منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 09 May 2018, 11:41 PM
محمد طه محدة السوفي محمد طه محدة السوفي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 180
افتراضي الإعلام بحكم من مات وعليه صيام لفضيلة الشيخ د. أبي حذيفة محمد طالبي حفظه الله تعالى

الحمد لله على نعمة الإسلام، والصَّلاة والسَّلام على أكرم من صلَّى وصام، نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم إلى يوم القيام، وسلَّم تسليمًا كثيرا أمَّا بعد:
إنَّ من المسائل التي اختلفت فيها الأفهام، وكثرَ فيها الكلام، خاصَّة بعد انقضاء شهر الصِّيام، مسألةَ من مات وعليه صيام، هل يُقضى عنه أو لا؟ أو ماذا يجب على وليِّه اتِّجاهه؟ قال ابن عبد البر-رحمه الله- «من مات وعليه صيام فهذا موضعٌ اختلفَ فيه العُلماء قديمًا وحديثًا»( 1) اهـ، وفي هذا البحث سأُورد أقوالهم في المسألة بأدلَّتها، وسأُبيِّن ما لها وما عليها، مع بيان الرَّاجح منها إنْ شاء الله تعالى، وذلك سيرًا على خطَّة رُسمت في المباحث الآتية:
المبحث الأوَّل: أقوال العلماء وأدلَّتهم.
المبحث الثَّاني: مناقشة أقوال العلماء.
المبحث الثَّالث: الرَّاجح من أقوال العلماء.
لكن قبل أن نشرع في المقصود لا بدَّ أن نبيِّن أوَّلاً منْ هو الذي إذا مات كان القضاءُ واجباً عليه؟
الجواب: هو الذي تمكَّن من القضاء فلم يفعل، وأمَّا من مات قبل أن يتمكَّن من الصِّيام، إمَّا لضيق وقتٍ أو لعذرٍ من مرضٍ أو سفرٍ أو نحو ذلك، فلا شيء عليه عند أكثر العلماء لعدم تقصيره.
والله أسأل أن يعينني في شأني كلَّه، وهو حسبي ونِعم الوكيل، ورحم الله من قال -وأنا أقول بقوله-:
سَأَمِضي عَلَى شَرْطِي وَبِاللهِ أَكْتَفِي * وَماَ خَابَ ذُو جِدٍّ إِذَا هُوَ حَسْبَلاَ
المبحث الأوَّل: أقوال العلماء وأدلَّتهم
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال وهي كالآتي:
القول الأوَّل: يُصامُ عنه في قضاء كلِّ صيامٍ واجب وهو مذهب أبي ثور(2) وأحدُ قولي الشَّافعي(3)، وهو مذهبه القديم(4)، واختاره النَّووي(5)، وقال به ابن حزم(6)، وهو قول أصحاب الحديث(7)، واختاره ابن باز (8)، واستدلُّوا:
1/ بما ثبت في الصَّحيحين أنَّه قال ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ))(9)
2/ وفيهما أيضًا من حديث ابن عباس قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى))(10)
3/ وبحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ((بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا»))(11).
قالوا: هذه ثلاثة أدلَّة صحيحة وصريحة في المسألة لا تحتاج إلى شرح ولا تعليق.
القول الثَّاني: يُصام عنه في قضاء صوم النَّذر فقط، وهو مذهبُ الحنابلة وصرَّح به الإمام أحمد(12)، وقال به اللَّيث وإسحاق(13)، وصحَّحه ابن القيم(14)، وأيَّدهُ الألباني(15)، واستدلُّوا:
1/ بحديث عائشة وابن عباس السَّابقين إلاّ أنَّهم حملُوا العُموم الذي في حديثيهما على رواية أُخرى من حديث ابن عباس ((إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ))(16)، وقالوا هذه الرِّواية مخصِّصة لذاك العموم، ويؤيِّدُها ما يأتي.
2/ أثر ابن عباس قال ((إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ))(17).
3/ أثر عَائِشَةَ <رضي الله عنها> أنَّ عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَأَلَتها، فَقَالَتْ لَهَا: ((إِنَّ أُمِّيَ تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا رَمَضَانُ، أَيَصْلُحُ أَنْ أَقْضِيَ عَنْهَا؟ فَقَالَتْ: " لَا, وَلَكِنْ تَصَدَّقِي عَنْهَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مِسْكِينٍ , خَيْرٌ مِنْ صِيَامِكِ عَنْهَا))(18)، قالوا: والرَّاوي أدرى بمرويِّه من غيره.
القول الثَّالث: لا يُصام عنه مطلقًا لا في قضاء النَّذر ولا في قضاء صيامٍ واجب وهذا مذهب أبي حنيفة(19)، ومالك(20)، والشَّافعي في الجديد(21)، وهو قول أصحاب الرَّأي(22) واستدلُّوا:
1/ بقوله تعالى ((وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)) النَّجم:39، وقوله ((وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) الأنعام: 164، قالوا: القولُ بوجوب قضاء الصَّوم عن الميت يلزمُ من عدم قضائه أن يحملَ الوليُّ وزر غيره، وهذا خلاف ما جاء به القرآن، ولهذا يمنع الصِّيامُ عن الغير.
2/ وبقوله ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) (23).
3/ وبما يُروى موقوفًا عن ابن عباس وابن عمر <رضي الله عنهما> ((لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ))(24)، وهذا دليلٌ صريحٌ في المنع، ومجمعٌ عليه في الصَّلاة فالصَّوم كذلك.
هذا أقوى ما استدلَّ به كلُّ فريق، ولهم استدلالاتٌ أُخرى لم أذكرها خشيةَ الإطالة وسيأتي بعضُها عند المناقشة؛ لأنَّ أصحابَ كلِّ قولٍ ناقشُوا ما عارضَ قولهم بإيراد ما يدعِّمه، وزُبدة المناقشة نسُوقُها في المبحث الآتي.
المبحث الثَّاني: مناقشة أقوال العلماء
مناقشة أصحاب القول الأوَّل:
ما أوردتُّموه من الأدلَّة تأييدًا لقولكم وإن كانت صحيحة وصريحة لكنَّ الاستدلال بها على ما رمتُمُوه غير صحيح من وجوهٍ منها:
الوجه الأوَّل: أنَّ الأصول تعارضُ ما استدللتُم به؛ فبالإجماع أنّه لا يصلي أحدٌ عن أحد، ولا يتوضَّأ أحدٌ عن أحد، كذلك لا يصوم أحدٌ عن أحد، والكلُّ عبادة لا تدخله النِّيابة في حال الحياة مع العجز فوجب أن لا تدخله النِّيابة بعد الوفاة، لذا فالأصوب أنَّه لا صيام على الوليِّ، وهذا هو الموافق لسائر العبادات؛ فإنَّه لا يقوم بها مكلَّفٌ عن مكلَّفٍ(25).
الثَّاني: أنَّها أحاديث عامَّة وقد خصِّصت وقيِّدت بصوم النَّذر بدليل رواية أُخرى من حديث ابن عباس ((إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ))، ومع تخصيصها فهي منسوخة بفتوى عائشة وابن عباس <رضي الله عنهما> بخلافِ ما روياهُ فدلَّ ذلك على أنَّ العمل على خلافهِ؛ لأنَّ فَتْوَى الصَّحابيِّ بخلافِ مَرْوِيِّهِ بمنْزِلَةِ روايتِهِ للنَّاسخ، ونسخُ الحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ الـمَنَاطِ عَنِ الاعتبارِ، وَفِي الاسْتِذْكَارِ لَمْ يُخَالِفْ بفتواهُ ما رواهُ إِلَّا لِنَسْخٍ عَلِمَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَصْلِ المـجْمَعِ عليه(26).
الثَّالث: ولو قلنا إنَّ فتوى الصَّحابيِّ بخلافِ مَرْوِيِّهِ ليست بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِخِ، إلا أنَّ فُتياهُ بِخِلَافِ مَرْوِيِّهِ دليل على أنَّ الرَّاوي أدرى بمرويِّه من غيره، أي أعلمُ بمعنى الحديث فدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ العمل عَلَى خلافِ ما رواهُ، ولهذا يحمل الصِّيام الوارد في حديث عائشة عَلَى أَنَّ الوليَّ يُطْعِمُ عَنْ ميِّته الذي مات وعليه صيام؛ وسمِّي الإطعام صيامًا على سبيل المجاز والاتِّساع لأنَّ الطَّعام قد ينوبُ عن الصِّيام بدليل قوله تعالى ((أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا)) المائدة: 95، فدلَّ هذا على أنَّهما يتناوبان في الحكم(27).
مناقشة أصحاب القول الثَّاني:
أوَّلاً: يردُّ عليهم بالوجه الأوَّل الذي نُوقش به أصحاب القول الأوَّل؛ لأنَّ النَّذر عبادة أيضًا والعبادات لا يقوم بها مكلَّفٌ عن مكلَّفٍ، وهذا أصلٌ مجمعٌ عليه كما سبق.
ثانيًا: لا يسلَّم لكم هنا القولُ بحمل المطلق على المقيّد؛ لأنَّه ليس بينهما تعارض حتَّى يجمع بينهما فحديث ابْن عباسصورة مستقلَّة سأل عنها من وقعت له وأمَّا حديث عائشة <رضي الله عنها> فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العُموم، ولأنَّ بعض الأحاديث ذكرت أنَّ السَّائلة امرأة، وفي أُخرى أنَّه رجلٌ، وفي غيرهما أنَّه سعد بن عُبادة ، كما أنَّ بعض الأحاديث فيها أنَّ الصَّوم كان شهرًا، وفي أُخرى أنَّه شهران، وفي ثالثة صوم نذر وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الأحاديث تَروي قصصًا متعدِّدة لا قصَّة واحدة حتَّى نقول بحمل المطلَق على المقيَّد، بل لا بدَّ أنْ يبقى المطلَق على إطلاقه؛ لأنَّ النَّبيَّ حين يُسألُ لا يستفصلُ هل هذا الصِّيام الواجب من رمضان أو من غيره، وهذا يجعل رمضان داخلاً في العموم؛ للقاعدة المعروفة وهي أنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ قَضَايَا الأَحْوَالِ، مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ( 28).
ثالثًا: أَنَّ النَّبِيَّ علَّلَ قضاء الصَّوْم بعلَّةٍ عَامَّةٍ لِلنَّذْرِ وغيره وهو كوْنُهُ عليها، وقَاسَهُ على الدَّيْنِ، وهذه العلَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالنَّذْرِ - أعني كوْنَهَا حقًّا واجبًا - وَالحكْمُ يعُمُّ بعمومِ علَّتِهِ، وقد استدَلَّ القائلون بالقياس في الشَّريعة بهذا، من حيثُ إنَّ النَّبِيَّ قاس وجوب أداءِ حقِّ اللَّهِ تعالى على وجوب أداءِ حقِّ العباد(29).
مناقشة أصحب القول الثَّالث:
أوَّلاً: استدلالُكم بقوله الله تعالى ((وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)) النَّجم:39 حقٌّ إلاَّ أنَّ الذى أنزل هذا هو الذى أنزل ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)) النِّساء:11 وهو الذى قال لرسوله ((لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) النِّحل:44 وهو الذى قال ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)) النِّساء:80 فصحَّ أنَّه ليس للإنسان إلاَّ ما سعى، وما حكم الله تعالى أو رسوله أنَّ له من سعى غيره عنه، والصَّوم عنه من جملة ذلك(30).
ثانيًا: من قال لكم إنَّ صوم الوليِّ عن الميِّت هو عملُ الميِّت حتَّى تستدلُّوا بهذا الخبر الذى ليس فيه إلا انقطاع عمل الميِّت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلاً، ولا المنع من ذلك، فظهر بهذا بطلانُ احتجاجكم بهذا الخبر(31).
ثالثًا: صحيح أنَّ الأصل عدم النِّيابة في العبادات البدنية؛ لأنَّها عبادة لا تدخلها النِّيابة في الحياة فكذلك في الموت إلاَّ ما ورد فيه الدَّليل فيُقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل، وقضاء الصِّيام الواجب على من مات وعليه صيام ورد فيه الدَّليل(32)، لذا قال ابن عبد البر -رحمه الله-: «لولا الأثرُ المذكور -يعني حديث عائشة <رضي الله عنها>- لكان الأصلُ القياس على الأصل المجتَمع عليه في الصَّلاة وهو عملُ بدنٍ لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ كما لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ»(33) اهـ.
المبحث الثَّالث: الرَّاجح من أقوال العلماء
بعد عرض أقوال العلماء ومناقشتها يظهر لي -والله أعلم بالصَّواب- أنَّ القول الأوَّل هو أرجحُ الأقوال ويرجِّحه ما يأتي:
أوَّلاً: أنَّ حديث عائشة <رضي الله عنها> يعدُّ مستثنًى من الأصل كما قرَّره ابنُ عبد البر -رحمه الله-، فيكون هذا الفرعُ أصلاً في مسألتنا، فلا يقبل قولٌ يعارضُه إلاَّ بدليل؛ لهذا قال ابن الصَّلاح -رحمه الله-: «من مات وعليه صيام فعلى القديم –يعني من قولي الشَّافعي- يصومُ عنه وليُّه وهو الصَّحيح للأحاديث الصِّحاح في كتاب مُسلم وغيره أنَّ من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه ولا تأويلَ له يُفرح به»(34)، قلتُ: ومن التَّأويلات التي لا يُفرح بها:
1/ قولهم إنَّ حديث عائشة <رضي الله عنها> منسوخٌ، فلا يسلَّمُ لهم بذلك؛ لأنَّ قولهم مجرَّدُ دعوى تحتاج إلى دليل كالعلم بتاريخ الدَّليلين ليعمل بالمتأخِّر ويترك المتقدِّم وأنَّى لهم ذلك.
2/ قولهم إنَّ الأمر في حديث عائشة <رضي الله عنها> يعارضُ آيتي سُورة الأنعام والنَّجم، اللَّتين استدلَّ بهما أصحاب القول الثَّالث، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنَّ الأمر فيه محمولٌ على الاستحباب لا الوجوب بدليل آية الأنعام، فهي صارفة للأمر عن الوجوب، وهذا هو قولُ جمهور العلماء خلافًا لابن حزم؛ لأنَّه لم يرد في شيء من السُّنَّة ما يدلُّ على الوجوب، فمن ادَّعاهُ طُولب بالدَّليل؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمة، وأنَّ المكلف غير ملزمٍ بأداء ما ثبت في ذمَّة غيره إلاَّ بدليل صريح، ولهذا رجَّحنا أَنَّ الصَّواب الـمُتعيِّن تجويزُ الصِّيام وتجويزُ الإطعام برًّا بالميت، لا وجوبا على الوليِّ وإنَّما الوليُّ مخيَّرٌ بينهما(35).
3/ قولهم الرَّاوي أدرى بمرويِّه وعائشة <رضي الله عنها> أفتت بالإطعام بدل الصِّيام، ومثلها ابن عباس فيجابُ عنه: بأنَّ الله تعالى إنَّما افترض علينا اتِّباع رواية الصَّاحب عن النَّبيِّ ولم يفترض علينا قطُّ اتِّباع رأي أحدٍ غيره ولو كان صحابيًّا؛ لأنَّ الصَّاحب قد يترُك اتِّباع ماروى لوجوهٍ كأنْ يتأوَّل فيما روى تأويلاً ما اجتهد فيه فأخطأ فأُجر مرَّة، أو أنْ يكون نَسي ما روى فأفتى بخلافه، أو أن تكون الرِّواية عنه بخلافه وهْمًا ممَّن روى ذلك عنه، فإذا كان كلُّ ذلك ممكنٌ، فلا يحلُّ ترك ما افتُرضَ علينا اتِّباعه من سُنن رسول الله لما لم نُؤمر باتِّباعه(36)، لهذا قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: «والرَّاجح أنَّ المعتبر ما رواهُ لا ما رآهُ؛ لاحتمال أن يُخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقَّق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده وإذا تحقَّقت صحَّة الحديث لم يُترك المحقَّق للمظنون»(37) اهـ، وقال ابنُ الملقِّن -رحمه الله-: «العبرة بما رواه على الأصحِّ»(38) اهـ، ووافقهما الصَّنعاني(39)، قلتُ: خاصَّة في هذه المسألة فإنَّ أحاديثهم التي رفعوها إلى النَّبيِّ أصحُّ إسنادًا وأشهر رجالاً ممَّا رُوي موقوفًا عنهم، وإذا كان الأمر كذلك فالعمل بالسُّنَّة مقدَّمٌ على غيره.
ثانيًا: أنَّ حديث عائشة <رضي الله عنها> عامٌّ في كلِّ صوم واجب؛ فلا يُستثنى من هذا العُموم شيءٌ إلاَّ بدليل، أمَّا قولُ أصحاب القول الثَّاني إنَّ حديث ابن عباس يخصِّص العُموم الوارد في حديث عائشة <رضي الله عنها> فلا يُصام عنه إلاَّ النَّذر أمَّا الفرض فلا؟ فيُجابُ عنه بقولنا: إنَّ تخصيصكم هذا فيه نظرٌ من جهتين:
الأُولى: كيف ترفعون دلالةَ حديثٍ عام على ما هو غالبٌ وتحملونها على ما هو نادرٌ، ولا يختلفُ اثنان أنَّ صوم النَّذر بالنِّسبة لصوم الفرض قليل، والأدلَّة إنَّما تحمل على الغالب لا على النَّادر، فكم سمعنا ونسمعُ عن إنسان ماتَ وعليه أيَّام من رمضان، وما أقلَّ ما نسمع عن إنسان ماتَ وعليه صيامُ نذرٍ، فأيُّهما أَوْلى أن يخاطب النَّبيُّ ؟ أضف إلى ذلك أنَّ حملَ الصَّوم في حديث عائشة<رضي الله عنها>على صيام النَّذر ليس بسديدٍ من جهة الصِّناعة الأُصولية؛ لأنَّه من حمل العام على صورة نادرة، وهذا تعطيلٌ لدلالة العام، حيث جاء في الحديث لفظ "صوم" نكرة في سياق الشَّرط فيعم الصَّوم أيَّ صوم واجب، فيكون رفعُ دلالة الحديث على ما هو غالبٌ، وحملُها على ما هو نادرٌ غير معقول(40).
الثّانية: أنَّ حديث ابن عباس هو في الحقيقة تطبيق عمليٌّ لحديث عائشة <رضي الله عنها>، وليس مخصِّصًا له؛ لأنَّ ذكر فردٍ من أفراد العام بحكم يُوافق العام لا يكون تخصيصًا له بل يكون تطبيقًا مبيِّنًا للعموم فيكون حديث عائشة <رضي الله عنها>، شاملاً لكلِّ صُور الواجب(41).
ثالثًا: أنَّ من تأمَّل حديث ابن عباس وجد فيه ردًّا على من استدلَّ به على قضاء صوم النَّذر فقط؛ لأنَّ النَّذر أوجبَه العبدُ على نفسه، وأمَّا الواجب بأصل الشَّرع فقد أوجبه الله على عبده، وفي حديث ابن عباس قال ((فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ))(42).
والخلاصة: أنَّ من مات وعليه صيام واجبٌ فإنَّه يُشرع لوليِّه على سبيل الاستحباب لا الوُجوب أن يصوم عنه، فإن لم يَصم عنه أَطعم عنه عن كلِّ يوم مسكينًا، والله تعالى أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.
وأختمُ بحثي في هذه المسألة بكلامٍ رصينٍ للإمام ابن القيِّم -رحمه الله- وحقَّ لكلمته هذه أن تُكتب بماء الذَّهب؛ لأنَّها تتناول قضيَّة مهمَّة تتعلَّق بمسألتنا وغيرها من مسائل الدِّين خاصَّة لمن ابْتُلي بالفتوى حيثُ قال -رحمه الله-: «يحرمُ على المفتي أن يفتي بضدِّ لفظِ النَّص وإن وافق مذهبَه...مثل أن يُسئلَ عمَّن مات وعليه دين صيام هل يصوم عنه وليُّه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليُّه، ورسول اللَّه يقول: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ))(43)،... ونظائر ذلك كثيرة جدًا، وقد كان السَّلفُ الطَّيِّب يشتدُّ نكيرُهم وغضبُهم على مَنْ عارض حديثَ رسول اللَّه برأيٍ أو قياسٍ أو استحسانٍ أو قول أحد من النَّاس كائنًا من كان، ويهجُرون فاعل ذلك، ويُنكرون على من يضربُ له الأمثال، ولا يسوِّغون غير الانقياد له، والتَّسليم والتَّلقي بالسَّمع والطَّاعة، ولا يخطر بقلوبهم التَّوقف في قبوله حتَّى يشهد له عملٌ أو قياسٌ أو يوافق قول فلانٍ وفلانٍ، بل كانوا عاملين بقوله تعالى ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)) (الأحزاب: 36)...»(44) اهـ.
هذا ما يسَّر الملكُ العلاَّم جمعه في هذا الإعلام، فإن أصبتُ فالفضل والمنَّة لذي الجلال والإكرام، وإن كانت الأخرى فمن نفسي والشَّيطان، وإنِّي أستغفر الله وأتوبُ إليه من جميع الذُّنوب والآثام، وسبحانك اللَّهمَّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلاَّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.
كتبه: أخوكم في الله أبو حذيفة محمَّد بن سعد طالبي وادي سوف المدرِّس بمدرسة الإمام مالك القرآنية امِّيه ونسه الوادي، وكان الفَراغ من إعداد هذا البحث في يوم الثلاثاء 4 صفر 1439هـ الموافق لــ: 24 أكتوبر 2017م.

(1) ينظر: الاستذكار، ابن عبد البر (3/340).
(2) نقله عنه ابن عبد البر، ينظر: الاستذكار (3/343).
(3) ينظر: التَّهذيب في فقه الإمام الشَّافعي، البغوي (3/180-181)،
(4) ينظر: الإقناع، الشِّربيني (1/242)، .
(5) ينظر: المجموع، النَّووي (6/386)، وشرح صحيح مسلم، النَّووي (8/25).
(6) ينظر: المحلَّى، ابن حزم (7/2).
(7) نقله عنهم الحافظ، ينظر: فتح الباري، ابن حجر (4/193).
(8) ينظر: مجموع الفتاوي، ابن باز (15/372-373)، .
(9) أخرجه البخاري (1952) ومسلم (1147) من حديث عائشة <رضي الله عنها>.
(10) أخرجه البخاري (6699)، ومسلم (1148).
(11) أخرجه مسلم (1149).
(12) نقله عنه أبو داود في مسائله (ص:137).
(13) نقله عنهما الحافظ، ينظر: فتح الباري، ابن حجر (4/193).
(14) ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم (4/296).
(15) ينظر: أحكام الجنائز، الألباني (ص:169-170).
(16) أخرجه البخاري (1953)، ومسلم (1148).
(17) أخرجه أبو داود (2403)، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (2078).
( 18) أخرجه الطَّحاوي في شرح مشكل الآثار (6/178)، ونقل الألباني في أحكام الجنائز (ص:170 الهامش) تصحيحه عن ابن التُّركماني وتضعفه عن البيهقي والعسقلاني ثمَّ قال «فإن كانا أرادا تضعيفه من هذا الوجه، فلا وجه له، وإن عنيا غيره، فلا يضرُّه» اهـ، وذكر له شواهد منها أثر ابن عباس المذكور أعلاه.
(19) ينظر: المبسوط، السَّرخسي (3/89)، والعناية شرح الهداية، البابرتي (2/360).
(20) ينظر: الاستذكار، ابن عبد البر (3/340)، وقال: «وهو أمرٌ مجتمعٌ عليه لا خلافَ فيه عندنا» اهـ
(21) ينظر: البيان في مذهب الإمام، أبو الحسين العمراني (3/546)، والحاوي، الماوردي (3/985-986).
(22) ينظر: معالم السُّنن، الخطَّابي (2/122).
(23) أخرجه مسلم (1631) من حديث أبي هريرة .
(24) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (1069)، والنَّسائي في الكبرى (2930)، والطَّحاوي في شرح مشكل الآثار (6/176)، وعبد الرَّزاق في مصنَّفه (16346)، واستدلَّ به الألباني في أحكام الجنائز (ص:170 الهامش)، وفي إرواء الغليل (4/354) لأنَّه يوافق آية سورة النَّجم المذكورة أعلاه.
(25) ينظر: بداية المجتهد، ابن رشد (2/62)، والحاوي، الماوردي (3/986)، وسبل السَّلام، الصَّنعاني (2/165).
(26) ينظر: عون المعبود، المباركفوري (7/27-28)، وفتح الباري، ابن حجر (4/193)، شرح الموطَّأ، الزُّرقاني (2/274).
(27) ينظر: عون المعبود، المباركفوري (7/26)، وفتح الباري، ابن حجر (4/194)، والحاوي، الماوردي (3/987)، وتوضيح الأحكام، البسام (3/526)، معالم السُّنن، الخطَّابي (2/122).
(28) ينظر: إحكام الإحكام، ابن دقيق العيد (2/25)، وفتح الباري، ابن حجر (4/193)، ونيل الأوطار، الشَّوكاني (4/280)، وتوضيح الأحكام، البسام (3/526).
(29) ينظر: إحكام الإحكام، ابن دقيق العيد (2/25-26)، وفتح الباري، ابن حجر (4/193-194).
(30) ينظر: المحلَّى، ابن حزم (7/4).
(31) ينظر: المحلَّى، ابن حزم (7/4).
(32) ينظر: فتح الباري، ابن حجر (4/194).
(33) ينظر: الاستذكار، ابن عبد البر (3/343).
(34) ينظر: فتاوى ابن الصَّلاح (1/227).
(35)ينظر: شرح صحيح مسلم، النَّووي (8/26)، والرَّوضة النَّدية، صديق حسن خان (2/25 هامش)، والشَّرح الممتع، ابن عثيمين (6/450).
(36) ينظر: المحلَّى، ابن حزم (7/5) بتصرُّف.
(37)ينظر: فتح الباري، ابن حجر (4/194).
(38)ينظر: التَّوضيح، ابن الملقِّن (13/379).
(39)ينظر: سبل السَّلام، الصَّنعاني (2/166).
(40) ينظر: الشَّرح الممتع، ابن عثيمين (6/451)، ونيل الأوطار، الشَّوكاني (4/280).
(41)ينظر: إحكام الإحكام، ابن دقيق العيد (2/26)، والشَّرح الممتع، ابن عثيمين (6/451).
(42)ينظر: فتح الباري، ابن حجر (4/193-194)، ونيل الأوطار، الشَّوكاني (4/280).
(43) أخرجه البخاري (1952) ومسلم (1147) من حديث عائشة ا.
(44)ينظر: إعلام الموقِّعين، ابن القيِّم (6/169-180).
[/center][/right]


التعديل الأخير تم بواسطة محمد طه محدة السوفي ; 10 May 2018 الساعة 12:02 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09 May 2018, 11:47 PM
محمد طه محدة السوفي محمد طه محدة السوفي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 180
افتراضي


بيان وتوضيح
الحمد للّه و صلّى اللّه على نبيّنا محمّد ، و على آله و سلّم تسليماً ، و بعد :
وزيادة على بيان الشيخ أبي عبد الرحمن الأحمد ( الدكتور فؤاد عطاالله)فيما يخص المقال المنشور في مجلة الإصلاح المعنون ب (الإعلام بحكم من مات وعليه صيام ) لشيخنا أبي حذيفة محمد بن سعد طالبي فهو قبل هذه الأحداث الأخيرة وقبل هذا التمحيص -ولا أقول قبل هذه الفتنة- وقد كلفني الشيخ محمد طالبي-وفقه الله- كعادته بإرساله إلى دار الفضيلة وكان ذلك يوم 28أكتوبر2017. وهذه هي رسالتهم التوجيهية التلقائية على أن المقال قد وصلهم.
فالمقال ليس بجديد وقد كان قبل هذه الأحداث ومن أراد التأكد فليراجع التاريخ في الصورة.
والحمد لله موقف الشيخ محمد طالبي واضح لا غبار عليه كما أشار إلى ذلك الدكتور أبو عبد الرحمن الأحمد، وهذا من توفيق الله وحده، فله الحمد أولا وأخرا.
نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن يجمع كلمة إخواننا والمشايخ وطلاب العلم على الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
رابط موضوع الشيخ الدكتور فؤاد عطاالله من هنا
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg 32130512_664657453874739_1082109176206852096_n.jpg‏ (30.9 كيلوبايت, المشاهدات 3550)

التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر ; 10 May 2018 الساعة 10:56 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10 May 2018, 12:11 PM
عبد الله سنيقرة عبد الله سنيقرة غير متواجد حالياً
عفا الله عنه
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 268
افتراضي

جزى الله المحمدين -كاتب المقال وناقله- خير الجزاء على هذا المقال العلمي النافع. وثقل بها موازينكما يوم الدين.

التعديل الأخير تم بواسطة عبد الله سنيقرة ; 10 May 2018 الساعة 04:17 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10 May 2018, 07:19 PM
ابومارية عباس البسكري ابومارية عباس البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: الجزائر بسكرة
المشاركات: 704
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ابومارية عباس البسكري
افتراضي

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز, صيام, فقه, قضاءالميت

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013