منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26 Mar 2017, 12:44 PM
أبو عبد الرحمن أسامة أبو عبد الرحمن أسامة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
المشاركات: 510
افتراضي [تفريغ]: (توضيح الأفكار لمعاني أثر ابن المبارك في خصال الأخيار) للشيخ: محمد بن هادي المدخلي (16-5-1438)

تَوْضِيحُ الأَفْكَارِ
لِمَعَانِي أَثَرِ ابْنِ المُبَارَكِ فِي خِصَالِ الأَخْيَارِ


حفظه الله تعالى ورعاه، وثبته على الإسلام والسنة، وجزاه عنا خير الجزاء



تفريغٌ لكلمةٍ ألقاها فضيلته في مسجد بدر العتيبي بالمدينة النَّبويَّة
وذلك يوم الإثنين 16 جمادى الأولى 1438هـ
أسألُ الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها الجميع

لتحميل الصَّوتيَّة: مِنْ هُنَا


التَّفريغ:


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين-، أمَّا بعد:

فقد تقدم وَعْد منا في الليلة الماضية أن نتكلَّم بما يُيَسِّر الله جلّ وعلا على كلام عبد الله بن المبارك الإمام العَلَم صاحب الدِّين والعبادة والزهد في هذه الدنيا والورع والعلم والشَّجاعة والكرم والجهاد في سبيل الله، ومُحَصَّل القول أنَّه اجتمعت فيه خصال الخير، وقد قيل عنه -رحمه الله تعالى-: (إنه لم يسبقه أصحاب النبي ﷺ إلا بصحبتهم للنبي -ﷺ- ورؤيته).

فقد جاء عنه -رحمه الله- أثر جميلٌ؛ حيث سئل: ما أفضل ما أُعْطِيَه المرء أو الرجل؟ فقال -رحمه الله-: (غريزة عقل) يمنّ الله عليه بالعقل الغريزيّ، فقيل له: فإن لم يكن؟قال: (فَحُسْن أدبٍ) يُرْزق الأدب، قال فإن لم يكن الأدب؛ هذا يأتي إلى القسم الثاني من قسمي العقل وهو القسم الذي ذكرناه عند بعض إخوانكم وهو العقل المسموع.
فالأول: الغريزي المطبوع، والثاني: العقل المكتسَب المسموع؛ هذا يأتي من الأدب، والكلام في هذا الباب كثير.
فقيل له: فإن لم يكن؟ يعني: ما حصل له الأول ولا الثاني، فإن لم يكن؟ قال: (فأخ صالح يستشيره)، إذا نقص عقله ونقص أدبه يُوفَّق لصالح قد وُجِد فيه هذان الأمران فيستشيره فيُكمِّلُه بإذن الله، فقيل له -رحمه الله-: فإن لم يكن؟ ما حصّل أخا عاقلا صالحا ناصحا يستشيره إذا احتاج؛ قال: (فَصَمْتٌ طويلوالمراد به: الصَّبر والأناة؛ لا يعجل؛ يسكت حتى يرى المخرج فيتكلَّم، فقيل له: فإن لم يكن؟ قال: (مَوتٌ عاجليموت؛ يستريح هو من الوقوع في الشرور فتنة بعد فتنة بعد فتنة بعد فتنة وهو دائماً يقع فيها ويُريح الناس من شرِّه، فمُستريح ومُسْتراح منه،ماذا بقي؟!موت عاجل يأخذه يُريحه ويريح الناس منه، هو مستريح من الازدياد من الشر وكسب الشر وغيره مُرتاح منه ومن شره.

فانظروا -رحمكم الله- إلى هذا الكلام الجميل، فالأول الذي ذكره -رحمه الله تعالى- وهو العقل، العقل نعمة من الله جل وعلا أنعم بها على العباد وكرَّمهم وفضَّلهم بها على المجانين وعلى الدواب.

والمرء إنما هو مُسْتَوْدَع ومِغْرَفة، فالمُسْتَوْدَع: القلوب التي هي العقول؛ في محل العقول، فإذا صلُحت هذه المستودعات غُرِف منها النَّافع لأصحابها ولمن يستمع لهم، فإن القلوب هذه صناديق؛ قدور مليئة، والألسن مغارف، والمرء يغرِف من قِدْرِه الذي بينه أو بين يديه.

فإنَّما يتكلَّم المرء بما في قلبه، ولهذا قيل: (ما أسَرَّ إنسان سريرةً إلَّا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه).

فالألسن مغارف القلوب، والقلوب هي محلّ العقل كما قال الله جل وعلا، فإذا كان المرء قد أُنْعِم عليه بالعقل وأُنْعِم عليه بِحُسْن المنطق فقد كَمُل فيه الخير، وهذا تعرفه الجاهلية الجهلاء في أيَّامها قبل الإسلام، وفي هذا يقول زهير بن أبي سلمى:

لسان الفتى نِصفٌ ونِصفٌ فؤاده *** فلم يبقَ إلا صورة اللَّحم والدَّم

فإذا أوتي العبدُ العقلَ فإنَّه يعيش به بين الناس، ويقوم به بين الناس أحسنَ قيام، فيتدبَّر أمورَه، وينظر فيما يُصلِحُه هو في نفسه في جميع مناحي الحياة، وينظر فيما يَصلُح به الناس من قِبَلِه، وإذا فَقَدَ العقل فقد حلَّ الجهل، وإذا جاء الجهلُ نزل الحُمقُ، ولهذا يُقال: (عدوّ سوء عاقل ولا صديق جاهل

ما يبلغ الأعداء من جاهل *** ما يبْلُغ الجاهلُ من نفسه
والشيخ لا يترك عاداتِه *** حتى يُوارى في ثرى رَمْسِه

صاحب الحُمق إذا شابَ على حُمقِه وخِفَّةِ عقله لا يَتْرُك ما هو عليه ممَّا نشأ عليه حتى يموت، وهذا شُؤم وشرّ على نفسه وعلى غيره، فالعقل زينة؛ هو مناط التكليف؛ هذا العقل الغريزي الذي طبع الله سبحانه وتعالى البشرَ عليه
، وهو يزين الفتى ويَشينه، يزين الفتى في الناس ويَشينه في الناس عقله، فالناس يحكمون بذلك عليه في أقواله وأفعاله، فإن كان عاقلاً رأيت تصرفاتِه سوِيَّة، وإن كان غير ذلك رأيته خفيفًا طيَّاشًا، وإذا كان كذلك فأنت لا تأمنه على شيء؛لا تأمنه على سِرّ ولا تثق به في رأي ولا تعتمد عليه في قواء أمر.

وهذه هي الثلاثة الأركان
:

لا تأمنه؛ إيش؟ لا تأمنه على سِرّ، لأنه خفيف العقل ما يحفظ الأسرار.
والثَّانية: ولا تثق به في رأي،إذا ما كان يُحسِن الرأي لنفسه كيف يُحسِنه لك.
ولا تعتمد عليه في قضاء أمر.
إذنْ: صِفْر.

وكم من الناس تجد فيهم هذه الخصلة في هذه الأعصار: الحمق، والخفَّةُ، وقِلَّة الإدراك؛ الإدراك لما فيه ولما ينبني على ما يقول ويفعل، ما يُدرِك عواقب الأمور ولا يُحسن تصريف الأمور لا في حاضره ولا في مستقبله،وهذا في الحقيقة بلاء وشؤم على من يُصاِحب وعلى من يُجالس، فلا تَصْحَبْ مِثْل هذا،

فلا تصحب أخا الجهل *** وإيَّاك وإيَّاه
فكم من جاهلٍ أَرْدى *** حليمًا حين آخاه
يُقاس المرءُ بالمرء *** إذا ما هو ماشاه
وللشَّيْء على الشَّيء *** مقاييسُ وأشباه

الناس ينسبونه إليك وينسبونك إليه فمثل هذا يَشينك في الناس، فاحذر أن يكون صفيًّا لك أو صديقًا لك صاحبًا لك أخًا لك، هذا هو بمثابة المريض يحتاج إلى العلاج، فأنت تُعالجه إذا منَّ الله جل وعلا عليك بالعقل وبالعلم، وقديمًا قيل:

وما المرء إلا حُسن عقلٍ ومنطقٍ *** ...................
سيأتينا -إن شاء الله- في الصمت
.................... ****ومن فاته هذا وهذا فقد دَمَر
يعني: هَلَك، ﴿دَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا يعني: أهلكناها.

فالشاهد: أنَّ من كان كذلك فلا يصلُح أن يكون أخًا ولا صديقا فضلاً عن أن يكون صفيًّا وخليلاً ومستشارًا أمينًا، فابْتعد عن هذا الصِّنف أيُّها العاقل.
هؤلاء مرضى هُم بحاجةٍ إلى أنْ يُعالَجوا حتَّى يَصِحُّوا ويستقيموا في أنفسهم، بعد ذلك يحصل الكلام.

أمَّا الثاني وهو: فإنْ لم يكن؟ قال: (فَحُسْنُ أدبٍ)، الأدب وما أدراك.
يعني: إذا لم يكن العقل الغريزيّ الذي يحجِزُ صاحبَه فلا أقلَّ مِن أنْ يكون الثاني العقل المُكتَسَب، وهذا لا يكون إلا بمجالسة الحكماء والأدباء والعلماء والحلماء، فالحكماء الحلماء العلماء الأدباء؛ هذه أربع صفات؛ فتكتسب منهم، فإن كان العقل الغريزيّ الذي فُطِر عليه الإنسان عنده فيه نقص فيه ضعف فلا أقلَّ مِن أنْ يَصْحَب من يُكمِّله وفي الناس يُجمِّله، فإذا جلس إليهم وأوى إليهم استفاد منهم، يستفيد منهم العلمَ والحكمةَ والأدبَ والحِلْمَ، والعِلْم بالتّعلّم والحِلْمُ بالتّحلّم والأدب بالمجالسة والحكمة أيضا تُكتَسَب بالمجالسة،

وإذا صاحبت فاصحب ماجدا *** ذا حياءٍ وعفافٍ وكرم
قوله للشيء: لا، إن قلت: لا *** وإذا قلتَ: نعم، قال: نعم

فأصحاب الأخلاق المستقيمة والطِّباع القويمة هؤلاء هم الذين يُحرَص على مصاحبتهم، لأنَّك تستفيد منهم، والمرء يُقاس بمن يُجالِس، والمرء يُنسب إلى من يُجالس، فإذا جالست الغاغة النُّوكى الحمقى نُسِبْتَ إليهم.

يقول الشَّاعر:

من جالس الغاغة النُّوكى جنى ندمًا *** ........................

يندم، لأنه يُنسَب إليهم، وأعلى من ذلك كلّه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك...) أعمّ مِن أنْ يكون بائعُه؛ حامله، إما أن تجد منه هديَّة، (..إما أن يُحْذِيَك..)
يعني: هدية يعطيك، (..وإما أن تبتاع منه..) بالشِّراء؛ تشتري، (..وإما أن تجد منه ريحا طيبة)، إذا لم تكن معك الدَّراهم والدنانير فتشتري منه وإذا لم يتكرم عليك فيُعطيك هو بالمجان هدية فلا أقلَّ مِن أنْ تجدَ الريح الطّيّبة فتقوم و(كلمة لم أفهمها) من المجالسة ورائحتك رائحة المسك.

ففي الصحبة: النِّسبة إلى هذا هي الرائحة الطيبة، هي السُّمْعة الطّيّبة، السّمعة الطّيّبة يُقال: فلان جليس فلان فيُحَبُّ بين الناس، فهذه السُّمعة الطّيّبة هي بمثابة الرائحة الطّيّبة عند صاحب المسك الحسّي، فهؤلاء مسكهم معنوي: العلم والدين والحكمة والحلم، فالسُّمعة الحَسَنة التي اكتسبوها في الناس أنت تمشي بين الناس بسببهم، يُقال: هذا أخو فلان، زميل فلان، صديق فلان، تلميذ فلان، جار فلان، صاحب فلان ونحو ذلك، فيُقدِّره الناس لتقديرِ الأول، فهذه السمعة الطيبة التي طارتْ بين الناس هي بمنزلة الرائحة الطيبة التي تشيع بين الناس الحاضرين إذا جلسوا إلى صاحب المسك الحقيقي فيكتسبون الرائحة الطيبة وهذا يكتسب السمعة الطيبة.

فإذا جالست أهل الأدَب اجتنيت الخير، والأدبُ يرفع صاحبَه ولو كان وضيع النسب،

كُنِ ابْنَ مَن شِئت واكْتَسِب أدبا *** يُغنيك محموده عن النَّسبِ
إن الفتى من يقول ها أنا ذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي

فالآداب الحميدة والمكارم والأخلاق الجميلة تُكتَسَب من أهل الأدب، وأهل الآداب ومكارم الأخلاق يُشدُّ الرَّحْل إلى مجالسهم ويُقتدى بهم في سَمْتهم وهَدْيِهم الظاهر قبل أن يُسمَع من كلامهم وحِكَمِهم ويُجتنى من ثمارهم الجميلة النافعة في الدين والدنيا، وإذا جالست هؤلاء فأنت على خيرٍ وآمنٌ الشّرَّ، تجتني الخير وتأمن الشر، فإنَّك لا تعدم منْ أنْ يُتحِفوك ويُنبِّهوك ويُسدِّدوك ويُقوِّموك ويُرشدوك، لا تأمن إلا هؤلاء؛ فلا تخلو من واحدة من هذه الخصال الأربع
: يُسدِّدوك ويُقوِّموك ويُنبِّهوك ويُرشدوك.
يُسدّدوك في النقص، ويُقوِّموك إذا رأوا الخلل، ويُنبِّهوك إذا رأو الغفلة، ويرشدونك إلى ما ينفع.
فمجالستهم غُنْمٌ والبعد عنهم غُرمٌ، ومجالسة الحمقى غُرْمٌ والبُعد عنهم غُنْمٌ.

وعليكم معشر الأحبة بالاعتناء بكتب الآداب الشرعية التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، واقرؤوا في آداب العرب؛ فإنَّ العرب مع شِرْكهم كانت عندهم من الأخلاق والآداب ما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بمدحه وجاء يُكمِّله -صلى الله عليه وسلم- (إنما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق)، فتمَّمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مكارمَ الأخلاق ومحاسنَ الآداب والطِّباعَ والشِّيمَ التي كانت تنقص العرب فأضافها إلى ما عندهم.

فاقرؤوا في كتب الآداب الشريعة فإنكم واجدون الكثير والكثير، ولن نكمل مهما قرأنا في هذا الباب، والمرء بحاجة إلى أن يتجمَّل بالأدب؛ فإنَّ الآداب مكتسبة، وإذا سمع الناس وتكلَّم الناس عن صاحب الأدب وأهل الأدب لا تجد إلا الثناء الجمّ على هؤلاء، فاحرص على أن تكون منهم، وما الآداب الإسلاميَّة إلا ركيزة من ركائز هذا الدين، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا حديثَه المشهور: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلِّمكم) يعني: يُؤدِّبهم -صلوات الله وسلامه عليه-، فالتَّعليم هو التأديب.

فأنت إذا جلست وجالستَ هؤلاء الأدباء انْثَنَيْتَ منهم بالفوائد العظيمة، ولا يُبغِض الآداب ومجالسَ أهلها إلا أهل الحمق ومن سَفِهوا أنفسهم، ولقد كان الشافعي -رحمه الله تعالى- في هذا الباب مضربَ المَثَل، ويحيى بن أبي كثير -رحمه الله- ويروى أيضا عن ابن مبارك يقولان: (نحن إلى كثيرٍ من الأدب أحوجُ منَّا إلى كثير من العلم)، إذا كان العِلم الذي تحمله يَنقصك فيه الأدب لا يُقبِل الناس عليك، لأنَّ صاحب الأدبِ يكون ليِّنَ الجانب؛ يخفض جناحَه لأهل الإيمان فَيَرْحَم الصَّغير ويُوقِّر الكبير ويُقدِّر المساوي ويَعطِف على الضعيف ويقف في وجه العنيف حتى يردعه عن باطله
، وتجد الناس منه في راحةٍ وفي فائدةٍ عظيمةٍ، ولهذا كان الأحنف بن قيس -رحمه الله تعالى- مضربًا في هذا الباب؛ فقيل له: بِمَ بلغت هذا في قومك؟ يعني: صار سيّد قومه -رحمه الله-، قال: (بِسَعْيِي في قضاء حوائجهم، وتَرْكِي التدخل في ما لا يعنيني) يعني: من أمورهم، فـ [ترك] التدخل في ما لا يعنيهذا كفّ للنَّفس عن الشّرّ مع الآخرين، والسّعي في قضاء حوائجهم هذا إيصال للخير إليهم.

والشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: (وددت أن لي بكل جارحة من جوارحي سمعا أسمع به الآداب)، وقد قيل له: ما مقدار شوقك إلى لأدب؟ قال
: (كما أن الوالدة التي ليس لها إلاَّ وليدٌ واحد أضاعته فهي مُشفِقة تبحث عنه حتى تجده) هذا ولَهُهُ على الأدب كَوَلَهِ الوالدة على وليدها أضاعته ليس لها سواه؛ كيف تعلّقها به؟ تبقى مثل المجنون حتى تجده فتهدأ، فهكذا يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-.

وكم في وصايا أهل العلم في هذا الجانب: في توصيتهم لأولادهم وتوصيتهم لطلاَّبهم بأن يعتنوا بجانب الآداب، وقد أدرك أئمة الحديث والسنة -رحمهم الله تعالى- هذا الجانب فجمعوا فيه الشَّيء الكثير، ساقوا الآداب النَّبويَّة مُسنَدة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالأسانيد ومع ذلك ساقوا معها كثيرًا من المُلَح والفوائد عن الصالحين في هذه الأمة من العلماء والحكماء والزهاد والعباد والفقهاء، نقلوا عنهم في هذا شيئا لا نستطيع أن نحصره لا ولا أنتم ولم يحصره من قبلنا ولن يحصره من بعدنا.

فالواجبُ معشر الأحبَّة أن يُعتنى بهذا الجانب جانب الأدب، والآداب النبوية كالقمة في ذلك، لذلك كُتِب فيها الكتب المستقلّة في آداب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه -عليه الصلاة والسلام-.

وهذه الدواوين بين أيدينا موجودة، فما على طالب العلم إلا أن يعتني بالأدب، وما عليه إلا أن يحرص على إخوانه وأبنائه؛ أن ينشر فيهم محاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فإنه والله يزينه ذلك بين الناس ويُقبِلُ الناس عليه، ونحن كما قال ابن أبي كثير وابن المبارك: (إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم).

فإن لم يكن حسن أدب؟ فـ (أخٌ صالح -ناصح- تستشيره)، وهذا فيه دليل على ما؟ على اختيار الصاحب، اختَر من هو أعلى منك في كلّ شيء وخصوصا في الدين والعلم والحلم والحكمة فإنك تستفيد منه، وعليك أن تُصاحب من هو أكبر منك سِنًّا في هذا الباب فإنه يفيدك مِن تجاربه ويفيدك من خبرته فتكون كما كان ابن عباس -رضي الله عنهما- فتى الكهول؛ يجلس مع من؟ يجلس مع الكبار، يجلس في مجلس أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه- حتى عرف عمر -رضي الله تعالى عنه- لابن عباس -رضي الله عنهما- قَدْرَه فكان يدخله مع كهولِ قريش والمهاجرين والأنصار الذين هم جلساؤه حتى وجد بعضهم بسبب ذلك؛ كيف يُدخل ابن عباس ولا يُدخل من؟ أبناءنا، فأراد أن يُعلِّمهم بذلك فسألهم سؤالا وقفوا فيه ثم سأل ابن عباس -رضي الله عنهما- فأجاب، فقال له: (لله أبوك، ما عرفت منها إلا الذي تقول).

فالشاهد: أن مجالسة من تستفيد من مجالسته هذا الذي يجب عليك ويجب علي ويجب على كل عاقل، عليك أن تُجالس من تستفيد من مجالسته وتبتعد عن من تتأذى بمجالسته، فأصحاب القيل والقال والثرثرة والكلام الباطل والكلام السيء والعطالة والبطالة وقِلَّة الاعتناء بالوقت والحرص عليه والغيبة والنميمة ليس لهم إلا هذا هؤلاء لا يُحرص على مجالسهم ولا مصاحبتهم ولا السماع لهم؛ وهكذا قد مُثِّل هؤلاء قديما بأنهم أهل جرب،

واحذر معاشرة اللئيم فإنها *** تُعدي كما يُعدي السليمَ الأجربُ

هؤلاء لا يُجالَسون لأنَّ أخلاقهم تنتقل إليك أنت، فـ: "الصاحب ساحب" و "المُجَالس مُجانس" بعد مدة وإذا بك مثله والناس حينئذ يقيسونك به، وأنت إنما تريد الصاحب لوقت الحاجة؛ تستشيره إذا احتجت؛ تستنير برأيه إذا احتجت؛ تستفيد من علمه إذا احتجت؛ تستفيد من حلمه إذا جالسته ورأيته، فإذا كان جاهلا أحمقا بعيدا عن الخير قريبا من الشر يُصيب الخيرَ من غير قصد مُنغرِق أو مُنغمِس في الشر وهو لا يعلم هذا مصيبةٌ مصاحبته،

واحذر مصاحبة اللئيم فإنها *** تُعدي كما يُعدي السليمَ الأجربُ

السَّليم هو الذي يأتي إليه البلاء، أما الأجرب قليل ما ينتفع.

فلذلك يجب علينا جميعا معشر الأحبة أن نحذر من مصاحبة من يُتأذَّى بمصاحبته، فمصاحبة من يُتأذَّى بمصاحبته شُؤم في الدين والدنيا، والناس يقيسونك -كما قلنا قبل قليل- به؛ فلا يعدّونك إلا صاحبا لفلان، وحينئذٍ تقع بك العقوبة بسبب قُربِك من هؤلاء الحمقى.

فإذا لم يكن ناصحًا مشفقًا عليك تستفيدُ منه فلا تَصْحَبْه ولا تَقْتَرِب منه فإنه يضرّك ولا يسرّك، والإشارة بهذا كافية في هذا الباب .

قال: فإن لم يكن؟ قال: (فصَمْتٌ طويل)، من سكت سَلِم ولم يندم، وما يندم إلا من تعجَّل وتكلَّم، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُل خيرا أو ليصمت)، فطول الصَّمت إذا لم يكن عندك ما تُفيدُ به وتتكلم به نِعْمة وغنيمة، فتتكلَّم متى كان في الكلام نفع لك ولغيرك، وتسكت إذا لم يكن في الكلام نفعٌ لا لك ولا لغيرك، من سكت سلِم ومن تعجَّل ندِم، والصمت محبوب عند كلِّ عاقلٍ، والكلام مطلقًا غيرُ محبوب إلا ما كان بذكر الله وما ينتفع به المرء في دينه ودنياه، ولهذا يقول الشاعر :

وكم ندمت على ما كنت فُهْتُ بِهِ *** وما ندمت على ما لم أكُنْ أَقُلِ

يعني: في الكلام كم يحصل لي الندم
؟! أتدبَّر وأتأمَّل بعد أن أتكلم إذا انقَلَبْتُ مِن المجلس فأقول: يا ليتني ما تكلَّمت! أمَّا السكوت فما يندم صاحبه.

ولهذا: في السكوت السلامة، من سكت سَلِم ومَنْ عَجِل وتكلَّم ندِم، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُل خيرًا أو ليصمت)، إمَّا أن تقول هذا وإلاَّ تسكت، "قل خيرا تغنم أو اسكت تسلم".

فطول الصمت هذا ممَّا يُحمَد في الرجل، ما يتكلَّم إلا بما فيه النَّفع، فيجب أولا على العاقل أن لا يستمع إلا إلى أحسن الكلام، ولا يُدخل من هذا المسموع إلا أجمله وأعلاه وأحلاه إلى سمعه وقلبه، وإذا أدخله فلا يتكلَّم منه إلا بأحسنه وأجمله أيضا وأحلاه، فيُقاس المرءُ بمنطقه؛ إذا تكلَّم يُحكم عليه بالعقل ويُحكم عليه بالحُمق، وهذا الذي قلناه قبل قليل في أول الكلام:

وما المرء إلا حُسن عقلٍ ومَنْطِقٍ *** .................

ومن قال خيرا وُكِل إليه، لهذا جاء في الحديث: (البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق


يقول النَّاظمُ:

إنَّ البلاء مُوَكَّل بالمنطقِ *** ...................

(البلاء مُوَكَّل بالمنطق)، فكم من إنسانٍ يقول كلاما يظنُّه طيِّبا فينظر فيه بعد ذلك يقول: يا ليتني لم أقل! ولكن السَّاكت هو السَّالم، فهذا معنى قول القائل:

وكم ندمت على ما كنت فُهْتُ بِهِ *** وما ندمت على ما لم أكُنْ أَقُلِ

فالواجب علينا جميعا معشر الأحبة:
أن يكون السَّمع أكثر من الكلام، ماذا يضيرك لو جلستَ في مجلس وأنت تَسْتَمِع وتَتَنَقَّى من الكلام أطايِبَه كما يَتَنَقَّى المرءُ أطايِبَ الثَّمر إذا دخل بستانا أو نزل سوق الفاكهة؛ ما يضرّه من ذلك شيء، الذي يضره هو العجلة.

وما أكثر الكلام في هذه الأيَّام معشر الأحبَّة وخصوصا بيننا نحنُ معاشرَ طلبة العلم، فتخرج الكلمة من المُتكلِّم على وجهٍ وترجع إليه مرَّة أخرى على عشرين وجها لم يقل منها تسعة عشر وجها! كيف زِيدَ فيها ونُقِص منها وحُرِّفَت! ويأتيك بعض الحمقى فيبني على ذلك ويشرح: والمراد كذا والمراد كذا! وهذا كله أصلا ما حصل! فإذا به يتندَّم ويعتذر، وهذا لا أستطيع أن أذكر لكم فيه مثالا إلا مثالا واحدا وسأكتفي به وهو: أجهزة التَّفاصُل الاجتماعي؛ أجهزة التقاطع هذه وسائل التقاطع الاجتماعي، كم وكم وكم وكم وكم وكم رأينا فيها من الاعتذارات من طلبة العلم؛ يقول القول ويتبيَّن أنه كذب، يقول القول ويتبيَّن أنه مُزوَّر، يقول القول ويتبيَّن أنه مُحرَّف على الشَّيخ أو على أخيه، وإذا به كلّ لحظةٍ يحتاج إلى ما؟ إلى الاعتذار.

فإيَّاكم وما يُعتَذَر يا معشر الأحبة، إذا سَلِمْنا ممَّا يُعتذَر منه قلَّ الشّرّ وكَثُر الخير وحصلت الأُلفة وانقطع الطريق على أرباب الفتن.

فيا أحبَّتي: أوصيكم ونفسي بترك مثل هذه الأمور، أنا لا أعرفها ولله الحمد استعمالا واستخداما، ولست بالعاجز إن أردت أن أستخدمها، ولكن عافاني الله منها، وإني لأرى هذا من أعظم نِعم الله عليّ.

فيا ابنَ آدم: "قُلْ خيرًا تَغْنَم أو اسكت تَسْلَم"، ولا تتكلَّم في أمر حتى ترى مخرجك منه قبل أن تدخل فيه، فإنَّ اللِّسان هذا مُشكِل،

إنَّ اللِّسان صغير جِرمه وله *** جُرْم كبير كما قد قيل في المَثَلِ

والذي يكُبّ الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار حصائدُ الألسن، نسأل الله العافية والسلامة.


فالواجب في هذا الباب يا معشر الشَّباب؛ يا معشر الأحبَّة؛ يا معشر الإخوة؛ يا معشر الأبناء أن نعتني بهذا الأمر خصوصا وقد وُجِدت أسباب تُعين على كثرة الكلام غير النَّافع وأوْرَثت الشِّقاق والخصومات والبغضاء والإِحَن بين الإخوة.

يُقرِّبُون القروب =[يقصد الشَّيخ: المجموعة، وقد نطقها الشَّيخ باللُّغة الأعجميَّة] بمائة شخص أو خمسين شخص فينتهي إلى خمسة! هذا مفصول! هذا مطرود! وهذا محجوب! وهذا مُنسحِب هو بنفسه! حتى يرجع الخمسين إلى خمسة! ثم الخمسة والأربعون الذين غادروا؛ اللَّذون غادروا -كلها صحيحة- يخرجون وكل واحد منهم يُنشئ له مجموعة! فبعد ما كان التواصل أصبحت تفاصُلاً وتقاطعا! وهؤلاء يُصنِّفون هؤلاء! وهؤلاء يُصنِّفون هؤلاء! وهؤلاء يتكلَّمون في هؤلاء! وهم أمس وهم سوا؛ إخوة.

بل أنا أقص لكم شيئا: جاءني بعضهم يشتكي من بعض إخوانه في هذه المسائل، قلت: أنت أنت أنت يا فلان تطعن في أخيك؟ قال: لا والله، قلت: فما رأيك تنتظر حتى نأتي به، قال: الأمر إليك، قلت: طيب، فجئت بالآخر فقلت له: يا فلان إن أخاك فلانا يشتكي منك كذا وكذا، هل تنقم عليه في دينه شيئا؟ قال: لا والله، قلت: الحمد لله، إذَنْ: ما أحد ينقِم على الآخر منكما شيئا في دينه، فما تنقم عليه؟ قال: صار كذا وكذا -من هذه الأمور التي في هذه الوسائل- وعلَّق بكذا وكذا ويقصدني بذلك، قلت له: خير خلاص غدا آتي بالآخر، اتصلت عليه فجاءني وقلت لهذا فجاءني وقلت: أخوك يقول كذا وكذا وهذا السبب الذي حصل بينكم فأنا أسألك بالله قصدته؟ قال: والله الذي لا إله غيره ما قصدته بهذا وإنما قصدتُّ شخصا آخر، قصَدَ شخصا آخر، دعك من الآخر الآن ما قضيته دعكم منه، طيِّب، تنافروا وبدؤوا في الشِّقاق والخصومة والفرقة بسبب إيش؟ بسبب هذه الكتابات، ويحصل موقف يشبه ما يكون في نفس الإنسان ويظنّه فيه و ليس فيه أبدًا.

فالواجب معشر الأحبة أن نبتعد عن هذا، هذا أولا، وأن نبتعد عن الموهِم من الكلام الذي يصلح أن يُنزَّل عليك ويُنزَّل على من شابهك فيكون فيمن شابهك ويظنه فيك، فكن في كلامك معدود العبارة وواضح العبارة ولا تخف في الله لومة لائم، وعليك إذا أردت شيئا من هذا أن تبدأ بأخيك وتُكلّمه أو تُراسله.

أما هذه الوسائل فأصبحت شرا عظيما علينا معشر الأحبة، وأنتم تعرفون هذا الباب أكثر مني واشتغلتم به وتدرون كيف الذي يجري بين الإخوة في هذه المواقع لأنكم تعانونها وتعالجونها، فمن قال خيرًا معشر الأحبَّة غنم ومن قال شرا ندم.

فالواجب علينا أن ننطق بالخير أو نسكت، فطول الصمت لا يضرّ الإنسان، والله ما ضرّ الإنسان طول الصمت كما يضرّه الكلام، والله جلّ وعلا قد تجاوز لنا عن ما حدَّثنا به أنفسنا ما لم نتكلم أو نعمل به، فيجب أن يُراعى هذا الجانب ويُبتعد مما يُثير الشّرّ ويُثير الخلاف بين الأحبَّة والإخوة، وما ندم من سكت وإنَّما يندم الذي يتكلم، والمرء إذا علِمَ أنَّه محسوبٌ عليه الكلام لا يتكلَّمُ إلا بحقٍّ جرحًا وتعديلاً وتعليمًا وتدريسًا ونصيحةً وأمرًا بمعروفٍ ونهيًا عن منكرٍ، إذا كان على حقّ فإنه ينصح للخلق بالحقّ، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك.

فقيل له: فإن لم يكن؟ قال: (موتٌ عاجلٌ)، إذا ما فيه عقل غريزيّ! ولا حسن أدب! ولا صديق أخ ناصح صالح تستشيره! ولا صمت! ماذا بقي؟! بقيَ الشّرّ، لا عقل! ولا حُسن أدب! ولا حُسن أصحاب وإخوان يُعينونك على الخير! ولا صمت فتسلم! إذَنْ: اجتمع الشّرّ عليك من جميع أبوابه، فقال ابن المبارك –رحمه الله-: (موتٌ عاجلٌ) هذا أحسن، ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نِسْيًا منسِيًّا ظنّت أنه شرّ.

فالشّاهد: موتُ الإنسان الذي يُخلّصه من الشرور راحة له، لهذا يتمنَّاه الصَّالحون عند الفتن في آخر الزمان، يمرّ بصاحب القبر فيقول: يا ليتني مكانه، أليس كذلك؟ مِن شدَّة ما يرى من الفتن، فالموتُ فيه سلامة لابن آدم إذا وقعت الفتن.

إذا لم يكن المرء على عقلٍ ولا حُسن أدب ولا صديق ناصح صالح يستشيره ولا هو يسكت عن الشر ما عاد بقيَ إلا أنه مُنغمسٌ في الشر، هذا الموت أحسن له لأنه رحمةٌ له من أن يزداد من الشرور والفتن، فنسأل الله العافية والسلامة.

ويا معشر الأحبة:
ينبغي أن يُعتنى بهذا، وأنا أقول إن يسّر الله جل وعلا لنا ومتّع في العمر لعلنا نتدارس في كتاب من كتب الآداب ولو ليلة واحدة في الأسبوع، فنحن بحاجة أحبتي إلى كثيرٍ من الأدب منَّا إلى كثير من العلم.

أحبَّتي: واللهِ الناس ليسوا بعبيد لنا، ولا نحن بأسياد لهم، هذا أخوك وأنت أخوه، فإذا عاملتَه بهذه الروح الطيبة فقدَّرت الكبير ورحمتَ الصغير واحترمتَ المساوي وسعيت في إيصال الخير إليهم بكل ما تستطيع من أوجهه وبشَشْت وهشَشْت في وجوههم ملكتَ قلوبهم وأنت ما أعطيتهم شيئا، و (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم) مهما كان عندك من المال سيأتي وقت من الأوقات عليك تضيق وتتضجَّر وتتألَّم وتتبرَّم بمن يسألك، لكن حُسن الخلق؛ بسط الوجه هذا ما ينقصك شيئا (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكن بأخلاقكم وبسط الوجه).

فالخلق الحَسَن معشر الأحبَّة يبلغ به صاحبه درجة الصَّائم القائم كما في صحيح مسلم، خُلق حسَن يصل به صاحبه درجة الصائم القائم! يا ناس تأملوا في هذا! تأملوا فيه! كم معاناة الثًّوَّام وكم معاناة القُوَّام لليل، وأنت بالخُلق الحسن تصل إلى درجتهم.

الإحسان إلى عباد الله من أعظم الأخلاق، فإذا مشيت مع إخوانك وأبناء المسلمين والمسلمين عمومًا على هذا النحو رأوا منك المحبَّة والحرص في إيصال الخير إليهم أحبُّوك، والقلوب هي بين إصبعين من أصابع الرحمن جلّ وعلا يُقبِل بها على من شاء ويصرفها عن من شاء، ومن أصلح ما بينه وبين الله ألقى الله له المحبة في قلوب العباد، ليس شرطا أن تسعى في قضاء حوائج الناس بالمال وبالدنيا،

جاهك له زكاة،
علمك له زكاة،
جسمك له زكاة تُعين به العاجز الضعيف،
بسطة الوجه أيضًا تُزكِّي بها ما عندك من الأخلاق،
العطف على الناس وخصوصا الضعفاء والفقراء والمحاويج والغرباء والمنكسرين هؤلاء أوصانا الله جلّ وعلا ورسوله –صلى الله عليه وسلم- بهم.

فإذا رأى الناس منك ذلك أقبلوا عليك، أما إذا رأوا منك الغلظة والفظاظة والبُعد عن الخير وإيصاله إليهم والتداني والتقارب إلى الشر نفروا منك، ولهذا امتنَّ الله بهذا على رسوله –صلى الله عليه وسلم- فقال:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يعني: هذه ثلاث مراتب كلّ واحدة أعلى من الأولى.
أوَّل شيء تعفُو عنهم فيعرف أنك لست بعدوّ له، فإذا عفوتَ عنه تستغفر له يعرف أنك محب له، فإذا قرّبته إليك وأظهرتَ له كأنه القريب المصافي علوتَ في نظره وعزَزْت عنده وارتفعت عنده، فيظنّ أنه أقرب الناس إليك، وهذا ما يُؤتى إلا لمن تُحِبّ، وأنتَ تُحِبّ لهم الخير، فإذا رأى منك ذلك علم أنك ناصح فأوى إليك، وإذا أوى إليك انتفع هو وانتفعت أنت،

وَما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** ...............
لا تظنّ أحدا مستغنيا عن إخوانه مهما علا، مهما مهما مهما كان!
وَما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** ...............
ما نحنُ إلا بكم بطُلاَّبنا بعد الله وبإخواننا،
وَما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** كما كانت الكفُّ بالمعصَمِ
فلا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً *** ولا خيرَ في السَّاعِدِ الأجْذَمِ

المريض، أخوك ساعدك، ابنك ساعدك، تلميذك ساعدك بهِ تُعطي وبه تمنع وبه تدفع، والمرء يا معشرَ الأحبَّة كما قال الإمام أحمد: (إذا ذهب أقرانُهُ ذلَّ).

فأنت إذا تركت إخوانك جميعًا وانفردت تَعِشْ ذليلاً، فاصبر على هفواتِ إخوانك وقوِّم منهم؛ لابُدَّ،

إذا أنتَ لم تشربْ مِرارًا على القَذى *** ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربُه
إذا كنت في كلِّ الأمور معاتبًا *** صديقك لم تلْقَ الذي لا تُعاتبه
فِعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاك فإنَّهُ *** مُقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبُه

إذا رأيتَ منه شيئا سيِّئًا مرة فاذكر الأشياء الجميلة له مرَّات، واعطف عليه، وإذا كنت محبا صادقا إهمس في أذنه وانصح له؛ هذا ينتفع.
هذا كله هو الأصل، أمَّا الاستثناءات فنحن الآن لا ندخل فيها، ولكن المقصد: أنَّ النافع ينتفع به الناس، ولا يفرّ منه إلا من خبُثَت طويَّته، نسأل الله العافية والسلامة.

وأسأل الله جلّ وعلا أن يرزقني وإيَّاكم جميعًا أيها الأحبة العلمَ النافع والعملَ الصالح، وأن يجعلنا جميعا ممن يقول ويفعل وينتفع إنَّهُ جوادٌ كريمٌ.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اهـ

وأبو عبد الرحمن أسامة
27 / جمادى الآخرة / 1438هـ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 Mar 2017, 05:50 PM
أبو أيوب صهيب زين أبو أيوب صهيب زين غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
الدولة: بسكرة
المشاركات: 351
افتراضي

بارك الله فيك أخي أسامة ونفع بك
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29 Mar 2017, 05:46 PM
أبو عبد الرحمن أسامة أبو عبد الرحمن أسامة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
المشاركات: 510
افتراضي

وفيك باركَ اللهُ أخي صُهيب، ونفع بكَ كذلك ..
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30 Mar 2017, 09:14 AM
أبو زيد رياض الجزائري أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: تنس
المشاركات: 222
افتراضي

بارك الله فيك أخي أسامة ونفع بك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30 Mar 2017, 10:05 PM
سفيان بن عثمان سفيان بن عثمان غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: دلس حرسها الله.
المشاركات: 363
افتراضي

نصيحة من الشيخ أبي أنس محمد بن هادي المدخلي- حفظه الله تعالى-


وما أكثر الكلام في هذه الأيَّام معشر الأحبَّة وخصوصا بيننا نحنُ معاشرَ طلبة العلم، فتخرج الكلمة من المُتكلِّم على وجهٍ وترجع إليه مرَّة أخرى على عشرين وجها لم يقل منها تسعة عشر وجها! كيف زِيدَ فيها ونُقِص منها وحُرِّفَت! ويأتيك بعض الحمقى فيبني على ذلك ويشرح: والمراد كذا والمراد كذا! وهذا كله أصلا ما حصل! فإذا به يتندَّم ويعتذر، وهذا لا أستطيع أن أذكر لكم فيه مثالا إلا مثالا واحدا وسأكتفي به وهو: أجهزة التَّفاصُل الاجتماعي؛ أجهزة التقاطع هذه وسائل التقاطع الاجتماعي، كم وكم وكم وكم وكم وكم رأينا فيها من الاعتذارات من طلبة العلم؛ يقول القول ويتبيَّن أنه كذب، يقول القول ويتبيَّن أنه مُزوَّر، يقول القول ويتبيَّن أنه مُحرَّف على الشَّيخ أو على أخيه، وإذا به كلّ لحظةٍ يحتاج إلى ما؟ إلى الاعتذار.

فإيَّاكم وما يُعتَذَر يا معشر الأحبة، إذا سَلِمْنا ممَّا يُعتذَر منه قلَّ الشّرّ وكَثُر الخير وحصلت الأُلفة وانقطع الطريق على أرباب الفتن.

فيا أحبَّتي: أوصيكم ونفسي بترك مثل هذه الأمور، أنا لا أعرفها ولله الحمد استعمالا واستخداما، ولست بالعاجز إن أردت أن أستخدمها، ولكن عافاني الله منها، وإني لأرى هذا من أعظم نِعم الله عليّ.

فيا ابنَ آدم: "قُلْ خيرًا تَغْنَم أو اسكت تَسْلَم"، ولا تتكلَّم في أمر حتى ترى مخرجك منه قبل أن تدخل فيه، فإنَّ اللِّسان هذا مُشكِل،

إنَّ اللِّسان صغير جِرمه وله *** جُرْم كبير كما قد قيل في المَثَلِ

والذي يكُبّ الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار حصائدُ الألسن، نسأل الله العافية والسلامة.

تحتاج إلى تأمل....
جزاك الله خيرا أخي الكريم أسامة وبارك فيك، تفريغاتك مميزة يرعاك الله، تقبل الله منك.
والله نسأل أن يحفظ الشيخ محمدا من كل سوء، وأن يبارك تعالى في ما بقي من عمره .
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, محمدالمدخلي, مسائل, خصال الأخيار

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013