منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 23 Dec 2014, 09:37 AM
أبو البراء
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي التَّنكيل بما جاء به ميلود الباتني من أباطيل في تعقُّبه على الشَّيخ الجليل

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله النَّبيِّ الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:
فقد كتب أبو عبد الرَّحمن بن عيسى الجزائري المعروف بميلود الباتني رسالةً في التَّعقيب على الشَّيخ الكبير والعلَم المستنير أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله وأعلى أعلامَه ـ، يُنكر عليه فيها أنَّه استثنى من تكفير سابِّ الله تعالى من غَضِبَ غضبًا شديدًا أفسد عليه قلبه وعقله وأُغلق عليه بسببه، وذلك في جزءٍ صغيرٍ يقعُ في (27) صفحة، عنوانه: «حكمُ سابِّ الله في حال الغضب الشَّديد»، نشرَتها على الشَّبكة «دار الحكمة».
وقد وقعت إليَّ نسخةٌ منها، ولمَّا كان ليس كلُّ من يقرأ ما كُتب ينتبه إلى ما فيه من الإخلال والإيهام والتَّناقض كتبتُ هذه النَّشرة المختصرة في بيان ذلك، وإذ إنَّ كاتبها ـ هداه الله رُشده ـ قد التزم مع الشيَّخ الأدب في الجملة فلم يسفِّه ولم ينحدر إلى درَكات الشَّتائم المعهودة من أضرابه فقد التزمتُ معه الحوار العلميَّ على نحو ما سلكَ هو، وأسأل الله تعالى ـ لي ولَهُ ولسائر المسلمين ـ حسنَ القصد، وسَدَاد القول والعمل، والهداية إلى صراطِ الله المستقيم.
وبين يدي الكلام أقول:
إنَّ الشَّيخ الكبير أبا عبد المعزّ ـ رعى الله عزيز أنفاسِه بكريم ألطافِه ـ قد صارَ محنةً يتميَّز بها السُّنِّي الصَّادق من المبتدع الغارق، كما أنَّه لِمَا حباه الله من القبول في مشارق البلاد ومغاربها، وسيرورة فتاويه فيهم مسيرةَ الشَّمس في مضاربها، صارَ كلُّ من رام الذِّكر والاشتهار يُعلن بالوقيعة فيه، ومن مِنَّة الله على الشَّيخ أن ألهمه الإعراضَ عنهم ليموتوا بداءِ الكمد الَّذي شوى أكبادهم.
فهذا الهالك شمس الدِّين البوروبي قد جعل من ديدنه الطَّعن بالشَّيخ تصريحًا وتلميحًا لمَّا أثخنته سهام الحقِّ الَّتي يقذف بها الشَّيخُ على أمثاله.
ومثلُه البُوق المستأجَر عبد الفتَّاح حمداش الَّذي صار يشهِّر بالشَّيخ على الجرائد ويركب ظهر الوقيعة فيه.
وهكذا الفاجر البذيء عبد القُدُّوس مناصرة الَّذي يعلم كلُّ من وقف على كلامه أنَّه رجل لا يَرقُب الله تعالى فيما يقول، وكلامُه كلامُ من لا يخشى الوقوف بين يدي الجبَّار تبارك وتعالى.
وكذلك فرخُ الحدَّاديَّة الآخر يوسف العنَّابي الَّذي عوَّل على تنقُّص الشَّيخ لإشهار نفسه وإعظامها في أعين العُمْش الَّذين مِن حوله .
وقد التحق بالرَّكب آخرًا عبد الحميد العربي فنكص يسوِّد صفحات «الفيسبوك» ـ لا بارك الله فيه وفي أصحابه ـ ليعلن على نفسه الرَّكض في ميدان الخسارة الَّذي سبقه فيه المفرِّدون في الضَّلال من أهل هذا البلد الطَّيِّب ـ صانَ الله أهله من كلِّ سوء وحماهم من كلِّ مكروه ـ.
أمَّا بعد: فقد ساقَ الميلود ـ أصلحه الله ـ فتوى الشَّيخ في تكفير سابِّ الله تعالى وتقريره ذلك من أدلَّة الكتاب والسُّنَّة وإجماع الحجَّة من أهل العلم، إلى أن استثنى الشَّيخُ من أُغلق على قلبه بسبب الغضب الشَّديد، فإنَّه صار في حكم المجنون فلا أثر لما يفعله ويقوله من جهة الأحكام التَّكليفيَّة، وإن كان لا أثر له في إسقاط شيءٍ من الأحكام الوضعيَّة كالإتلافات وما جرى مجراها.
ثمَّ إنَّه بعد أن ساقَ الفتوى كاملةً شرع في نقدها، وسأسوق كلامه على ترتيبه في جزئه ذاك، وأتبعُه بما يتيسَّر من البيان.

حجَّة المنتقد الأولى وجوابها
قال في أوَّل ما قال: «ولا يُعرف عند أهل العلم المحقِّقين من السَّلف الَّذين يُعتمد قولهم في مثل هذه المسائل كالإمام أحمد والشَّافعي ومالك وإسحاق بن راهويه وأصحابهم ولا عند أتباعهم أنَّهم استثنوا حالة الغضب مطلقًا، لا شديدًا ولا دونه، فكلُّ من نُقل عنه القول بالتَّكفير بالنسبة لسابِّ الله ـ جلَّ وعلا ـ لم يستثنوا أحدًا سوى المكره، فهلَّا سلك مسلكهم».
أقول: نعم، لم يُنقل عنهم التَّفصيل ولا استثناء الغضب الشَّديد، كما لم يُنقل عنهم استثناء النَّائم والمجنون والصَّبي الصَّغير، لأنَّ الأحكام الشَّرعية إنَّما تُقرَّر بحسب القواعد الشَّرعيَّة العامَّة، فقد عُلم أنَّ الكلام فيمن هو أهلٌ للتَّكليف، فلا يحتاج من يتكلَّم فيها أن يستصحب دائمًا استثناءَ من ليس أهلًا للتَّكليف، لأنَّ الفرض أنَّ الكلام في حقِّ المكلَّفين، وممَّا يدلُّ على ذلك ويوقف عليه من كلام المنتقد نفسِه أنَّه سلَّم استثناء المكرَه، فقال (ص/8): «فكلُّ من نُقل عنه القول بالتَّكفير بالنِّسبة لسابِّ الله ـ جلَّ وعلا ـ لم يستثنوا أحدًا سوى المكره»، مع أنَّه ليس في كلام أحدٍ ممَّن نَقَل كلامَه تصريحٌ باستثناء المكرَه، وإنَّما سلَّم به مع أنَّهم لم ينصُّوا على استثنائه لأنَّ الكلام إنَّما هو في المكلَّف مطلقًا بغضِّ النَّظر عمَّا قد يعرض له من الأمور المانعة من التَّكليف، وبهذا علَّل الشَّيخُ أبو عبد المعزّ ـ حفظه الله ـ إخراجَه له من الحكم فقال: «لأنَّ جميع الأقوال والتَّصرُّفات مشروطةٌ بوجود التَّمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشَّرع اعتبار..».
وقد أشار البخاري رحمه الله إلى هذا المعنى وهو التَّسوية بين الإكراه والإغلاق في رفع التَّكليف سواءٌ فيما تعلَّق بمسائل الكفر والشِّرك أو بغيرها من الأحكام والفرائض بقوله: «باب الطَّلاق في الإِغلاق والكُرْه، والسَّكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنِّسيان في الطلاق والشِّرك وغيره، لقولِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأعمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى»، فبيَّن رحمه الله أنَّ الأحكام الَّتي ذكَرها وهي الطَّلاق والشِّرك وغيره كلُّها «يجمعها أنَّ الحكم إنَّما يتوجَّه على العاقل المختار العامد الذَّاكر، وشمل ذلك الاستدلالُ بالحديث، لأنَّ غير العاقل المختار لا نيَّة له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالطُ والنَّاسي والَّذي يُكره على الشَّيء»، قاله الحافظ في «الفتح» (9/389)، والغرض منه أنَّ البخاريَّ رحمه الله قد سوَّى بين الإكراه وغيره من العوارض لاجتماعه معها في علَّة عدم المآخذة وهي زوال العقل وفساد القصد، وإن أُخذ من عطفه الإغلاقَ على الإكراهِ أنَّه يغاير بينهما ويرى الإغلاق هو الغضب كما هو منقولٌ عن الإمام أحمد وغيره على ما أشار إليه الحافظ في «الفتح» كان هذا أبيَن في الدَّلالة على المقصود من كلامه.
وقال ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» (4/430) بعد أن حكى عن مسروق والشَّافعي وأحمد وأبي داود والقاضي إسماعيل أنَّهم فسَّروا الإغلاق في قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغلَاقٍ» بالغضب، قال: «وهو من أحسن التَّفسير، لأنَّ الغضبان قد أُغلق عليه باب القصد لشدَّة غضبه، وهو كالمكره، بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره، لأنَّ المكره قد قصد رفع الشَّرِّ الكثير بالشَّرِّ القليل الَّذي هو دونه، فهو قاصدٌ حقيقة، ومن هاهنا أوقع عليه الطَّلاق من أوقعه، وأمَّا الغضبان فإنَّ انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السَّكران والمجنون، فإنَّ الغضب غولُ العقل يغتاله كما يغتاله الخمر، بل أشدُّ، وهو شعبة من الجنون، ولا يشكُّ فقيه النَّفس في أنَّ هذا لا يقع طلاقه...».
قلت: كما لا يشكُّ فقيه النَّفس في أنَّه لا يقع عليه حكم التَّكفير إن تلفَّظ بكلمة الكفر في ذلك الحال، وهو أولى بالعذر من المكره كما تقدَّم.
وقال رحمه الله (5/455): «المخرج الثَّاني ـ أي من حيلة التَّحليل المحرَّمة ـ: أن يطلِّق أو يحلف في حال غضبٍ شديدٍ وقد حال بينه وبين كمال قصده وتصوُّره، فهذا لا يقع طلاقه، ولا عتقه، ولا وقفه، ولو بدرت منه كلمةُ الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهذا نوعٌ من الغلق والإغلاق الَّذي منع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقوع الطَّلاق والعتاق فيه، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره...»، قال: «وقسَّم شيخ الإسلام ابن تيميَّة قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ يزيل العقل كالسُّكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب، وقسمٌ يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصوُّرِ ما يقول وقصدِه، فهذا يقع معه الطَّلاق، وقسمٌ يشتدُّ بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبُّت والتَّروِّي ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محلُّ اجتهاد» اهـ.
فتأمَّل إطلاقه أنَّه لو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر، فهو صريحٌ في المقصود من إسقاط التَّكليف على من أُغلق عليه بابُ القصد بالغضب الشَّديد.
وتأمَّل ما حكاه عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله من تسويته في ذلك الحال بالسُّكر، وأنَّ ذلك علَّة عدم وقوع طلاقه، وقد صحَّ من سنَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ المتلفِّظ بكلمة الكفر حالَ السُّكر الَّذي لا يدري معه ما يقول ليس مآخذًا به وذلك في قصَّة حمزة ï*¬ عمِّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال عليٌّ رضي الله عنه: «بَقَرَ حمزةُ بطنَ شارفيَّ، فطفق النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يلوم حمزة، فإذا حمزة ثِمِلٌ محمرَّة عيناه، ثمَّ قال حمزة: وهل أنتم إلَّا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قد ثَمِل، فخرج وخرجنا معه»، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ، قال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (5/210): «وهذا القول لو قاله غير سكرانٍ لكان ردَّةً وكفرًا»، وقد استدلَّ به البخاريُّ رحمه الله على عدم لزوم طلاق السَّكران، فإنَّه لا عقل له، وحكى على أثَرِه عن عثمان رضي الله عنه أنَّه قال: «ليس لمجنونٍ ولا لسكران طلاقٌ»، وقال الطَّحاويُّ محقِّقًا هذا المعنى محتجًّا عليه: «أجمع العلماء على أنَّ طلاق المعتوه لا يقع، فالسَّكران معتوهٌ بسُكره»، نقله ابن بطَّال في «شرح البخاري» (7/413)، والمعتوه هو ناقص العقل، فإذا أُلحق به السَّكران لزوال علقه فالمغلَق عليه بالغضبِ مثلُه، وإذا لم يؤاخِذ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم السَّكران بما قال، وقد صحَّ أنَّه في معنى المجنون عند الصَّحابة والأئمَّة فقد ثبت ثبوتًا بيِّنًا أنَّ الغضبان غضبًا لا يدري معه ما يقول غيرُ مآخذٍ بما قال، وهو المقصود.
ولهذا أفتى من أفتى من العلماء المعتبرين بمثل ما أجاب به الشَّيخ فركوس، قال الشَّيخ الإمام محمَّد بن عثيمن رحمه الله كما في «مجموع فتاويه» (2/154): «فهذا الرَّجل الَّذي ذكر عن نفسه أنَّه سبَّ الدِّين في حال غضب نقول له: إن كان غضبك شديدًا بحيث لا تدري ما تقول ولا تدري حينئذ أأنت في سماءٍ أم أرضٍ وتكلَّمت بكلامٍ لا تستحضره ولا تعرفه فإنَّ هذا الكلام لا حكم له، ولا يُحكم عليك بالرِّدَّة، لأنَّه كلامٌ حصل من غير إرادة وقصد، وكلُّ كلامٍ حصل من غير إرادة وقصد فإنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُؤاخِذ به...».


تقويلُ المنتقد الشيخَ ما لم يقله وتحميله كلامَه ما لا يحتمله
ثمَّ قال المنتقد (ص/9): «ثمَّ عرفتُ بعدُ أنَّ (فركوس) ـ كذا كتبَها، كأنَّه عامَلَه معاملةَ الممنوع من الصَّرف وليس كذلك ـ يقيِّد تكفير السَّاب لله ـ جلَّ وعلا ـ بالشُّروط والموانع، وذلك لمَّا وقفت له على فتوى صوتيَّة في موقعه تبيِّن بجلاء أنَّه يقول بهذا القول الباطل»، ثمَّ نقل الفتوى وفيها: «هل إذا كان الرَّجل يسبُّ الله سبحانه وتعالى وهو مجنون، أو هو صبيٌّ أخذ عن غيره، أو هو في مجتمع لا يجعلون مثل هذه الألفاظ غاية ما فيها أنَّها سبٌّ وليست كذلك لمن عاش في مكان يعني يختلف فيه مثل هذا، هل يتحقَّق فيه حكم الكفر مع وجود لربَّما هذه الموانع، فالواجب والحالة هذه لا بدَّ أن ننظر إلى هذه الجوانب بالنِّسبة إلى المعيَّن..»، ثمَّ قال معلِّقا عليها في كلامٍ: «وهذه جناية عظيمةٌ أن يجعل سابَّ الله خاضعًا للشُّروط والموانع، وهي هفوةٌ كبيرةٌ وقع فيها كثيرٌ ممَّن كتب في الموضوع...».
أقول: مع أنَّ الشَّيخ في الفتوى لم يطلق القول بالشُّروط والموانع حتَّى يدخل فيها الجهلُ والتَّأويل والمزاح ونحوها من الأمور الَّتي قد تُعتبر في غير هذا الموضع، بل بيَّن ما يعني بالشُّروط والموانع، وأنَّها عوارض الأهليَّة الَّتي لا يكون الرَّجل بها مكلَّفًا أصلًا، وذلك كالجنون والصِّغر، فما كان ينبغي للمنتقد أن يُلزم الشَّيخ بكونه يرى أنَّ الباب تجري عليه الموانع والشُّروط بإطلاق، فيُفهم أو يوهم ما هو غير مرادٍ للشَّيخ بصريح كلامه.
وقد كنت أظنُّ أنَّ الإيهام في كلامه يقف عند هذا الحدِّ، إلَّا أنَّه زاد فيه وأوغل حتَّى قال (ص/10): «إذ إنَّ من موانع التَّكفير الجهل والتَّأويل، فهل يُعقل أن يجهل أحدٌ ربَّه جلَّ وعلا، وهل يُتصوَّر أن يحصل له تأويل في سبِّ الله جل وعلا..»، وهذه منه دَرَكَة سحيقة في مجانبة الإنصاف، ما كان يليق به أن ينحدر إليها، بل كان يقتضي منه العدلُ الَّذي هو أعزُّ ما يتدثَّر به النَّاقد أن يبحث مع الشَّيخ في الموانع الثَّلاثة الَّتي ذكرها، ولا يأخذ العبارة الجامعة الَّتي يفسِّرها على حسب ما يشتهي ليُلزم الشَّيخ بما لا يقول به ولا يعتقده.
بلى، قد ناقش الشَّيخَ في واحدةٍ من الثَّلاثة الَّتي أبداها ـ وبئس ما صنع في مناقشته إيَّاه فيها ـ ، فإنَّ الشَّيخ ذكر الجنونَ، والصِّغرَ، وكونَ العبارة ليست سبًّا في مجتمع السَّابِّ، فأعرض عن الأوَّلَين لأنَّه ليس عنده ما يدفع كلامَ الشَّيخ فيهما وهما ممَّا اتَّفق عليه المسلمون، واشتغل بمناقضة الشَّيخ في الثَّالث، ففسَّره بما لا يخطر على بالِ مسلمٍ، فضلًا عن الشَّيخ في علمه ومكانه، وهذا نصُّ كلام المنتقد، قال في (ص11): «وقد زاد الأمرَ سوءً عندما قرَّر هنا في هذه الفتوى أنَّ سبَّ الله جلَّ وعلا إذا كان في مجتمعٍ يجعلونه مجرَّد سبٍّ، أي أنَّه نوع من أنواع السِّباب الَّتي يتسابُّون بها فيما بينهم، فمثلًا: واحد يسبُّ شخص آخر (كذا، وهي جملةٌ عاميَّةُ التَّركيب والإعراب) والآخر يردُّ عليه بسبِّ الله جلَّ وعلا، فهذا عند الدُّكتور فركوس ليس سبًّا لله ـ جلَّ وعلا ـ ما دام أنَّه من جملة السِّباب الَّتي يتسابُّ بها أهل ذلك المجتمع، وإن تعجب فاعجب من هذا التَّقرير».
نعم ـ والله ـ يا أبا عبد الرَّحمن! لقد تعجَّبتُ منه فلم أقض العجب، لكن عجبي إنَّما هو من إقدامك على تفسير كلام الشَّيخ بهذا الوجه القبيح الَّذي لا يخطر على بال، كيف ساغ لك أن تظنَّ بالشَّيخ هذا المذهب أو تحمله عليه؟! لئن كان هذا صدقًا ما فهمتَه من كلام الشَّيخ فقد ـ والله ـ قصَّرت في إبطاله وما وفَّيته حقَّه من الإنكار، وإن كنت تظنُّ خلافَ ذلك وعمَّيت على القارئ فالله حسيبك.
أمَّا الشَّيخُ فحاشاه وحاشا كلَّ مسلم يؤمن بالله ربًّا من هذا التَّأويل المنكر البعيد، ولكن مراد الشَّيخ واضحٌ في أنَّه يقرِّر شيئًا واقعًا ملموسًا نعيشه كلُّنا في بلادنا المتَّسعة الأقطار متعدِّدة اللَّهجات والأصول، فالرَّجل قد يتكلَّم في بيته وبين أهله وأمام والديه بعبارةٍ شائعةٍ فيهم مشتهرةٍ فيما بينهم لا يرونها سبًّا ولا يعدُّونها فحشًا، والكلمةُ نفسها هي عند غيرهم سبٌّ وإقذاعٌ وفاحشٌ من القول تتنزَّه عنه مجالسُ أهل العفَّة والحشمة، فإذا تكلَّم الرَّجل بكلمة هي عنده في مجتمعه ليست سبًّا فإنَّما يُنزَّل الحكم عليه بحسب عرفه هو، لا بحسب عرف غيره ممَّن يجعل تلك الكلمة سبًّا، هذا الَّذي لا يُفهم من كلام الشَّيخ سواه، كيف وقد قابل بين المجتمعات ونصَّ على قوله: «وليست كذلك لمن عاش في مكان يعني يختلف فيه مثل هذا»، فبيَّن مراده أتمَّ بيان، والله المستعان.
مع أنَّه قد سلَف للمنتقد أن نقلَ عن الشَّيخ في فتواه المحرَّرة خطًّا قولَه: «فما عدَّه أهلُ العرف سبًّا وانتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السَّبِّ»، فقد اعتبر كلِّ ما هو سبٌّ عرفًا سبًّا مخرجًا من الملَّة، وهو تنصيصٌ يزيل وهمَ الواهِمِ لو أنصف ، ولكن هيهات الإنصافُ من نفسِ ناقدٍ يتطلَّب العيب.
وقد سبق الشَّيخَ إلى تقريره هذا غيرُه من أهل العلم ممَّن نصَّ على ضرورة اعتبار المفتين لأعرافِ النَّاس ومقاصدهم من عباراتهم، حتَّى عدَّ القرافيُّ من لا يعتبر ذلك من المفتين فاسقًا ساقطَ الأهليَّة، بل قرَّر رحمه الله أنَّ من أفتى مهملًا لهذه المدارك الَّتي تتغيَّر بتغيُّر الأعراف فهو خارقٌ للإجماع، فانظر بعضَ كلامه في «الفروق» (3/283).

حجَّة ثانية للمنتقد وجوابها
ثمَّ رجع المنتقد إلى مسألة العذر بالغضب، وعابَ على الشَّيخ استثناءَ الغاضب غضبًا شديدًا مع أنَّه سبق له ـ يعني الشَّيخَ فركوسًا ـ أن قرَّر أنَّه «إنَّما ينبعث عن نفس شيطانية ممتلئةٍ من الغضب..»، ونقلَ نحو عبارته هذه عن شيخ الإسلامِ تقيِّ الدِّين ابن تيميَّة رحمه الله، وعلَّق عليه بقوله: «فهذا كلامٌ صريحٌ من شيخ الإسلام رحمه الله في أنَّ الغضب الشَّديد هو من الأسباب الباعثة على سبِّ الله ـ جلَّ وعلا ـ، وهو يعني بهذا أنَّ الغضب الشَّديد ليس بعذرٍ مسقطٍ للمآخذة».
قلت: قد تقدَّم الجواب الجامعُ عن هذا، وهو أنَّ الغاضب غضبًا يُغلَق عليه به بمنزلة المجنون والصَّغير فاقدِ العقل، فلا تكليف عليه ولا مآخذة بأقواله، وكونه باعثًا على السَّبِّ واضحٌ، ولا يلزم منه أن يشمَل المغلَق عليه لأنَّ كلام الشَّيخ تقيِّ الدِّين هو فيمن الفرضُ أنَّه مكلَّف، وهو من لم يصل الغضب به إلى حدِّ الإغلاق، وما دام أنَّ المنتقد يعلَم أنَّ الغضب درجاتٌ وأنَّ الكلام هو فيمن وصل به الحال إلى الإغلاق، فلم يكن من الجيِّد في حقِّه أن يأخذ كلامه عن أصل الغضب ويحمله على الدَّرجة الَّتي يريد هو، مع وجود الفرق الواضح المؤثِّر بين المسألتين، وكان يكون اكتفاؤه بنقل ابن تيميَّة جاريًا على وفق الأمانة والجادَّة المسلوكة لو أنَّه نصَّ على الغضب الشَّديد الَّذي يُغلَق على صاحبه ـ وهو محلُّ الخلاف ـ أو كان كلامه على مسألة عامَّة تستوي جزئيَّاتها في مدار الحكم ومبناه، وليس الحال هنا كذلك، لأنَّ المغلَق عليه فارقَ أصلَ الغضب بفقد العقل الَّذي هو شرطٌ في التَّكليف.
ــــــ
إفادة: هذه الحلقة الأولى من ثلاث حلقات، تُرفع واحدةٌ كلَّ أسبوع إلى أن تتمَّ في خير ـ إن شاء الله ـ، ثم تُجمع في ملفٍّ واحد (pdf)، وترفع للتحميل.


التعديل الأخير تم بواسطة أبو البراء ; 23 Dec 2014 الساعة 09:56 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23 Dec 2014, 10:41 AM
سليم حموني سليم حموني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
المشاركات: 67
افتراضي

جزاك الله خيرا على حسن التحرير لمثل هذه المسائل التي قد يقع الالتباس فيها لكثير منا.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23 Dec 2014, 10:55 AM
زين الدين صالحي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم أخانا الفاضل أبا البــراء .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23 Dec 2014, 11:23 AM
أبو عبد الرحمن محمد الجزائري أبو عبد الرحمن محمد الجزائري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: May 2014
الدولة: الجزائر
المشاركات: 241
افتراضي

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته :
عجبا لزمن كثر فيه خبثه ... فتجرأ سفيهه على فقيهه ، لكن إعلم حفظك الله أن ما زادهم من أمرهم إلاّ خسارا ، يظنون خيرا بأنفسهم وهم لا يعلمون ، و يمنون أنفسهم العلم و هم جاهلون ، كيف لا و إن علموا ما تكلموا ليهدوا حسناتهم إن كانت لهم لمن بارك الله في علمه ، فهنيئا لك أبا عبد المعز .
أحسنت أخي خالد في تحريرك لهذا المقال ، وحق لك هذا لأننا ما عرفناك إلا مدافعا مبينا لا متعصبا .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23 Dec 2014, 11:56 AM
أبو عبد الله حيدوش أبو عبد الله حيدوش غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
الدولة: الجزائر ( ولاية بومرداس ) حرسها الله
المشاركات: 642
افتراضي

جزاك الله خيراً أستاذ" خالد حمودة "
حفظ الله شيخنا العلامة الفقيه" أبي عبد المعز محمد علي فركوس" "
قال بعض السلف""
ولو أن العلماء تركوا الذب عن الحق خوفاً من الخلق لكانوا قد أضاعوا كثيرا و خافوا حقيرآ
وكذلك يقال
ولو أن طلبة العلم تركوا الذب عن علمائهم خوفاً من الخلق لكانوا قد أضاعوا كثيرا و خافوا حقيرآ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23 Dec 2014, 12:16 PM
عبد الرحمن رحال عبد الرحمن رحال غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
الدولة: الجزائر / بسكرة.
المشاركات: 346
افتراضي

أحسن الله إليك أخانا الفاضل أبا البراء على ما سطرت، فقد أثلجت صدورنا بنصرك للحق، ودحضك للباطل، ودفاعك عن شيخ -حفظه الله-قد صارَ محنةً يتميَّز بها السُّنِّي الصَّادق من المبتدع الغارق.
وما يسعنا أن نقول للمنتقد-هداه الله- إلا كما قال القائل:
يا ناطح الجبلَ العالي ليَكْلِمَه *** أَشفق على الرأسِ لا تُشْفِق على الجبلِ.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23 Dec 2014, 12:57 PM
أبو حفص محمد ضيف الله أبو حفص محمد ضيف الله غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 436
افتراضي

بارك الله فيك شيخ خالد وجزاك الله خيرا .
وإن هناك من الأمور والكلمات الغامضة الغريبة التي صدرت من ميلود الباتني التي لو طلب منا مشايخنا الإفصاح عنها لفعلنا ، ولكن كما يقال لكل مقام مقال .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23 Dec 2014, 01:53 PM
أسامة العابد أسامة العابد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2014
الدولة: الجزائر
المشاركات: 159
افتراضي شكر

بارك الله فيك أبا البراء وجعلها في ميزان حسناتك
ونسأل الله ان يحفظ شيخنا من كيد الكائدين ومكر الماكرين
انه خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23 Dec 2014, 02:04 PM
أبوأنس عبداللطيف الجزائري أبوأنس عبداللطيف الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
المشاركات: 17
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا خالد حمودة في دفاعك عن علم من أعلام أهل السنة والجماعة شيخنا الوالد أبي عبدالمعز محمد علي فركوس حفظه الله وكشفك حقيقة هذا المتعالم ميلود الباتني الذي طعن في أحد كبار العلماء الربانيين ومايسعني الا أن اذكر نفسي واخواني تزكية شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله لشيخنا العلامة محمد علي فركوس قال العلامة الإمام و المحدث الهمام ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله -
( وعلماء السنة في كل مكان يحرمون المظاهرات ولله الحمد، ومنهم علماء المملكة العربية السعودية، وعلى رأسهم العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي المملكة سابقاً، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، وهيئة كبار العلماء وعلى رأسهم مفتي المملكة الحالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان وفضيلة الشيخ صالح اللحيدان، ومحدِّث الشام محمد ناصر الدين الألباني، وعلماء السنة في اليمن وعلى رأسهم الشيخ مقبل الوادعي، وعلماء الجزائر وعلى رأسهم الشيخ محمد علي فركوس، رحم الله من مضى منهم، وحفظ الله وثبّت على السنة من بقي منهم، وجنّب المسلمين البدع والفتن ما ظهر منها وما بطن. )من مقاله : حكم المظاهرات في الإسلام
نِعْمَ الاعتراف بالفضل من أهل الفضل لؤلي الفضل
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23 Dec 2014, 02:33 PM
بلال بريغت بلال بريغت غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: قسنطينة / الجزائر.
المشاركات: 434
إرسال رسالة عبر Skype إلى بلال بريغت
افتراضي

رد علمي متين بأسلوب مؤدب ، بارك الله فيك وجزاك الله خيرا أخي خالد أثلجت صدورنا
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 23 Dec 2014, 04:14 PM
لزهر سنيقرة لزهر سنيقرة غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 342
افتراضي

بورك فيك أخي خالد على هذا الرد الرصين والمؤصل على هذا الشاب الذي لو تأدب وتواصل مع الشيخ لفهم ما جهل، لكنه التعالم والتطاول الذي ابتلي به هؤلاء، نسال الله أن يهديهم ويوفق شيخنا ويسدده وينير دربه، ومزيد من التوفيق والتسديد لأخي خالد، وأن ينفع الله به.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 23 Dec 2014, 04:41 PM
أبو سهيل محمد القبي أبو سهيل محمد القبي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
المشاركات: 207
افتراضي

ذبّ الله تعالى عن وجهك النار، كما دافعت عن شيخنا أبي عبد المعز ما ألصقه به هذا المتطاول ـ هداه الله ـ
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 23 Dec 2014, 04:51 PM
أبو عبد السلام جابر البسكري أبو عبد السلام جابر البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 1,228
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد السلام جابر البسكري
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي الحبيب خالد حمودة
والله اشتقنا لدررك النفيسة الغالية ، بارك الله في علمك وعملك وعمرك
- آمين-
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 23 Dec 2014, 05:22 PM
أبوعبد الله مهدي حميدان السلفي أبوعبد الله مهدي حميدان السلفي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
الدولة: الجزائر /باتنة /قيقبة
المشاركات: 590
افتراضي

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 23 Dec 2014, 05:54 PM
يوسف بن عومر يوسف بن عومر غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2013
الدولة: الجزائر-ولاية سعيدة
المشاركات: 594
افتراضي

وفقك الله أخانا "خالد"
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, مميز, الباتني, ردود

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013