منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08 Dec 2009, 10:50 AM
أبو إبراهيم خليل الجزائري أبو إبراهيم خليل الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 378
افتراضي " حكمة التفريق بين الكافر و المؤمن في إنزال العقوبة " للشيخ الفاضل سمير مرابيع الجزائري حفظه الله .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


" حكمة التفريق بين الكافر و المؤمن في إنزال العقوبة "


بقلم الشيخ الفاضل :


أبي وائل سمير محمد ناصر مرابيع الجزائري


- حفظه الله و رعاه -







قد يشكل على بعض الخاصة فضلا عن العامة ، فيقولون : إذا كانت الحسنات و السيئات تحمل نفعا و ضررا للمسلمين ، فما بالها ليست كذلك على الكافرين ، حيث نراهم يتنعمون في الدنيا و يتمتعون بلذاتها و شهواتها ، من غير أن يلحقهم عقاب و هم سبب كل عذاب ؟

و قد حمل هذا الإستشكال بعض المتعالمة على التشكيك في النص الشرعي ، و تعطيل و تأويل الوحي السماوي ، و تحكيم النتاج العقلي ، و السير وراء كل متفيهق عمي ، حتى اعتبروا مقاييس النجاح و الفلاح و العزة و النصر ما وجدوه بأيدي الكفرة من نعيم زائل ، و زخرف عن الحق مائل ، فاتبعوا كل ناعق جاهل ، و رويبضة متحامل ، و نبينا صلى الله عليه و سلم يكذب بصريح قوله ما اعتقدوه و التزموه و اعتبروه فيقول : " الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر " (1).

يقول القاضي عياض رحمه الله : " معناه أن المؤمن في الدنيا ممنوع من الشهوات المحرمة ، مكلف بالأعمال الشاقة ، فإذا مات استراح من هذا ، و انقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم المقيم ، و أما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل له في الدنيا مع قلته و تكديره بالشوائب ، حتى إذا فارق ذلك صار إلى سجن الجحيم " (2) ، بل النصوص العديدة و الروايات المحكمة السديدة جاءت لبيان هذا الأصل ، فالله جل و علا يعجل مثوبة أعمال الكافر في الدنيا مع ما يمنحه إياه من الطيبات و الملذات ، حتى إذا بلغ يوم القيامة أدخل النار و بئس القرار ، لأنه مكذب بيوم القيامة ، منكر للبعث و النشور ، فكيف يثاب في يوم هو لا يؤمن به و يكفره ؟ قال جل و علا : { و قيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } [ السجدة : 20 ].

ومن الآيات الدالة على هذا الأصل قوله سبحانه : { و يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق و بما كنتم تفسقون }[ الأحقاف : 20 ] ، و قال جل جلاله : { و الذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام و النار مثوى لهم }[ محمد : 12 ] ، حتى أيقن الكفار و المشركون بأن سبيل النجاة من النار لا يكون إلا بجمع المال و عد الأولاد فخاب ظنهم و ساء سبيلهم ، قال سبحانه : { و قالوا نحن أكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذبين * قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر و لكن أكثر الناس لا يعلمون * و ما أموالكم و لا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن و عمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا و هم في الغرفات آمنون }[ سبأ : 35 – 37 ] .

لهذا قد يغيب هذا الأصل عن كثير ، إلا من أوتي حظا من علم و إيمان و يقين ، يقول سبحانه و تعالى مخبرا عمن اغتر بكنوز قارون : { قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن و عمل صالحا و لا يلقاها إلا الصابرون }[ القصص : 79 ] .

أما المؤمن فإن الدار الآخرة هي مركز جزائه و موعد مكافأته ، مع تعجيل شيء من ثواب حسناته في الدنيا خشية السآمة و رفعا للحرج و الضيق ، فربنا سبحانه و تعالى يكفر عنه سيئاته في حياته الدنيا ، بأشكال و أنواع من البلاء و المحن ، و كلما ازدادت معاصيه و كثرت مخازيه ، ازداد شقاؤه و عظم بلاؤه ، و للآخرة خير له و أبقى ، فيجازى يومها بالثواب الكثير و الجزاء الوفير ، حكمة من رب عزيز خبير ، يقول صلى الله عليه و سلم : " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا و يجازى بها في الآخرة ، و أما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل به لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها " (3) .

لهذا ما كانت كثرة المصائب و المتاعب و الأزمات و النكبات التي ما برحت تصيب المؤمن و يغتم لها قلبه ، إلا دليلا على خيرية الأمة المحمدية ، و أفضليتها على سائر الأمم ، يقول صلى الله عليه و سلم : " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا و إذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة " (4) ، لذا شبه صلى الله عليه و سلم المؤمن بالنبتة الرطبة اللينة التي تأتيها الرياح العاتية (5) ، فتأخذها يمنة و يسرة من غير أن تكسرها أو تقتلعها ، و ضرب للمنافق و الكافر و الفاجر مثلا بالشجرة الباسقة العظيمة التي لا تؤثر فيها الرياح بشيء ، حتى يأتي أمر الله فيجتثها دفعة واحدة ، يقول صلى الله عليه و سلم : " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث اتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء ، و الفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء " (6) .

فلا غرابة إذن ، أن يذكر النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه رضي الله عنهم بهذا الأصل حين يغيب عن الأذهان ، أو تعظم شفقتهم على حال خير الأنام صلى الله عليه و سلم ، قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : " دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه و بينه فراش ، قد أثر الرمال بجنبه متكىء على وسادة من أدم حشوها ليف ، فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة (7) فقلت : يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك ، فإن فارس و الروم قد وسع عليهم و أعطوا من الدنيا و هم لا يعبدون الله ، فجلس النبي صلى الله عليه و سلم و كان متكئا فقال : " أو في شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا " ، فقلت : يا رسول الله استغفر لي " (8) ، فكانت عظة لعمر رضي الله عنه و تذكرة لمن أحسن النظر و أخذ بالعبر .

و قد أحسن صلى الله عليه و سلم وصفها و نعتها ، لإظهار هوان منزلتها و حقارة رتبتها ، فقال : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " (9) ، بل بالغ صلى الله عليه و سلم في ذلك تأكيدا و تنفيرا ، حتى شبهها بالميتة النتنة المعيبة التي لا يقربها المؤمن إلا عند خشية الهلاك ، فعن جابر رضي الله عنه قال : " مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسوق داخلا من بعض العالية و الناس كنفيه ، فمر بجدي أسك (10) ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال : " أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ " فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء و ما نصنع به ؟ قال : " أتحبون أنه لكم ؟ " قالوا : و الله لو كان حيا كان عيبا فيه ، لأنه أسك فكيف و هو ميت ؟ فقال : " فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " (11) .

حينئذ لا يغتر المؤمن بمن أوتي و يعطى و تسبغ عليه الخيرات و النعم و الملذات ، مع قبح أقواله و سوء أفعاله و خبث مقاصده ، فإن ذلك طريق هلاكه و علامة شقائه ، فيقول صلى الله عليه و سلم : " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج ثم تلا : { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون }[ الأنعام : 44 ] " (12) ، بل البشارة السارة ، أن جعل الله جل و علا هذه المحن و البلايا سببا لحط الخطايا و الرزايا حتى يسير العبد المؤمن على وجه الأرض و ما عليه خطيئة ، يقول صلى الله عليه و سلم : " ما يزال البلاء بالمؤمن و المؤمنة في نفسه و ولده و ماله حتى يلقى الله و ما عليه خطيئة " (13) ، و في رواية : " فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة " (14) .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : " فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة ، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءا ، ثم ينقطع و يعقبه أعظم اللذة ، و الكافر يحصل على اللذة و السرور ابتداءا ثم ينقطع و يعقبه أعظم الألم و المشقة " (15) ، فالأمراض و الأوجاع و الأسقام التي يبتلى بها المؤمن في حياته تحط عنه الكثير من الخطايا و تكفر عنه كثيرا من السيئات ، قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالسقم حتى يكفر عنه كل ذنب " (16) .

و من ثم ، يجب أن نوقن بأن المركز الأصيل لعقوبة الكفار هي الدار الآخرة ، إلا أنه قد يظهر شيء منها في الحياة الدنيا لحكم ربانية سماوية ، فإذا قاموا بما يستوجب تعجيل العقوبة في الدنيا ، كالظلم مثلا ، قوبلوا بأنواع من العقوبات و النكبات في حياتهم الدنيا قبل الآخرة ، و ما قصص الدول و الأمم البائدة المذكورة في القرآن عنا ببعيد ، قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، قال : ثم قرأ : { و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ظالمة إن أخذه أليم شديد }[ هود : 102 ] " (17) .

فهذه حياة المسلم المؤمن الصادق و تلك حياة الكافر المشرك المنافق ، فهو سبحانه و تعالى خالق الأسباب ، و مدبر شؤون خلقه ، قد جعل فرقانا بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان على نحو هذا البيان ، فهل عسينا أن نستبدل دنياهم بأخرانا ، و قد رضوا بأن تكون ثمنا لأخراهم ، قال جل و علا عنهم : { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة }[ البقرة : 86 ] ، و قال سبحانه : { زين للذين كفروا الحياة الدنيا و يسخرون من الذين آمنوا و الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة و الله يرزق من يشاء بغير حساب }[ البقرة : 212 ] .

و صلى الله على سيدنا محمد ، و على آله و صحبه أجمعين .





الحواشي :

(1) رواه مسلم (2956) من كتاب الزهد و الرقائق .
(2) " شرح الأبي على مسلم " (9/427) .
(3) رواه مسلم (2808) : كتاب صفة القيامة و الجنة و النار ، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا و الآخرة و تعجيل حسنات الكافر في الدنيا .
(4) حسن : رواه الترمذي (2507) : أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، باب الصبر على البلاء ، انظر : " الصحيحة " لزيادة تخريجه (1220) .
(5) و هي بمعنى المصائب التي تلحق المؤمن .
(6) رواه البخاري (5320) ، و مسلم (2810) ، و اللفظ للبخاري .
(7) الغهاب : هو الجلد ما لم يدبغ [" مختار الصحاح "(ص31)] .
(8) متفق عليه : البخاري (4895) ، مسلم (1479) .
(9) صحيح : رواه الترمذي (2422) ن أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، انظر : " الصحيحة " لزيادة تخريجه (686/943) .
(10) جدي أسك : أي صغير الاذنين ، قاله النووي في " شرح مسلم " (18/93) .
(11) مسلم (2957) : كتاب الزهد .
(12) صحيح : رواه أحمد (4/145) ن انظر : " الصحيحة " لزيادة تخريجه (413) .
(13) حسن صحيح : رواه الترمذي (2510) ، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، باب في الصبر على البلاء ، انظر : " الصحيحة " لزيادة تخريجه (228) .
(14) صحيح : رواه الترمذي (2509) ، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، باب في الصبر على البلاء ، انظر : " الصحيحة " لزيادة تخريجه (143) .
(15) " شفاء العليل " (2/671) .
(16) صحيح : رواه الحاكم (1/347/348) ، انظر " الصحيحة " لزيادة تخريجه (3393) .
(17) متفق عليه : البخاري (4409) ، و مسلم (2583) .



- انتهى -




انظر : مجلة الإصلاح – العدد السادس – ذو القعدة/ ذو الحجة 1428ه .

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, مميز, الحكمةاختلاف العقوبة, دعوة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013