتقنا إلى كتاباتك السديدة ومقالاتك المفيدة وخاصة فيما يخص العقيدة فبارك الله فيك وجعل هذا الرد في ميزان حسناتك
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 25 Aug 2019, 10:42 PM
جمال بوعون جمال بوعون غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 52
افتراضي

جزاك الله خيرا أستاذ خالد على هذا الرد، لقد ألقمته حجراً، لقد فعل الغلوُّ في هؤلاء فعلته ومما يؤكد غلوهم جدالهم عنه بالباطل كحال هذا المسكين.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 25 Aug 2019, 10:45 PM
أبو أويس عمر التلمساني أبو أويس عمر التلمساني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 11
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ خالد على هذا التوضيح وفقك الله
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25 Aug 2019, 11:35 PM
محسن أبو محصن بن جمال العروم محسن أبو محصن بن جمال العروم غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 42
افتراضي

بارك الله فيك
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 25 Aug 2019, 11:44 PM
كمال بن سعيد كمال بن سعيد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2018
المشاركات: 150
افتراضي

جزاك اللّه خيرا شيخ خالد بارك اللّه فيك على هذا الرد الماتع نفع اللّه به وجعله في ميزان حسناتك.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 25 Aug 2019, 11:45 PM
أبو عبد الرحمن العكرمي أبو عبد الرحمن العكرمي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
الدولة: ولاية غليزان / الجزائر
المشاركات: 1,331
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو عبد الرحمن العكرمي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى أبو عبد الرحمن العكرمي إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد الرحمن العكرمي
افتراضي

بوركت أستاذ خالد
وقبح الله لزهر فكم جرأ من سفهة أنذال فقدمهم بوشاح الطلب وحلس الجد
وهم كالنعاج يساقون للمذبحة فالله المستعان
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 25 Aug 2019, 11:51 PM
عبد الله طلحي عبد الله طلحي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 65
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ خالد على هذا المقال السلفي الرصين أسأل الله أن يثقل به موازينك كما أسأله سبحانه أن يوفقنا لتوحيده و اتباع سنة ونبيّه صلى الله عليه و سلم.

و إلى قرازة نقول ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في حق من ردّ الحق وازدرى أهله :‏
‏"من بطر الحق فجحده فإنه يضطر إلى أن يقر بالباطل.!، ومَن غمطَ الناسَ فاحتقرهم وازدراهم بغير حق فإنه يضطرّ إلى أن يُعظّم آخرين بالباطل!!" جامع المسائل(ظ¦ / ظ¢ظ¢ظ¨)


فننصحه بما نصحنا به الشيخ العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله- إقرأ كتب الشيخين
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 25 Aug 2019, 11:59 PM
أبو عبد الله حيدوش أبو عبد الله حيدوش غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
الدولة: الجزائر ( ولاية بومرداس ) حرسها الله
المشاركات: 643
افتراضي

بوركت يمينك وجزاك الله خيرا على هذا البيان والتوضيح نسأل الله ان ينفع به المردود عليه ومن كان على شاكلته
وإنك تعجب حين تقرأ قوله ( وإن كنت لا أعرف قائله) ؟! وهو قد نشر في المطة وقرازة ممن علق هناك! فإما انه يقرأ قراءة سطحية على مذهب بويران أو أنه لا أصلا على طريقة لزهر و أحلهما مر كما يقال ومهما يكن فقد أقر ودافع وها قد جاءه ما كان يجهل فلعله يعرف أن مثله لا يصلح أن يتكلم في دين الله تعالى

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله حيدوش ; 26 Aug 2019 الساعة 12:34 AM
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 26 Aug 2019, 12:29 AM
فاتح بن دلاج فاتح بن دلاج غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 84
افتراضي

جزاك الله شيخ خالد خير الجزاء وجعل عملك هذا في ميزان حسناتك رد مفحم على الرويبضة قرازة الذي يجادل بالباطل وهذا ما يفعله الغلو بصاحبه نسأل الله العافية والسلامة.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 26 Aug 2019, 12:35 AM
أبو محمد وليد حميدة أبو محمد وليد حميدة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 90
افتراضي

‏جزاك الله خيرا أخي خالد
أعجبني استدلالك بنهي ‏النبي صلى الله عليه وسلم للجارية حين قالت "وفينا نبي يعلم ما في غد"
إستدلال موفق وقاصم لظهور المريدين

التعديل الأخير تم بواسطة أبو محمد وليد حميدة ; 26 Aug 2019 الساعة 12:36 AM سبب آخر: خطأ في الكتابة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013