منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28 Nov 2010, 08:27 PM
مصطفى قالية
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي إِرْشَادُ العَابِدِ السَّاجِدِ إِلَى بَعْضِ أَحْكَامِ وَآدَابِ المَسَاجِدِ/ الحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ




إِرْشَادُ العَابِدِ السَّاجِدِ إِلَى بَعْضِ أَحْكَامِ وَآدَابِ المَسَاجِدِ
الحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ





بِسْمِ اللهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:
أما بعد:
فقد رأينا في المقال الأول ضرورةَ تعظيم المساجد، وفضلَ المشاركةِ في بنائِها وتعميرِها، كما رأينا أنَّ تحصيلَ تلك الفضائلِ العظيمةِ مشروطٌ بموافقةِ السُّنة في ذلك، وهذا الأخيرُ لا يتم إلا إذا راعى القائمون على بناء المساجد الأمور الآتي ذكرها:

أوّلا: حسنُ اختيارِ البُقعةِ للمسجدِ:
ينبغي أن يُختار الموقع المناسب لبناء المسجد، فتُبنى المساجد في الأحياء والمواقع المناسبة التي يستفيد منها جميع سكان الحي، لا في أطراف العمران.
كما ينبغي أن يبتعد كلّ البعد عن بناء المساجد في الأراضي المغصوبة: ومع ذلك نجد أنّ كثيرا من مساجد المسلمين وقع في هذا المحظور، فكم سمعنا من خلافات وقعت بين أهل بيت وأهل المسجد بسبب بناء جزء من المسجد في أرضهم وهكذا.
ولا ينبغي أن تُبنى المساجد الجوامع بعضُها أمام بعض-كما هو حاصل في أغلب بلاد المسلمين اليوم- إنّما يُبنى بدلَها مساجدُ غيرُ جوامع، ومصلّياتٌ يؤذَّنُ فيها، وتقام فيها الصَّلوات الخمس، وحِلق الذِّكر، أمَّا الجامع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، فلا ينبغي أن يكون في البلدة الواحدة، والقرية الواحدة أكثر من مسجدٍ جامعٍ واحد.
قال الإمام الشّافعي-رحمه الله-: (وَلَا يُجْمَعُ في مِصْرٍ-وَإِنْ عَظُمَ أَهْلُهُ، وَكَثُرَ عَامِلُهُ، وَمَسَاجِدُهُ- إلَّا في مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَإِنْ كانت له مَسَاجِدُ عِظَامٌ، لم يُجْمَعْ فيها إلَّا في وَاحِدٍ) [ الأم(4/485)].
و قال في موضع آخر: (وإذا اتَّسَعَتْ الْبَلَدُ، وَكَثُرَتْ عِمَارَتُهَا، فَبُنِيَتْ فيها مَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ: عِظَامٌ وَصِغَارٌ، لم يَجُزْ عِنْدِي أَنْ يصلى الْجُمُعَةَ فيها إلَّا في مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا اتَّصَلَتْ بِالْبَلَدِ الْأَعْظَمِ منها قَرَيَات صِغَارٌ، لم أُحِبَّ أَنْ يصلى إلَّا في الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ)[ الأم(4/486)].
وذلك أنّ النبيَّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- والخلفاءَ بعده لم يفعلوا ذلك، وهذا مما تواتر نقله تواترا معنويا كما قال ابن الملقن في البدر المنير(4/594)، وأيَّده الألباني في إرواء الغليل(3/81)، والأدلّة على ذلك كثيرة منها:
-ما رواه البخاري(860) ومسلم(847) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ-صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّم- قَالَتْ: ((كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِيِّ)).
و(العوالي): جمع عالية، وهي قرى بقرب المدينة من جهة الشرق، وأقرب العوالي ثلاثة أميال.
-وما رواه ابن المنذر في الأوسط(1866) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (لاَ جُمُعَةَ إِلاَّ فِي المَسْجِدِ الأَكْبَرِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَامُ).
قال ابن المنذر في الأوسط(4/116-117): (لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَفِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، إِلَّا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيُعَطَّلُ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ، وَفِي تَعْطِيلِ النَّاسِ الصَّلَاةَ فِي مَسَاجِدِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَاجِتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ أَبْيَنُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ خِلَافُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ).
وقد أجاز بعض أهل العلم التجميع في أكثر من مسجد واحد لأهل البلدة الواحدة إذا كان في اجتماعهم في مسجد واحد حرج كبير للمصلين.
وقد سئلت عن هذا اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز-رحمه الله- عن هذا فأجابت:
(ثبت أنه لم يكن في عهد النبي-صلى الله عليه وسلم- مسجد تقام فيه صلاة الجمعة بالمدينة إلا مسجد واحد هو المسجد النبوي، وكان المسلمون يأتون إليه لصلاة الجمعة به، من أطراف المدينة وضواحيها، كالعوالي، واستمر الحال على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين-رضي الله عنهم-، وذلك دليل عملي منه-صلى الله عليه وسلم- على القصد إلى جمع المسلمين في صلاة الجمعة في البلد الواحد على إمام واحد، إشعاراً بوحدة القيادة، وجمعاً للقلوب، وتأليفاً للنفوس، وزيادة في التعارف، وتأكيداً لمعاني الأخوة، ولو كان تعدد الجمع في البلد الواحد من غير مبرر شرعي مباحاً لَأَمَرَ النبي-صلى الله عليه وسلم- أصحابَه-رضي الله عنهم- أن يصلي كل منهم الجمعة في مسجده بأطراف المدينة؛ لأنه-صلَّى الله عليه وسلَّم- ما خيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وفي ذلك تيسير على أمته وتخفيف عنها، وعمل بعموم قوله تعالى‏:‏ {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[‏البقرة: 185‏] ، وعموم قوله‏:‏ {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} النساء: 28‏]‏، فلما لم يأمرهم بالتعدد، ولم يأذن لهم فيه، دل ذلك على قصده-عليه الصلاة والسلام- إلى توحيد الجمعة في البلد الواحد، وجمعهم على إمام واحد فيها؛ لما تقدم بيانه من الحكمة في ذلك‏.‏
لكن إذا كانت المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة في مدينة المنامة 1 تضيق بمن يصلي فيها الجمعة حتى أن كثيراً منهم يصلي في الشمس الشديدة الحرارة وفي الطرق وفوق السقوف؛ فلا مانع من أن تقام الجمعة في مساجد أخرى زيادة على المساجد الأربعة التي تقام فيها الجمعة حالياً حسب ما تقتضيه الحاجة، تيسيراً على الناس، ودفعاً للحرج عنهم، وعملاً بقوله تعالى‏:‏ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}‏[‏الحج: 78‏]‏ وقوله‏: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[‏البقرة: 185‏]‏، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ((إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه))‏ [‏البخاري(39)، وقوله‏:‏ ((يسروا ولا تعسروا))‏ [‏البخاري(69)، ومسلم(1734)]
ولهذا لما كثر المسلمون بعد عهد الخلفاء الراشدين، وازدحمت المساجد بمن يصلي فيها الجمعة- صلوا الجمعة في أكثر من مسجد في المدينة الواحدة، عملاً بأدلة التيسير ورفع الحرج، ولنا فيهم أسوة حسنة‏.‏ وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم)‏.‏[اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء/ الفتوى رقم ‏(‏2212)].
وذلك كلُّه لأنّ دين الله تعالى يتشوّف ويسعى إلى جمع الكلمة، وهذا من أهمّ مقاصد المسجد، أن يتّحد التّوجيه الطيّب، والتّعليم النّافع، لا أن يأمر مسجد بشيء وآخر بعكسه، وبهذا يحدث الشّقاق والنّزاع الذي نرى ويلاته اليوم بين أظهرنا.
بل إن النَّاظر في الشَّريعة الإسلامية الغرَّاء، وفي مقاصد التَّشريع لَيَظهرُ له بجلاءٍ أنَّ كثيراً من الأحكامِ سواء المأمور بها أو المنهي عنها، إنَّما شرعت لأجل توحيد الصفِّ وعدم التَّفرق، وهذا مقصد عظيم امتن الله على عباده به فقال سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا }[آل عمران: 103]، وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62 و63] 2.
فمن الأمور المأمور بها الدَّالة على هذا: إيجاب الجماعات والجمعات، والأمر بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف، وصلة الأرحام، وعيادة المرضى، وتسوية الصفوف، وغيرها.
ومن الأمورِ المنهي عنها الدَّالة على هذا: تحريم الغيبة، والنميمة، وقطيعة الرحم، والبيع على بيع أخيه، وغيرها.
قال شيخ الإسلام-رحمه الله-: (وَالِاجْتِمَاعُ والائتلاف مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} - إلَى قَوْلِهِ- {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ)[مجموع الفتاوى(22/358)].
لذلك على كلّ من أراد توحيد الكلمة أن يجعل الانطلاقة من المسجد، وأن يجعلوا أغلب المساجد التي نراها اليوم، يُقتصر فيها على إقامة الصّلوات الخمس، والتّعليم والتّوجيه، وأن يبنوا ويرفعوا مسجدا جامعا كبيرا يضمّ أهل القرية الواحدة، وما ذلك على الله بعزيز، وما هو علينا بشاقّ.
قال الإمام السعدي-رحمه الله- أثناء تفسيره للآيات التي تكلمت عن مسجد الضرار: (في هذه الآيات فوائد عدة:
-منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه.
-ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
-ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين إتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن اللّه علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة للّه ورسوله.
-ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها.
-ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد (قباء) حتى قال اللّه فيه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}، ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان-صلى الله عليه وسلم- يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه.
-ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي:
1-كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية للّه، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى اللّه ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.
2-ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.
3-ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي-صلى الله عليه وسلم- الذي أسسه بيده المباركة، وعمل فيه، واختاره اللّه له من باب أولى وأحرى.
4-ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم، والعمل المبني على سوء القصد، وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، واللّه لا يهدي القوم الظالمين) [تفسير السعدي(351)].

ثانيا: تحريم بنائها على القبور.
قال شيخ الإسلام-رحمه الله-: (اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ)
[مجموع الفتاوى(22/194)].
وذلك لأنّه يحرم أن يُصلّي المؤمن في المقبرة، أو بين القبور، أو في مسجد مبنيّ على قبر، أو بداخله قبر، لأنّ ذلك ممّا يؤدّي-شئنا أو أبينا-إلى الشّرك في يوم ما، فهاهم النّصارى الذين عثروا على أصحاب الكهف أنساهم الشّيطان توحيد الله فقال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} [الكهف:21].
قال ابن كثير-رحمه الله- في تفسيره(5/147): (حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: إنهم المسلمون منهم. والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم، والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر، لأن النبي-صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: ((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)) يحذر ما فعلوا. وقد روِّينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها).
قال ابن تيمية-رحمه الله-: في الرد على البكري(2/568): (فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم النَّبِي-صلَّى الله عليه وسلَّم- حيث قال: "لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد").
وقال ابن رجب-رحمه الله- في الفتح له(3/194): (فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستند القهر والغلبة وإتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى).
والنبيُّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- عندما بنى المسجد بالمدينة كانت أرض المسجد فيها قبور للمشركين، فأمر بنبشها، روى البخاري(418) ومسلم(524) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضي الله عنه- قَالَ: (قَدِمَ النَّبِيُّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- الْمَدِينَةَ فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا)) قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ! فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ-صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّم- بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ).

فائدتان من الحديث:
الأولى: ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثَمَنًا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْل السِّيَر، قال ابن حجر في فتح الباري(7/266): (وَقَعَ عِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ اِشْتَرَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِير، وَزَادَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ أَبَا بَكْر دَفَعَهَا لَهُمَا عَنْهُ)اهـ.
قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري(3/198): (وحديث أنس أصح من رواية يرويها الواقدي عن معمر وغيره، عن الزهري مرسلة، فإنَّ مراسيل الزهري لو صحت عنه من أضعف المراسيل، فكيف إذا تفرد بها الواقدي؟).
الثانية: قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري له(3/201): (وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة، وجازت الصلاة فيها، ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة ولو كانت قبور المشركين، لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد، فإنه إذا تطاول العهد، ولم تعرف الحال، خشي من ذلك الفتنة).
وجاءت الأحاديث الكثيرة تبيّن هذا الحكم الشّرعيّ:
-فَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ-رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ-صلَّى الله عليه وسلَّم- يَقُولُ: ((لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا))[مسلم(972)].
والمراد: لا تعظموها بالصلاة إليها، لأنه يشبه العبادة لها، ولا تهينوها بالجلوس عليها، فإنها محترمة.
-وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ-رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ))[أحمد(11938) وأبو داود(463) وغيرهما وإسناده صحيح انظر الإرواء(1/320)].
-و عن عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ-رضي الله عنه-قَالَا: (لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ-صلَّى الله عليه وسلَّم- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى! اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) [البخاري(425) ومسلم(531)].
فما كان النبيّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- ليجعل آخر عهده بالمؤمنين إلاّ أن ينبّههم على أمر عظيم ألا وهو تحريم بناء المساجد على القبور.
-و عَنْ عَائِشَةَ-رضي الله عنه- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سلَّمةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً[يقال لها: مارية] رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- فَقَالَ: ((إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))[البخاري(417) ومسلم(528)].
وقد اتّفق العلماء على تحريم بناء المساجد على القبور، وإلى تحريم الصّلاة في المساجد التي فيها قبر.
لذلك يحرم الإسهام والمشاركة في بناء مسجد سيتمّ بناؤه على قبر، فالله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب}[المائدة:2]، وهل هناك عدوان أعظم وأفظع من الشّرك بالله.
يقول العلامة عبد الحميد بن باديس-رحمه الله- في الآثار(2/153) بعد ما أورد الآيات القرآنية التي تأمر باتّباع الرسول-صلَّى الله عليه وسلَّم- والنَّهي عن مخالفته: (نسأل كلّ مؤمن بهذه الآيات أن يعمل بنهي النَّبِيّ-صلَّى الله عليه وسلَّم- عن البناء على القبر، فلا يبني على القبر، ولا يعين بانياً، ويعلن هذا الحديث في الناس، ويذكرهم به، ولا يفتأ يقرع به أسماع الغافلين، ويفتح به أعين الجاهلين {وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت 69]).
وقال-رحمه الله- في موضع آخر: (فيا أيُّها المؤمنون بمحمد-صلَّى الله عليه وسلَّم-، المصدقون لحديثه، إيَّاكم والبناء على القبور، إيَّاكم واتَّخاذ المساجد عليها إن كنتم مؤمنين، وعليكم بتبليغ هذا الحديث والتذكير به، والتكرير لذكره يكن لكم أجر المجاهدين في سبيل ربِّ العالمين لإحياء سنَّة سيِّد المرسلين، عليه وعليهم الصلاة أجمعين).

ما هي الحكمة في منع اتخاذ القبور مساجد؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ علة النَّهي هي مخالفةُ المشركينَ فقط، كما هو ظاهرٌ من بعض النصوص المتقدمة، و لا شك أن مخالفةَ المشركين مقصدٌ شرعي مطلوب، ولكن لا يعلَّل به وحدَه، وإنَّما لكون عملهم هذا ذريعة موصلة إلى الشِّرك.
قال الشافعي: (أكره أن يعظَّم مخلوقٌ حتَّى يُجعل قبرُه مسجدا مخافةَ الفتنةِ عليه وعلى من بعده من النَّاس) [الأم(1/278)، والمجموع للنووي (5/269)، واقتضاء الصراط المستقيم(333)].
وقال ابن قدامة-رحمه الله-: (تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روِّينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات، باتخاذ صورهم، ومسحها، والصلاة عندها، وكذلك فعل الناس بقبور الصالحين)[المغني(2/382)، وقد نقله عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان(1/197)].
وقال النووي-رحمه الله-: (إنما نهى النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن اتخاذ قبرِه وقبرِ غيرِه مسجدا خوفاً من المبالغة في تعظيمِه والافتتانِ به، فربَّما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية)[شرح مسلم (2/162)].
قال العلامة ابن باز -حفظه الله- في قول ابن حجر-رحمه الله-: (وقد يقول بالمنع –أي: من الصلاة في المقبرة- مطلقا من يرى سد الذريعة، وهو متجه قوي)، قال-حفظه الله-: (وهذا هو الحق لعموم الأحاديث الواردة بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك، ولأن بناء المساجد على القبور من أعظم وسائل الشرك بالمقبور فيها) [فتح الباري (الهامش)(3/308)].

تنبيه:
نص الشافعي-رحمه الله- في الأم(1/92) بأن النجاسة علة من علل الحكم، لكون المقبرة اختلطت بلحم وعظام الأموات، فصارت نجسة، وهذا القول منه-رحمه الله- ليس بصحيح، فقد ثبت أن النبي- صلَّى الله عليه وسلَّم- صلَّى على قبر- صلاة جنازة- وهي صلاة يشترط لها الطهارة.
قال شيخ الإسلام-رحمه الله- في مجموع الفتاوى(27/159): (وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ نُهِيَ عَنْهَا مِنْ أَجْلِ النَّجَاسَةِ؛ لِاخْتِلَاطِ تُرْبَتِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَائِلٌ، أَوْ لَا يَكُونَ. وَالتَّعْلِيلُ بِهَذَا لَيْسَ مَذْكُورًا فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَإِنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ ظَنُّوهَا، وَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي زَمَنِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ: إنَّمَا هُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ، وَأَنْ تَصِيرَ ذَرِيعَةً إلَى الشِّرْكِ؛ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ) .
وقال ابن القيم-رحمه الله-: (وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن الرسول- صلَّى الله عليه وسلَّم- مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة (لا تفعلوا) وصيغة (إني أنهاكم) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنَّ هذا وأمثالَه من النبي- صلَّى الله عليه وسلَّم- صيانةٌ لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابا لنهيه، وغرهم الشيطان فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد...)[إغاثة اللهفان(1/191)].
قال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-: (هذا تعليل عليل، بل ميِّت لم تَحُلَّ فيه الرّوحُ.
قالوا: لأنها ربما تُنبش وفيها صديد من الأموات ينجِّسُ التُّراب، فيُجابُ عنه بما يلي:
أولاً: أنَّ نبش المقبرة الأصل عدمُه.
ثانياً: من يقول إنك ستُصلِّي على تُراب فيه صديد؟
ثالثاً: مَنْ يقول: إنَّ صديد ميتة الآدمي نجس؟
رابعاً: أنه لا فرق عند هؤلاء بين المقبرة القديمة؛ والمقبرة الحديثة التي يُعلم أنها لم تُنبش؛ فكلُّ هذه المقدمات لا يستطيعون الجواب عنها؛ فيبطُل التَّعليل بها).[الشرح الممتع(2/239)]

ما العمل عند اجتماع المسجد والقبر في محل واحد؟
تقدم معنا أنه يحرم اتخاذ القبور مساجد، وحينئذ فإدخال القبر بالمسجد حرام، وإذا اجتمع القبـر والْمسجد فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون القبر قد وضع أولا، ثم بني عليه مسجد.
وهذه الحالة هي التي نص الرسول-صلَّى الله عليه وسلَّم- على لعن من يفعلها، وقد حدثت إقامة المشاهد على القبور في وسط المساجد، وحصل فيها بلاء وكفر بالله، وما تزال في بعض مساجد المسلمين اليوم، وأغلبها لأناس يزعم القائمون عليها أنهم من الصحابة أو التابعين، كالحسين بن علي، وزينب، وغيرهما، وهي في الحقيقة ليست لهم3 ، وقد أنكر المحققون للتوحيد هذه الأعمال، وبينوا حكمها للناس.[ انظر: الفتاوى لابن تيمية (22/195) (27/488)، وحاشية الروض المربع لابن قاسم (3/ 131)].
والصلاة في هذه المساجد محرمة، لأنَّ المسجد ذاته محرم، ويجب هدمه، لما في هذا العمل من مشابهة المشركين، ولأنه ذريعة إلى الشرك.
الحالة الثانية: أن يبنى المسجد أولا ثم يُدخَل فيه القبر، وهنا لا يخلو هذا القبر من أمرين:
أحدهما: أن يكون جديدا، فيجب نبشه وإزالته عن المسجد تماما، وتسقط حرمته إن كان مسلما، باعتدائه أو اعتداء من أدخله المسجد، لقوله-صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ))[ جزء من حديث رواه أبو داود(3073)، والترمذي (1378)، وهو صحيح انظر الإرواء(1520).].
وثانيهما: أن يكون القبر قديما، لكنه بعد المسجد، فذكر ابن تيمية: أن هذا القبر يسوى، حيث قال في المجموع (22/195): (اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ... وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ. فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ قَبْلَ الدَّفْنِ غُيِّرَ: إمَّا بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ وَإِمَّا بِنَبْشِهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا...).
و لا شك أن نبش القبر، وإخراج عظامه ولحمه، وما خالطه من تراب، مطلقا أولى سدًا للذَّريعة، حتى لا يبقى للمفتونين مستند، وكذا لما سبق ذكره من الأدلة آنفًا، ولاتفاق العلماء على تحريم دفن الميت بالمسجد، وهذا الذي يذكره علماؤنا في فتاويهم من غير تفصيل بين القبر الجديد والقبر القديم.
-يقول ابن القيم-رحمه الله-: (يُهدم المسجد إذا بُنى على قبر، كما يُنبش الميتُ إذا دُفِنَ في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيرُه، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبر، بل أيُّهما طرأ على الآخر. منع منه، وكان الحكم لِلسابق...ولا تَصِحُّ الصلاة في هذا المسجد لنهى رسولِ الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن ذلك، ولعنه مَن اتخذ القبر مسجداً أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دينُ الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه، وغربتُه بينَ الناس كما ترى)
[زاد المعاد(3/572)].
-يقول الشيخ ابن باز-رحمه الله-: (وضع القبور في المسجد لا يجوز، فبعض الناس إذا مات يدفن في المسجد، فهذا لا يجوز، وليس لأحد أن يدفن في المسجد بل يجب أن ينبش القبر، وينقل إلى المقبرة، فإذا دفن الميت بالمسجد فإنه ينبش وينقل إلى المقبرة، ولا يجوز بقاؤه في المساجد أبدا والواجب على أهل الإسلام أن لا يدفنوا في المساجد)[ فتاوى نور على الدرب(259)].
-يقول الشيخ الألباني-رحمه الله-: (هل يزال القبر أو يزال المسجد؟ لا بد من القضاء على الظالم وعلى الباغي، فإذا كان هناك أرض دفن فيها ميت، فجاء أحد البغاة وبنى عليه مسجدا، فيزال هذا المسجد لأنه هو الباغي، وعلى العكس من ذلك، إذا كان هناك مسجد بني على تقوى من الله-عز وجل-، فجاء أحد البغاة، وأوصى إنه إن مات دفن فيه، وفعلا دفن فيه، فيقذف بجثته خارج المسجد، لأنه هو الباغي على المسجد)[سلسلة الهدى والنور الشريط(647)].
يقول الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-: (لا بد أن ننظر هل القبر سابقٌ على المسجد أو المسجد سابقٌ على القبر؟ فإن كان القبر سابقاً على المسجد، بمعنى: أن القبر كان متقدماً فبنوا عليه مسجداً، فالمسجد هنا لا تصح فيه الصلاة على كل حال؛ لأنه مسجد يجب هدمه، فقد نهى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يبنى على القبور، لا سيما إذا كان المبني مسجداً، وإنما قلنا: يجب هدمه؛ لأنه يشبه مسجد الضرار الذي يجب هدمه، ومسجد الضرار هو المسجد يبنى بقرب مسجدٍ آخر فيؤثر على أهل المسجد الأول ويفرقهم، فهذا مسجد ضرار فيهدم على كل حال. وأما إذا كان المسجد سابقاً ودفن فيه الميت فإنه يجب أن ينبش الميت ويدفن مع الناس.)[ فتاوى نور على الدرب: الشريط(358) الوجه: أ].
الحالة الثالثة: أن يوضع القبر والمسجد في آن واحد، فهذا نادر جدًا ولا يتأتى، إلا إذا كان المسجد من مادة يمكن صنعها بسرعة، قال ابن القيم: (فلو وضعا معا لَم يجز ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة فِي هذا المسجد) [زاد المعاد(3/572)]، وهذا من باب تغليب الحظر على الإباحة، ولأن الأحاديث تشمل هذه الصورة كغيرها مما تقدم ذكره.

وللحديث بقية في الحلقات المقبلة بإذن الله


والله أعلى وأعلم
والحمد لله رب العالمين
كتبه: مصطفى قالية







......................................
هامش:
1- بلدة أصحاب السؤال.
2- انظر تفسير ابن كثير(8/89).
3- قال شيخ الإسلام في المجموع(27/272-273): (فَالْأَنْبِيَاءُ كَثِيرُونَ جِدًّا وَمَا يُضَافُ إلَيْهِمْ مِنْ الْقُبُورِ قَلِيلٌ جِدًّا، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ عُرْفًا، فَالْقُبُورُ الْمُضَافَةُ إلَيْهِمْ مِنْهَا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ: مِثْلُ: "قَبْرِ نُوحٍ" الَّذِي فِي أَسْفَلِ جَبَلِ لُبْنَانَ، وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ بِالْإِجْمَاعِ-إلَّا قَبْرَ نَبِيِّنَا وَالْخَلِيلِ وَمُوسَى- فَإِنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ صَانَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَسَاجِدَ صِيَانَةً لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهَا فِي الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ أَظْهَرُوا التَّوْحِيدَ إظْهَارًا لَمْ يُظْهِرْهُ غَيْرُهُمْ، فَقَهَرُوا عُبَّادَ الْأَوْثَانِ وَعُبَّادَ الصُّلْبَانِ وَعُبَّادَ النِّيرَانِ).


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى قالية ; 28 Nov 2010 الساعة 11:01 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28 Nov 2010, 08:54 PM
معبدندير معبدندير غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
الدولة: الجزائر العاصمة الولاية
المشاركات: 2,035
إرسال رسالة عبر MSN إلى معبدندير إرسال رسالة عبر Skype إلى معبدندير
افتراضي

بارك الله فيكم
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 28 Nov 2010, 09:21 PM
أبو معاذ محمد مرابط
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاك الله خيرا يا شيخ مصطفى على هذه القلادة الرائقة التي تسعى لتكميل حلقاتها الماتعة
موفق جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28 Nov 2010, 10:53 PM
سفيان الجزائري سفيان الجزائري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 436
إرسال رسالة عبر MSN إلى سفيان الجزائري إرسال رسالة عبر Yahoo إلى سفيان الجزائري إرسال رسالة عبر Skype إلى سفيان الجزائري
افتراضي جزاك الله خيرا ...

بارك الله فيك يا شيخ مصطفى ، أحسن الله إليك
نفع الله بك
حبذا لو يطبع هذا البحث على شكل رسالة ويراجعها أحد المشايخ الجزائر ، من باب إبراز جهود الدعاة ليس إلا

التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الجزائري ; 28 Nov 2010 الساعة 11:09 PM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 Nov 2010, 10:02 AM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

حفظك المولى تعالى، وسدد خطاك، وأعزك بالسنة.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 Nov 2010, 10:45 AM
أبو إبراهيم خليل الجزائري أبو إبراهيم خليل الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 378
افتراضي

بارك الله فيك ياشيخ مصطفى
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 Nov 2010, 10:16 PM
أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 196
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذه الإرشادات النافعة يا شيخ مصطفى .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30 Nov 2010, 12:20 PM
مصطفى قالية
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بارك الله فيكم إخوتي جميعا على كلماتكم الطيبة، ورفع قدركم في الدنيا والآخرة.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30 Nov 2010, 08:42 PM
مصطفى بلالي مصطفى بلالي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 24
افتراضي

جزاك الله خيرا يا شيخ مصطفى

و جعلك من المصطفين الأخيار
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01 Dec 2010, 11:30 AM
مصطفى قالية
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أحسن الله إليك أخي مصطفى وجعل الله لك من دعوتك نصيبا.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 01 Dec 2010, 05:14 PM
أمين الجزائري أمين الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 51
إرسال رسالة عبر MSN إلى أمين الجزائري
افتراضي

بارك الله فيكم و نفع بكم
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 01 Dec 2010, 09:01 PM
مصطفى قالية
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بارك الله فيك أخي أمين ووفقك لما يحبه ويرضاه
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 02 Dec 2010, 01:08 PM
ياسين مزيود ياسين مزيود غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 122
افتراضي

بارك الله فيك شيخنا أباعبد الرحمان على هذه الجواهر والدرر المنقولة عن أهل السنة والأثر
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 02 Dec 2010, 08:34 PM
مصطفى قالية
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

وفيك بارك الله أخي أبا عبيد ياسين ورزقك الله علما وفهما وعملا
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 03 Dec 2010, 10:03 AM
محمد رحيل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بارك الله فيك أخي مصطفى على هذا الجمع الرائع,والموضوع المفيد النافع,والنقل الجميل الماتع,زادنا وإياك وجميع المشاركين علما وعملا من الإله السامع.
كنت أظنه الموضوع السابق,ولذا تأخر الرد.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013