منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 26 May 2019, 04:31 PM
خالد حمودة خالد حمودة غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2018
المشاركات: 46
افتراضي شد المآزر لاغتنام العشر الأواخر


الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:
فنحن في عشية العشرين من رمضان، بغروب شمس هذا اليوم نكون قد دخلنا في العشر الأواخر الَّتي هي أفضل ليالي هذا الشَّهر، بل أفضل ليالي السَّنة مطلقا، وذلك لما أودعه الله جلَّ وعلا فيها من الفضائل والخيرات والأجور المضاعفات، فيها ليلة هي خير من ألف شهر، ليلة القدر الَّتي قال فيها ربنا جلَّ وعلا: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) وهو سؤال تفخيم وتعظيم يأتي بعده الجواب المبيَّن: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ فلذلك كان من هدي رسول الله أنه إذا دخلت هذه العشر يكون له معها شأن.
كان نبيُّنا يشدُّ مئزره ويحيي ليله ويوقظ أهله(1) اهتماما بهذه الليلة وطلبا لها، وكان عليه السلام يعتكف في مسجده العشر كلَّها(2) طلبا لإدراك هذه الَّليلة التي قال فيها : «من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»[متفق عليه]، فهي فضيلة عظيمة في أوقات قليلة وليال معدودة، من وفقه الله لاغتنامها واستدراك خيرها وطلب معروفها وبرِّها فقد وُفق لخير عظيم.


ينبغي علينا أن نستحضر أنَّ من أدرك هذه الليالي فقد أنعم الله تعالى عليه بنعمةٍ عظمى، وشهودُ هذه النعمة واستحضارها يقوِّي العزم على استغلالها، فإذا هو رُزِق فيها الاجتهاد والجدَّ في العبادة فقد رزق الخير العظيم.
وليمثِّل أحدنا: لو أنَّ الله تبارك وتعالى قبضه قبل رمضان، كيف سيردُ على ربه؟! تقصير في العمل، وذنوب وآثام، وقلوب ملطَّخة بالأمراض وأدواء النفوس، سيرد أحدنا على ربه عز وجل وحاله هذه الحال!
فالله تعالى قد أكرمنا وأنعم عليها ووفقنا لإدراك رمضان، بل لإدراك العشر منه، فلْنُرِ الله تبارك وتعالى من أنفسنا خيرا، فإنَّما هي أيام قليلة وليال معدودة عن قريب ستمضي فليجتهد أحدنا في أن ينال نصيبه منها، ولنعلم أنَّ العمل الصالح هو أنيسنا في وحشة القبر، وهو شفيعنا يوم الحشر، وهو وسيلتنا إلى رب العالمين، فإنَّ عباد الله الصالحين الذين يُلقَّون النعيم يوم القيامة يقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19)[سورة الطُّور] فما عند الله جل وعلا لا ينال بالأماني، وإنما ينال بالاجتهاد في العمل الصالح، أن يرى الله تعالى منك اجتهادا وصدقا في طلب ما عنده وفي نيل رضاه، فهذا الذي يُبلَّغ، وهو الَّذي يُعطى ويُحذى، وأمَّا من يخلد إلى النوم والكسل ويتمنَّى على الله الأماني، فهذا مغفَّل، مضيِّع لحظِّ نفسه، مفوِّت لخيرها.


كان من هدي النَّبيِّ كما مرَّ في الحديث أنَّه يزداد من العمل في هذه الأيام، فنبيُّنا كان في رمضان حاله مع العمل الصَّالح على وجهين:
الوجه الأول: أن يزداد من الخير الَّذي كان يعمله في غير رمضان من ذكر وصلاة وتلاوة وما إلى ذلك، كان عمله في رمضان أكثر من عمله في غيره.
الوجه الثاني: أن يُحدِث من العبادات ما لم يكن يتعبَّد به في غير رمضان، كما كان يحدث عبادة الاعتكاف في العشر الأواخر، وكما كان يدارس جبريل عليهما الصَّلاة والسَّلام القرآن في رمضان.
وقد جمع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بين الوجهين في قوله: « كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ » وهو في الصَّحيحين.
فالنَّبيِّ كان يجود ويتصدق في كلِّ أيام السنة، لكنَّه في رمضان كان يضاعف الجود، ويزيد في العمل، وكان يحدث عبادة أخرى وهي مدارسة القرآن مع جبريل عليه السلام.
فإذن؛ الاقتداء بالنَّبيِّ في هذا ـ وقد أفلح وأنجح من اقتدى به ـ يقتضي أن يكون على هذين الوجهين: ما كان للمرء من عمل فليزدد منه، وليحرص على أن يتعبَّد بعبادات أخرى يحدثها في هذه الأيام لنيل بركتها.
ولا يليق بطالب الخير أن يخلد إلى الكسل ويكون حاله في عبادته هذه الأيام كحاله في سائر أيام السنة، فهذا لا يفعله إلا محروم، نسأل الله أن لا يحرمنا من أفضاله.


يوم القيامة هو «يوم الحسرة»، من حشر إليه وهو:
1. مقصِّر ظالم لنفسه، من فاسق أو كافر، فإنَّه سيتحسَّر حسرة عظيمة، لما يراه من الأهوال والنَّكال وأنواع العذاب.
2. والبرُّ التَّقيُّ والصَّالح المحسن، سيتحسَّر أيضًا، لأنَّه يرى من أنواع النَّعيم وما أعدَّه الله جل وعلا للصالحين من الكرامات الجليلة والتُّحف العظيمة ما يجعله يتحسَّر أن لا يكون ازداد من الخير، فهي درجات عظيمة بعضها فوق بعض، قال النبي : «الجنَّة مئة درجة»(3) وأهل الدَّرجات يتراءون أصحاب الغرف من فوقهم كما يُرَى الكوكب الغابر في الأفق، قال النبي : «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق»(4)، وهو يرى أنَّه قد كان يستطيع أن يزداد من العمل: من ركعات يركعهنّ، أو آيات يتلوهنّ، أو دعوات يدعو بهنّ، أو أموال وأزْوَاد يتصدق بهنّ، أو غير ذلك أنواع الإحسان والبر والصدقة والذكر وتعلُّم العلم والدلالة على الخير والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه لم يفعل فتعظم حسرته.
فنحن الآن في وقت العمل، وسَعَةِ الفسحة، وكل يوم هو للمؤمن غنيمة، قال بعض السَّلف: «كل يوم للمؤمن هو غنيمة»(5)، هذا في الأيام المعتادة، إذا طلعت عليك شمس يوم من أيام السنة وأنت صحيح معافى تستطيع أن تقدِّم عملا صالحا فهذه غنيمة، إذ لم يُحَلْ بينك وبين العمل الصالح، فكيف إذا كان يوم من الأيام الفاضلة؟! وكيف إذا كان ليلة من ليالي العشر؟! وكيف إذا كانت ليلة يحتمل أن تكون هي ليلة القدر؟! هذه نعمة عظيمة ينعم الله بها على العبد فلا ينبغي له أن يقصِّر، فإنه سيندم غاية الندم يوم لا ينفع ندم، ولا تنفع حسرة، يوم تتقطع القلوب على ما ضاع من الأعمار.


ومن وجد من نفسه فتورا فليلجأ إلى الله بالدعاء، يلجأ إليه ويسأله بصدق وضراعة أن يوفقه للاجتهاد، وأن يُقبل بنفسه على الطاعة، ويلين قلبه لذكره، ويرزقه الأنس بعبادة الله وطاعته، فإن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه، والقلوب بين إصبعين من أصابعه سبحانه.


وليحرص على أن يتعلَّم هدي النبي في عبادته، ويقتدي به، ويكثر في هذه الليالي من الصلاة والذكر والقراءة والدعاء والصدقة والبر والإحسان، فحري إن هو فعل ذلك أن يحمد غبَّ لياليه يوم تنشر له صحيفته.
نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بفضله، ويرحمنا برحمته، ويدخلنا في عباده الصَّالحين.
والحمد لله رب العالمين.
عشية السبت: 20 رمضان 1440.
تنبيه: أصل هذه الكتابة كلمة مسموعة، قام الأخ الكريم والصاحب الوفي: فتحي إدريس ـ حفظه الله ـ بكتابتها وتخريج نصوصها، فهو شريك في أجرها إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ورد ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». أخرجه البخاري في "صحيحه" (3 / 47) برقم: (2024) ومسلم في "صحيحه" (3 / 175) برقم: (1174).
[2] ورد ذلك من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ : «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ». أخرجه البخاري في "صحيحه" (3 / 47) برقم: (2025) ومسلم في "صحيحه" (3 / 174) برقم: (1171).
[3]من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ » أخرجه البخاري في "صحيحه" (4 / 16) برقم: (2790).
[4]أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (3256)، ومسلم في صحيحه برقم: (2830).
[5] عن عمر بن ذرِّ قال: قرأت كتاب سعيد بن جبير: «اعلم أنَّ كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة». "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"(4/ 276).


التعديل الأخير تم بواسطة خالد حمودة ; 26 May 2019 الساعة 04:41 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 May 2019, 04:51 PM
أبو معاوية محمد شيعلي أبو معاوية محمد شيعلي غير متواجد حالياً
أبو معاوية العباسي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2019
الدولة: مدينة بلعباس
المشاركات: 60
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ خالد و جعله في ميزان حسناتك و رفع الله ذكرك . امين ...
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27 May 2019, 02:16 AM
محمد رحمانية محمد رحمانية غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2018
المشاركات: 37
افتراضي

بارك الله فيكم شيخ خالد
أسأل ان يثيبكم أجرا كبيرا على جهودكم و بخاصة هذا التذكير النافع المناسب.

وفقنا الله و اياكم لكل خير.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27 May 2019, 07:45 PM
فاتح عبدو هزيل فاتح عبدو هزيل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 89
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذا التذكير والنصيحة القيمة وبارك الله في جهد الأخ فتحي إدريس
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28 May 2019, 03:08 AM
أبو عبد المحسن زهير التلمساني أبو عبد المحسن زهير التلمساني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: تلمسان حرسها الله من الشرك والبدع
المشاركات: 383
افتراضي

بارك الله فيك شيخ خالد وبارك في قلمك
ما احوجنا لهذه المواعظ نسأل الله أن ينفعنا بها، ويجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه
آمين
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 28 May 2019, 04:34 AM
محسن سلاطنية محسن سلاطنية غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 184
افتراضي

حفظك الله شيخنا أبا البراء وبارك فيك وزادك من فضله ورفع قدرك.
نعمت الموعظة هذه في مثل هذا الوقت جزاك الله خيرا.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 May 2019, 06:55 AM
أبو أنس حباك عبد الرحمن أبو أنس حباك عبد الرحمن غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2016
المشاركات: 91
افتراضي

جزاكم الله خيرا شيخنا على هذه التذكرة وجعلها في موازين حسناتكم.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013