منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 02 Mar 2018, 12:21 PM
أبو صهيب منير الجزائري أبو صهيب منير الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 207
افتراضي الدّقة العلمية عند الصّحابة الكرام رضي الله عنهم ( جمع القرآن أنموذجا)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدّين، ثم أما بعد:
كثير من النّاس يظن أنّ دقة العلم ووضوحه وسلامته محله القرون المتأخرة لتطور الوسائل وتنوعها وجمع أسباب العلم عند المتأخرين من جهة مصادر العلم وشروحه في كل علم من العلوم، فقد يكون هذا الاحتمال صحيحا في العلوم الدنيوية بخلاف العلم الشرعي، فكلما كان أقرب لعهد النّبي صلى الله عليه وسلم كان أصوب، وبخاصة عصر الصحابة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذي ظهرت فيه الدقة العلمية، كيف لا؟ فهم خير النّاس علما وصدقا مع شهودهم التّنزيل وأخذهم للعلم والسنة مشافهة من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مع صفاء الذهن وحب العلم والاجتهاد في تعلمه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ " (1)
ومدح نبينا صلى الله عليه وسلم طريقتهم وأوجب علينا الأخذ بها فقال " فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (2)
قال الشيخ الألباني بعد الحديث "والحديث من الأحاديث الهامة التي تحض المسلمين على التمسك بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين الأربعة ومن سار سيرتهم، والنهي عن كل بدعة، وأنها ضلالة، وإن رآها الناس حسنة، كما صح عن ابن عمر رضي الله عنه." (3)
ويظهر صفاء العلم ودقته في سبب عظيم من أسباب حفظ القرآن الكريم بعض حفظ الصدور وتبشير الله عزوجل هذه الأمة بحفظه حيث منح الصّحابة الكرام منحة عظيمة بإظهار على هديهم عاملا من أهم عوامل الحفظ وهو جمع القرآن في المصحف بين دفتين، قال تعالى في كتابه الكريم: " {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره " وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ وَأَجَلِّ وَأَعْظَمِ مَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ أَقَامَهُ اللَّهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، قَاتَلَ الْأَعْدَاءَ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَالْمُرْتَدِّينَ، وَالْفُرْسِ وَالرُّومِ، وَنَفَّذَ الْجُيُوشَ، وَبَعَثَ الْبُعُوثَ وَالسَّرَايَا، وَرَدَّ الْأَمْرَ إِلَى نِصَابِهِ بَعْدَ الْخَوْفِ مِنْ تَفَرُّقِهِ وَذَهَابِهِ، وَجَمَعَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ مِنْ أَمَاكِنِهِ الْمُتَفَرِّقَةِ حَتَّى تَمَكَّنَ الْقَارِئُ مِنْ حِفْظِهِ كُلِّهِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ سِرِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] فَجَمَعَ الصِّدِّيقُ الْخَيْرَ وَكَفَّ الشُّرُورَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَلِهَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ وَكِيع وَابْنُ زَيْدٍ وَقَبِيصَةُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الْمَصَاحِفِ أَبُو بَكْرٍ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (4)
والدقة العلمية تظهر في طريقة الجمع كما تتعلق بالسبب وبعض الاجتهادات المتعلقة بالجمع سواء كان في عهد أبي بكر الصديق أو في عهد عثمان رضي الله عنهما بعد أنّ حفظ في صدورهم في عهد النّبي صلى الله عليه وسلم وكتب مفرقا بين كتبة الوحي، وسأذكر إخواني بأنموذج من النماذج النيرة لتكون للمسلم ذكرى وعزة واطمئنان، جاء في صحيح البخاري حديثا في طريقة وسبب جمع القرآن في عهد أبي بكر
أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: «كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟» قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، «فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ»، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، «فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ»، قُلْتُ: «كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟»، قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ" (5)
من الحديث تظهر الدقة بداية من:
1 _ سبب الجمع وهو: _ هذا الجمع الأول كان خشية ذهاب القرآن بموت كثير من الحفاظ في يوم اليمامة، فكان أثر ذكر أن جمع القرآن في مصحف واحد.
2_ اختيار المكلف بالجمع: وهو زيد بن ثابت وما اختاره أبو بكر رضي الله عنه إلا لمواصفات ومميزات تدل على علم وحكمة الصديق وكل هذه المميزات تنبئ على نوعية الجمع وسلامته من الخطئ والنسيان والتغيير والمميزات هي:
أولا: شاب قوي عاقل:" إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ"
ثانيا: ثقة عدل: " لاَ نَتَّهِمُكَ"
ثالثا: من كتبة الوحي " وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
رابعا: حضر العرضة الأخيرة ،
قال أبو شامة رحمه الله " ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جبريل وهي التي بين فيها ما نسخ وما بقي.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف، رضي الله عنهم أجمعين" (6)

وهذا الميزة لها علاقة وطيدة بمعرفة النّاسخ والمنسوخ لو أنّ أحدا من الصّحابة عرض آية منسوخة عرفها زيد لأنه حضر العرضة الأخيرة التّي قرأها جبريل على النّبي صلى الله عليه وسلم فحفظ القرآن بهذا من دخول المنسوخ تلاوة ولفظا.
خامسا: حفظه لكتاب الله عزوجل، كما جاء في فتح الباري وسيأتي ذكره.
3_ طريقة الجمع: كانت مبنية على الاستظهار والتوثيق لا العلم بالآية فكما سبق زيد كان من الحفاظ ومن الكتاب وهذا يدل على أن الطريقة كانت في أعلى مستوى التثبت كما جاءت الرواية في المصاحف لابن أبي داود
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ فَرَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْقُرْآنِ أَنْ يَضِيعَ فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «اقْعُدُوا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَاكْتُبَاهُ» (7)
قال أبو الحسن السّخاوي: "ومعنى هذا الحديث، والله أعلم: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإلا فقد كان زيد جامعاً للقرآن، ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله أي من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، ولم يزد على شَيء مما لم يقرأ أصلاً، ولم يعلم بوجه آخر." (8)
مع حفظه وكتابته للوحي لا يكتب آية حتى يجدها عند غيره مكتوبة أو محفوظة في الصدور، وقول زيد " فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128]"
مما سبق يدل أنّها محفوظة عنده وإنّما لم يجدها عند غيره إلا عند أبي خزيمة رضي الله عنه.
قال ابن حجر على دقة زيد واحتياطه كما أمره الصديق:
" وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظه وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط" (9)
والشاهدان إما الحفظ مع الكتابة أو شاهدان يشهدان على المكتوب قال ابن حجر " وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ"(10)
خلاصة ما ذكر من جهة الطريقة: زيادة على حفظه لا يكتب إلا ما وجده عند غيره مكتوبا أو محفوظا، حيث امتازت بالدقة لا يكتب إلا عين ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه كان لغرض آخر بعد أن اختلف النّاس في القراءة
روى البخاري أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشام فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلاَفَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: «أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ»، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ "، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ» فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ، أَنْ يُحْرَقَ"(11)
والدقة تظهر في السبب وطريقة الجمع وحكمة عثمان رضي الله عنه.
1 السبب: الجمع الثّاني كان خوفا من الاختلاف في طريقة القراءة بعد اعتناق الأعاجم للإسلام (12)
2_ طريقة الجمع: حيث أمر بنسخ المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر بلجنة مكونة من زيد بن ثابت العالم الحافظ مع عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأمرهم بنسخ المصحف إلى عدة مصاحف لتوزع على الولايات الإسلامية، وتظهر الدقة لكي لا يقع الخلاف في جمعهم على لسان قريش لما في هذا المبحث من علاقة مع الأحرف السبع والخلاف الواقع بين أهل العلم في معناها وهل مصحف عثمان حمل كل الأحرف أو بعضها لأن الكتابة أنذاك كانت من غير شكل، أو حمل حرفا واحد ليبعد الأمة عن الخلاف مادام أنّ القراءة بالأحرف السبع على الاستحباب لا الوجوب.(13)

قال أبو بكر بن الطيب: "فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه؟ قيل لهم: إن عثمان لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف فقط، ولا كان التشاجر الواقع فى أيامه فى إقرارهم أنه كتاب الله بأسره، وإنما اختلفوا فى القراءات، فاشتد الأمر فى ذلك بينهم وعظم اختلافهم وتشتتهم، وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه، وتلاعن أهل الشام وأهل العراق، وكتب الناس بذلك إلى عثمان من الأمصار وناشدوه الله فى جمع الكلمة ورفع الشتات والفرقة، فجمع عثمان المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم فى ذلك فاتفقوا على جمع القرآن وعرضه وأخذه للناس بما صح وثبت من القراءات المشهورة عن النبي - عليه السلام -، وطرح ما سواها واستصوبوا رأيه، وكان رأيا سديدا موفقا، فرحمة الله عليه وعليهم." (14)
3_ أمره بحرق المصاحف والصحف الخاصة: وهذا حتى لا يدخل المنسوخ أو التفسير أو أحاديث النّبي صلى الله عليه وسلم التّي قد كتبت مع القرآن لتفسيره، قَالَ الْكرْمَانِي: "فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إحراق الْقُرْآن؟ قلت: المحروق هُوَ الْقُرْآن الْمَنْسُوخ أَو الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ من التَّفْسِير أَو بلغَة غير قُرَيْش أَو الْقرَاءَات الشاذة، وَفَائِدَته أَن لَا يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قلت: هَذِه الْأَجْوِبَة جَوَاب من لم يطلع على كَلَام الْقَوْم وَلم يتَأَمَّل مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي آخر الحَدِيث وَقَالَ عِيَاض: غسلوها بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها" (15)
ووافق كبار الصّحابة على فعله حتى قال علي رضي الله عنه": لَا تَقولُوا لعُثْمَان فِي إحراق الْمَصَاحِف إلاّ خيرا." (16)
بعد فضل الله عزوجل وقدرته حفظ القرآن من التبديل والتحريف والضياع والاختلاف بين أفراد الأمة بالجمعين المباركين، وخلاصة القول أنّ طريقة الصّحابة أعلم وأحكم في جميع المجالات الشرعية بخلاف غيرهم من سائر النّاس، وآسفاه فاليوم مع تطور العلم وتطور وسائل الحفظ نجد من يبدل ويغير في كلام العلماء وآثارهم العلمية التّي لا توافق توجهاتهم ومنهاجهم كالرد على المخالف وأهل البدع، وفي هذا خيانة للأمانة العلمية وتدليس وكذب على علماء أهل السّنة.

كتبه أخوكم:
أبوصهيب منير الجزائري 13/6/1439ه.





الإحالة
(1) متفق عليه
(2) رواه أحمد وغيره وصححه الألباني السلسلة الصحيحة رقم 2735.
(3) أبو عبد الرحمن ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصّحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (6/527)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع – الرياض، ط: (1416ه-1996م).
(4) أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، تفسير القرآن العظيم (1/25)، ت: سامي بن محمد سلامة، النّاشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط: 2 (1420ه-1999م).
(5) رواه البخاري
(6) أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز ص69، ت: طيار آلتي قولاج، النّاشر: دار صادر –بيروت، ط: (1395ه-1975م).
(7) أبو بكر بن أبي داود عبد اله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، كتاب المصاحف ص51، ت: محمد بن عبده، النّاشر: الفاروق الحديثة –مصر، ط:1(1423ه-2002م).
(8) علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني أبو الحسن السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء ص161، ت: مروان العطية ومحسن خرابة، النّاشر: دار المأمون للتراث – دمشق، ط:1(1418ه-1997م).
(9) أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري (9/14)، النّاشر: دار المعرفة –بيروت 1379ه.
(10) المصدر السابق (9/15).
(11) رواه البخاري.
(12) انظر: أبو محمد مكي بن أبي طالب الأندلسي القرطبي، الإبانة عن معاني القراءات ص 57 -65،الناشر: دار النهضة – مصر، ت: عبد الفتاح اسماعيل،ط:؟، وعثمان بن سعيد أبو عمر الداني، المقنع في رسم مصاحف الأمصار ص: 18، الناشر: مكتبة الكليات الزهرية، القاهرة،ت:محمد الصادق قمحاوي، ط:؟، و نور الدين عتر، علوم القرآن الكريم ص: 169-172، دار: مطبعة الصباح – دمشق،ط:1(1414ه_1993م).
(13) انظر: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، النشر في القراءات العشر (1/31)، ت: علي محمد الضباع، النّاشر: المطبعة التّجارية الكبرى.
(14) ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، شرح صحيح البخاري (10/223)، ت: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، النّاشر: مكتبة الرشد –السعودية –الرياض، ط:2(1423ه-2003م)
(15) أبو محمد محمود بن احمد بن موسى بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (20/18)، النّاشر: دار إحياء التراث العربي –بيروت، ط:؟
(16) المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.


التعديل الأخير تم بواسطة أبو صهيب منير الجزائري ; 03 Mar 2018 الساعة 11:04 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03 Mar 2018, 07:07 AM
عبد الله سنيقرة عبد الله سنيقرة غير متواجد حالياً
عفا الله عنه
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 268
افتراضي

مقال طيب، بورك فيك أخي منير وزادك الله من فضله.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03 Mar 2018, 10:47 AM
أبو صهيب منير الجزائري أبو صهيب منير الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 207
افتراضي

وفيكم يبارك أخي الحبيب عبد الله ووفقك الله وإخواننا المشرفين في هذا المنتدى وبارك الله في مشايخنا القائمين عليه، ننتظر منهم هذه الأيام شروحا طيبة يستفيد منها السلفيون في أماكن مختلفة.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز, الدقةالعلميةعندالصحابة, الصحابة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013