منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 16 Jan 2019, 01:09 AM
أبو بكر يوسف قديري أبو بكر يوسف قديري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 177
افتراضي إرشاد الحائر إلى أنّ من صريح القذف: يا عاهر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الذي بعثه رحمة للناس وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فقد قال الله عز وجل في سورة النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}



وإن من المنكر العظيم ما صدر عن ابن هادي شيخِ المصعفقة المفرّقين قبل حوالي سنة حيث قذف رجلا مسلما بالزنى، ووصفه بالعاهر؛ كما في هذا المقطع:
https://d.top4top.net/m_1109vuiip1.mp4

وذلك في درس من دروسه التي يفترض أن يتعلم الناس فيها الخير لا الشر،
وفي بيت ومن بيوت الله عز وجل التي لم تبنَ للسبّ والشتم بل لذكر الله وإقام الصلاة.
وبمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال فيها: «المدينة حرم؛ فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف» رواه مسلم

وأشدّ من هذا أنه أبى أن يتوبَ من هذه الكلمة ويعتذرَ من أخيه المسلم الذي ظلمه؛ إمعانًا في الانتصار لنفسه وخوفًا أن تسقط مكانته من عيون أتباعه.

فرفع المقذوفُ مظلمته إلى المحكمة الشرعية بالمدينة فأمهلت القاذفَ سنةً ليأتي بالبينة فلما لم تجد عنده إلا ثرثرته المعهودة حكمت عليه بعقوبة القذف: الجلدِ والفسقِ وردِّ الشهادة كما في كتاب الله عز وجل.

فماذا فعل أتباعه؟
هل قدّموا كتابَ الله على جريمة شيخهم؟
لم يفعل ذلك منهم إلا القليل، وأكثرهم جعلوا يلوون ألسنتهم بشبهات واعتراضات على هذا الحكم الإلهي حتى قال العلامة ربيع لأحدهم وقد قُرئ عليه كلام الله عز وجل فما حرّك فيه ساكنا: أنت مريض؛ ما هزّك القرآن.
وإنها من الكلمات العظيمة التي وفَّق الله لها هذا الإمامَ الشهمَ في هذه الفتنة.

وإن من تلكم الاعتراضات قولَ بعضهم: "عاهر" ليس قذفا صريحا!
فاستدعى ذلك أن أكتب هذا البحث الصغير في بيان أن "يا عاهر" قذف صريح في دلالة الأحاديث النبوية والمنقولات الفقهية والاستعمالات العرفية.

أوّلا: دلالة الأحاديث

1- حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" متفق عليه
قال ابن حجر في الفتح 39/12: قَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ. اھ
وأجمع شرّاح الحديث أن معنى العاهر هنا الزاني.
قال البغوي في شرح السنة 282/9: فالعاهر: الزَّانِي، يقَالَ: عهر إِلَيْهَا يعهر: إِذا أَتَاهَا للفجور، والعهر: الزِّنَى، وَقيل: أَرَادَ بِالْحجرِ الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ. اھ
وقال النووي في شرح مسلم 37/10: قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَاهِرُ الزَّانِي وَعَهَرَ زنى وعهرت زنت والعهر الزنى ومعنى له الْحَجَرِ أَيْ لَهُ الْخَيْبَةُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ. اھ
وقال ابن عثيمين في شرح البلوغ 143/5: ومن فوائد الحديث: إطلاق اسم العاهر على الزاني لأن العهر هو الزنى. اھ

2- حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر»
رواه أبو داود والترمذي وحسنه ووافقه الألباني كما في الإرواء برقم 1933 وقال في صحيح الجامع (2733): صحيح
ومعنى عاهِر أي زانٍ كما في حديث ابن عمر مرفوعا: «أيما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو زانٍ»
(حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2734 أي مباشرة بعد الحديث السابق الذي احتج به الجهلة في نفي الزنى عن العاهر!).

3- حديث عبد الله بن عَمرو مرفوعا «أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنى لا يرث ولا يورث»
(صححه الألباني في صحيح الجامع 2723)
وهذا الحديث ظاهر المعنى.



ثانيًا: (يا عاهر) عند الفقهاء

الحنفية
أما الحنفية فلم أجد التنصيص على هذه اللفظة في كتب الفقه عندهم، ولكن نصّ غير واحد منهم في شرح الأحاديث السابقة بأن العاهر هو الزاني، ومنهم:
- العيني في "البناية شرح الهداية" وغيره من كتبه
- ابن الهمام في "فتح القدير"
- الشلبي في "حاشيته على تبيين الحقائق".
- ابنُ نجيم في "النهر الفائق".

المالكية
أما المالكية فكذلك صرّحوا في شروح الأحاديث السابقة أن العاهر هو الزاني.

قال الباجي في المنتقى 8/6:
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»الْعَاهِرُ هُوَ الزَّانِي. وَقَالَ عِيسَى: سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ الْعَهَرُ فِي أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ظَاهِرًا وَهُوَ الزِّنَا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ الزِّنَا مَا ظَهَرَ مِنْهُ فَهُوَ آثِمٌ وَمَا كَانَ خَفِيًّا أَوْ مُتَّخِذَةً خِدْنًا فَلَا بَأْسَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] وَأَنْزَلَ {وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَانَ مَنْ عَهَرَ بِأَمَةٍ يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ أَوْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فَاَلَّذِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ أَحَقُّ بِهِ. اھ

وانظر التمهيد والاستذكار لابن عبد البر وشرح البخاري لابن بطال المالكي وشرح الموطأ للزرقاني وغيرَها.

وقال الشنقيطي صاحب الأضواء في مذكرته ص 152:
وأن كان القذف ليس بصيغة الشهادة كقوله لعفيف: يا زاني ويا عاهر ونحو ذلك بطلت روايته حتى يتوب أي ويصلح بدليل قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هو الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحو} الآية. اھ

قال الدردير في الشرح الكبير 328/4 في سياق ما يوجب الحدّ:
(أَوْ) قَالَ لِامْرَأَةٍ (كَيَا قَحْبَةُ) أَيْ يَا قَحْبَةُ وَنَحْوَهُ كَيَا عَاهِرُ وَيَا فَاجِرَةُ. اھ
وفي حاشية الدسوقي: أَيْ فَيُحَدُّ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ إذَا قَالَ شَيْئًا مِنْهَا لِامْرَأَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ أَوْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ وَكَذَا إذَا قَالَهَا لِأَمْرَدَ وَأَمَّا إنْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ كَبِيرٍ نُظِرَ لِلْقَرَائِنِ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ رَمْيَةٌ بِالِابْنَةِ [لعله: رميه بالزنى] حُدَّ، وَإِلَّا فَلَا هَذَا مَا اسْتَحْسَنَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ. اھ
وهذا الذي استحسنه العدوي ليس بحسن؛ إذ لا فرق بين الذكر والأنثى إلا بدليل، وقد ردَّ هذا التفريقَ غيرُه كما يأتي في كلام الشبراملّسي الشافعي.

الشافعية
صرّح الشافعية في شروحهم كتبَ السنة أن العاهر هو الزاني، كالبغوي والنووي -وتقدم النقل عنهما- وابن دقيق العيد وابن حجر والقسطلّاني والسيوطي وغيرهم.
وقال الرملي الابن في كتاب اللعان من نهاية المحتاج 105/7:
وَيَا قَحْبَةُ صَرِيحٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ [ابن عبد السلام]، وَمِثْلُهُ يَا عَاهِرُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اھ
وفي حاشية الشبراملّسي: (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ يَا عَاهِرُ) أَيْ لِلْأُنْثَى شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ،وَفِي الْمِصْبَاحِ: عَهِرَ عَهَرًا مِنْ بَابِ تَعِبَ: فَجَرَ فَهُوَ عَاهِرٌ، وَعَهَرَ عُهُورًا مِنْ بَابِ قَعَدَ لُغَةً، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» أَيْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَفِيهِ أَيْضًا فَجَرَ الْعَبْدُ فُجُورًا مِنْ بَابِ قَعَدَ: فَسَقَ وَزَنَى اهـ. وَعَلَيْهِ فَالْعَاهِرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَيُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا بِالْهَاءِ لِلْأُنْثَى وَعَدَمِهَا لِلرَّجُلِ، وَعَلَيْهِ فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِيهِمَا، أَوْ كِنَايَةً فِيهِمَا بِأَنْ يُرَادَ بِالْعَاهِرِ الْفَاجِرُ لَا بِقَيْدِ الزِّنَا، مَعَ أَنَّ تَخْصِيصَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ لَهُ بِالْأُنْثَى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي حَقِّ الرَّجُلِ. اھ كلام الشبراملّسي.
وهذا الذي ذكره الشبراملّسي من عدم التفريق بين الرجل والمرأة هو الصحيح خلافا لما عليه شيخه الزيادي وعليه تدلّ فتوى الرملي الوالد حيث جاء في فتاويه 346/3:
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَةٍ يَا عَاهِرَةُ هَلْ يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ أَوْ كِنَايَةً؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّنَى يُقَالُ عَهَرَ فَهُوَ عَاهِرٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ لَمْ أَعْلَمْ كَوْنَهُ قَذْفًا وَلَمْ أَنْوِهِ بِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ لِخَفَائِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ. اھ
فهو استدلّ بدلالة اللغة وبالحديث وليس فيهما التفريق بين الذكر والأنثى بل الحديث في الذكر خاصة.
وكذلك أطلق هذا اللفظ غيرُ الزيادي من الشافعية ولم يفرّقوا بين ذكر وأنثى؛
فقال الماوَردي في الحاوي الكبير 262/13:
فأما إذا قال: يا عاهر، فقد ذكرنا فيه وجهين:
أحدهما: يكون قذفاً صريحاً لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وللعاهر الحجر" .
والوجه الثاني: يكون كناية إن أراد به القذف حدّ وإن لم يرده عزّر. اھ
ولكنه نفسَه قال في الإقناع ص 170: فَإِن قَالَ يَا عاهر كَانَ أقرب إِلَى صَرِيح الْقَذْف. اھ
وقال القليوبي في حاشيته 29/4: قَوْله: ([صريح القذف] يَا زَانِي إلَخْ) أَوْ يَا قَحْبَةُ، أَوْ يَا عَاهِرُ، أَوْ يَا لَائِطُ بِخِلَافِ "لُوطِيُّ". اھ

الحنابلة
صرّح الحنابلة أنّ (يا عاهر) قذف صريح
قالوا: [(فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ) بِقَوْلِي: يَا زَانِي وَنَحْوُهُ(زَانِي الْعَيْنِ) وَنَحْوَهُ، (أَوْ) أَرَدْتُ بِقَوْلِي يَا عَاهِرُ(عَاهِرَ الْيَدِ) (أَوْ) قَالَ أَرَدْتُ بِقَوْلِي يَا لُوطِيُّ (أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، أَوْ إنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إتْيَانِ الذُّكُورِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (وَحُدَّ) لِإِتْيَانِهِ بِصَرِيحِ الْقَذْفِ.] كما في شرح الغاية للرحيباني 200/6 وشرح الإقناع 110/6 وحاشية المنتهى 356/3 كلاهما للبُهوتي.

الظاهرية
ذكر أهل الظاهر في كتبهم أن العاهر هو الزاني كابن حزم في المحلى والصنعاني في السبل والشوكاني في النيل وغيرهم
قال ابن حزم في إثبات الحدّ في نكاح الخامسة كما في المحلى 192/12: قَدْ ذَكَرْنَاهُ هُنَالِكَ أَيْضًا بِمَا جُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ زَوَاجًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ، وَإِذْ لَيْسَ زَوَاجًا فَهُوَ عَهْرٌ، فَإِذَا هُوَ عَهْرٌ فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى وَعَلَيْهَا كَذَلِكَ إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ. اھ
فانظر كيف جعل وطء الحرة إما زواجا وإما عَهرا.
وقال عن معنى لفظة عاهر 167/12: وَهُوَ مَنْ وَطِئَ مَنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى مُجَرَّدِهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ: فَهَذَا هُوَ الْعَاهِرُ الزَّانِي. اھ

ثالثًا: دلالة اللغة:

من حيث الاستعمال اللغوي فإن العاهر تدل على الزاني صراحةً وهو ما نجده في معاجم اللغة المعتمدة ولكن ذُكر له معنى أعمّ من الزنى وهو ما حكاه قديمًا النضر بن شُميل عن رؤبة بن العجاج: العاهر عندنا تطلق على الزاني وغير الزاني. وفي لفظ: الذي يتبع الشر زانيا كان أو فاسقًا. ووقعتْ عند الصاغاني: زانيا كان أو سارقًا؛ كما في اللسان وأساس البلاغة وتاج العروس وغيرها. والله أعلم.
لكن هذا العموم في الألفاظ العربية من حيث الوضع كثيرا ما يخصّصه الاستعمال العرفي أو الشرعي؛
مثال الشرعي: لفظ الصلاة فهو وضعا الدعاء وشرعا العبادة المعروفة،
ومثال العرفي: الدابّة فهي وضعا كلّ حيوان يدبّ على الأرض وعرفًا ما يُركب خاصة.
قال في تاج العروس 393/2: وقد غلب هذا الاسم على ما يُركب من الدوابّ خاصة. اھ

لهذا قال ابن الأثير في النهاية 326/3: العَاهِر: الزَّاني، وَقَدْ عَهَرَ يَعْهَرُ عَهْراً وعُهُوراً إِذَا أَتَى الْمَرْأَةَ لَيْلًا للفُجور بِهَا، ثُمَّ غَلَب عَلَى الزِّنَى مُطْلقا. اھ
فانظر كيف جعل الفجور أعمّ من الزنى ثمّ جعل العَهر غالبا على الزنى.
وهذا الذي ذكره ابنُ الأثير من غلبة العَهر على الزنى ذكره غيره أيضا.
ويوضّحُ هذا الاستعمالَ:

رابعًا: قاعدةٌ عند الفقهاء في الألفاظ:
قال القرافي في الذخيرة: وضابط هذا الباب الاشتهارات العرفية والقرائن الحالية، فمتى فُقدا حُلّف أنه لم يرد القذف ولا يحدّ، ومتى وجد أحدهما حُدَّ، وإن انتقل العرف وبطَل بطَل الحدّ، كما لو قال له: يا ندل، فإنه في الأصل زوج الزانية، والآن اشتهر في عدم الكرم أو عدم الشجاعة فلا حدّ به . اھ من الفواكه الدواني 211/2.

وقال ابن عثيمين في باب الوقف من الشرح الممتع 10/11: والصريح مجرد ما ينطق به يثبت الحكم؛ لأنه صريح لا يحتمل معنى آخر، والكناية لا بد فيها من إضافة شيء إما نية، أو قرينة.
ثم قال: الصحيح أن جميع صيغ العقود القولية أمر يرجع فيه إلى العرف، فقد يكون هذا اللفظ صريحا عند قوم وكناية عند آخرين، وقد لا يدل على المعنى إطلاقا عند غيرهم، فالصحيح أنه يرجع إلى عرف الناس، فما اطرد عند الناس أنه دال على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يطرد ولكنه يراد به أحياناً فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلاً فليس بشيء، فالصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيره عرفاً؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم. اھ

ونجد في الشرح الممتع تطبيقًا لهذه القاعدة العظيمة في باب القذف حيث صرّح الحنابلة أن لفظة "قحبة" من كنايات القذف؛ لأن لها معنى في اللغة غير الزنى، لكن قال ابن عثيمين 289/14: وهي عند الفقهاء كناية، لكن في عرفنا صريحة جدا. اھ


خامسًا: ردّ اعتراض

قد يقول متعصّب: بما أن لفظ عاهر قد جعله بعض الفقهاء من كنايات القذف فيسقط بذلك حدّ القذف عن شيخنا.
فيقال: كلامك غير صحيح لوجوه:
1- أن الصحيح الذي قامت عليه الأدلة وأيدته غلبة الاستعمال وعليه أكثر العلماء أن "يا عاهر" قذف صريح.
قال ابن ضويان الحنبلي وهو متأخّر (ت 1353 ھ) في منار السبيل 375/2:
وأصل العهر: إتيان الرجل المرأة ليلا للفجور بها، ثم غلب على الزاني، سواء جاءها أو جاءته، ليلا أو نهارا. اھ
2- أنه إن سُلّم أنه من كنايات القذف فيُنظر هل توجد قرينة تدل على إرادة القذف بالزنى، فإن وجدت حُمل اللفظ عليها، وفي حالة هذا القائل وُجدت القرينة وهي: قوله: أفجر الناس فجورا في "الأعراض!!" كما في نفس المحاضرة التي خرج فيها عن أخلاق العلماء إلى السبّ والشتم والقذف.
3- أنه إن سلّم أنه من كنايات القذف فلا يلزم منه أن يترك قائله سدًى بل يُرجع إلى قصده، فإن فسّره بالزنى فالحكم واضح، وإن فسّره بغيره عزّر وأدّب لإذايته المسلمين.
وعند بعض العلماء يحدّ ولو كان كناية واختاره الشوكاني في السيل الجرار فقال ص 854:
وأما الكناية فلكونه يحصل بها من هتك العرض المعصوم ما يحصل بالتصريح إذا كان المراد منها مفهوم للسامع والاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ. اھ
4- أنّ الحاكمَ المسلم الكفء حكَم على ابن هادي بالقذف، وحُكْم الحاكم يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية كما هو مشهور معروف؛
قال القرافي في الفروق 103/2:
اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَرْجِعُ الْمُخَالِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ وَتَتَغَيَّرُ فُتْيَاهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ. اھ
5- أنّ العلماء الذين عايشوا وقائع هذه الفتنة وسمعوا كلام ابن هادي في محاضرته القبيحة =حكموا عليه بالقذف، وعلى رأس هؤلاء العلامة ربيع بن هادي والعلامة عبيد الجابري والعلامة حسن البنا -حفظهم الله- وأيدتهم المحكمة الشرعية بالمدينة النبوية.
6- أن ابنَ هادي نفسه لم يخرج عن صماته مرة أخرى ليبرّئ نفسه ويوضّحَ مقصودَه إن كان حقّا ما يهرف به أتباعه من أنه لم يرد القذف بعين الزنى.

ونختم هذا البحث الصغير بما ختم به العلامة الفوزان باب حدّ القذف في الملخص الفقهي 539/2 حيث قال:
ومن هذا يتبين لنا خطر اللسان، وما يترتب على ألفاظه من مؤاخذات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"، وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
فيجب على الإنسان أن يحفظ لسانه، ويزن ألفاظه، ويسدد أقواله؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا} . اھ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16 Jan 2019, 10:58 AM
بوتخيل بوبقرة بوتخيل بوبقرة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2018
المشاركات: 22
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي أبو بكر يوسف قديري لقد أجدت وأفدت

وأقول من جهة أخرى لماذا أتباع المفرقين يقومون بنشر هذه الصور المتداولة بينهم أَمِن أجل تبرئته -أقصد أبا أيوب - أم لإثبات الحكم عليه ؟؟
فإن قالوا لإثبات الحكم عليه وبيان أن ما قاله القاذف حقا قلنا لهم هلا أتيتم بأربع شهداء على ذلك ؟؟!!
فإن قالوا لا سبيل لنا إلى ذلك قلنا لهم هذا هو القذف بعينه وأمه وأبيه
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18 Jan 2019, 05:42 PM
فاتح عبدو هزيل فاتح عبدو هزيل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 83
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذا الجمع الطيب
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 19 Jan 2019, 09:25 PM
مزراق أحمد مزراق أحمد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2018
المشاركات: 18
افتراضي

جزاك الله خيرا أبا بكر على هذا البيان والتوضيح، فقد أديت ما عليك -إن شاء الله- ولكن يا ليت قومي يقرؤون.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 Jan 2019, 01:03 AM
أبو جميل الرحمن طارق الجزائري أبو جميل الرحمن طارق الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: الجزائر
المشاركات: 341
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي الحبيب يوسف على هذا البحث الذي حويت به أطرافه وجمعت فيه شتاته
فجاء مبهجا لكل من لم تتغير فطرته ويعكر التعصب صفاء قلبه
فلله درك وعلى الله أجرك
ويا ليت شعري هذا الأخ أبا أيوب كم من قاذف قذفه تبعا للذي ثبت فسقه بنص القرآن
نسأل الله السلامة
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 Jan 2019, 08:41 AM
محسن سلاطنية محسن سلاطنية غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 168
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي يوسف على هذا البحث المفيد ، والمبين لهذه المسألة ، نفع الله به.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 Jan 2019, 02:45 PM
أبو عبد الباري أحمد صغير أبو عبد الباري أحمد صغير غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 158
افتراضي

جزاك الله خيرا أخانا يوسف على هذا الجمع والترتيب المفيدين في هذه المسألة المهمة،
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013