منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 01 Dec 2016, 06:59 PM
بلال بريغت بلال بريغت غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 436
إرسال رسالة عبر Skype إلى بلال بريغت
افتراضي الانتصار للمشايخ والعلماء مما نُسب إليهم في جذور البلاء - إلباس ابن باديس لباس الحشو -

الانتصار للمشايخ والعلماء مما نُسب إليهم في جذور البلاء
- إلباس ابن باديس لباس الحشو -


الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ أرْسَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعاَلَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
فسبحان الذي خلق الخلق فنوع فأبدع، وصور فأحسن التصوير، خلق الإنس والجن فجعلهم أشكالا وألوانا، وقبائل وشعوبا، وفرق بين أجسادهم وألوانهم وألسنتهم، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾[ الروم:22]، قال السعدي رحمه الله: «﴿اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ على كثرتكم وتباينكم مع أن الأصل واحد ومخارج الحروف واحدة، ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كل وجه ولا لونين متشابهين من كل وجه إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز».
كما فرق سبحانه بين طبائع البشر وأخلاقهم فمنهم الطيب ومنهم الخبيث كما جاء في حديث الصادق المصدوق، فعن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَصْفَرُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطِّيبُ»(1).
قال المباركفوري: «... (والسهل) أي ومنهم السهل، أي: اللين، (والحزن) بفتح الحاء وسكون الزاي، أي: الغليظ، (والخبيث) أي: خبيث الخصال، (والطيب) على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله تعالى لونا وطبعا وخلقا.
قال الطيبي: لما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها وأولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعني بالسهل الرفق واللين، وبالحزن الخرق والعنف، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله، وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله».
ونحن وللأسف في زمن الغرائب والعجائب كما يقال فإن الواحد منا يرى ويلاحظ هذا الاختلاف والتنوع في الطبائع بشكل واضح، يرى من قدرة الله عجبا فلا يسعه إلا أن يقول سبحان الذي خلق فنوع.
وشمس الدين بوروبي نوع من أنواع البشر الغريبة التي تدل على حقيقة تنوع البشر في طباعهم وأخلاقهم وفهومهم، فهو غريب في كلامه، غريب في فهمه، غريب في أسلوبه، غريب عجيب في كتاباته، يضحكك تارةً ويبكيك تاراتٍ، والرجل مجموعة من الغرائب فهو جاهل أولا، وصوفي أشعري ثانيا،و كذاب ثالثا، ومهرج رابعا، واجتماع هذه الغرائب صيرته عريقا في الشهرة - مع جهله- على قناته التي تؤويه وجريدتها التي تطريه، وخزانته الفارغة التي أضاف لها بلاءً تحتويه.
إن هذا الكتاب الموبوء قاصمة الظهر وغريبة الدهر، أتى فيه بما عجز عنه الأولين والآخرين فلا أحد استطاع أن يكذب كذبه ولا أن يزور تزويره، فحير الإنس والجن والحن والبن، فهو مبدع كبير ومخترع جليل القدر عظيم الشأن في فن الكذب وإلصاق التهم.
والرجل مع كبر سنه وتعصبه لمذهبه الصوفي الأشعري إلا أنه لا يفقه شيئا من مذهبه، فالمسكين لا يفرق بين وحدة الوجود وبين الاتحاد والحلول كما هو مسجل بكلامه في تلك المحاضرة التي أقامها في المغرب، وأنا أتحداه أن يكون على اطلاع واسع بمذهب الأشعري، وهب انه اطلع عليه فرجل بمثل فهمه يستحيل أن يفهم مذهب الأشعري لأنه من أكثر المذاهب تعقيدا فلا يرتقي لفهمه الزاعم البهات.
ولو أن شمس الدين كان في زمن الأشاعرة الأولين- وإن كانوا على ضلال - لتبرؤوا منه بسبب جهله وتهوره وحماقاته، فالمذاهب العقلية تحتاج إلى عقل وقاد وفهم دقيق وغواص حتى يتمكن من الخوض في معاركها وأين شمس الدين من الفهم الثاقب والعقل الوقاد؟ لهذا تجده يلجأ إلى أسلوب التهريج وهو أسلوب الضعفاء ليفتن به العامة، وفاقد الشيء لا يعطيه.
وللعلامة الإبراهيمي كلام جميل عن المذاهب الكلامية والتصوف وأثرهما في تفريق المسلمين ويبين فيه سبب عدم اشتغال العامة بهذه المذاهب العقلية، قال رحمه الله: «وأمّا المذاهب الكلامية فلم يكن أثرها بالقليل في تفرّق المسلمين وتمزّق شملهم، ولكنّها لمّا كان موضوعها البحث في وجود الله وإثبات صفاته وما يجب له من كمال وما يستحيل عليه من نقص – كل ذلك من طريق العقل – كانت دائرتها محدودة وكان التعمّق فيها من شأن الخواص، وقعد بالعامّة عن الدخول في معتركها وإحساسها بالتقصير في أدواته من جدل وعقليات يحتاج إليها في مقامات المناظرة والحجاج، فليس عِلم الكلام كعِلم التّصوف مطية ذلولاً يندفع لركوبها العاجز والحازم.
فالتّصوف شيئ غامض يسعى إليه بوسائل غامضة، ويسهل على كل واحد ادعائه والتّلبيس به، فإن خاف مُدّعيه الفضيحة لم يعدم سلاحاً من الجمجمة والرّمز وتسمية الأشياء بغير أسمائها، ثم الفزع إلى لزوم السّمت والتّدرّع بالصّمت والإعراض عن الخلق والانقطاع والهروب منهم ما دام هذا كله معدوداً في التّصوف وداخلاً في حدوده.
ولا كذلك علم الكلام الذي يفتقر إلى عقل نيّر، وقريحة وقّادة، وذكاء نافذ، ويحتاج منتحله إلى براعة ولسن ومران على المنطق ومقدماته ونتائجه وأقيسته وأشكاله.
ولِمَ كلّ هذا العدد ؟
كل هذه العُدد للمناظرات وما تستلزمه من إيراد ودفع، وإفحام وإلزام، وأين العامّة من هذا كله ؟ !
لذلك لم يكن لها من حظ هذا العلم إلاّ معرفة أسماء بعض الفِرق والانتصار لها انتصاراً تقليدياً.
ولذلك كانت آثار التفريق الناشئة عن هذه المذاهب الكلامية قاصرة على طبقات مخصوصة، ولم تتغلغل في العامّة كما تغلغلت آثار التّصوف»(2).
هذا والرجل مجموعة من الغرائب لفت انتباهي منها العديد واكتفيت في بيان سمومها بواحدة وهي قوله في كتابه البلاء (صفحة: 148) الحاشية: (02): «هؤلاء هم رموز الحشوية في الجزائر(3) يختلفون مع غيرهم في أنهم يحاولون إلباس ابن باديس لباس الحشو بهدف تأصيل الحشوية في الجزائر».
لهذا استعنت بالله جل وعلا ورفعت قلمي- مشاركة لإخواني في هذا المنتدى الطيب- دفاعا عن العقيدة السلفية، ودفاعا عن مشايخنا الذين اتهمهم هذا الأفاك بأنهم يحاولون إلباس ابن باديس لباس الحشو كما قال عامله الله بعدله، فبينت – على قلة بضاعتي- عقيدة ابن باديس وإخوانه وأنها مخالفة تماما لطريقة الأشعري.

أولا: ابن باديس وإخوانه يعلنون الرجوع إلى فهم السلف في تَلقِّي الدِّين:

لا يستطيع أحد أن ينكرَ إِعلانَ ابن باديس وجمعيّته الرُّجوع والتَّمسُّك بمذهبِ السَّلَف الصّالح، كما لا يستطيع أحد أن ينكر أنّ فهوم السلف أصدق الفهوم، والرجوع والتسمك بهذا المذهب عند ابن باديس وإخوانه هو تطبيق ما كان عليه السلف، جاء في تقرير جمعيّة العلماء على رسالة الشِّرك ومظاهره ما يلي: «فإن الدعوة الإصلاحية التي يقوم بها دعاة الإصلاح الإسلامي في العالم الإسلامي عامة، وتقوم بها جمعية العلماء في القطر الجزائري خاصة، تتلخص في دعوة المسلمين إلى العلم والعمل بكتاب ربهم ونبيهم، والسير على منهاج سلفهم الصالح في أخلاقهم وعباداتهم القولية والاعتقادية والعملية، وتَطبِيق ما هُم عليهِ اليومَ مِن عقائد وأعمال وآداب على ما كان في عَهْدِ السَّلَف الصَّالح؛ فما وَافَقَهُ؛ عَددنَاهُ مِن دِينِ اللهِ، فعَمِلنا به، واعتبرنا القائم به قائما بدين الله، ومالم يَكُن مَعروفًا في عهدِ الصّحابةِ، عَدَدناهُ ليسَ مِن دينِ اللهِ»(4).
كما صرح ابن باديس أن كل عقيدة لم يجدها في كلام ذلك الزمان يكون في سعة من ردها فقال رحمه الله: «فكُلُّ عقيدةٍ لم نجِدها في كلامِ أهلِ ذلك العصر نَكُونُ في سَعَةٍ مِن رَدِّها وطَرحِهَا وإِماتتِها وإِعدامِها، كما وَسِعَهُم عَدمُـهَا، ولا نَعتقدُ في دِينِنا إلاَّ ما اعتقدُوا ولا نعملُ فيهِ إلاَّ ما عمِلُوا ونَسكُتُ عَمَّا سَكَتُوا»(5).
وما قال ابن باديس هذا الكلام إلا لأنه يعلم جيدا أن فهم السلف أصدق الفهوم، جاء في أصول جمعية العلماء: «الأصل الخامس: سلوك السلف الصالح: «الصحابة والتابعين وأتباع التابعين» تطبيقٌ صحيحٌ لهدي الإسلام.
والأصل السادس: فهومُ السلف الصالح أصدقُ الفهوم لحقائق الإسلام ونصوصِ الكتاب والسنَّة»(6).
والإسلام عند ابن باديس إنَّما هو في: «كتاب الله وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما كان عليه سلفُها من أهل القرون الثَّلاثة المشهود لهم بالخيريَّة على لسان الصَّادق المصدوق»(7).
وللأستاذ الأديب محمد صالح رمضان رحمه الله كلام جميل حول معنى السلفية فقال رحمه الله: «السَّلَفِيَّةُ هِيَ الرُّجُوعُ بِالإسلامِ إلى ما كانَ عَلَيهِ السَّلَفُ الصَّالِح في القُرون الثلاثة الأُولى: عصر النُّبُوَّة والصحابة، وعصر التَّابِعِين، وعصر أتباع التَّابِعِين، لِمَا ثَبَتَ في الأَثَر أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»(8) أوكما قالَ... ويَحْدُثُ لِلنَّاسِ في دِينِهِم ما لَيْسَ فِيهِ مِن القُرُبَات والعِبَادَات، والغَرِيبُ أَنَّهُم بِاسْمِ الدِّينِ يَبتَعِدُونَ عن الدِّينِ، بِمَا يَختَرِعُونَ لأَنفُسِهِم مِن ضلالاتٍ يَحسَبُونَها عباداتٍ، تُؤَدِّي بِهِم في كثيرٍ مِن الأَحيانِ أو الحَالات إلى الشِّرْكِ والعِيَاذُ بِاللهِ... ولا يَحفَظُ التوحيدَ عِلمٌ كعِلم الكتاب والسنةِ، ولا يُجَلِّي الشِّرْكَ ويُزِيلُهُ مِثلُ الدعوةِ بأُسلوب القرآنِ الكريم والسنة النبويةِ الصحيحة (تِلْكُم هِيَ السَّلَفِيَّةُ الرَّشِيدَةُ التي نَنْشُدُهَا ونَدْعُو إِلَيهَا)» (9).
إذا فدعواك يا طمس الدين باطلة بلا دليل ولا برهان، فالسلف الذين قصدهم ابن باديس غير سلفك من الأشاعرة، فهم - أي السلف - لا يلتقون معهم – أي مع الأشاعرة - لا في زمان ولا في عقيدة،
فالأشاعرة يا طمس الدين: فرقة كلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري كما هو معروف، اتخذت من البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة للرد على خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم.
أما أبو الحسن الأشعري الذي ينسب إليه المذهب فهو: علي بن إسماعيل الأشعري، ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قد ولد في العام الستين بعد المئتين (260هـ).
وقد مر أبو الحسن الأشعري بمراحل، كان في الأولى منها معتزليا لأنه عاش في كنف زوج أمه وهو أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره، وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته، وبقي أبو الحسن على الاعتزال نحوا من أربعين سنة.
المرحلة الثانية: رجوعه عن الاعتزال إلى رأي عبد الله بن سعيد بن كُلاّب، وتأثره به، وذكر الذهبي رحمه الله أن الإمام أحمد بن حنبل كان من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب(10).
وتوفي الأشعري رحمه الله في العام الرابع والعشرين بعد الثلاثمئة (324هـ)، يعني توفي في الربع الأول من القرن الرابع أي بعد موت آخر صحابي بحوالي مئتين وخمس وعشرين سنة.
فانظر رحمك الله الأشعري توفي في القرن الرابع الهجري، أي بعد العصر الذي أعلن ابن باديس التمسك بمذهبه، فهل ابن باديس اعتنق مذهبا ظل أصحابه وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ثلاثمئة سنة لا يعرفون عقيدة أهل السنة، التي بينها لهم الأشعري فيما بعد؟.
لهذا فإنك مهما قلبت في ثرات الجمعية لن تجد إلا التبرؤ من مذهب الأشعري وغيره من المذاهب الكلامية الضالة، فهذا أبو يعلى الزَّواويّ يقولُ: «فإنِّي أُعلِنُ مِن الآنَ عن نفسي أنِّي كما قلتُ ألف مرّة: إنّ ما وافق الكتاب والسّنّة فأنا مُوافقٌ عليه، وما خالفه فأنا مخالفٌ له، وإنّ مذهبي وطريقي وطريقتي ما قال إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيني في مرضه الّذي مات فيه حين زاره أصحابه، فقال: «اشهدوا عنّي أنّي قد رجعتُ عن كُلِّ قولٍ قلتُهُ خلاف ما عليه السّلف، وأنا أموت على ما تموتُ عليهِ عجائزُ نيسابور»»(11).
وقالَ رحمه الله عن: «التّوحيد في الإسلام «العقيدة» »: «يَلزم أن يُوحّد الله جلّ شأنه، ولكن على ما جاء بهِ محمّدٌ صلى الله عليه وسلّم وما كان عليه أصحابُهُ قبل حُدُوث الفِرق الّتي بلغت ثلاثًا وسبعين... لم يكُن محمّدٌ صلى الله عليه وسلّم وأصحابُهُ أشعريِّين ولا ماتُريديِّين ولا شِيعة ولا إباضيّة وهَلُمَّ جَرًّا»(12).
وقال رحمه الله مشيدا بطريقة السلف في العقيدة والتوحيد: «إن خير طريقة في العقيدة التوحيدية طريقة السلف التي هي اتباع ما ثبت عن الله وعن رسوله من غير كثرة التأويل والدخول في الأخذ والرد من الجدل في المتشابه وإيراد الشبه والرد عليها»(13).
وقال معتزا ومفصحا عن عقيدته ومتبرئا من كل ما خالفها: «أما أنا ومن على شاكلتي من إخوني الكثيرين فلا شريعة لنا ولا دين ولا ديوان إلا الكتاب والسنة وما عليه محمد وأصحابه وعقيدة السلف الصالح أي فلا اعتزال ولا ماتريدي ولا أشعري وذلك أن الأشاعرة تفرقوا واختلفوا أي المتقدمون منهم والمتأخرون، ووقعوا في ارتباك من التأويل والحيرة في مسائل يطول شرحها لم تصف بعد فعلام؟ وقل آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،كما قال تعالى:﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾[الأنعام:91] (14).
فيا طمس الدين إن «السَّلَفِيَّةُ هيَ الأَصَالَةُ الإِسلاميَّةُ الحقيقيةُ التي كان عَلَيهَا السَّلَفُ الصالحُ مِن الصحابةِ وخِيار التابعينَ... فهذِهِ السَّلَفِيَّةُ الرَّاشِدَةُ لم تَنقَطِع مِن الجزائر مُنذُ أَشرَقَت أَنْوَارُ الإِسلامِ على رُبُوعِنَا، ولم يَخْلُ مِنها جِيلٌ مِن أَجيَالِ تاريخِ الإِسلام في الجزائر، ولكنَّها تَقْوَى وتَضْعُف، حسَب الظروف والمناسبات، وحسَب قُوَّة أو ضَعْف الأَشخاص الذين اعْتَنَقُوهَا وعُرِفُوا بِهَا وعُرِفَت بِهِم»(15).
وهذا العلامة مبارك الميلي يعلنها مدوية أنه بالطريقة السلفية يقول فقال رحمه الله: «فنَحْنُ بِالعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ قَائِلُونَ»(16).
يا طمس الدين إن العقيدة السلفية هي الأصلُ في أهل المغرب، وإنما دخلَتْهم الأشعريةُ بسببِ ابنِ تُومَرْت، قال الشيخ مبارك الميلي ـ رحمه الله ـ: «وكان أهلُ المغرب سلفيِّين حتَّى رَحَلَ ابنُ تُومَرْت إلى الشرق وعَزَمَ على إحداثِ انقلابٍ بالمغرب سياسيٍّ علميٍّ دينيٍّ، فأخَذَ بطريقة الأشعريِّ ونَصَرها، وسمَّى المرابطين السلفيِّين: مجسِّمين، وتمَّ انقلابُه على يد عبد المؤمن؛ فتمَّ انتصارُ الأشاعرة بالمغرب، واحتجبَتِ السلفيةُ بسقوط دولة صنهاجة؛ فلم يَنْصُرْها بعدهم إلَّا أفرادٌ قليلون مِنْ أهل العلم في أزمنةٍ مختلفةٍ»(17).
فالصراع بين السلفية والفرق الضالة في بلدنا الجزائر قديم، قال الشيخ أحمد حماني رحمه الله: «وقد كان الصراع العقائدي على أشده ببلدنا بين آراء الباطنية، والسلفية، والأشعرية»(18).
وقال رحمه الله في كتابه صراع بين السنة والبدعة تعليقا على رسالة جواب سؤال للعلامة ابن باديس رحمه الله: «بهذه الرسالة نشبت المعركة القومية بين الإصلاح والسلفية من جهة وبين الطرقية والبدعة من جهة أخرى وكان من أطوارها محاولة السطو بالشيخ ابن باديس رحمه الله»(19).
ونحن نقول والصراع بين السلفية والفرق الضالة والجهل والخرافة مازال إلى يوم الناس هذا والله المستعان.

ثانيا: ابن باديس يحي طريقة السلف في التدريس وينكر طريقة الأشعري:

إن ماذكره العلامة مبارك الميلي عن سقوط دولة صنهاجة السلفية وانتشار مذهب الأشعري أثر أثرا كبيرا على حال المغرب حتى أصبح هذا المذهب هو السائد، ولم يزل الناس في المغرب مقلِّدين لطريقة الأشعريِّ إلى أَنْ جاء الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ فأَحْيَا طريقةَ السلف في التدريس، قال البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا مغربُنا هذا مع الأندلس فلم يتَّسِعْ فيه علمُ الكلام إلى هذا الحدِّ، وإِنْ كانوا يدرسونه على هذه الطريقة ويقلِّدونه ويدينون باتِّباعِ رأي الأشعري، ولم يؤلِّفوا فيه كتابًا ذا بالٍ إلَّا الإمام محمَّد بن يوسف السنوسي التلمساني؛ فإنه ألَّف فيه على طريقة المشارقة عِدَّةَ كُتُبٍ شاعَتْ وانتشرَتْ في الشرق والغرب، وقُرِّرَتْ في أكبرِ المعاهد الإسلامية كالأزهر، حتَّى جاءَتْ دروسُ الإمامِ ابنِ باديس، فأَحْيَا بها طريقَ السلفِ في دروسه، ومنها هذه الدروسُ، وأكملَتْها جمعيةُ العلماء، فمِنْ مبادئها التي عَمِلَتْ لها بالفعل: لزومُ الرجوع إلى القرآن في كُلِّ شيءٍ، لا سيَّما ما يتعلَّق بتوحيد الله؛ فإنَّ الطريقة المُثْلى في الاستدلالِ على وجود الله وصفاته وما يرجع إلى الغيبيَّات لا يكون إلَّا بالقرآن؛ لأنَّ المؤمن إذا استند في توحيد الله وإثباتِ ما ثَبَتَ له، ونفيِ ما انتفى عنه، لا يكون إلَّا بآيةٍ قرآنيةٍ مُحكَمةٍ؛ فالمؤمنُ إذا سوَّلَتْ له نفسُه المخالَفةَ في شأنٍ مِنْ أمور الآخرة أو مِنْ صفات الله فإنها لا تُسوِّل له مخالَفةَ القرآن»(20).
وجاء الإنكار على هذه الطرق مصرحا في كلام ابن باديس حين قال: «ولقد ذهب قومٌ مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم، ومُمَاحَكَاتِ المتكلِّمين ومُناقضاتهم، فما ازدادُوا إلاَّ شَكًّا، وما ازدادت قُلُوبُهُم إلاّ مرضًا، حتَّى رجع كثيرٌ منهُم في أواخر أيَّامهم إلى عقائد القرآن وأدلّة القُرآن، فشُفُوا بعد ما كادُوا كإِمام الحرمين والفخر الرّازيّ»(21).
وقال ـ رحمه الله ـ: «ونحن ـ مَعْشَرَ المسلمين ـ قد كان منَّا للقرآن العظيمِ هجرٌ كثيرٌ في الزمان الطويل وإِنْ كنَّا به مؤمنين، بَسَطَ القرآنُ عقائدَ الإيمانِ كُلَّها بأدلَّتها العقلية القريبة القاطعة، فهَجَرْناها وقلنا: تلك أدلَّةٌ سمعيةٌ لا تحصِّل اليقينَ، وأخَذْنا في الطرائق الكلامية المعقَّدة وإشكالاتها المتعدِّدة واصطلاحاتها المُحدَثة؛ ممَّا يصعِّب أَمْرَهُ على الطلبة فضلًا عن العامَّة»(22).
ثالثا: عقدية ابن باديس وعقيدة مشايخنا عقدية واحدة:
أراد هذا المسكين أن يشوه صورة مشايخنا ونبزهم بالحشوية يريد بذلك تنفير العامة كما كان يفعل سلفه مع أهل السنة قديما، بل كابر وعاند حتى خرج إلى حد الفجور، ثم بعدها يكذب الكذب المفضوح الذي يدل على جهل صاحبه حين يقول: «هؤلاء هم رموز الحشوية في الجزائر يختلفون مع غيرهم في أنهم يحاولون إلباس ابن باديس لباس الحشو بهدف تأصيل الحشوية في الجزائر».
ما أجهلك يا طسم الدين فعَقِيدةُ ابن باديس وعَقِيدةُ مشايخنا الفضلاء وَاحِدَةٌ وهِيَ عَقِيدَةُ السَّلَف الصالح من الصاحبة والتابعين لهم بإحسان وما أدل على ما أقول من قول ابن باديس نفسه فقد
قَرَّرَ رحمه الله في «العقائِد الإسلامية» عقيدة السلف النقية فقال: «عقيدَة الإِثبات والتَّنزيه: نُثْبِتُ لهُ تعالى ما أَثْبَتَهُ لِنَفسِهِ، على لسان رسولِهِ، مِن ذاتِهِ، وصِفاتِهِ، وأسمائِهِ وأفعالِه، ونَنْتَهِي عندَ ذلك ولا نَزِيدُ عليه، ونُنَزِّهُهُ في ذلك عن مُمَاثَلَةِ أو مُشَابَهَةِ شيءٍ مِن مخلوقاته، ونُثْبِتُ الاِستواءَ والنُّزُولَ ونحوَهُما، ونُؤمِنُ بحَقِيقتِهِما على ما يَلِيقُ بِهِ تعالى بلا كَيْف، وبأنَّ ظَاهِرَها المتعارَف في حَقِّنَا غَيرُ مُرَادٍ»(23).
ثم قال بعدها: «ولا تُحِيطُ العُقُولُ بذاتِهِ ولا بصِفَاتِهِ ولا بأسمائِهِ....».
هذا ما قالهُ ابنُ باديس فيما كان يمليه ويدرسه لتلاميذه، وكان يقول في شرحِهِ:
« فَنَحْنُ مَعْشَرَ فَرِيقِ السُّنَّهْ *** السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِ الجَنَّهْ
نَقُولُ بِالإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهْ *** مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلَا تَشْبِيهْ(24).
وزاد عليهما – أي: الشَّيخ ابن باديس- فقال:
المُعَطِّلُون: هُم الَّذِين يَنْفُونَ الصِّفات الإلهيّة!
والمُشَبِّهُون: هُم الَّذين يُشَبِّهُونها بصِفاتِ المخلوقات!
وكِلاهُما على ضَلالٍ!!
أمَّا السُّنِّيُّون: فهُم الَّذِين يُثْبِتُونَها لهُ تعالى، ويُنَزِّهُوَنَها عن التَّشبِيهِ بالمخلوقات.
والتَّعطيل: تَعْطِيلُ اللَّفظِ عن دَلالةِ مَعْنَاهُ الحَقيقيّ أو الخُرُوج بِهِ إلى معنًى آخر.
والتَّشبيهُ: تَشبيهُ اللهِ بمخلوقاته؛ فنحنُ نُثْبِتُ للهِ ما أَثبتَهُ اللهُ لِنفسِهِ مِن أقوالٍ أو أفعالٍ أو صِفاتٍ، ولاَ نُشَبِّهُهُ في شَيءٍ مِن ذلك بالمخلُوقات، ولا غَرابَةَ في إِثباتِ شَيءٍ مَع عَدَمِ تَكْيِيفِهِ، فالإِنسانُ يُثْبِتُ أنَّ بَينَ جَنْبَيْهِ نَفْسًا ولكن لا يَستطيعُ تَكْيِيفَهَا، كذلك نُثْبِتُ صِفَاتِ اللهِ بِلاَ كَيْفٍ»(25).
وقال الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ دفاعًا عن أتباع الشيخ محمَّد بنِ عبد الوهَّاب وبيانًا لعقيدتهم السلفيَّة: «قام الشيخ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب بدعوةٍ دينيَّةٍ؛ فتَبِعه عليها قومٌ فلُقِّبوا ﺑ: «الوهَّابيِّين»، لم يَدْعُ إلى مذهبٍ مُستقِلٍّ في الفقه؛ فإنَّ أتباعه النجديِّين كانوا قبله ولا زالوا ـ إلى الآن بعده ـ حنبليِّين؛ يدرسون الفقهَ في كُتُبِ الحنابلة، ولم يَدْعُ إلى مذهبٍ مُستقِلٍّ في العقائد؛ فإنَّ أتباعه كانوا قبله ولا زالوا ـ إلى الآن ـ سنِّيِّين سلفيِّين: أهلَ إثباتٍ وتنزيهٍ، يؤمنون بالقَدَرِ ويُثْبِتون الكسبَ والاختيار، ويصدِّقون بالرؤية، ويُثْبِتون الشفاعة، ويترضَّوْن عن جميع السلف، ولا يُكفِّرون بالكبيرة، ويُثْبِتون الكرامة»(26).
فتأمل رحمك الله قوله: «أهلَ إثباتٍ وتنزيهٍ»، فهي عقيدة أهل السنة المخالفة لطريقة الأشعري في الاعتقاد وكفى بهذا دليلا على بطلان قول المدعي أن ابن باديس ومشايخنا ليسوا على عقدية سواء.
ومن عقائد الأشعرية الكاسدة التي أراد شمس الدين ترويجها تأويل المعنى وصرفه عن ظاهره، فهذه بدعة لا دليل عليها، بل تحريف لكلام الله، ويؤكد هذا المعنى ما قاله الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله، فقالَ رحمه الله: «فظهر أصحابُ المقالات في العقائد، وَأحْدَثُوا بدعةَ التَّأويل الَّذِي هُو في الحقيقةِ تَحريفٌ مُسمًّى بغيرِ اسمه»(27).
وقال عن طريقةِ السَّلَف في التعامل مع النصوص: «وكانُوا يَقِفُون عند نُصُوصِهِ مِن الكتاب والسُّنّة، لا يَتعدّونها ولا يَتناوَلُونها بالتَّأويل»(28).
فالآن يا طمس الدين وأنت تكتب على غلاف كتابك لا يقبلون التأويل فهل قبله ابن باديس ومن معه وقد كنت تقول: «يحاولون إلباس ابن باديس لباس الحشو بهدف تأصيل الحشوية في الجزائر».
إن تأويل الأشاعرة الذي يرمي إلى صرف المعنى عن ظاهره بلا دليل من كتاب ولا من سنة، كتأويلهم الاستواء بالاستيلاء تأويل غير مقبول، فنحن لا نقول بهذا التأويل الباطل ونفوض الكيفية ولا نفوض المعنى لأن المعنى معلوم ولا نعلم الكيفية، وهذه هي طريقة السلف [إذ لم يَرِدْ عن أحدٍ من السلف أنه فوَّض معنى الاستواء، بل المنقول عن السلف تصريحُهم بالمعنى المراد بالاستواء، وهو العلوُّ والارتفاع على العرش، مع الإيمان بأنَّ الله مستوٍ على العرش حقيقةً، وهو معلومٌ عنهم بالاضطرار، وقد تعرَّض الإمام أحمد للنصوص التي نسمِّيها متشابهاتٍ بتفسير معانيها آيةً آيةً وحديثًا حديثًا وبيَّن فساد ما تأوَّلها عليه الزائغون، ولم يتوقَّف فيها هو والأئمَّة قبله ولم يقل أحمد إنَّ هذه الآياتِ والأحاديثَ لا يفهم معناها إلا الله، ولا قال له أحدٌ ذلك، ممَّا يدلُّ على أنَّ التوقُّف عن بيان معاني آيات الصفات، وصرْفَ الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنَّة -وهو أعرف بمذهب السلف-، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقةً، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرُها وتُمرُّ كما جاءت دالَّةً على المعاني لا تُحرَّف ولا يُلْحَد فيها](29).
فمعرفة الكيفية إذاً من المتشابه، والمتشابهات لا يتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:07].
لهذا فقول ابن باديس رحمه الله: «ونُثْبِتُ الاِستواءَ والنُّزُولَ ونحوَهُما، ونُؤمِنُ بحَقِيقتِهِما على ما يَلِيقُ بِهِ تعالى بلا كَيْف» دليل قاطع على اتباعه طريقة السلف.
ولمزيد بيان علق الأستاذ محمد صالح رمضان قائلا: «بلا كيف: أي بلا هيئة محدودة لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11]، فنثبت الاستواء الوارد في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: 5]، والنزول في حديث «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا آخر الليل ويقول: هل من سائل فأجيب له»(30)، والمجيء ونحوه مثل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾[الفجر: 22]، ﴿وَلِتُصْـنَعَ عَـلَى عَـيْنِي﴾[ طـه: 39]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:164]. إلخ...» (31).
قال الشيخ فركوس في تعليقه على قول ابن باديس: «ونُثْبِتُ الاِستواءَ»: « فمعتقد أهل السنَّة -إذًا- أنَّ الله جلَّ وعلا مستوٍ على عرشه بذاته حقيقةً فوق السماء السابعة استواءً يليق بجلاله، بائنٌ من خلقه ولا يعلوه خلقٌ من خلقه، فهُمْ يُثبتون له ما أثبته الله تعالى لنفسه من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تعطيلٍ، وينكرون تأويلَ الصفات وإخراجَها عن ظاهرها إلى معانٍ لا تحتملها اللغة ولا يصيغها الشرعُ، وقد اشتهر عن الإمام مالكٍ -رحمه الله- قوله: «الاستواء معلومٌ، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ»(32).
وقبل هذا نبه الشيخ حفظه الله على شيء مهم في شرحه على العقائد لابن باديس مستدركا على تصرف الأستاذ محمد صالح رمضان في نص المصنف، قال حفظه الله: «يجدر التنبيه إلى أنَّ الأستاذ محمَّد الصالح رمضان أفصح عن تصرُّفه في نصِّ المصنِّف بتقديم هذه الفقرة إلى موضعٍ آخَرَ يراه أنسبَ بها حيث يقول: «ملحوظة: قوله: «ونُثبت الاستواء والنزول» إلى قوله «غير مرادٍ» كان في الأصل بعد صفة الكلام رقم: (46)، ومن غير استشهادٍ عليه بالآيات والأحاديث، فرأيتُ إثباتَه هنا تحت هذا العنوان، ثمَّ تأتي بقيَّة الصفات كما رتَّبها الأستاذ الإمام واستدلَّ عليها بالآيات والأحاديث، وأرجو ألاَّ يكون هذا من التحكُّم وسوء التصرُّف».
أقول: والأَوْلى الاستبقاء على سياق المصنِّف -رحمه الله- والمحافظة على ترتيبه الأصلي دون المساس بنصِّ المصنِّف إلاَّ إشارةً مقترحةً على الهامش -أوَّلاً-، ولأنَّ طابع التأليف بينهما يستدعي هذا النسق من الترتيب بين الصفات الذاتية المتعقَّبة بالصفات الفعلية -ثانيًا-، فضلاً عن كون سياق المصنِّف يكشف مخالفتَه لأصول البدعة الأشعرية، حيث إنهم لا يُثبتون من الصفات الخبرية إلاَّ الصفات السبع المشهورة التي هي صفات المعاني، وهي: السمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام، وينفون قيامَ الأفعال الاختيارية بالله تعالى كالاستواء والنزول والمحبَّة والرضا والفرح ونحوها»(33).
وهذا التنبيه من الشيخ حفظه الله يبين مخالفة الشيخ ابن باديس لبدعة الأشعري، فابنُ باديس لمّا يصرح بانتسابه للسلفية، يَعلمُ جيِّدًا ماذا يعني انتسابه لهذا المذهب، وما كتبه الإبراهيمي في مقدمة العقائد الإسلامية ونعته إياها بالعقيدة السلفية لم يكن عن جهل بل لما وجدها حقيقة على منهج السلف في الاعتقاد، وهو المنهج التي سارت عليه الجمعية، فانظر إليه رحمه الله وهو يقول: «هذه عدة دروس دينية، مما كان يلقيه أخونا الإمام المبرور الشيخ عبد الحميد بن باديس- إمام النهضة الدينية والعربية والسياسية في الجزائر غير مدافع- على تلامذته في الجامع الأخضر بمدينة قسنطينة في أصول العقائد الإسلامية وأدلتها من القرآن، على الطريقة السلفية التي اتخذتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منهاجًا لها بعد ذلك. وبنت عليها جميع مبادئها ومناهجها في الإصلاح الديني»(34).
وقال رحمه الله: «وكان يمهد في نفوس تلامذته والمستمعين لدروسه، ليكونوا في يوم ما قادتها وأعوانها، وحاملي ألويتها ومنفذي مبادئها، وناشري الطريقة السلفية الشاملة في العلم والعمل وسائر فروع الإصلاح الديني.
كان الإمام المبرور يصرف تلامذته من جميع الطبقات على تلك الطريقة السلفية. ومعلوم أن الإصلاح الإسلامي الذي قامت به جمعية العلماء بعد ذلك لا تقوم أصوله إلا على ذلك، وأن هذا الإمام رفع قواعده وثبت أصوله وهيأ له جيشًا من تلامذته وحاضري دروسه. والإمام رضي الله عنه كان منذ طلبه للعلم بتونس قبل ذلك- وهو في مقتبل الشباب- ينكر بذوقه ما كان يبني عليه مشائخه من تربية تلامذتهم على طريقة المتكلمين في العقائد الإسلامية، ويتمنى أن يخرجهم على الطريقة القرآنية السلفية في العقائد يوم يصبح معلمًا. وقد بلغه الله أمنيته فأخرج للأمة الجزائرية أجيالاً على هذه الطريقة السلفية، قاموا بحمل الأمانة من بعده، ووراءهم أجيال أخرى من العوام الذين سعدوا بحضور دروسه ومجالسه العلمية»(35).
وقد استمر تلامذة الشيخ ابن باديس رحمه الله في نشر عقيدته السلفية حتى بعد استقلال الجزائر ففي سنة 1983م كتب المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة الشيخ أحمد حماني رحمه الله ملاحظات على كتاب للشيخ عمر العرباوي رحمه الله المعروف بـ «التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد»، حيث جاء في مقدمة هذه الملاحظات التي كتبها الشيخ أحمد حماني ما يلي: «ولما كان هذا الكتاب قد سلم من عثراتٍ وقع فيها بعض من تكلموا في هذا الموضوع من قبل، كالذين أنكروا بعض الصفات فكانوا معطلين، أو كالذين ضربوا لله الأمثال فكانوا مجسمين مشبهين، فإن المجلس لا يرى مانعا من طبع هذا الكتاب وترويجه، ورجاء النفع به، لسلامته من هذه العثرات المردية، والمذاهب الزائفة»(36).
وهذا الكتاب للشيخ عمر العرباوي هو كتاب في التوحيد على الطريقة السلفية، كما قال رحمه في الصفحة (13) : «وإني أقدم تأليفا متواضعا في العقائد الإسلامية السلفية إلى الشباب المسلم ليتسلح بالتوحيد الخالص والإيمان العميق لعله يجد فيه ما يشفي غليله لأنه مدعم بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، وأقوال العلماء المجتهدين أمثال: ابن تيمية، ابن قيم الجوزية، عبد الحميد بن باديس، والغزالي، وغيرهم كثيرون رضوان الله عنهم».
وجاء في الإهداء الذي كتبه المؤلف على صفحات كتابه: «أهدي هذا الكتاب إلى أرواح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين جاهدوا في هذا الوطن، في سبيل العقيدة السلفية الصحيحة فنشروها فيه وأزالو عنها الجهل المتراكم عليها عدة قرون وأخلصوها من شوائب الوثنية والبدائع والخرفات فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا».
هذا ما استعطت جمعه في هذا المقال فإن وفقت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ،كما أسأله تبارك وتعالى أن يوفق القائمين على هذا المنبر الدعوي وأن يجعله نبراسا للحق وشوكة في حلوق الدجالين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

=====

(1): أخرجه الترمذي (2955)، وابن حبان: ( 6160 )، وصحّحه الألباني في الصحيحة (1630).
(2):آثار محمَّد البشير الإبراهيمي» (1/ 166).
(3): يقصد مشائخنا الفضلاء.
(4): تقرير جمعيّة العلماء على رسالة الشِّرك ومظاهره: (ص:27-29)، ت: أبي عبد الرحمن محمود.
(5): آثار ابن باديس (3/155).
(6): منْ وثائق جمعية العلماء المسلمين (17).
(7): آثار ابن باديس (5/73).
(8): البخاري (2652)، ومسلم (2533).
(9): أقطاب السلفية في الجزائر لمحمد الصالح رمضان (ص8-9).
(10): سير أعلام النبلاء (14/380).
(11): مجلة الشِّهاب، العدد (73).
(12): مجلة الشِّهاب، العدد (54).
(13): الإسلام الصحيح. ط. سعد الله (ص:18).
(14): الإسلام الصحيح. ط. سعد الله (ص:163).
(15): من كلام محمد صالح رمضان رحمه الله عند تصديره لرسالة جواب سؤال عن سوء مقال للشيخ ابن باديس رحمه الله (ص4-5).
(16):رسالة الشِّرك ومظاهره: (ص: 53)، ت: أبي عبد الرحمن محمود.
(17): تاريخ الجزائر في القديم والحديث: (2/338).
(18): من مقال للشيخ أحمد حماني رحمه الله بعنوان: «عباقرة من رجالنا»، انظر الثمر الداني من محاضرات أحمد حماني (ص:116) لأبي أسامة عمر خلفة.
(19): صراع بين السنة والبدعة (1/71). ط.عالم المعرفة.
(20): مقدمة كتاب العقائد الإسلامية، أنظر: «آثار الإبراهيمي»(5/316-317)، والعقائد الإسلامية ط. محمد صالح رمضان (ص:18-19) دار الفتح الشارقة.
(21): مجالس التّذكير مِن كلام الحكِيم الخبير (1/ 257)، ط. وزارة الشؤون الدينية.
(22): آثار ابنِ باديس (1/407) جمع وترتيب: عمَّار طالبي.
(23): العقائد الإسلامية ط. محمد صالح رمضان (ص:59) دار الفتح الشارقة.
(24): قال محمد صالح رمضان: «رَوَينَا البيتَين التاليَين عن أستاذنا الإمام وقتَ الدَّرسِ ولا نَدرِيهِما لمن؟ وهُمَا: وذكرهما». العقائد الإسلامية ط. محمد صالح رمضان (ص:58)دار الفتح الشارقة.
(25): العقائد الإسلامية ط. محمد صالح رمضان (ص:58) الحاشية رقم: (190). دار الفتح الشارقة.
(26): آثار ابن باديس (5/32)، ط. وزارة الشؤون الدينية.
(27): آثار الإبراهيمي (1/164).
(28): آثار الإبراهيمي (1/163).
(29): إمتاع الجليس (ص: 97). من الطبعة الأولى.
(30): الحديث متفق عليه بلفظ: «من يدعوني فأستجيب له»، البخاري (1145)، ومسلم (758).
(31): العقائد الإسلامية ط. محمد صالح رمضان (ص:59) الحاشية رقم: (191). دار الفتح الشارقة.
(32): إمتاع الجليس (ص: 94). من الطبعة الأولى.
(33): إمتاع الجليس (ص: 91). من الطبعة الأولى.
(34): آثار الإبراهيمي (5/313).
(35): المصدر السابق.
(36): فتاوى الشيخ أحمد حماني (1/119) ط. عالم المعرفة.


التعديل الأخير تم بواسطة بلال بريغت ; 25 Dec 2016 الساعة 08:07 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01 Dec 2016, 08:22 PM
أبو الحسن نسيم أبو الحسن نسيم غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2015
الدولة: الجزائر العاصمة
المشاركات: 391
افتراضي

ما شاء الله،بارك الله فيك أخي بلال على هذا المقال الرائع الرائق،حيث دافعت به عن العقيدة السلفية وعلى الحاملين لها من أعلام جمعية العلماء المسلمين، الذين أحيوا الطرية السنية السلفية.

التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسن نسيم ; 01 Dec 2016 الساعة 09:22 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01 Dec 2016, 09:08 PM
أحمد زروق أحمد زروق غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2016
المشاركات: 16
افتراضي

بارك الله فيك على مقالك وحسن أفكارك فجزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02 Dec 2016, 12:43 AM
أبو سهيل محمد القبي أبو سهيل محمد القبي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
المشاركات: 207
افتراضي

جزاك الله خيرا، على مقالك الطيب.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 02 Dec 2016, 10:23 AM
محمد طه محدة السوفي محمد طه محدة السوفي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 180
افتراضي

ما شاء الله،بارك الله فيكم
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02 Dec 2016, 01:33 PM
مهدي بن صالح البجائي مهدي بن صالح البجائي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
المشاركات: 591
افتراضي

وقفت على عنوان المقال وكاتبه فقلت -ولا في نفسي- هذا صاحب إتقان وإجادة فإذا الخبر قد وافق الخبر! فجزاك الله خيرا أخي بلال ويسر لك الصعب والحزن، فقد أبنت وأفصحت عن الحق الأبلج، ودحضت ودحرت الباطل اللجلج، ورحم الله علماءنا وحفظ أشياخنا.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03 Dec 2016, 04:20 PM
أبو أيوب صهيب زين أبو أيوب صهيب زين غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
الدولة: بسكرة
المشاركات: 351
افتراضي

بوركت أخي بلال

وبمثل هذا الكلام المجمل المتشابه الذي يذكرونه وليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ضل من ضلَّ كما وصف ذلك الأئمة وذموا المتكلمين بمثل هذا الكلام كقول الإمام أحمد فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يُلَبِّسون عليهم

بيان تلبيس الجهمية 5/422
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 04 Dec 2016, 08:55 AM
أبو البراء
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أحسنت أخي بلال.
جزاك الله خيرًا على المقالة النافعة.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 04 Dec 2016, 02:43 PM
أبو عبد الباري أحمد صغير أبو عبد الباري أحمد صغير غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 188
افتراضي

جزاك الله خيرا أخانا بلالا على هذه الإطلالة المباركة ، فجمعك مبرور وسعيك مشكور والشانئ في زبالة التاريخ مقبور .

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الباري أحمد صغير ; 04 Dec 2016 الساعة 03:02 PM
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 07 Dec 2016, 12:24 PM
بلال بريغت بلال بريغت غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 436
إرسال رسالة عبر Skype إلى بلال بريغت
افتراضي

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013