منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » قــســـــــــــم الأخــــــــــــوات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 May 2019, 07:30 PM
أم وحيد أم وحيد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2018
المشاركات: 164
افتراضي تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا...











فائدة في تفسير قوله تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين
لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت 728هـ)

الكاتب: عمار تمالت حفظه الله ووفّقه لهداه.


إنَّ من تدبَّرَ آيات القرآن الكريم، وتأمَّل فيها وتفكَّر، وجدها كاملة المعاني، شاملة المقاصد، والنَّاس في تدبُّر آيات هذا الكتاب العظيم متفاوتون لتفاوت أذهانهم في الفهم والإدراك، فمنهم من يقف عند الكلمات والأساليب الَّتي تظهر له ولا يتعدَّاها إلى مقاصدها ونظائرها، ومنهم من يُبعِدُ نظره وفكره فتتَّسع عنده معاني الآيات وتتعدَّد.

قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله(1): «والمقصود تفاوت النَّاس في مراتب الفهم في النُّصوص، وأنَّ منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم مَن يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم مَن يقتصر فهمه على مجرَّد اللَّفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نصٍّ آخر متعلِّق به فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللَّفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا ينتبه له إلاّ النَّادر من أهل العلم، فإنَّ الذِّهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقه به».

ومن هذا الباب اختلفت نظرات العلماء وتوجُّهاتُهم في تفسير آيات القرآن الكريم، فمن مقتصر على تفسير المفردات والألفاظ، ومن مستنبِط للأحكام، ومن خائض في الأساليب واللُّغات، وبعضهم تعمَّق في تفسير بعض الآيات واستنبط منها ما لا يظهر لقارئها وتاليها من المعاني البديعات، وقد وقفت على مثال من ذلك، ضمن فائدة من كلام شيخ الإسلام تقيِّ الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام الحرَّاني المعروف بابن تيمية (ت 728هـ)، وهو من لطائف تفسيره رحمه الله ودقائقه، فرأيتُ أن أُتحف بها هذه المجلَّة الغرَّاء، ليظهر لقارئها مدى اهتمام العلماء المحقِّقين بالغوص في معاني القرآن الكريم، واستنباط معانيه البديعة.

وهذه الفائدة تتعلَّقُ بتفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾[القصص:83]، بيَّن فيها شيخ الإسلام أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ جعل الدَّار الآخرة منزلاً لمن حقَّق العبوديَّة له سبحانه، وأنَّ العبوديَّة تنافي إرادة العلوِّ والفساد في الأرض، وساق بعض الآيات المبيِّنة لهذا المعنى، وهذا الأسلوب معروف عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو تفسير القرآن بالقرآن، وهو من أفضل مناهج التَّفسير وأولاها.

وتقع هذه الفائدة ـ الَّتي لم أرها نشرت ضمن ما وصلنا من آثار هذا الإمام الجليل ـ ضمن مجموع خطِّيٍّ نادر يضمُّ بعض مؤلَّفات شيخ الإسلام ابن تيمية، محفوظ بمكتبة آيا صوفيا الملحقة بالمكتبة السُّليمانيَّة بإستانبول برقم (1596)، تبدأ فيه من الوجه الأوَّل من الورقة (34) إلى الوجه الثَّاني من الورقة (36).



- وهـذا نـصُّـهـا:

قال شيخ الإسلام أبو العبَّاس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾[القصص:83].

فصل: في أنَّ عبادة الله تعالى تمنع من معصيته، وأنَّ إرادة هذا وهذا ضدَّان لا يوجد أحدهما إلاّ لنقص الآخر، والإنسان إذا وقع منه ذنب كان لنقص عبادته لله تعالى، وهذا كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾[القصص:83].

فأخبر سبحانه أنَّه جعل الآخرة للَّذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، فوصفهم بأنَّهم لا يريدون واحدًا من هذين، فمن أراد أحد هذين لم يكن من هؤلاء الَّذين أخبر أنَّه جعل لهم الدَّار الآخرة، وهو تعالى لم يَصِفْهم بهذا إلاّ بعدم الإرادة، والعدم المَحْضُ لا يُستحَقُّ به الثَّواب، لأنَّ عدم هذه الإرادة لا يكون إلاّ إذا أرادوا ما أمرهم به من عبادته وحده لا شريك له، ولذلك استحقُّوا الدَّار الآخرة، وقال في المخالِفين لهؤلاء: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾[القصص:4]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين﴾[النمل:13-14]، فوصفهم بالظُّلْم والعُلُوِّ.

وقولُه تعالى سبحانه: ﴿لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا﴾ ذكر الفساد مقرونًا بالعُلُوِّ، والفساد المطلق يتناول إرادة العلوِّ، فإنَّ هذا من الفساد الَّذي هو خلاف الصَّلاح، وهذا قد يكون من عطف العامِّ على الخاصِّ، وقد يكون لـمَّا قُيِّد بالعطف صار عطف خاصٍّ على خاصٍّ، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾[المائدة:32]، وقتل النَّفس أيضًا فساد، وقد قال تعالى في الفساد المطلق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُون﴾[البقرة:11-12]، ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾[الأعراف:142]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لاَ يُحِبُّ الفَسَاد﴾[البقرة:205]، وقال تعالى عن صالح: ﴿فَاتَّقُوا الله وَأَطِيعُون * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِين * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُون﴾[الشعراء:150-152]، وقد ذكر الله المحرّمات بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُون﴾[الأعراف:33]، والجميعُ فسادٌ وهذه إثمٌ وعدوان، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون﴾[المؤمنون:7]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾[الطلاق:1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُون﴾[الأعراف:81].

والمدحُ بالأمور العَدَمِيَّة لا يكونُ إلاّ لأنَّها تستلزمُ أمورًا وُجوديَّة كما قد بُسط هذا في غير موضعٍ(2)، فما يُنفى مِن صفاتِ النَّقص، وما يُنهى عنه من الأفعال المذمومة، فإنَّ ما يُمدحُ به من صفاتِ النَّقص يستلزمُ أمورًا وجوديَّةً من صفات الكمال، وما يُنهى عنه من الأفعال المذمومة يستلزمُ وجودَ ما يُمدحُ به من الأفعال المحمودة.

فإنَّ الإنسانَ كما قال النبيُّ ﷺ: «أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ: الحَارِثُ، وَهَمَّامُ»(3)، لا يزالُ حارثًا هَمَّامًا، وهو حسَّاسٌ متحرِّكٌ بالإرادة.

وفي الحديث: «لَلْقَلْبُ أَشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ القِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيانًا»(4)، و«مَثَلُ القَلْبِ مَثَلُ رِيشَةٍ مُلْقَاةٍ في أَرْضِ فَلاَةٍ»(5).

والنَّفسُ طبيعتُها الحركةُ، ولهذا قال بعضُهم: «نفسُك إن لم تُشْغِلْها شغلتْك، إن لم تُشْغِلْها بالحقِّ شغلتْك بالباطل»، فالإنسانُ لا يَعدلُ عن فعل إلا لاشتغاله بفعل آخر، ولا يتركُ إرادة يهواها إلا لإرادة أخرى، إمَّا إرادة محبوب هو أحبُّ إليه من الأوَّل فيتركه لأجلها لأنَّ الضِّدَّين لا يجتمعان، وإمَّا لمكروه يتحصَّل له من ذاك فيكون إرادتُه للسَّلامة من ذاك ولنجاته منه مانعًا من إرادة ذلك المكروه.

فإذا كان الله تعالى أحبَّ إلى العبد من كلِّ شيء، وأخوف عنده من كلِّ شيء، كان ذلك باعثًا له على طاعته، وزاجرًا له عن معصيته، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين﴾[الحِجر:42]، وقال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾[ص:82-83].

وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين﴾ استثناء منقطع في أصحِّ القولين(6)، فإنَّ المرادَ بالعبادِ هنا الَّذين عبدوه، وهم عبادُه المخلصون الَّذين قال فيهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾[الفرقان:63]، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾[الإنسان:6]، وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُون﴾[الزُّخرُف:68]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[الفجر:27-30].

وهؤلاء عباد الَّذين عباده، والعبادة تجمع الحبَّ والخضوع، فـالحبُّ بلا خضوع لا يكون عبادة، والخضوع بلا محبَّة لا يكون عبادة، والله تعالى يستحقُّ أن يُعبَد وحده ولا يُشرك به شيء، فلا بدَّ أن يكون أحبَّ إلى العبد ممَّا سواه، وأن يكون أعظم عند العبد من كلِّ ما سواه، بحيث يَخضع له ولا يَخضع لشيء كما يخضع له، وكذلك يحبُّه ولا يحبُّ شيئًا كما يُحبُّه، فـالربُّ تعالى يستحقُّ غاية الحبِّ وغاية الخضوع، ويستحقُّ أن يكون ذلك خالصًا له لا يُشرك فيه غيره، فمَن استكبر عن عبادته لم يكن عابدًا له، ومتى عبد معه غيره كان مشركًا به فلم يكن عابدًا له وحده، وحبُّ العبد له وخضوعه له ينافي إرادة العلوِّ في الأرض والفساد، فإنَّه إذا شهد العبد أنَّه العليُّ الأعلى، وأنَّ كلَّ ما سواه مفتقر(7) إليه، وشهد فقر نفسه وحاجته إليه من جهة ربوبيَّته له ومن جهة إلهيته له، فإنَّه لا بدَّ له أن يعبده، ولا بدَّ له من إعانة الرَّبِّ له، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ما لا يكون بالله لا يكون، فليس يوجد للعبد ولا لغيره شيءٌ إلا به.

وهذا تحقيقُ لا حول ولا قوَّة إلا بالله، فكلُّ ما سواه فقير إليه دائمًا، وهو غنيٌّ عن كلِّ ما سواه دائمًا، والعبدُ لا يصلحُ إن لم يكن الرَّبُّ معبوده وهو غاية محبوبه ومطلوبه، وإلا فكلُّ عمل لا يُرادُ به وجه الله فهو فاسد ضارٌّ لا ينفع صاحبَه، فكما أنه [ما](8) لا يكون به لا يكون، فما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم.

ولهذا أُمرنا أن نقول في كلِّ صلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾[الفاتحة:5]، فشهود العبد هذا ينفي أن يريد علوًّا في الأرض أو فسادًا، ويستلزم أن يكون من المتَّقين، فإنَّ شهود العبد لحقيقة حاجته وفقره يمنعُ عنده العلوَّ، وشهودَه لحاجته إلى ما ينفعُه ينفي عنه إرادة ما يضرُّه، ولكن هو جاهل ظالم، وقلبُه يغفل عن الله فيتبع هواه، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾[الكهف:28]، وقال تعالى: ﴿نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾[الحشر:19]، فهو بغفلته عن ذكر ربِّه ونسيانه إيَّاه ينسى نفسه وحاجتَها ومصلحتَها، فهو في غاية الفقر والحاجة، وقد ينفخ فيه الشَّيطان الكبر فينسى حاجته وفقره، ويطغى إذا استشعر غناه، قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾[العلق:6-7]، فإذا رآه استغنى طغى، وهو لا يستغني في الحقيقة قطّ، لكن يرى نفسَه مستغنية رؤية كاذبة، قال: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾[الليل:5-10]، واستغناؤه هنا كقوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾[عبس:5-6]، فالمستغني الَّذي لم ير نفسَه محتاجًا فيخضع خضوع المحتاج ويقصد قصد المحتاج، قال سَهْل بن عبد الله(9): «ليس بين العبد وبين الله طريق أقرب إليه من الافتقار، ولا حجاب أغلظ من الدَّعوى»،

وأصل كلِّ خير في الدُّنيا والآخرة الخوف من الله، وهذا الافتقار هو من العبوديَّة الَّتي قال فيها: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[الحِجر:42]، وإلاّ فجميع المخلوقات هي في نفس الأمر مفتقرة إلى الله تعالى، وهم عبادٌ يعبدون له يَصرفُهم بمشيئته وقهره، ولكن هم لا يشهدون هذا، ولا ينتظرون من أنفسهم الخضوع والعبوديَّةَ والذُّلَّ، بل الإنسان ضعيف جبار، ضعيف القدرة، جبار الإرادة. آخره.

علَّقه محمَّد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن علي بن حاتم بن الحبّال الأنصاري الحرَّاني الحنبلي عفا الله عنهم، من خطِّ العلامة شمس الدِّين محمَّد بن محمَّد بن أحمد ابن المحبِّ المقدسي الحنبلي قدَّس الله روحه.

-----------------------------------------------------------------------

(1) في «إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين» (3/ 126).

(2) انظر مثلا: «الصَّفديَّة» (ص 91).

(3) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (19032) وأبو داود في «سننه» (4950) والبخاري في «الأدب المفرد» (814) وغيرهم، من حديثِ أبي وهب الجُشَمي رضي الله عنه، وصحَّحها الشَّيخ الألباني في تخريجه.

(4) أخرجه بنحوه الإمام أحمد (23816) والحاكم في «المستدرك» (2/ 289) وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (226)، من حديث المقْداد بن الأسود رضي الله عنه، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (1772).

(5) أخرجه الإمام أحمد (19661، 19757) والحاكم (4/ 307) وابن أبي عاصم (رقم: 227) وغيرهم، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وصحَّح إسناده الألباني في «تخريج السُّنَّة»، وروي من قول أبي موسى رضي الله عنه.

(6) انظر: «الدُّر المصون في إعراب الكتاب المكنون» (7/ 159 ـ 160)، والمعنى: أنَّ من اتَّبع الشَّيطان في شيء من إغوائه لم يكن محقِّقًا لعبادة ربِّه.

(7) في الأصل: مفتقرًا.

(8) زيادة يقتضيها السِّياق.

(9) التّستري، من كبار الزُّهَّاد، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة، توفِّي سنة (283هـ).

انظر: «سير أعلام النُّبلاء» (13/ 330 ـ 333).



* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 27»


https://www.rayatalislah.com/index.p...item/5695-2712











الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	من عرف الدنيا.png‏
المشاهدات:	309
الحجـــم:	976.5 كيلوبايت
الرقم:	6731   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	والعاقبة للمتقين.png‏
المشاهدات:	196
الحجـــم:	953.9 كيلوبايت
الرقم:	6732   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	التوحيد1.png‏
المشاهدات:	119
الحجـــم:	730.0 كيلوبايت
الرقم:	6733   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	التوحيد2.png‏
المشاهدات:	165
الحجـــم:	836.1 كيلوبايت
الرقم:	6734   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.png‏
المشاهدات:	108
الحجـــم:	643.7 كيلوبايت
الرقم:	6735   اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	تلك الدار الآخرة.png‏
المشاهدات:	221
الحجـــم:	64.4 كيلوبايت
الرقم:	6736  
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013