منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 27 Oct 2016, 09:27 PM
أبو صهيب منير الجزائري أبو صهيب منير الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 207
افتراضي لمحة حول أشهر المذاهب الفقهية السنية

لمحة حول أشهر المذاهب الفقهية السنية (1)
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى أله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
إن عصر الأئمة المجتهدين برز فيه أئمة أعلام عند أهل السنة، وكان هؤلاء هم رؤوس المذاهب الفقهية، منها كتب لها البقاء من جهة التدوين والأتباع إلى يومنا هذا ومنها من اندثر عبر مرور الزمن بموت أصحابها وعدم تدوين تلاميذ الأئمة لفقههم مع وجود أرائهم وأقوالهم متناثرة في كتب الفقه، فأردت أن أعرف إخواني في هذه اللمحة بأشهر المذاهب الفقهية في سلسلة قصيرة، بذكر المذاهب (المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي) ولا أذكر المذهب المالكي في هذه السلسلة لكونه مبحث مهم في بحث أكاديمي يخصني لا يمكنني نشره الآن، حتى لا يقال لماذا لم تذكر المذهب المالكي وقبل ذكر المذاهب لابد من معرفة أهم أسباب نشوء المذاهب الفقهية.
إن أهم سبب لنشوء المذاهب الفقهية هو سبب الخلاف بين العلماء وأسباب الخلاف بين الأئمة المجتهدين كثيرة أهمها باختصار:
1_ تقدير بعض المصادر التشريعية.
والمقصود من التقدير هنا من حيث ثبوت النصوص عند بعض وعدم ثبوتها عند بعض حسب قواعد وشروط الإمام، وما يترتب على ذلك من مسائل في التخصيص والتقييد وغير ذلك، وكذلك من حيث اعتبار بعض المصادر أو عدمها.
2_ في النزعة التشريعية: والمقصود بالنزعة هو طريقة الاستنباط كل إقليم وكل بلد كأهل الحديث وأهل الرأي من جهة مقدار الأخذ بالرأي.
ويرجع هذا للتفاوت الوجود في عقول بني آدم من جهة النظر إلى ظواهر الألفاظ أو الغوص في معانيها ودلائلها أكثر.
3_في بعض المبادئ اللغوية التي تطبق في فهم النصوص وهذا السبب يعود إلى الأساليب اللغوية وتطبيقاتها.
4_ اختلاف البلدان مما يؤدي إلى اختلاف العادات والأعراف مما يؤدي إلى اختلاف الفقهاء ونشوء المذاهب وكذلك اختلاف الزمان له دور في الخلاف.
5_ انتشار الأصحاب والتابعون في الآفاق مما أدى إلى أخذ كل بلد عن رؤوس العلم في كل بلد فيكون هذا سبب من الأسباب.
6_ تعارض نصوص الكتاب والسنة في ذهن المجتهد.
7_ معارضة الحديث الآحاد للأصول العامة المستنبطة من نصوص القرآن والسنة وكثير ما يقع الخلاف بين الحنفية والجمهور في هذا الباب.
زيادة على ما ذكرت هناك أسباب أخرى متعلقة بالنشوء خارج مجال الاستنباط والاستدلال مثل:
_ ضعف الدولة العباسية مما كان له أثر في ضعف الجانب الفقهي مما أدى إلى التقيد بالمذهب الواحد وخدمته.
_ جهد تلاميذ الأئمة في تدوين المذهب ونشره، ويعد هذا السبب كذلك سبب من أسباب استمرار المذاهب الفقهية.
_ اعتناق بعض الحكام مذاهب معينة مما أدى إلى تعيين القضاة على حسب مذهب الحاكم .
المذهب الحنفي، إمام المذهب، أصول المذهب، أشهر المدونات وانتشار المذهب.
الفقرة الأولى: ترجمة إمام المذهب
اسمه نسبه، ومولده ووفاته وعصره. (2)
أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، فأما زوطي فإنه من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة ثم لبني قفل، وكان أبوحنيفة خزازًا، ودكانه معروف في دار عمر بن حريث بالكوفة.
وقيل: ثابت والد أبي حنيفه من أهل الأنبار، وقيل: أصل أبي حنيفة من ترمذ، وقيل: أصله من نَسَاء وقيل ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار.
ولد سنة في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه، وفي ذريته، مات ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة.
وأدرك رحمه الله عصر صغار الصحابة وكبار التابعين يقول الذهبي: " وُلدَ: سَنَةَ ثَمَانِيْنَ، فِي حَيَاةِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ. وَرَأَى: أَنَسَ بنَ مَالِكٍ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الكُوْفَةَ، وَلَمْ يَثبُتْ لَهُ حَرفٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُم."(3)
أشهر شيوخه وتلامذته (4)
عاصر الإمام كبار التابعين و أخذ عنهم وأما أخذه عن الصحابة فيه خلاف بين المؤرخين بين مثبت وبين ناف، وأما أشهر شيوخه فقد تلقى الفقه عن أبي جعفر الصادق، و إبراهيم النخعى، و عامر بن شراحبيل الشعبى، و حماد و قتادة، وغيرهم. حتى أنه قيل له أربعة ألاف شيخ أخذ عنهم العلم. وأشهر تلامذته الذين نشروا مذهبه ويعتبرون كذلك من المؤسسين: أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، وزفر وابنه حماد وحمزة الزيات وغيرهم.
ثناء العلماء عليه. (5)
اشتهر الإمام أبو حنيفة بالفقه وعلوم أخرى حتى أثنى عليه كبار العلماء من المحدثين والفقهاء وكثرت الأخبار في هذا من بينها:
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: " كَانَ ثِقَةً، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَلَمْ يُتَّهَمْ بِالْكَذِبِ، وَلَقَدْ ضَرَبَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى أَنْ يكون قاضيا"ً وكان يقول عبد الله بن المبارك:" عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: لولا أن الله أعانني بِأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لَكُنْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ"
وقال فيه الشافعي ناقلا عن مالك:" رَأَيْتُ رَجُلًا لَوْ كَلَّمَكَ فِي هَذِهِ السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا لَقَامَ بِحُجَّتِهِ."وَقَالَ عنه كذلك: مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حنيفة"
ورعه ومحنته. (6)
ابتلي رحم الله بالقضاء فرفض تورعا وخشية من الله لخطورة المنصب فجلد وضرب على ذلك وصبر على هذا البلاء وذكر الخطيب البغدادي:" كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة فأبَى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله."
ويذكر رحمه الله أنه كان من العباد الصالحين بكثرة التلاوة وإطالة القيام بالليل. حيث ذكر عَنِ القَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، قَالَ:" بَيْنَمَا أَنَا أَمشِي مَعَ أَبِي حَنِيْفَةَ، إِذْ سَمِعْتُ رَجُلاً يَقُوْلُ لآخَرَ: هَذَا أَبُو حَنِيْفَةَ لاَ يَنَامُ اللَّيلَ. فَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: وَاللهِ لاَ يُتَحَدَّثُ عَنِّي بِمَا لَمْ أَفْعَلْ، فَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاَةً، وَتَضَرُّعاً، وَدُعَاءً." وكان كثير التصدق والإنفاق في سبيل الله رحمه الله تعالى.
آثاره العلمية (7)
لقد اعتنى الإمام أبو حنيفة بالتدريس والفتوى وبناء الفقهاء ولهذا لم يترك مدونات كثيرة بخط يده، كذلك عصره لم يكن عصر تأليف كعصر من بعده، مع ذلك ترك بعض الرسائل العظيمة كالفقه الأكبر والعالم والمتعلم ورسائل أخرى.
وفي هذا يذكر ابن النديم:" وله من الكتب كتاب الفقه الأكبر،كتاب رسالته إلى البستي، كتاب العالم والمتعلم رواه عنه مقاتل كتاب الرد على القدرية.."
الفقرة الثانية: أصول المذهب.(8)
سأذكر أصول الاستدلال في المذهب من غير الخوض في الحدود والتفاصيل وإنما المراد من ذكر الأصول هنا هو للبيان من غير تفصيل.
بعض الأصول ذكرها الإمام وهي الأولية بخلاف بعض الأصول التّي استقرأها علماء المذهب من كلامه ما كان فيها أخذ ورد بين أهل العلم
فقد ذكر الإمام أبو حنيفة أصول مذهبه فقال: " إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فلما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله، أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلا قول غيرهم؛ فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فعلي أن أجتهد كما اجتهدوا"
يظهر من كلامه رحمه الله الأخذ: بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبار وأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
فلأصول عنده الأصلية: 1 _الكتاب 2_ السنة 3_ إجماع الصحابة 4_ اختيار أحد أقوال الصّحابة.
وكان شديد التمسك بالنص وأقوال الصحب الكرام والعمل على عدم مخالفتها فسئل فقال:" إِذا قلت قولا وَكتاب الله يُخَالِفهُ قَالَ اتركوا قولي لكتاب الله فَقيل إِذا كَانَ خبر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي لخَبر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل إِذا كَانَ قَول الصَّحَابَة يُخَالِفهُ قَالَ اتْرُكُوا قولي لقَوْل الصَّحَابَة..."
وكان رحمه الله يتشدد قبل قبول الرّواية لشيوع الوضع في عصره، ونقل الصيرمي "كَانَ أبو حنيفَة شَدِيد الفحص عَن النَّاسِخ من الحَدِيث والمنسوخ فَيعْمل بِالْحَدِيثِ إِذا ثَبت عِنْده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن أَصْحَابه وَكَانَ عَارِفًا بِحَدِيث أهل الْكُوفَة وَفقه أهل الْكُوفَة شَدِيد الِاتِّبَاع لما كَانَ عَلَيْهِ النَّاس بِبَلَدِهِ"
ونقل كذلك عن محمد بن الحسن " مُحَمَّد بن الْحسن رَحمَه الله قَالَ كَانَ أَبُو حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ يناظر أَصْحَابه فِي المقاييس فينتصفون مِنْهُ فيعارضونه حَتَّى إِذا قَالَ اسْتحْسنَ لم يلْحقهُ اُحْدُ مِنْهُم لِكَثْرَة مَا يُورد فِي الِاسْتِحْسَان من الْمسَائِل فَيدعونَ جَمِيعًا ويسلمون لَهُ"
وذكر الموفق المكي في كتابه مناقب أبي حنيفة ما نصه: "كلام أبي حنيفة أخذ بالثقة وفرار من القبح والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه وصلح عليه أمرهم يمضي الأمور على القياس، فإذا قبح يمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له، فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به، فكان يوصل الحديث المعروف الذي قد أجمع عليه ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً، ثم يرجع إلى استحسان أيهما كان أوفق رجع إليه."
ومما سبق تظهر الأصول الأخرى التّي يأخذ بها وهي : 1- القياس وكان يتوسع فيه رحمه الله و2- الاستحسان و3- العرف
فحاصل الأصول في مذهبه سبعة: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وقول الصحابي والقياس والاستحسان والعرف.
وقد برع في القياس وأصل فيه وكذلك الاستحسان كما سبق فقد كان يفوق أصحابه إذا استحسن إذا جادلوه في القياس، ولهذا برز الفقه الافتراضي عند الإمام وعند أتباعه والاستحسان المقصود هو المعتبر ليس مجرد الرأي والهوى فهذا لا ينسب للأئمة. فأصول المذهب هي سبعة أدلة ولا أخوض في الخلاف الواقع في بعض المسائل وكذلك الأدلة المستنبطة عند التّلاميذ.
الفقرة الثالثة: أشهر مصنفات المذهب (9)
وهي المصنفات التّي تعتبر الأصل وأهم المدونات في الفقه الحنفي هي عبارة فقه الإمام أبي حنيفة وصاحبيه وآخرين من أئمة المذهب، الذين شاركوا في بناء المذهب الحنفي، و يعتبر محمد بن الحسن الشيباني هو الناقل الأول لفقه الإمام وفقه أبي يوسف القاضي وفقهه كذلك من خلال ما دونه، و قسمت هذه المصنفات إلى ثلاثة أقسام:
أولا: كتب الأصول وتسمى ظاهر الرّواية أو ظاهر المذهب.
ومنها ما دونه محمد بن الحسن الشيباني وهي: المبسوط ويسمى ( الأصل): نقل فقه أبي حنيفة وأبي يوسف ويذكر الخلاف بين أئمة المذهب مع ذكر الآثار، والزيادات، و الجامع الصغير: جمع فيه ما رواه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، والجامع الكبير: مارواه عن أبي حنيفة من غير واسطة والسير الكبير: آخر كتب الستة وهو مارواه عن أبي حنيفة من غير واسطة فيه أحكام الجهاد والمغازي، والسير الصغير.
وهذه الكتب منقولة بالتواتر في المذهب وسميت بظاهر الرواية لاشتهارها ورواها الثقات.
ويدخل في فلك كتب ظاهر الرّواية كتاب الكافي للمروزي الذي جمع فيه الكتب الستة وكذلك المبسوط للسرخسي.
ثانيا: كتب النوادر.
وهي غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم تظهر كما ظهرت الأولى، ولم ترو إلا بطريق الآحاد بين صحيح وضعيف، كالرَّقِّيَّات وسميت بهذا لأنه ألفها: صنفها حين نزل رَقَّة ،و الكَيسَانِيَّات: نسبة لراويها شعيب بن سليمان الكيساني، و الجُزجَانِيَّات: نسبة للراوي: رواها عنه علي بن صالح الجرجاني من أصحابه، والهَارُونِيَّات: أملاها في زمن إمارة هارون الرّشيد.
ومن ذلك: الأمالي والجوامع لأبي يوسف، وكتاب المجرد للحسن بن زياد، ومنها: الروايات المتفرقة كنوادر محمد بن سماعة.
ثالثا: كتب الفتاوى: وتسمى كتب الواقعات: وهي:" الكتب التي تحتوي على المسائل التي استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد، وأبي يوسف، وزفر، والحسن بن زياد، وأصحابهم، وهلم جرا." حيث هي عبارة عن اجتهادات ليست روايات عن أئمة المذهب الأوائل.
مثل: كتاب النوازل " لأبي الليث السمرقندي، فقد جمع فيه فتاوى مشايخه، ومشايخ مشايخه، كمحمد بن مقاتل الرازي.
ومثل: مجموع النوازل والحوادث والواقعات لأحمد بن موسى بن عيسى الكشي، وكتاب الواقعات لأبي العباس أحمد بن محمد الرازي الناطفي.
وزيادة على هذه المراتب هناك كتب معتمدة في المذهب هي عبارة عن متون ومختصرات منها: المعتمد عند المتقدمين وأخرى عند المتأخرين مثل: مختصر الطحاوي، ومختصر الكرخي ووضعت من أجل ضبط أقوال صاحب المذهب، وجمع فتاويه المروية عنه، فمسائلها ملحقة بمسائل الصول وظواهر الروايات في صحتها وعدالة رواتها ومروياتها بين المتواتر والمشهور والآحاد.
وأما عند المتأخرين: فقد ذكرها اللكنوي: "واعلم أن المتأخرين قد اعتمدوا على المتون الثلاثة الوقاية، ومختصر القدوري، والكنز. ومنهم من اعتمد على الأربعة: الوقاية، والكنز، والمختار، ومجمع البحرين. وقالوا: العبرة لما فيها عند تعارض ما فيها، وما في غيرها، لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ "
فهي مختصر القدوري و الكنز لأبي البركات النسفي والوقاية لمحود المحبوبي الحنفي ومجمع البحرين لمظفر الدين الساعاتي البغدادي والمختار لأبي الفضل مجد الدين الموصلي وهي اقل درجة من حيث فقه أصحابها فمختصرات المتقدمين أكثر فقها وعلما.
ولو ذكرت كل الكتب المعتمدة في فقه المذهب أو الخلاف عند الحنفية لطال المقام.
الفقرة الرابعة: مواقع انتشار المذهب.(10)
يعتبر المذهب الحنفي من أشهر المذاهب الفقهية في العالم الإسلامي وأكثرها انتشارا، بعد أن نشأ في الكوفة وأخذ في التوسع في عصر الدولة العباسية في جميع حدودها تقريبا لجلوس أبي يوسف للقضاء في الدولة ثم أصبح رئيس القضاة فكان هو الذي يختار القضاة، وكان لا يولي إلا من كان على مذهبه، كان سببا في انتشار المذهب أنذاك انتشارا واسعا في كل من: العراق، الشام والهند والصين والغالب في أرمينية وأذربيجان، وبحيث كان تبعا لنفوذ سلطان العباسيين وضعفهم.
وفي هذا يقول ابن خلدون:" وأمّا أبو حنيفة فقلّده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصّين وما وراء النّهر وبلاد العجم كلّها. ولمّا كان مذهبه أخصّ بالعراق ودار السّلام وكان تلميذه صحابة الخلفاء من بني العبّاس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشّافعيّة وحسنت مباحثهم في الخلافيّات، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي النّاس. وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي بن العربيّ وأبو الوليد الباجيّ في رحلتهما."
ومع هذا كانت أسباب أخرى في انتشاره وهي الرحلات العلمية والتقاء العلماء ببعضهم البعض كالأسد بن الفرات الذي رحل إلى العراق وأخذ عنهم الرأي و لما عاد إلى بلاد المغرب تولى قضاء طرابلس فكان سببا في انتشار طريقة أهل الرأي والمذهب الحنفي في طرابلس في عصره إلى بداية القرن الخامس ثم انقطع، ويذكر القاضي عياض عن الأسد بن الفرات:" وكان أسد إذا سرد أقوال العراقيين يقول له مشايخ المدنيين: أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله. فيسرد أقوال المدنيين."
وهكذا في بعض الدول كمصر إلا أن مصر غلب عليها فقه الشافعي وكذلك فقهاء المالكية، أما الأندلس فكانوا مالكية فلم ينتشر المذهب في بلادهم.
وأما في الدولة العثمانية سيطر المذهب الحنفي على كثير من الدول الإسلامية تبعا لنفوذ الدولة العثمانية التّي كانت على مذهب الحنفية وفي هذا يقول ابن عابدين: (قَوْلُهُ: مِنْ زَمَنِهِ إلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ) فَالدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُمْ مَذْهَبَ جَدِّهِمْ، فَأَكْثَرُ قُضَاتِهَا وَمَشَايِخِ إسْلَامِهَا حَنَفِيَّةٌ، يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَصَفَّحَ كُتُبَ التَّوَارِيخِ وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. وَأَمَّا الْمُلُوكُ السَّلْجُوقِيُّونَ وَبَعْدَهُمْ الْخَوَارِزْمِيُّونَ فَكُلُّهُمْ حَنَفِيُّونَ وَقُضَاةُ مَمَالِكِهِمْ غَالِبُهَا حَنَفِيَّةٌ. وَأَمَّا مُلُوكُ زَمَانِنَا سَلَاطِينُ آلِ عُثْمَانَ، أَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى دَوْلَتَهُمْ مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ فَمِنْ تَارِيخِ تِسْعِمِائَةٍ إلَى يَوْمِنَا هَذَا لَا يُوَلُّونَ الْقَضَاءَ وَسَائِرَ مَنَاصِبِهِمْ إلَّا لِلْحَنَفِيَّةِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ"
ومازال المذهب الحنفي هو السّائد في: العراق، وسوريا، ولبنان، وباكستان، والهند، وأفغانستان، وتركيا، وألبانيا، والبلقان، والقوقاز، والصين.
وعذرا على الإطالة فلعل هذه السلسلة يستفيد منها الإخوة في مباحث تاريخ الفقه الإسلامي واسأل الله الإخلاص في القول والعمل. ( يتبع)
بوجلطية منير

الإحالة:
(1): عبد الوهاب خلاف، خلاصة تاريخ التّشريع ص72_80،و نصر فريد، المدخل الوسيط لدراسة الشّريعة ص 122-132، و محمد الخضري بك، تاريخ التّشريع ص 155-175، وبدران أبو العينين، تاريخ الفقه ص118، وعبد العظيم شرف الدين، تاريخ التشريع الإسلامي ص 164-174، دار العربي للنشر والتوزيع، ط:3 (1985م)، ومحمد سلام مدكور، المدخل للفقه الإسلامي ص 116-120، دار الكتاب الحديث – القاهرة، ط: 2 (1996م)، و محمد الدسوقي وامينة جابر، مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي ص 157-158.
(2): انظر: محي الدين أبي محمد بن محمد القرشي الحنفي، الجواهر المضية في طبقات الخنفية (1/52-54)، ت: عبد الفتاح الحلو، دار هجر ط:2 (1413ه- 1993م)، و المولى علاء الدين علي بن أمر الله الحميدي ( ابن الحنائي)، طبقات الحنفية، (1/160)، ت: محي هلال سرحان، مطبعة: ديوان الوقف السني بغداد، ط:1( 1426ه-2005م)، و تقي الدين بن عبد القادر المصري الحنفي، الطبقات السنية في تراجم الحنفية ( 1/86-88)، ت: عبد الفتاح حلو، نشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- الجمهورية العربية المتحدة، ط:( 1390ه-1970م)، شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي، الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان،ص 21-22، طبع: مطبعة السعادة – مصر وطبع في بومباي (1324ه)، أبو اسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، طبقات الفقهاء ص 86، ت: إحسان عباس، النّاشر: دار الرائد العربي، بيروت، ط:1(1970م)، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (15/446-447)، ت: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي –بيروت، ط1(1422ه-2002م).
(3): شمس الدين أبو عبد الله محمد بن احمد الذهبي، سير أعلام النّبلاء (6/391)، ت: مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الارناؤوط، مؤسسة الرسالة،ط:3(1405ه-1985م).
(4) انظر: محي الدين القرشي الحنفي، الجواهر المضية (1/55)، وابن الحنائي، طبقات الحنفية، (1/162-163 و169-171)، بن حجر الهيثمي، الخيرات الحسان ،ص 26-27، والذهبي، سير أعلام النّبلاء (6/391-393)، أبو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية (10/114)، ت: علي شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، ط:1(1408ه-1988م).
(5): انظر: محي الدين القرشي الحنفي، الجواهر المضية (1/56-57)، وابن الحنائي، طبقات الحنفية، (1/166-169)، وابن حجر الهيثمي، الخيرات الحسان ،ص 28، والذهبي، سير أعلام النّبلاء (6/398-399)، أبو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية (10/114)، و تقي الدين المصري الحنفي، الطبقات السنية ( 1/103-104)، والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (15/460-461).
(6): الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (15/448)،وابن حجر الهيثمي، الخيرات الحسان ،ص 37، و تقي الدين المصري الحنفي، الطبقات السنية ( 1/119-120)، الذهبي، سير أعلام النّبلاء (6/399).
(7): أبو الفرج محمد بن اسحاق بن محمد البغدادي المعتزلي ( ابن النديم)، الفهرست ص 251، ت: إبراهيم رمضان، الناشر: دار المعرفة بيروت- لبنان، ط:2(1417ه-1997م)، وأحمد النقيب، المذهب الحنفي ( مراحله وطبقاته..) (1/69-70)، مكتبة الرشد – الرياض،ط:1(1422ه-2001م)، وحدة البحث العلمي- الكويت، المذاهب الفقهية الأربعة، أئمتها وأطوارها...ص 12، ط:1(1436ه-2015م)، مصطفى بن عبد الله كاتب القسطنطيني ( حاجي خليفة)، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، (2/1437)، مكتبة المثنى- بغداد صورها عدة دور نشر، ط:( 1941م).
(8) انظر:نظام الدين أبي علي أحمد بن محمد الشاشي، أصول الشاشي ص12، دار الكتب العلمية – بيروت،ط: 1(1424ه-2003م)، والحسين بن علي أبو عبد الله الصيمري الحنفي، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص24- 25، دار عالم الكتاب – بيروت، ط:2( 1405ه-1985م)،و الشيخ محمد أبو زهرة، أبو حنيفة حياته وعصره ص 266- 267، دار الفكر العربي، ط:2(1369ه-1947م)، و عبد الوهاب خلاف، خلاصة تاريخ التّشريع ص 84-85، و الحجوي، الفكر السامي (1/ 424-425)، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (15/466)، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة ص 142، دار الكتب العلمية –بيروت، ط:؟.و، وأحمد النقيب، المذهب الحنفي ( مراحله وطبقاته..) (1/92-94)، وحدة البحث العلمي- الكويت، المذاهب الفقهية الأربعة، أئمتها وأطوارها...ص 25-30، عمر الأشقر، المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية ص 97-99، دار النفائس الأردن،ط:2( 1418ه- 1998م)، و صالح بن محمد العمري المالكي، إيقاظ أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار ص 50، دار المعرفة –بيروت، ط:؟.،
(9): انظر: أبي الحسنات عبد اللحي اللكنوي، النافع الكبير على الجامع الصغير للشيباني، ص 17-19و 23-26، إدراة القرآن – باكستان، ط: (1411ه-1990م)،و حاجي خليفة، كشف الظنون (1/81)و (2/962)، إسماعيل بن محمد أمين الباباني البغدادي، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين (2/8)، الناشر: وكالة المعارف الجليلة استانبول 1951م، وأعيد الطبع : دار إحياء التراث العربي بيروت،ط:؟،و علي جمعة محمد عبد الوهاب، المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية ص123-130، الحسين بن علي أبو عبد الله الصيمري الحنفي، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 25، والدكتور سعيد حوى، المدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ص 353- 360 ، دار الأندلس الخضراء – جدة، ط:1( 1423ه-2002م)و أحمد النقيب، المذهب الحنفي ( مراحله وطبقاته..) (1/112-113و143-149)، وحدة البحث العلمي- الكويت، المذاهب الفقهية الأربعة، أئمتها وأطوارها...ص 31-37، عمر الأشقر، المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية ص 100-107.
(10): انظر:الشيخ محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية ص 365، دار الفكر العربي –مصر ط:؟ و أبو حنيفة حياته وعصره ص 520-526، و عمر الأشقر، المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية ص 100، وأحمد النقيب، المذهب الحنفي ( مراحله وطبقاته..)، (1/10-11 )، وحدة البحث العلمي- الكويت، المذاهب الفقهية الأربعة، أئمتها وأطوارها...ص 15، ومحمد الدسوقي وأمينة جابر، مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي ص 163. وعبد الرحمن بن محمد ابن خلدون الإشبيلي، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (1/566)، ت: خليل شحادة، الناشر: دار الفكر – بيروت، ط:2 (1408ه-1988م). وأبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك (3/302)، ت: عبد القادر الصحراوي، الناشر: مطبعة فضالة – المحمدية، المغرب، ط:1.:؟. وابن عابدين محمد بن أمين الدمشقي الحنفي، رد المحتار على الدر المختار ( للحصفكي)، (1/159)،ت: عادل عبد الموجود، الشيخ علي معوض النّاشر: دار عالم الكتب – الرياض، طبعة خاصة:( 1423ه-2003م).


التعديل الأخير تم بواسطة أبو صهيب منير الجزائري ; 27 Oct 2016 الساعة 09:39 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز, أشهرالمذاهب, فقه

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013