منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 30 May 2018, 11:35 AM
لزهر سنيقرة لزهر سنيقرة غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 342
افتراضي [جديد- مقال] تعلمت من أمّي - رضي الله عنها - للشيخ: أبي عبد الله أزهر سنيقرة -حفظه الله-.





تعلمت من أمّي - رضي الله عنها -

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
إن الابتلاء سنَّة من سنن الله التي تظهر فيها حكمه البالغة، فهو سبيل التمحيص والتمييز بين الصادق والكاذب، وبين الطيب والخبيث، قال تعالى:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}[آل عمران: 179].

وأشدّهم تعرضاََ له؛ هم أفضل الخلق وأزكاهم عند الله، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : " الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ ؛ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ؛ خَفَّفْتُ عَنْهُ ، وَلا يَزَالُ الْبَلاءُ فِي الْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ فِي الأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"[رواه الترمذي (2398) وقال : حسن صحيح].

فالأنبياء الذين قال الله في حقهم:{فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}[الأنعام: 34]، أثبت الله في حقهم سنته وبين صبرهم عند ذلك، قال السعدي عليه رحمة الله :(فاصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا)
وبهذا أمر الله المؤمنين جميعا:{اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
ولما كانت سيدة نساء هذه الأمة هي أمنا عائشة رضي الله عنها التي جاء في فضلها وعلو منزلتها، قول رسولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (كَمَلَ منَ الرِّجال كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ منَ النِّساءِ إلاَّ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وآسِيةُ امرأةُ فِرعونَ، وفضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كفَضْل الثَّرِيدِ على سائرِ الطعام)؛(البخاري:3411 ومسلم: 2446)

بل يكفيها أنها حبيبة رسول الله الزاهدة العابدة، وأعلم نساء هذه الأمة قال الزُّهريُّ: لو جُمِع عِلمُ عائشة إلى عِلمِ جميعِ النساء، لكان علمُ عائشةَ أفْضلَ.[سير أعلام النبلاء (2/141)].
لأجل هذا شاء الله أن تبتلى البلاء العظيم وتتهم في عرضها وهي الطاهرة المطهرة -رضي الله عنها-، وهذا فيما عُرف بحادثة الإفك التي أخرجها البخاري(4141) ومسلم (2770) في صحيحيهما، وفي لفظ البخاري وننقله بطوله لما فيه من العبر والعظات: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول، قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه. وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول.قال عروة، كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله -صلى الله عليه وسلم -اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فيسلم، ثم يقول: (كيف تيكم). ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم ابن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: (كيف تيكم). فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك، ولا نعلم ألا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: (أي بريرة، هل رأيت شيء يريبك). قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله ابن أبي، وهو على المنبر، فقال: (يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي). قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم، حتى سكتوا وسكت، فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبوي عندي، قد بكيت ليلتين ويوما، ولا يرقأ لي دمع لا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، قالت: لم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: (أما بعد، ياعائشة، إنه بلغني عنكك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه). قالت: عائشة: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}. ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات، من ثقل القرآن الذي أنزل عليه، قالت: فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أو كلمة تكلم بها أن قال: (يا عائشة، أما والله فقد برأك). فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل، قالت: وأنزل الله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم}. العشر الآيات، ثم أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم}. قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: ماذا علمت، أو رأيت). فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع. قالت: وطفقت أختها تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط.ثم قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله) أهــ.
والذي أردنا بيانه في هذا المقال من هذه الحادثة التي جمعت من الفوائد والعبر الشيء الكثير ما تعلق بموضوع صبر أمّنا عائشة وثباتها في هذه المحنة العظيمة التي تعرضت لها، وهذا حين قالت رضي الله عنها:"إني والله لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}".
فانظر رحمك الله إلى أثر الإشاعة وقولة السوء إذا تناقلها الناس وخاضوا فيها ووافقت نوايا ومقاصد دنيئة،كيف تبلغ مثل هذا المبلغ في أذية أطهر الخلق و أزكاهم عند الله ألا وهو عرض رسول الله صلى اللله عليه وسلم فياليت هؤلاء التزموا قوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) [الحجرات:].
فقولها رضي الله عنها:"والله يعلم أني منه بريئة"، بيانها لثقتها بالله، وأن المرء إذا كان يعلم من نفسه حقيقة حاله وأمره لا يهمه ظن غيره به، إلا أنه ليس بالأمر الهين أن يكون في غفلة من أمره والذين حوله يسيئون الظن به ويتهمونه في دينه أو عرضه، وربما كان بعضهم من أصحاب القلوب المريضة والمقاصد الخبيثة الذين يسعون بالمكر والخداع والكذب والافتراء للنيل من البرآء وإلصاق التهم الكاذبة بهم ظلما وعدوانا، كما فعل ابن أبي بن سلول وعصبته _وقد تاب منهم من أرادالله به خيرا_في هذه الفتنة، وكذلك يفعل أمثال هؤلاء.

قال تعالى:( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) . هذه الآية نزلت في مكيدة المشركين ومكرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما تآمروا على قتله وترصدوا له ينتظرون خروجه - عليه الصلاة والسلام - فأخرجه الله من بينهم ولم يشعروا به، وذهب هو وأبو بكر رضي الله عنه واختبيا في الغار ‏(‏في غار ثور‏)‏ قبيل الهجرة إلى المدينة ثم إن الله سبحانه وتعالى صرف أنظارهم حينما وصلوا إلى الغار، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مختبئ فيه هو وصاحبه، ووقفوا عليه و قد حجبه الله عنهم نصرةً لنبيه ودفعا لأذيتهم.
فعلى صاحب الحق أن يثبت على الأمر مهما كانت التكاليف والصعاب، وهذا ما نتعلمه من أمنا عائشة -رضي الله عنها- من خلال موقفها الثابت وصدق ظنها بربها وإخلاص لجوئها إليه بهذا الجواب العظيم الدال على القوة في الدين والرسوخ في العلم الذي يثمر مثل هذا الثبات، فإن الرسوخ في العلم يستلزم دائمًا وأبدا الثبات على الحق، ومن كان هذا حاله فإنه لا يغتر بكثرة ولا يستوحش من قلة



قال ابن القيم (المدارج: 1/45):
(ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه ، مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة ، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد ، وعلى الأنس بالرفيق ، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق ، وأنهم هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له ، وهم الذين أنعم الله عليهم ، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه ، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم ، فلا يكترث بمخالفةالناكبين عنه له ، فإنهم هم الأقلون قدرا، وإن كانوا الأكثرين عددا ، كما قال بعض السلف : " عليك بطريق الحق ، ولا تستوحش لقلة السالكين ، وإياك وطريق الباطل ، ولا تغتر بكثرة الهالكين " ، وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق ، واحرص على اللحاق بهم ، وغض الطرف عمن سواهم ، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم ، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك) أهــ .

ومما نتعلمه من أمنا كذلك أن الصبر مفتاح الفرج وأن الأمر كلما ضاق اتسع، وأن هذه الخصلة هي من أخص خصال المؤمنين الصادقين المتبعين لطريق النبيين، قال تعالى:" وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"، لأنه لو سلم أحد من مثل هذا الأذى لقدرهم وعلو منزلتهم لسلم منه الأنبياء والمرسلون، لذا فإن الله أمر نبيه في هذا بقوله:"فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل"


علمتنا أمنا رضي الله عنها الاستعانة بالله وحده عند حلول المصائب، وهذا عند ذكرها لقول ربها: "والله المستعان".

وتعلمنا منها رضي الله عنها أن من أحسن الظن بربه صادقا معه كان الله عند حسن ظنه، فإنها لما قالت: " أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي" ، جاءها الفرج من الله حيث قالت بعدها:" فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
و مما نستفيده كذلك أن رؤيا الأنبياء حق ووحي " كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا".وهذا من حسن تواضعها وازدرائها لنفسها عند قولها:" وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى" ومن ازدرى نفسه رفعه الله، ومن ابتُلي بالعُجب كان وضيعاً حقيراً ، ومما يؤثرعن السلف قول بكر بن عبد الله المزني رحمه الله في هذا الباب يوم عرفة :" لولا أنا فيهم لقلت قد غفر الله لهم ".
وبعد هذا كله جاء الفرج وزُفت إليها البشرى : «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ» .

أفلا فليتسلَّى ويعتبر كل مبتلى بعد صبره واحتسابه بفرج الله له قال تعالى :( إن مع العسر يسرا)


قال الشاعر:

رويدك فارقب للّطائف موقعا *** وخلّي الذي شرّه يتوقع
وصبرا فإن الصبر خير تميمة *** ويافوز من كان للصبر يرجع
وبت واثقا باللطف من خير راحم *** فألطافه من لمحة العين أسرع
وإن جلّ خطب فانتظرِ فرجا له *** فسوف تراه في غد عنك يرفع
وكن راجعا لله في كل حالة *** فليس لنا إلاّ إلى الله مرجع


كتبه: أبو عبد الله أزهر سنيقرة
ليلة الأربعاء: 13 رمضان 1439



والحمد لله رب العالمين.

التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر ; 31 May 2018 الساعة 12:31 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30 May 2018, 11:56 AM
نسيم منصري نسيم منصري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2016
الدولة: ولاية تيزي وزو حرسها الله
المشاركات: 1,038
افتراضي

شيخنا حفظكم الله ورزقكم الصبر في البلاء، والثبات على الحق الا أن تلقوه، وأيدكم الله بنصره وفضح الغلمان المتأمرين المشاغبين أصحاب شهادة الزور والكذابين وكذلك الساكتين على طغيانهم المخذلين لكم المأيدين لهم بالباطل.
فلغة الإشاعات في زماننا ما أكثرها و ما اكثر من يصدقها.

التعديل الأخير تم بواسطة نسيم منصري ; 30 May 2018 الساعة 11:58 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30 May 2018, 12:14 PM
أبو عبيدة عبد الله حفان أبو عبيدة عبد الله حفان غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: May 2013
الدولة: عاصمة الساورة
المشاركات: 32
افتراضي

حفظكم الله شيخنا و ثبتكم على الحق
سبحان الله لو اعتبروا فقط بتواضع أمنا عائشة رضي الله عنها و كيف رفعها الله و عكس ذلك أي من أصابه العجب كان وضيعا حقيرا كأمثال الهابط و خدنه و البليد الذي ظنوا أنفسهم علماء و قللوا الأدب و فجروا في الخصومة و لم يرقبوا للكبار و العلماء إلا و لا ذمة نسأل الله السلامة و العافية
أسأل الله أن يثبتكم على الحق شيخنا و يخزي من يسعى فسادا بينكم
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30 May 2018, 12:17 PM
خالد أبو علي خالد أبو علي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: الجزائر
المشاركات: 473
افتراضي

بارك الله فيكم شيخنا وثبتكم على الحق.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30 May 2018, 12:33 PM
يوسف عمر يوسف عمر غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2017
المشاركات: 91
افتراضي

أحسن الله إليكم شيخنا ورفع قدركم في الدّارين ورضي الله عن أمّنا أمّ المؤمنين وعن أبيها وعن سائر الصّحابة أجمعين، وسنّة الله ماضية في نصر المؤمن الصّادق وإنجاءه في الدنيا والآخرة (ولا مُبدّل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبإى المرسلين).
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30 May 2018, 01:06 PM
أبو عبد الله محمد بن عامر أبو عبد الله محمد بن عامر غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
الدولة: تلاغ - الجزائر
المشاركات: 79
افتراضي

حفظكم الله شيخنا و رفع قدركم و رد عنكم كيد الكذابين البهاتين ، فلتصبروا و لتحتسبوا شيخنا ، فأنتم لها - فيما نحسب - ، أعانكم الله و ثبتكم .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30 May 2018, 01:15 PM
عبد المؤمن عمار الجزائري عبد المؤمن عمار الجزائري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2017
الدولة: الجزائر
المشاركات: 42
افتراضي

رضي الله عن أمنا عائشة.
وحفظكم الله شيخنا الكريم.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30 May 2018, 01:26 PM
مراد محلو البسكري مراد محلو البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2016
المشاركات: 28
افتراضي

أحسن إليكم شيخنا وزاد في علمكم وأثابكم الأجر الجزيل وعوضكم في هذه المحنة خيرا،ورضي الله عن أمنا عائشة الصديقة وحشرنا وإياكم معها ومع جميع الصحب الكرام إنه ولي ذلك والقادر عليه
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30 May 2018, 02:47 PM
أبوعبد الرحمن صدام حسين شبل أبوعبد الرحمن صدام حسين شبل غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: May 2012
الدولة: ولاية سطيف/الجزائر
المشاركات: 290
افتراضي

شيخنا حفظك الله و جزاك الله خيرا..
{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30 May 2018, 02:47 PM
فارس شريطي فارس شريطي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: May 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 28
إرسال رسالة عبر MSN إلى فارس شريطي
افتراضي

رضي الله عن أمنا عائشة الصديقة وأخزى الله شانئها وحفظك الله وصبرك وثبت فؤادك .
سيجعل الله بعد عسر يسرا. ..والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 30 May 2018, 02:56 PM
أسامة لعمارة أسامة لعمارة غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: May 2017
الدولة: عين الكبيرة سطيف
المشاركات: 82
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا الحبيب وبارك فيك ونفع بك.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 30 May 2018, 03:02 PM
شعبان معتوق شعبان معتوق غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
الدولة: تيزي وزو / معاتقة.
المشاركات: 330
افتراضي

حفظك الله و بارك في جهودك شيخنا و وقاك شر الشانئين .
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 30 May 2018, 03:21 PM
سفيان بن عثمان سفيان بن عثمان غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: دلس حرسها الله.
المشاركات: 363
افتراضي

حفظكم الله تعالى شيخنا الكريم وبارك فيكم ورد عنكم شر الأشرار وكيد الفجار....وقد فضح الله كذب الصعافقة فيما ينقلون عن العلامة ربيع السنة حفظه الله تعالى...
وهذا تعليق سماحة الشيخ العلامة ابن باز - رحمه الله وغفر له- على براءة أمنا - رضي الله عنها - فيه تسلية لقلوب من امتحن الله....
قال - رحمه الله تعالى - :
هكذا سنته في أوليائه، وأهل طاعته،عند الشدة يجيء الفرج، سنته في أوليائه : براءتهم ، وبيان صلاحهم ، ونجاتهم عند الشدائد، (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا )..( سيجعل الله بعد عسر يسرا )...،والله سبحانه يبرئ أوليائه وينصرهم على من ناوأه، عند الشدة يأتي الفرج، هكذا سنته في عباده جل وعلا...
- رحم الله الإمام وحفظ شيخنا الهمام وزاده ثباتا إلى ثباته _الذي تعلمناه منه قديما ولا نزال- فامتحان الله لشيخنا ليس جديدا ، وما عرفناه إلا صابرا ومربيا لأبنائه ومدرسا في الأدب مع الكبار، ويعلم هذا كل من اقترب من شيخنا ولا ينكره إلا جاحد والله الموعد.....
محبكم .
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 30 May 2018, 03:23 PM
أبو عبد الرحيم أحمد رحيمي أبو عبد الرحيم أحمد رحيمي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jun 2013
المشاركات: 222
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخنا وبارك فيك.
نسأل الله تعالى أن يثبتك وإيانا على الحق حتى نلقاه.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 30 May 2018, 04:08 PM
أبو أنس بلال بوميمز أبو أنس بلال بوميمز غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jun 2017
الدولة: الجزائر / مدينة: جيجل / بلدية: الأمير عبد القادر / حي: العقيبة
المشاركات: 355
إرسال رسالة عبر MSN إلى أبو أنس بلال بوميمز
افتراضي

جزاك الله خيراً شيخنا الحبيب على هذا المقال الطيب ونسعد ونفرح لو تشرح منظومة الواضحية لابن بهيج الأندلسي ـ رحمه الله ـ في مدح أم المؤمنين عائشة

[color="blue"][size="5"][center]ما شَانُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وَشَانِي = هُدِيَ المُحِبُّ لهـا وضَـلَّ الشَّانِـي
إِنِّي أَقُولُ مُبَيِّناً عَنْ فَضْلِهـا = ومُتَرْجِمـاً عَـنْ قَوْلِهـا بِلِسَانِـي
يا مُبْغِضِي لا تَأْتِ قَبْرَ مُحَمَّدٍ = فالبَيْتُ بَيْتِـي والمَكـانُ مَكانِـي
.......

التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر ; 31 May 2018 الساعة 12:32 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
حديث, سنيقرة, فوائدحادثةالإفك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013