منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20 Dec 2017, 11:42 AM
أبو إكرام وليد فتحون أبو إكرام وليد فتحون غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
الدولة: الجزائر
المشاركات: 1,797
افتراضي [الكلمة الشهرية] جناية التصوُّف على الإسلام وآثارُه السيِّئة على منهج السلف في العلم والعمل ـ الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الكلمة الشهرية رقم: ١٢٣


الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فقَدْ جَعَل اللهُ تعالى البناءَ العقديَّ المتين والتكوين الفقهيَّ السليم والاسترشادَ بمنهج السلف القويم عاصمًا مِنَ الوقوع في الزلل والخطإ، وكفيلًا للوقاية مِنَ التزيُّد والتجاوز والابتداع في منهج الفهم والتعقُّلِ لقضايا التنزيل العقدية وأحكامِ التطبيق العملية.
ولا يخفى على ذي لبٍّ أنَّ الله تعالى لم يجعل دِينَه وشرعه مَرْتعًا للرُّؤَى، ولا مسرحًا للخيال في فهم نصوص الوحيين ـ الكتابِ والسنَّة ـ للوصول بالسالك إلى اليقين المنشود كما تزعمه المتصوِّفة، وذلك عن طريق المشاهدة والكشف والذوق والمنامات وغيرها مِنَ الطُّرُق المُلتوِيَة والبعيدة عمَّا كان عليه الصدرُ الأوَّل مِنْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتِه الكرام رضي الله عنهم الذين زكَّاهم اللهُ تعالى بالنصِّ، وشَهِد لهم بالأعلمية في مثلِ قوله تعالى: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖ﴾ [المجادلة: ١١]، وقولِه تعالى: ﴿وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقولِه تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا﴾ [محمَّد: ١٦]؛ فإنَّ اللام في «العلم» إنما هي للعهد لا للاستغراق، أي: العلم الذي أرسل اللهُ به نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وإذا أُوتُوا هذا العلمَ كان حريًّا بغيرهم اتِّباعُهم(١)، وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ خير الناس قرنُه مطلقًا؛ وهو الأمر الذي يقتضي تقديمَهم على غيرهم في كُلِّ بابٍ مِنْ أبواب الخير في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(٢)، كما جَعَل اللهُ الهدايةَ للصراط المستقيم لا سبيلَ للخَلْق إليها إلَّا بما آمَنَ به معشرُ المؤمنين في قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وجَعَل الضلالَ بالإعراض عن سبيل الهدى والإيمان ـ الذي طريقُه العلمُ والعمل ـ هو عينَ الشِّقاق، ويَلْزَم مِنَ المُشاقَّةِ مُحادَّةُ اللهِ ورسولِه وعداوتُهما، وبِئْسَ شِقُّ أهلِ الضلال والغواية وساءَ مَصيرُهم، ونِعْمَ شقُّ أهلِ الهدى والإيمانِ وحَسُنَ مَآلُهُم، واللهُ يكفيهم شرَّهم وكيدهم ومكرهم وعداوتهم؛ قال تعالى: ﴿وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧﴾ [البقرة].

ومِنْ ذلك ما أوجب الله تعالى مِنْ متابعة السبيل الذي سَلَكه المؤمنون ـ وفي طليعتهم صحابةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في عقائدهم وأعمالهم، وما حرَّم مِنْ مخالفتهم فيها بعد ظهور الهدى والعلم بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية، وقد رتَّب اللهُ تعالى الوعيدَ على المُشاقِق المخالفِ بالتخلِّي عنه في الدنيا والعذابِ في الآخرة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥﴾ [النساء]؛ إذ لا يخفى أنَّ لفظ «المؤمنين» في الآية يدخل فيه الصحابةُ الكرام رضي الله عنهم دخولًا أوَّليًّا.

غير أنَّ العَجَب لا ينقطع مِنْ ذهنيةِ قومٍ مُنِحَتْ لها مسؤوليةُ الأمَّة، وجُمِعَتْ بين أيديها آليَّاتُ التغيير المادِّيةُ والبشرية طمعًا في الارتقاء إلى الأحسن ـ زعموا ـ تنشد ـ في قوالبها الدِّينية ـ التجديدَ ضِمْنَ المسلك الصوفيِّ المُنحرِف بمُختلَفِ طُرُقه وأحواله ومقاماته، وتأييدَ زواياه ومدارسِه المتفاوِتةِ في الفساد والإفساد، بدءًا مِنْ مدرسة الزهد وانحداراتها عن سُمُوِّ الإسلام بإحداثِ مفاهيمَ وسلوكياتٍ غريبةٍ عن الدِّين، واختلاقِ مصطلحاتٍ ما أَنْزَل اللهُ بها مِنْ سلطانٍ، وقد تبلغ بهم إلى حدِّ الوساوس والدَّرْوَشة والخُرافة، ثمَّ مدرسة الكشف والمعرفة، إلى القول بوحدة الوجود، وإلى الاتِّحاد والحلول والفَناء، وإلى التواكل والركون إلى السلبية، وغيرها مِنْ ضلالات القوم الدخيلة على الإسلام في عقيدته وأحكامه.

إنَّ التصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة، وبمختلفِ مناهجه ومدارسِه ومسالكه ـ خطرٌ عظيمٌ على عقيدة التوحيد والعمل؛ فهو يشوِّه الإسلامَ في معانيه ومبانيه وعقيدتِه وشريعته مِنَ الداخل والخارج تشويهًا يخرجه عن جماله، ويعرِّيه عن حُسْنه ورونقه.
بل التصوُّف قضاءٌ مُبْرَمٌ على العقيدة والفقه الإسلاميَّيْن، وانحرافٌ ظاهرٌ عن الصراط المستقيم، وانحدارٌ خطيرٌ عن دعوة الأنبياء والرُّسُل، وعن منهج الإسلام القائم على العلم والعمل ونشرِ التوحيد ونبذِ الشرك والبِدَع، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها ممَّا جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ دِين الإسلام، وقامَتْ عليه حجَّتُه ودعوتُه، وسار عليه صحابتُه الكرام رضي الله عنهم، ومَنِ انتهج منهجَهم مِنْ بعدِهم؛ فقَدْ أَثْبَت اللهُ لهم الخيريةَ على سائر الأمم ـ كما تقدَّم ـ ووَصَفهم بأنهم يأمرون بكُلِّ معروفٍ وينهَوْن عن كُلِّ منكرٍ في قوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، كما جَعَلهم شُهَداءَ الله على الناس في الأرض، وأقام شهادتَهم مَقامَ شهادة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في قولِه تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فإنَّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم ـ في هذه الآيةِ والتي قبلها ـ هم المُشافَهون ـ حقيقةً ـ بهذا الخطاب المبلَّغِ على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، شهادةَ حقٍّ وصدقٍ، ولا شيءَ يُعادِلُ شهادةَ الله تعالى لهم بذلك.

هذا، وقد ازداد انحرافُ التصوُّف عن خطِّ الإسلام القويم في عقيدته وفقهه، وتوسَّعَتْ دائرةُ فساده وضررِه بما جَمَعه ونَشَره على مرِّ العصور وكرِّ الدهور مِنْ آفات المعتقدات والتزيُّدِ في الدِّين ومختلف الضلالات والحوادث التي تولَّدَتْ مِنْ جرَّاءِ ترك الاعتصام بحبل الله المتين وبمنهجه القويم؛ والمعلومُ أنَّ مَنْ تَرَك الاعتصامَ به وعَمَد إلى التخلِّي عنه كان عُرْضةً لجميع الآفات والبليَّات، وقد شبَّهه الله تعالى بمَنْ ﴿خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١﴾ [الحج].
ذلك لأنهم سألوا الهدايةَ وطلبوا الاستقامةَ في غير الكتاب والسنَّة، زاعمين أنَّ لهم علومًا خاصَّةً يتلقَّوْنها مِنَ الله مباشرةً دون واسطةٍ عن طريق الكشوفات والهواتف المزعومة، فضلًا عن دعوَى لقائهم بالأنبياء والأولياءِ حقيقةً وحسًّا، وعلى رأسهم الخَضِرُ الذي يتعلَّمون منه العلومَ اللدنية؛ الأمرُ الذي دَفَعهم إلى الاعتقاد بوجودِ حقيقةٍ تخالف الشريعة، وبالغلوِّ المُفْرِط في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والأولياء.
ومِنْ أعظم العوامل المؤثِّرة ـ أيضًا ـ التي زادَتْ عقيدةَ المتصوِّفة فسادًا: اختلاطُ التصوُّف بجملةٍ مِنَ الفلسفات القديمة وتأثُّرُه بها، حتَّى أصبح التصوُّفُ ـ في عقيدته وسلوكه ـ مزيجًا مِنَ الفلسفة الهندية واليونانية والرهبانية وعقائدِ الشيعة(٣) وغيرها.

ومِنَ الآثار السيِّئة التي نَشَرها التصوُّفُ في هذه الأمَّة، وبان فيها خطرُه على عقيدتها ودِينها:
ـ انتشار الوثنية وعبادة القبور، وذلك بقيام المتصوِّفة ببناء المساجد والقِباب على قبور الموتى، ودعوةِ الناس إلى زيارةِ أماكنها والتمسُّحِ بأعتابها، وصرفِ العبادات لأصحابها المدفونين، مِنْ دعاءٍ واستغاثةٍ وذبحٍ ونذرٍ وغيرها مِنَ العبادات التي لا يجوز صرفُها إلَّا لله تعالى.
ـ انحراف الصوفية في التوحيد بإقحام وحدة الوجود في عقيدة الأمَّة، وأنَّ مفهوم التوحيد الحقيقي ـ في زعمهم ـ هو القول بوحدة الوجود، وما ترتَّب عليها مِنْ مضاعفاتٍ في تجويزِ كُلِّ شيءٍ موجودٍ في الكون، والقول بوحدة الأديان وغيرهما.
ـ انحراف الصوفية في المحبَّة، واعتقادهم بحلول الله في خلقه ومسألة الفَناء وغيرها مِنْ آفات معتقداتهم.
ـ تقسيم الدِّين إلى حقيقةٍ وشريعةٍ على نحوِ ما بيَّنْتُه في موضوعِ: «بدعة تقسيم الدِّين إلى حقيقةٍ وشريعةٍ وآثاره السيِّئة على الأمَّة»(٤).
ـ تعطيل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوَى أنَّ الكُلَّ ـ عندهم ـ معروفٌ وقَدَرٌ محبوبٌ، والاعتقاد بأنَّ مشايخهم يُحِلُّون لهم ما حرَّم الله عليهم، فضلًا عمَّا تنشره المتصوِّفةُ مِنْ حوادثِ الموالد والأذكار والصلوات المُبتدَعة وغيرها مِنَ الأفعال والصُّوَر والألوان والأحوال المشينة التي يمارسها الخرافيون منهم ويعتقدونها في كُلِّ العالَم، وهي محسوبةٌ على الإسلام ظلمًا وزورًا.
فالحاصل: أنَّ دِينَ المتصوِّفة مبنيٌّ على دعاوَى مُختلَقةٍ كاذبةٍ متمثِّلةٍ في اعتقادهم أنَّ التوحيد الذي أرسل اللهُ به الرُّسُلَ وأنزل به الكُتُبَ فهو توحيد العوامِّ الذي يُعَدُّ ـ بالنسبة إليهم ـ شركًا بالله يترفَّعون عنه بزعمهم، وادِّعاؤهم عدمَ انقطاع الوحي، وأنَّ المشايخ مكشوفٌ عن بصيرتهم، وهُم أعلمُ بحقائق العلوم مِنَ الأنبياء، ويجوز لهم الخروجُ عن الشريعة والتمرُّدُ على أوامر الله ورسولِه؛ بناءً على تقسيم الدِّين ـ عندهم ـ إلى حقيقةٍ وشريعةٍ، فضلًا عن الغُلُوِّ المُفْرِط في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورفعِه مِنْ مرتبة البشرية ومقام العبودية والرسالة إلى مقام الألوهية والمعبودية، وغيرها مِنْ ضلالات القوم وبِدَعهم.
الأمر الذي أفضى بالمتصوِّفة إلى تقديس أوليائهم ومشايخهم وتعظيم منزلتهم بالغُلُوِّ الزائد، في حياتهم وبعد وفاتهم: يخضعون لهم في طاعةٍ عمياءَ وحبٍّ أصمَّ، ويعترفون بذنوبهم بين أيديهم على طريقةِ أصحابِ صكوك الغفران عند النصارى، ويشيِّدون عليهم الأضرحةَ والقِبابَ بعد وفاتهم، ويشدُّون إليها الرِّحالَ ويتمسَّحون بها ويتوسَّلون لقضاء حوائجهم ـ زعموا ـ وهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ مِنَ المفاهيم والسلوكات والمُعتقَدات والشَّطَحات التي ابتدعوها في دِين الإسلام، متشبِّهين باليهود والنصارى كما أخبر النبيُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟!»(٥)، ولا يخفى ما في هذه الحوادثِ والعوائد والمعتقدات مِنْ مخالفةٍ لجناب التوحيد، ومباينةٍ لِمَا دَعَا إليه الإسلامُ وما كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتُه الكرام رضي الله عنهم.

وقد انقلب التصوُّفُ ـ بعدها ـ كسبًا مُرْبِحًا للمُشَعْوِذين والسَّحَرة والبطَّالين والدجَّالين، وطريقةً لتحضير الأرواح، وتجارةً مَهينةً للسُّفَهاء السافلين ومَنْ قلَّتْ بضاعتُهم في العلم الشرعيِّ ولا اشتغلوا به ولا دعَوْا إليه؛ فضَلُّوا وأَضَلُّوا وفَسَدوا وأفسدوا؛ فلا الإسلامَ نصروا ولا عدوًّا كسروا، ولا طاغيًا كافحوا ولا غاصبًا طردوا.
وقد استغلَّ أعداءُ الإسلام والمُستعمِرون الحاقدون عليه طوائفَ المتصوِّفة لتشويهِ جمال الإسلام والقضاءِ على صفاء التوحيد، وتصيير المسلمين أطوعَ لسلطة الأعداء وأخضعَ إلى مأموريَّتِهم وأركنَ إلى السلبية؛ لئلَّا تقوم للمسلمين قائمةٌ.

علمًا أنَّ المتصوِّفة لم يكن لهم موقفٌ عدائيٌّ تُجاهَ المستعمر المحتلِّ، بل موقفُ متعاوِنٍ خدومٍ لمصالح المُستعمِر ومنافعِه، سواءٌ في العالَمِ الإسلاميِّ عامَّةً أو في خصوصِ بلدنا هذا، والأدلُّ على ذلك أنَّ أتباع الطريقة التيجانية ساعدوا الجيوشَ الفرنسية بمختلف الوسائل الحربية مِنَ التجسُّس لهم وإرسالِ الأَدِلَّاء والقتالِ إلى جانب فرنسا ضِدَّ مُواطِنيهم مِنَ المسلمين، واعتُبِر ذلك عند مشايخ الصوفية واجبًا يُمليهِ الشرفُ ويَبْغون فيه الاحتسابَ عند الله تعالى(٦).

فهذه هي المواقف المخذولة للمتصوِّفة في هذه البلادِ وغيرها مِنْ بلدان العالَم، «مِنْ أجلِ ذلك يجب ألَّا نستغرب إذا رأينا المُستعمِرين يُغْدِقون على الصوفية الجاهَ والمال، فرُبَّ مفوَّضٍ سامٍ لم يكن يرضى أَنْ يستقبل ذوي القيمة الحقيقية مِنْ وجوه البلاد، ثمَّ تراه يسعى إلى زيارةِ حلقةٍ مِنْ حلقات الذكر، ويقضي هنالك زيارةً سياسيةً تستغرق الساعات؛ أليس التصوُّف الذي على هذا الشكلِ يقتل عنصرَ المقاومة في الأمم؟!»(٧).

ولا تزال جنايةُ الصوفية على الدِّين مُستمِرَّةً بهذه المواقفِ المخزية: يؤيِّدون الفسادَ أينما كان، ويَرْمُون غيرَهم بالباطل، ويتكيَّفون مع واقع الزمن الذي يعيشون فيه ولو بإيديولوجياتٍ مُستَوْرَدةٍ، مِنِ: اشتراكيةٍ أو ليبيراليةٍ أو ديمقراطيةٍ وأفكارٍ دخيلةٍ على المجتمع المسلم، ويدورون مع واقعهم المَعيش حيث دارَ، ويسايرونه كُلَّ مَسارٍ، سواءٌ كان الواقعُ مُوافِقًا للإسلام أو مخالفًا له، وسواءٌ كان قادةُ بلاد المسلمين وحُكَّامُهم مسلمين أو كُفَّارًا، وقد قال قائلُهم: «إنَّ الكُفَّار والمجرمين والفَجَرةَ والظلمة مُمتثِلون لأمر الله تعالى، ليسوا بخارجين عن أمره»(٨).

هذا، وإنَّ قومًا ممَّنْ يحملون الغِلَّ على أهل السنَّة يسعَوْن جاهدين إلى محاربةِ دعوة الكتاب والسنَّة على منهجِ سلف الأمَّة عقيدةً وشريعةً على نطاقٍ واسعٍ، باستخدامِ أساليب التضييق، سواءٌ على الدُّعَاة أو الأئمَّة أو رُوَّاد الدعوة إلى الله أو طلبة العلم بالتشويه والإقصاء، أو على منشوراتهم ومؤلَّفاتهم بالمنع والتشديد والمصادرة.

في حينِ يفتحون المجالَ للتصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة ـ واسعًا على مِصْراعَيْه، بعقد الندوات والمُلتقَيات، وإعداد البرامج والحِصَص المرئيَّةِ وغير المرئيَّة، وتخصيص الأغلفة المالية لتدعيمها وتقويتها، وتمكين الزوايا على ما فيها مِنْ بلايَا ورزايَا، فضلًا عن إرادة إحلال العقيدة الممزوجة بعقائد الفلاسفة وتُرَّهات المناطقة وتمحُّلات المتكلِّمين محلَّ عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، ليعقِّدوا العقيدةَ ويشوِّهوا صفاءَها وجمالها؛ فيُنشِئوا لهذه الأمَّةِ جيلًا خُرَافيًّا مُبتدِعًا ومتكلِّمًا، يُفْسِد عقيدةَ الأمَّة ويلوِّث صفاءَها ويهدم بنيانَها.
وكان الأجدرُ بهم: ردَّ الأمَّة إلى منهج السنَّة القويم ومنهجِ السلف الصالح السليم، وتخليصَها مِنْ آثار الشُّبَه والشكوك والأفكار الهدَّامة والاتِّجاهات المُنحرِفة، وتجنيبَها طُرُقَ الباطل والغواية؛ ليصونوا الأمَّةَ مِنَ الهلكة والضلالة.

ولكِنْ لا يزالون على ظلمهم سائرين، لا تردُّهم موعظةٌ ولا يزجرهم بيانٌ ولا برهانٌ، يبذلون قُصارَى جُهدهم ليتوصَّلوا إلى إطفاءِ نور الله بمقالاتهم الكاسدة: يردُّون بها الحقَّ، وقد تَكفَّل اللهُ تعالى بإشاعةِ نوره ونصرِ دِينه وإتمامِ الحقِّ الذي أرسل به نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ﴾ [الصف: ٨].

نسأل اللهَ أَنْ يحفظ دِينَه، ويُعليَ كلمتَه، وينصر أولياءَه المؤمنين المُتَّقين، وأَنْ يثبِّتنا على الحقِّ المُبين، ويعصِمَنا مِنَ الزلل عند المِحَن، ويجنِّبنا الشرَّ والفِتَن، ما ظَهَر منها وما بَطَن؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ١٠ صفر ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ أكتوبر ٢٠١٧م
(١) انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ١٣٠).
(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» بابُ فضائلِ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (٣٦٥٠)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٥٣٥)، مِنْ حديثِ عمران بنِ حصينٍ رضي الله عنه.
(٣) انظر: «مقدِّمةَ ابنِ خلدون» الفصل السابع عشر: في علم التصوُّف (٢٨٥).
(٤) يُوجَد ضِمْنَ مؤلَّفي: «تنبيه المستبصرين بمفهوم التقسيم الاصطلاحيِّ للدِّين ـ نماذجُ وآثارٌ ضِمْنَ رؤيةٍ نقدية» (١٥).
(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٥٦) بابُ ما ذُكِر عن بني إسرائيل، ومسلمٌ في «العلم» (٢٦٦٩)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.
(٦) ويؤكِّد ذلك قولُ محمَّد بن الكبير صاحبُ السجَّادة التيجانية الكبرى وخليفةُ أحمد التيجاني الأكبر مؤسِّسِ الطريقة التيجانية، في خطبةٍ ألقاها أمامَ رئيس البعثة العسكرية الفرنسية في عين ماضي بالأغواط [الجزائر] بتاريخ ٢٨ ذي الحجَّة عام ١٣٥٠ﻫ ما نصُّه: «إنَّ مِنَ الواجب علينا إعانةَ حبيبةِ قلوبنا فرنسا مادِّيًّا ومعنويًّا وسياسيًّا؛ ولهذا فإنِّي أقول ـ لا على سبيل المنِّ والافتخار، ولكِنْ على سبيل الاحتساب والشرف بالقيام بالواجب ـ: إنَّ أجدادي قد أحسنوا صنعًا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أَنْ تَصِل إلى بلادنا، وقبل أَنْ تحتلَّ جيوشُها الكرام دِيارَنا» [«تاريخ المغرب في القرن العشرين» لروم لاندرو (١٤٣)].
(٧) «هذه هي الصوفية» لعبد الرحمن الوكيل (١٧٢).
(٨) «جواهر المعاني» لعلي برادة (١/ ٢٢١).

المصدر : الموقع الرسمي للشيخ حفظه الله :
http://ferkous.com/home/?q=art-mois-123

الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	جناية التصوف.jpg‏
المشاهدات:	1770
الحجـــم:	28.5 كيلوبايت
الرقم:	4918  

التعديل الأخير تم بواسطة أبو إكرام وليد فتحون ; 20 Dec 2017 الساعة 11:46 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 Dec 2017, 01:52 PM
أبو أنس محمد عيسى أبو أنس محمد عيسى غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
المشاركات: 415
افتراضي

أحسن الله إليك وبارك فيك أخي وليد، وحفظ الله الشيخ العلامة الوالد محمد علي فركوس ونفع به الإسلام والمسلمين.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 Dec 2017, 01:56 PM
مراد محلو البسكري مراد محلو البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2016
المشاركات: 28
افتراضي

اللهم احفظ شيخنا واحفظه وزد في علمه وقدره
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21 Dec 2017, 07:06 PM
أبو إكرام وليد فتحون أبو إكرام وليد فتحون غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
الدولة: الجزائر
المشاركات: 1,797
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو أنس محمد عيسى مشاهدة المشاركة
أحسن الله إليك وبارك فيك أخي وليد، وحفظ الله الشيخ العلامة الوالد محمد علي فركوس ونفع به الإسلام والمسلمين.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مراد محلو البسكري مشاهدة المشاركة
اللهم احفظ شيخنا واحفظه وزد في علمه وقدره
آمين جزاكما الله خيرا وبارك فيكما
و حفظ الله شيخنا الهمام ابا عبد المعز محمد علي فركوس و اطال الله في عمره في طاعته
وجعله مفتاحا للخير مغلاقا للشر ، سدّا منيعا لعقيدة السّلف .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04 Apr 2018, 10:41 AM
أبو إكرام وليد فتحون أبو إكرام وليد فتحون غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
الدولة: الجزائر
المشاركات: 1,797
افتراضي

قال علامة الجزائر و ريحانتها بحق شيخنا محمد علي فركوس حفظه الله ونصره وأيده بالحق :
وإنَّ قومًا ممَّنْ يحملون الغِلَّ على أهل السنَّة يسعَوْن جاهدين إلى محاربةِ دعوة الكتاب والسنَّة على منهجِ سلف الأمَّة عقيدةً وشريعةً على نطاقٍ واسعٍ، باستخدامِ أساليب التضييق، سواءٌ على الدُّعَاة أو الأئمَّة أو رُوَّاد الدعوة إلى الله أو طلبة العلم بالتشويه والإقصاء، أو على منشوراتهم ومؤلَّفاتهم بالمنع والتشديد والمصادرة.

في حينِ يفتحون المجالَ للتصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة ـ واسعًا على مِصْراعَيْه، بعقد الندوات والمُلتقَيات، وإعداد البرامج والحِصَص المرئيَّةِ وغير المرئيَّة، وتخصيص الأغلفة المالية لتدعيمها وتقويتها، وتمكين الزوايا على ما فيها مِنْ بلايَا ورزايَا، فضلًا عن إرادة إحلال العقيدة الممزوجة بعقائد الفلاسفة وتُرَّهات المناطقة وتمحُّلات المتكلِّمين محلَّ عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، ليعقِّدوا العقيدةَ ويشوِّهوا صفاءَها وجمالها؛ فيُنشِئوا لهذه الأمَّةِ جيلًا خُرَافيًّا مُبتدِعًا ومتكلِّمًا، يُفْسِد عقيدةَ الأمَّة ويلوِّث صفاءَها ويهدم بنيانَها.
وكان الأجدرُ بهم: ردَّ الأمَّة إلى منهج السنَّة القويم ومنهجِ السلف الصالح السليم، وتخليصَها مِنْ آثار الشُّبَه والشكوك والأفكار الهدَّامة والاتِّجاهات المُنحرِفة، وتجنيبَها طُرُقَ الباطل والغواية؛ ليصونوا الأمَّةَ مِنَ الهلكة والضلالة.

ولكِنْ لا يزالون على ظلمهم سائرين، لا تردُّهم موعظةٌ ولا يزجرهم بيانٌ ولا برهانٌ، يبذلون قُصارَى جُهدهم ليتوصَّلوا إلى إطفاءِ نور الله بمقالاتهم الكاسدة: يردُّون بها الحقَّ، [color="darkred"]وقد تَكفَّل اللهُ تعالى بإشاعةِ نوره ونصرِ دِينه وإتمامِ الحقِّ الذي أرسل به نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ï´؟يُرِيدُونَ لِيُطفِ‍ئواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) .

نسأل اللهَ أَنْ يحفظ دِينَه، ويُعليَ كلمتَه، وينصر أولياءَه المؤمنين المُتَّقين، وأَنْ يثبِّتنا على الحقِّ المُبين، ويعصِمَنا مِنَ الزلل عند المِحَن، ويجنِّبنا الشرَّ والفِتَن، ما ظَهَر منها وما بَطَن؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. (انتهى كلامه حفظه الله).


اللّهمّ انصُر دينَكَ وكتابكَ وسُنّة نبيّك و كُل مَنْ نَصَرَهُمَا
اللّهُمّ انصُر من نصرَ الدِّين، و أخذل من خذَل الدِّين
اللّهُمّ انصُر أهل التّوحيد و السنة، اللَّهُمّ مكِّن لهُم في بلادنا وفي كل الأرضِ
اللّهُمّ ارفع رايةَ التوحيد والسنة خفّاقَة، و عليكَ بمن خذلهم وعاداهم فإنّهم لا يُعجزُونَكَ.

التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر ; 04 Apr 2018 الساعة 11:17 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, عقيدة, فركوس

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013