منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 10 Aug 2020, 05:08 PM
أبو عبد الله حيدوش أبو عبد الله حيدوش غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
الدولة: الجزائر ( ولاية بومرداس ) حرسها الله
المشاركات: 730
افتراضي خُـلـقُ التَّـغــاضـي لفضيلة الشيخ عمر الحاج مسعود -حفظه الله ورعاه-


خُـلـقُ التَّـغــاضـي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أمَّا بعد، فإنّ من أخطائنا في المعاملة والمعاشرة والمصاحبة اللومَ لأدنى زلَّة والتأنيبَ لأتفهِ هَفوةٍ، والمؤاخذةَ دون تثبُّت ولا تأَنٍّ، فطغى في معاملاتنا كثرةُ العتابِ والمحاسبة والتَّشديد والتدقيق وسوءِ الظن.
يَكثُر هذا بين الأزواجِ والأولاد والأصحاب والشركاء وطلبةِ العلم، بسبب الخطأ أو النسيان أو التأخُّر، فإذا تأخَّر عن الموعد ـ مثلا ـ سمع من صاحبه ما يكره، وكذا إذا نسي فعلَ شيْء أو لم يفهم كلامَ مخاطِبه أو تأوَّلَه، وإذا اتَّصل به أو كتب له رسالةً ولم يَرُدَّ، أساء به الظنَّ وغضِب.
فلا أحدَ يُقدِّرُ أنَّ المتَّصَلَ عليه قد يكون مصلِّيا أو مريضا أو مهموما أو نائما، وقد يكونُ يأكلُ أو يَغتسِل أو يقضي حاجتَه أو يُؤدِّي شُغْلَه، وبعد ذلك يتكاسلُ عن الرَّدّ أو ينساه، وقد يقدِّر فلا يرُدّ لسبب، فأين المخالفةُ وسوءُ الأدب؟
وأحيانا يكون الهاتفُ صامتا أو ضائعا أو معَطَّلا أو مسروقا، وقلبُ المتَّصِل يَغلي بالوساوسِ والشكوك والاحتمالاتِ البعيدةِ، ولسانُه ينطق بالطَّعنِ والسبِّ والكلمات القبيحةِ، وربما أرسل إلى صاحبِه رسائلَ توبيخيةً أو صوتياتٍ تعزيرية.
فصرنا لا نُحسن الظن ولا نقبَلُ العذر ولا نعرف المسامحة ولا نتعامل بالتغاضي، ولا نَتخلَّقُ بالحِلم والأناة والتَّثبُّت، بل نسارعُ إلى الغضبِ واللَّوم والعِتاب، وأحيانا إلى القطيعة والهجر والسِّباب، فأنتج هذا حرَجا وضُغْطةً وهمًّا ونَكَدا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، ويقول رسولُ الله ﷺ: «إِيَّاكم والظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديثِ» [أخرجه الشيخان]، وفي الحكمة: «ليس من العدْل سرعةُ العَذْل»، أي اللَّوم.

إنَّ المؤمن ينصَح ويستُر ويعذُر ويتغاضى استجلابا للمودة ودفعا للعداوة، عن أَبِي قِلابَةَ / قال: «التَمِسْ لأخيك العذْرَ بجَهْدِك، فإِن لَم تَجدْ له عُذرا فقُل لعلَّ لأخي عذْرا لا أَعلمُه»، [المداراة لابن أبي الدنيا 40]
لعلَّ له عُذرًا وأنت تَلومُ.....ورُبَّ امْرئ قد لام وهو مُليمُ
واعلم ـ رحمك الله ـ أنَّ الخطأ في حقِّك قد يكون سببُه الجهلَ أو الغفلة أو النسيان أو التأويل أو قلَّةَ الفهم أو ضعف البصيرة، والناسُ أصنافٌ وأوزاع، ليسوا على درجة واحدة في الفهم والانتباه والاستجابة، فراعِهم وانظر في أعذارهم.
هناك من يريد إخوةً و أصحابا لا يخطئون ولا ينسَون ولا يغفلون، وكأَّنه يجهلُ بأنَّ لكلِّ عالم هفوةً ولكلِّ جَوَاد كَبوةً، قَال بعضُهم: «مَن حاول صديقًا يأْمنُ زلَّتَه ويَدومُ اغْتباطُه به، كان كضالِّ الطَّريقِ الَّذي لا يزدادُ لنفْسه إتْعابًا إلَّا ازداد مِن غايتِه بُعدًا» [أدب الدنيا 225]
ومَن كان مُعاتِبا إخوانَه على الكبير و الصغير، محاسِبا لهم على الجليل والحقير، ولا يقبل منهم عُذرا ولا يلتمس لهم مَخرجا، فإنَّهم يجتنبونه وينفِرون منه، ويلتمسون جميعَ الحِيَل والوسائل للنَّجاةِ منه والابتعاد عنه، قال ابن حبان: «مَن لم يُعاشر النَّاسَ على لزومِ الإغْضاء عمَّا يأتون مِن المكروه وتركِ التَّوقع لِمَا يأتون من المحبوب كان إلى تَكديرِ عيْشِه أقربَ منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعَه الوقتُ إلى العداوةِ والبغضاء أقربَ منه إلى أن ينالَ منهم الوِدادَ وتركَ الشَّحناء»، [روضة العقلاء ص 72 ]، ومن منثور الحكمة: «لا صديق لمن أراد صديقا لا عيبَ فيه»
إنَّ خُلقَ التغاضي والمسامحةِ وحُسنِ الظَّنّ يورث الرِّفعةَ والمحبة والوئام والألفة، قال الله لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، يعني خُذْ ما سهُل عليهم وسمَحت به أنفسُهم، ولا يمكن هذا إلَّا بمعاملتهم بالتجاوزِ والتغاضي والصفح وقَبولِ الاعتذار.
قال أنسٌ: «خدَمتُ رسولَ اللهﷺ عشْرَ سنين، واللهِ ما قال لِي أُفًّا قَطُّ ولا قال لِي لشيْءٍ لِمَ فعلتَ كذا وهلَّا فعلتَ كذا»، [رواه البخاري 6038 ومسلم 2309]، ومعاملته ﷺ هذه هي نهايةُ العقل والحلم وغايةُ التغاضي والكرم، لهذا كان أحبَّ الناس إليهم، مُهابًا مُطاعا، قال أيّوبُ السَّخْتِيانِيّ /: «لا يُسوَّدُ العبدُ حتَّى يكونَ فيه خَصلتانِ اليأْسُ مِمَّا في أَيدي النَّاسِ والتَّغافلُ عمَّا يكونُ مِنهم» [حلية الأولياء 3/5]
وقال ﷺ: «لا يَفْرَكْ مُؤمنٌ مُؤمنةً، إِن كرِه منها خُلُقا رضِيَ منها آخَرَ»، [رواه مسلم 1469]، والفِرْك ـ بكسر فسكون ـ البُغض، يعني لا يُبغض، ففي هذا الحديث إرشادٌ إلى معاملة الحَليلةِ وكلِّ من كانت بينَك وبينَه معاملةٌ مِن قريبٍ أو جار أو صديق أو شريك بالإغضاء عن أخطائه والتغافلِ عن هفواته، حتى تدومَ بينكما الصحبةُ والمودّة، كما قال بعضهم: «من عاشر إخوانَه بالمسامحة دامت له مودَّتُهم»، وكان محمد الأمين الشنقيطي / كثيرَ التغاضي عن حقِّ نفسه، وإذا سئل قال :
ليس الغبيُّ بسيِّدٍ في قومه لكنَّ سيدَّ قومِه المتغابي
[أضواء البيان 10/297، والبيت لأبي تمام الطائي]

إنَّ العاقلَ الحكيم يراعي فهومَ الناسِ وعقولَهم وطِباعَهم، ويلاحظ مناسباتِهم وأحوالَهم، ويُحسِن الظنَّ ويعذر ويستر، ويترك التَّدقيقَ والاستقصاء، من غير أن يُداهنَ أحدا أو يتركَ واجبا أو يُضيِّعَ حقًّا أو يرتكب محرَّما أو يُشيعَ باطلا.
بهذه الأخلاقِ النَّبيلةِ تستقيمُ أمورُ الناس وتَحسُن أحوالُهم ويَدوم توادُّهم ويستقرُّ جمعُهم، قال بعضُ الحُكماءِ: «وجدتُّ أكْثرَ أمورِ الدُّنيا لا تَجوزُ إلَّا بِالتَّغافلِ»، [أدب الدنيا 227]، وقال الإمامُ أحمدُ بن حَنبلٍ /: «العافِيةُ عشَرةُ أجزاءٍ، كلُّها في التَّغافُل» [الآداب الشرعية 2/20]
فجدير بالزوجِ مع زوجته والوالدِ مع أولاده، والشيخِ مع طلَبتِه والمعلِّم مع تلامذته والمتعلِّمين مع شيوخهم ومعلِّميهم، والإمام مع مأموميه والأمير مع رعيته والمديرمع موظَّفيه، وطلبةِ العلم والأصحاب والأحبَّة فيما بينهم، أن يتحلَّوْا بحُسنِ الظَّنّ والتغاضي عن الهفوات التي لا تسبِّبُ الشرَّ والفتنةَ، والتغافلِ عن الزلَّاتِ التي لا تَخدِش الدينَ والسُّنة.
ويتأكَّد هذا مَع مَن عُرف فضلُه وثبتَت مودَّتُه، وصحَّت عقيدتُه وسلِم منهجُه، مع لزوم النَّصيحةِ والأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر والصَّدع بالحقِّ وَفقَ الضَّوابطِ الشرعيَّةِ والآدابِ المَرعيَّةِ، واللهُ المستعانُ وعليه التُّكلان، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارك على نبِيِّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان


كتبه عمر الحاج مسعود

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 Aug 2020, 06:32 PM
كمال بن سعيد كمال بن سعيد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2018
المشاركات: 226
افتراضي

جزى الله شيخنا عمر الحاج مسعود خيرا على هذه النصائح القيمة والنافعة بإذن الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 Aug 2020, 07:05 PM
أبو الحارث عادل أبو الحارث عادل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2020
المشاركات: 24
افتراضي

جزى الله الشيخ عمر الحاج خير الجزاء
فما أحوجنا إلى هذا الخلق العظيم
نسأل الله أن يجعل ذالك في ميزان حسناته
أنه ولي ذالك والقادر عليه
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20 Aug 2020, 08:12 PM
محفوظ قبايلي الداموسي محفوظ قبايلي الداموسي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 73
افتراضي

الله أكبر
جزاكم الله خيرا شيخنا الحبيب على مقالك النافع الذي واضحة فيه لغة العلم والرحمة بالمخاطَب، ولقد ذكّرتنا بارك الله فيك ونفع بمشايخنا جميعا.. هكذا لا تحرمونا من إطلالاتكم النافعة مشايخنا الأفاضل الأكارم،
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 Aug 2020, 08:16 PM
طارق بن صغير طارق بن صغير غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2019
المشاركات: 97
افتراضي

نصيحة عزيزة من شيخنا الحبيب نفعني الله بها و إخواني جعلها الله في ميزانك يوم العرض و هذا هو الظن بكم أهل الإصلاح تسعون للتآلف و جمع القلوب والحرص على المودة والرحمة جعلكم الله من الذين يصلحون ما أفسد الناس آمين
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20 Aug 2020, 09:20 PM
أبو أويس موسوني أبو أويس موسوني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 69
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا الحبيب ما أحوجنا أن نعمل بهذه النصائح
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20 Aug 2020, 09:47 PM
أبو الزبير خيرالدين الرباطي أبو الزبير خيرالدين الرباطي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 84
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا عمر ونفع بك
مقال مهم،اختصرت وأجدت وأفدت بارك الله في علمك
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 20 Aug 2020, 10:21 PM
أبو معاذ محمد مرابط أبو معاذ محمد مرابط غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 326
افتراضي

بارك الله في الشيخ العزيز عمر على معالجته القيمة لهذا الموضوع الخطير
بكلمات يسيرة وفق الشيخ وسُدّد في تناول هذه القضية الشائكة
أسأل الله أن يحفظه ويثيبه على هذا الجهد القيم
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 20 Aug 2020, 10:23 PM
غالي عبد الفتاح غالي عبد الفتاح متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2020
المشاركات: 9
افتراضي

بارك الله فيكم شيخنا الفاضل والوقور على هذه النصيحة القيمة
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20 Aug 2020, 10:51 PM
جمال بوعون جمال بوعون غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
المشاركات: 97
افتراضي

بارك الله في الشيخ عمر على هذا المقال الماتع.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا للتحلي بهذا الخلق الكريم الذي افتقدناه كثيرا.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 21 Aug 2020, 12:11 AM
أبو أويس بوعلام جزيري أبو أويس بوعلام جزيري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2020
المشاركات: 32
افتراضي

جزى الله الشيخ عمر الحاج خير الجزاء على هذا النصح الذي أثلج به الصدور
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 21 Aug 2020, 12:24 AM
فاتح عبدو هزيل فاتح عبدو هزيل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 137
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 21 Aug 2020, 04:39 AM
أبو نافع عز الدين علي حيمود أبو نافع عز الدين علي حيمود غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2019
المشاركات: 41
افتراضي

جزاك الله خيرا ونفع بك الإسلام والمسلمين .
نسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق ويصرف عنا سيئها.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 21 Aug 2020, 04:58 AM
يوسف شعيبي يوسف شعيبي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2017
المشاركات: 105
افتراضي

جزى الله خيرا الشيخ عمر على مقاله القيم المذكر بهذا الخلق الكريم الذي به دوام العشرة والألفة، وبه تزيد المحبة وتتوطد المودة، وإذا فقد حلت النفرة والبغضة، ودخلت الظنون السيئة، ووجد الشيطان ضالته؛ فنسأل الله أن يحلينا بهذا الخلق الكريم وأن يصرف عنا كل خلق ذميم.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 21 Aug 2020, 06:59 AM
محمد أمين أبو عاصم الأرهاطي محمد أمين أبو عاصم الأرهاطي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2019
المشاركات: 77
افتراضي

حفظكم الله فضيلتكم شيخنا الكريم عمر.
نصائح غاليات،جامعات مانعات،أسأل الله أن يثقل بها موازين حسناتك.ءامين
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013