منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 02 Nov 2020, 09:58 PM
أبو بكر يوسف قديري أبو بكر يوسف قديري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 249
افتراضي قصة الشيخ محمد شاكر مع الخطيب الذي تنقّص رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. أما بعد
فهذه إحدى مناقب العلماء ومواقف الشرفاء الذين عاشوا يدافعون عن النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته بالعلم والحكمة، والصبر والجلد.
وهي قصة وكيل الأزهر الشيخ محمد شاكر -رحمه الله- مع أحد الخطباء المشهورين آنذاك بالقاهرة.
نقلها لنا ابنُه محدّث مصر العلامة أحمد بن محمد شاكر -رحمه الله- في مقاله: جهل وسوء أدب، ثم إصرار وقِحة وغرور. وقد كتب هذا المقال ردّا على أحد الكتاب وهو محمد زكي عبد القادر حين مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه جهلًا ودون قصد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بكلمتين نابيتين، فلما راجعه العلماء أصرّ واستكبر، وزعم أنه لم يطعن !!
قال له العلامة أحمد شاكر -رحمه الله-:
(وسأقصّ عليكَ من مثل ما فعلت، قصةً كانت في عصرنا ما أظنك أدركت عهدها، ولعلك سمعت بها، عسى أن يكون لك فيها موعظة و عبرة:
كان الشيخ طه حسين (1) طالبا بالجامعة المصرية القديمة حين كانت برئاسة سموّ الأمير فؤاد (حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد رحمه الله 2) وتقرر إرساله لبعثة إلى أوربة، فأراد حضرة صاحب العظمة السلطان حسين -رحمه الله- (3) أن يكرمه بعطفه ورعايته، فاستقبله في قصره استقبالا كريما، وحباه هديةً قيمةَ المغزى والمعنى.
وكان من خطباء المساجد التابعين لوزارة الأوقاف خطيبٌ فصيح متكلم مقتدر، هو الشيخ محمد المهدي خطيب مسجد عزبان، وكان السلطان حسين مواظبا على صلاة الجمعة، في حفل فخم جليل يحضره العلماء والوزراء والكبراء، وصلى الجمعة يوما ما بمسجد المبدولي القريب من قصر عابدين العامر، وندبت وزراة الأوقاف ذاك الخطيب لذلك اليوم، وأراد الخطيب أن يمدح السلطان، وأن ينوه بما أكرم الشيخ طه حسين، وحقّ له أن يفعل، و لكن خانته فصاحته، وغلبه حب التغالي في المدح، فزلّ زلة لم تقم له قائمة بعدها، و أعتقد أنها كانت أخف من زلتك، إذ قال أثناء خطبته "جاءه الأعمى فما عبس و ما تولى"
وكان من شهود هذه الصلاة والدي الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقا -رحمه الله- (4)، وقام بعد الصلاة يعلن الناس في المسجد أن صلاتهم باطلة، وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر فأعادوها. (5)
ذلك لأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضا لا تصريحا، لأن الله سبحانه عتب على رسوله صلى الله عليه و سلم حين جاءه ابن أم مكتوم الأعمى، وهو يحدث بعض صناديد قريش يدعوهم، فعرض عن الأعمى قليلا حتى يفرغ من حديثه، فأنزل الله عتاب رسوله صلى الله عليه و سلم في هذه السورة الكريمة، ثم جاء هذا الخطيب الأحمق الجاهل يريد أن يتملق عظمة السلطان -رحمه الله-، وهو عن تملقه غني والحمد لله، فمدحه بما يوهم السامع أنه يريد إظهار منقبة لعظمته، بالقياس إلى ما عاتب الله عليه رسوله، وأستغفرُ الله من حكاية هذا، فكان صنع الخطيب المسكين تعريضا برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى به مسلم، و في مقدمة من ينكره السلطان نفسه.
ثم ذهب الوالد رحمه الله فورا إلى قصر عابدين العامر، وقابل محمود شكري باشا -رحمه الله-، وهو له صديق حميم، وكان رئيس الديوان إذ ذاك وطلب منه أن يرفع الأمر إلى عظمة السلطان، وأن يبلغه حكم الشرع في هذا بوجوب إعادة الصلاة التي بطلت بكفر الخطيب.
ولم يتردد شكري باشا في قبول ما حُمّل من الأمانة، وأعتقد أن السلطان لم يتردد في قبول حكم الشرع بإعادة الصلاة.
وكاد الأمر أن يقف عند هذا الحد؛ لأن قوانينكم هذه التي تدينون بها لا تحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفه السفهاء، ولا من حمق الحمقى والأدعياء.
ثم دخل فيه دخلاء السوء ممن يحرصون أشد الحرص -فيما زعموا- على حقوق الأفراد ويغلون أشد الغلو في هضم العلماء وهدمهم، حتى يشغلوهم بأنفسم عن نصر دينهم والذب عن حوضه، وكان ذلك الرجل الخطيب متصلا ببعض المستشارين الكبار، اتصال التابع بالمتبوع، يؤدي لهم كثيرا من الخِدمات، فأشاروا عليه بأن يرفع دعوة جنحة مباشرة على أبي؛ لأنه سبه سبا علنيا في المسجد وفي ديوان السلطان، و أشفقَ من لم يعلم أن ينال أبي من ذلك سوء، وثار البلد، وكثر اللغط، ووقف رجال كرام من رجال القضاء الأهلي قي ذلك مواقف مشرفة، بين مسلم وقبطي، كانوا يدا واحدة في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكار أي مساس و لو من بعيد بمقامه الكريم.
ولم يعبأ والدي رحمه الله بقضية الخطيب، ولا بمن وراءه من الكبار، بل وكَّل عنه صديقه الأستاذ الكبير محمد بك أبو شادي، و كان موقف أبي في القضية أنه لم يحتكم في حكم الشرع في جريمة هذا لمجرم إلى علماء الأزهر؛ لأن حكم المساس برسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تعريضا معروف للدهماء، لا ينكره جاهل أو متعنت أو غبي، وإنما نقطة البحث الصحيحة فيها عربية لغوية صرفة: آلذي صدر من الرجل الجاني المدعي أنه مجني عليه تعريض بالمقام الكريم مقام الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بدلالة اللغة و الاستعمال أم ليس بتعريض؟ ولا يحتاج الفصل في هذا إلى علماء الأزهر خشية أن يظن بهم ما هم برءاء منه من العصبية، بل هي نقطة عربية لغوية يكفي فيها رأي بعض المستشرقين الإفرنج ممن لا يظن بهم العصبية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هم مظنة الضد من ذلك.
فكان تصميم الوالد رحمه الله وعزمه على أنه إذا وصلت القضية إلى المحكمة وعُرضت أن يطلب ندب خبراء مستشرقين ليحددوا بخبرتهم في لغة العرب دلالة كلام الخطيب من الوجهة العربية: أهو تعريض أم لا؟ ثم يكون الفصل القضائي طبقا لما يقرره الخبراء.
ثم دخلت الحكومة في الأمر، خشية ما يكون من وراء هذه القضية من أحداث و أخطار، وطوي بساطها قبل أن ينظرها القضاء.
ولكن الله لم يدع لهذا المجرم جرمه في الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد رأيته بعيني رأسي بعد بضع سنين، وبعد أن كان متعاليا متنفخا مستعزّا بمن لاذ بهم من العظماء و الكبراء، رأيته مَهينا ذليلا خادما على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها، في ذلة و صغار، حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه و هو يعرفني، لا شفقةً عليه؛ فما كان موضعا للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، و لكن لما رأيته من عبرة و موعظة.

وثق -أيها الأستاذ زكي عبد القادر- أنه لن يمسّك في هذا البلد أحد بسوء، و لكن اعتبر بمن قبلك، وانظر لما بيبن يديك، و دأنا أمحضك النصح في الله مخلصا، وقد ترتفع في الدنيا درجات ولكن احذر أن يريك الله آياته في نفسك.
...

ونحن نعرض على الناس أحكام الشرع صريحة بينة، نجهر بها ما استطعنا، ونقولها للكبير والصغير على السواء، لا نداري ولا نماري، ولا نطلب منك ولا من غيرك أن يخضع أحد لقولنا عن غير دليل أو برهان.
فإن شئت أن تستفيد علما في هذا الأمر الذي أوقعك فيه قلمك، وأن تستيقن أنا نصحنا لك بالحق المبين، ليس لنا من وراء ذلك مقصد أو هوى: فاقرأ كتابا خاصا بهذه المسألة ألفه إمام عظيم من أئمة المسلمين، هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كاتبه "الصارم المسلول على شاتم الرسول" كتاب ضخم يقع في ستمئة صفحة طبع في مطبعة حيدر آباد بالهند سنة اثنتين وعشرين و ثلاثمئة و ألف، لم يدع قولا في هذه المسألة إلا سرده و لا برهانا إلا شرحه و بينه، و لئن قرأته لتجدن فيه علما جما لم يجُل بخاطرك أن ترى مثاله فيما تعرف من الكتب والمؤلفين.
فإن اهتديت فإنما تهتدي لنفسك و إن ضللت فإنما تضل عليها وما أحد منا عليك بوكيل.)
انتهى من مجموع مقالاته ص119 طبعة دار الآثار

----------------
(1) طه حسين (ت1393 الموافق 1973م) أديب مصري متأثر بالغرب، تقلد عدة مناصب ثقافية، وكان حين كتابة المقال وزير المعارف في مصر. له كتاب "في الشعر الجاهلي" بثّ فيه شبه المستشرقين حول القرآن حتى استتابه القضاء الشرعي. وقد تولى الردّ عليه مصطفى صادق الرافعي في كتابه العظيم "تحت راية القرآن"
(2) الملك فؤاد الأول ابن الخديوي إسماعيل حكم مصر من سنة 1917م إلى وفاته سنة 1936م
(3) السلطان حسين كامل ابن الخديوي إسماعيل، نصّبه الإنجليز سلطانا على مصر سنة 1914م إلى وفاته سنة 1917م
(4) محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر*من أسرة أبي علياء (1282 - 1358 هـ = 1866 - 1939 م)*قاض مصري، من الكتاب. ولد بجرجا، وتعلم بالأزهر، وعين*(قاضي قضاة)*في السودان، أربعة أعوام، فشيخا لعلماء الإسكندرية*(سنة 1332 هـ فوكيلا للأزهر. وكان من أعضاء هيئة كبار العلماء، ومن أعضاء الجمعية التشريعية (سنة 1331)*وناصر الحركة الوطنية في أيام سعد زغلول. وكتب مقالات كثيرة في الشؤون السياسية المصرية. وتوفي بالقاهرة. له*(الإيضاح لمتن إيساغوجي - ط)*في المنطق، و*(الدروس الأولية - ط)*في العقائد الدينية، و*(من الحماية إلى السيادة - ط)*و*(القول الفصل - ط)*في ترجمة القرآن الكريم. ولابنه الشيخ أحمد محمد شاكر، رسالة في سيرته سماها (محمد شاكر، علم من أعلام العصر - ط). الأعلام للزركلي 6\157.
(5) هذا هو الفقه حيث لم يأمرهم بصلاة الجمعة لأنه فات محلها بفوات شرطها ومنه إذن السلطان.

أعده يوسف قديري
يوم الاثنين 17 ربيع الأول 1442
الموافق: 02 نوفمبر 2020

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013