منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 

العودة   منتديات التصفية و التربية السلفية » القــــــــسم العــــــــام » الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 Apr 2017, 07:46 AM
إبراهيم بويران إبراهيم بويران غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 313
افتراضي جُهُودُ العَلَّامَة رَبِيع المدخَلِي فِي نَشْرِعَقِيدَةِ التَّوحِيدِ وتَعلِيمِها وَدَحْضِ الشُّبُهَاتِ عَنهَا

جُهُودُ العَلَّامَة رَبِيع المدخَلِي فِي نَشْرِ عَقِيدَةِ التَّوحِيدِ و تَعلِيمِها وَ دَحْضِ الشُّبُهَاتِ عَنهَا
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و بعد : فقد منَّ الله تعالى عليَّ باستخراج بحثين نافعين بإذن الله تعالى من كُتُبِ العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، الأول: " أصول و مُميِّزَات أهل السنة والجماعة مستخرجة من كتب العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى "، و الثاني: " جهود العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في نقض شبهات الحزبيين عن منهج النقد عند أهل السنة السلفيين " و كلاهما قد طُبِع و نُشر بعد إذن الشيخ ربيع و مراجعته.
و اليوم ، أضع بين أيدي إخواني هذه السلسلة الطَّيِبة، و فيها إبراز عناية الشيخ ربيع حفظه الله بالتوحيد تعليمًا و دعوةً، و الذَّب عن حياضه و تطهيره من العوالق و الشوائب، و قد عرضت هذا العمل على الشيخ ربيع حفظه الله فاطلع عليه و فرِح به كما فرِح بسابقيه و دعا لي بخير، و أذن لي جزاه الله خيرًا بنشره، و كان هذا بحضرة شيخنا المحقِّق الأصولي عبد المجيد جمعة حفظه الله .
و أسميت هذه السلسلة المباركة " جُهُودُ العَلَّامَة رَبِيع المدخَلِي فِي نَشْرِعَقِيدَةِ التَّوحِيدِ و تَعلِيمِها وَ دَحْضِ الشُّبُهَاتِ عَنهَا "، و قد جعلتها في عددٍ من المباحث المفيدة، كلُّ مبحثٍ منها مشتمل على جملةٍ من المطالب، أسأل الله تعالى أن ينفع بها .
و سأنشرها بتوفيق الله تعالى في حلقاتٍ مُختصرة على صفحات هذا المنتدى .
و نبدأ بالمبحث الأول منها، وفيه عددٌ من المطالب على النَّحوِ التالي :

المطلب الأول
في بيانِ أهمِّية التَّوحيدِ و عظيمِ مَنزِلته في الإسلام وأنَّه أَصلُ الأُصولِ و مَسألةُ المسائل
قال الشيخ ربيع حفظه الله:« يُسْعِدُني أن أتكلَّمَ في موضوعٍ مهمٍّ لا يبلغُه موضوعٌ آخر ولا يقاربُه في الأهمِّية، وهو موضوعُ التوحيد وأهميتُه الذي يقول فيه الإمامُ ابنُ تَيْمِيَة رحمه الله: « التوحيدُ سرُّ القُرآن، ولبُّ الإيمان » .
ويقول الإمامُ ابنُ القيّم رحمه الله بعد أن تكلَّم عن عقائدِ أهلِ الضَلال، من أهلِ الاتحاد ـ دعاةِ وَحْدَةِ الوجود ـ والجهمية والمعتزلة وغيرهم من الفرقِ الضالة قال: « إنَّ التوحيدَ الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فشيءٌ وراءَ ذلك كلِّه ». ثم قال: « التوحيدُ نوعان: توحيدٌ في المعرفةِ والإثبات، وتوحيدٌ في الطلبِ والقصد .
فالنوعُ الأوَّل: توحيدُ المعرفةِ والإثبات.. .
وقد أفصحَ القرآنُ عن ذلك جِدَّ الإفصاح كما في أوَّلِ سُورةِ « الحديد » وأوَّلِ سورة « طه » وآخرِ سورة « الحشر » وأوَّلِ سُورة « آل عمران » وغيرِ ذلك من السُّور التي تضمّنت هذا النوعَ من التوحيد .
وأما النوعُ الثاني: فهو ما تضمنته سُورةُ « الإخلاص » و« قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ »..
بل غالبُ القرآنِ في التوحيد، بل القرآنُ كلُّه في التوحيد، وذلك أنَّ القرآنَ إمَّا خبرٌ عن اللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، فذلك هو التوحيدُ العلميُّ الخبري .
وإمَّا دعوةٌ إلى عبادتِه وحدَه ـ سبحانه وتعالى ـ، وخَلْعِ ما يُعْبَدُ من دُونِه، فهو توحيدُ الطلبِ والقصد، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته في أمرِه ونهيِه، فذلك من مكمِّلاتِ التوحيد، وإمَّا خبرٌ عن أوليائه، وما كافأهم به في الحياة الدنيا وما يجزيهم به في الآخرة، فهذا جزاءٌ على التوحيد، وإما خبرٌ عن أهل الشرك وما نَزَل بهم من النَكالِ في الحياة الدنيا، وما يَحِلُّ بهم من العقابِ في الأخرى، فذلك جزاءُ من خَرَج عن حُكمِ التوحيد .
فالقرآنُ كلُّه في التوحيد، وفي أهلِه وجزائِهم وفي من خالفَ التوحيدَ من أهل الشِّرك وجزائِهم، فأعاد القرآنَ كلَّه للتوحيد ».
وهذا يدلُّ دلالةً عظيمة جدًّا على أهمية التوحيد، ولا يَعرِف هذه الأهمية الكبيرة العظيمة إلَّا أئمةُ التوحيدِ من الرُّسُلِ الكرام أولي العدل وغيرهم، ولا يعرفه إلَّا من حذا حذوهم في الاهتمام بهذا التوحيد والدعوة إليه [ انظر: " مجموعة كتب ورسائل الشيخ " (1/19- 20) ] .
و قال الشيخ حفظه الله:« التوحيد.. هو أصل الأصول، وإذا كان للناس أصولٌ وأصول، الأصول يدورون حولها، فإن أصل الأصول عند الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وعند سادة هذه الأمة من الصحابة الكرام ومن اتَّبعهم بإحسان، إن أصل الأصول عندهم: هو التوحيد..، الأصل عندنا، هو هذا الأصل الذي جاء به جميع الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وعليه تدور كل العبادات، فالعبادات إنما هي تأكيد لهذا الأصل »[ " المرجع السابق" (1/43) ].

المطلب الثاني

أقسامُ التَّوحيدِ، وتَعريفُ كلِّ قسمٍ منها
ينقسم التوحيد عند أهل السنة والجماعة إلى ثلاثة أقسام، كما دل على ذلك التتبع و الاستقراء: توحيد الربوبية، و توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات .
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله مُبيِّنًا اشتمال سورة الفاتحة، على هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد: « أعظمُ سورةٍ في التوحيد، وهي أمُّ الكتاب، والقرآنُ كلُّه يدور عليها { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } توحيد، { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } توحيد، { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } توحيدُ .
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } توحيد الربوبية،{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } توحيدُ الأسماءِ والصفات، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }كذلك، { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }توحيدُ العبادة »[ " المرجع السابق" (1/44) ] .
وقال حفظه الله:« فالشاهد أنَّ هذه السُّورة من سُوَرِ القرآنِ الكريم من أعظَمِ سُوَرِ التوحيد .
وفيها إثباتُ أنواعِ التوحيد: توحيد الرُّبوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية »[ " المرجع السابق" (1/44) ] .
وقال حفظه الله مُبيِّنًا إجماع أهل السنة على أنواع التوحيد الثلاثة:« خصوم السنة يعترضون على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وأهل السنة في هذا العصر، يُصرُّون على أنه ثلاثة »[ " المرجع السابق" (11/256) ] .

تعريفُ كلِّ قسمٍ من أقسامِ التَّوحيد

القسم الأول: توحيد الربوبية؛ وفي تعريفه يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « يؤمن بأنَّ اللهَ تبارك وتعالى ربُّ السَّماواتِ والأرض والجِنِّ والإنس والملائكةِ وكلِّ المخلوقات في هذا الكون، فهو ربُّها: خالقُها، وسيّدُها، ومالكُها، ومدبِّرُها، بِيَدِه الحياة، وبِيَدِهِ الموت، وبِيَدِه الجزاءُ على ما قَدَّمَ المُكَلَّفُون في هذه الحياة » [ " المرجع السابق" (1/44) ].

المشركون يؤمنون بتوحيد الربوبية ولا ينكرونه

وفي بيان ذلك يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« حتى الكُفَّار يؤمنون بتوحيدِ الرُّبوبية، قريشٌ قبلك يؤمنون بتوحيدِ الرُّبوبية: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}[ لقمان: 25] . لكن لما قالَ لهم مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، قولوا: لا إله إلا الله، قالوا ـ كما أخبر الله عنهم:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5] ، بخلاف الرُّبوبية؛ فقد قال الله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الَّله}، ما قالوا: واللهِ نحن ما نقول هذا الكلام، أقَرُّوا بهذا وهم يُقِرُّونَ بهذا ولا يُكَابِرُون فيه .
بل حتى يَعبُدون اللهَ إلى حدٍّ بعيد، لكن جَعَلُوا مع اللهِ شُركاءَ في الألوهية، فيدعون غيرَ الله، ويذبحون لغيرِ الله، ويستغيثون بغيرِ الله، يفعلون هذه الأشياء لأصنامِهم، ويعتقدون أنَّها تُقَرِّبهم إلى الله زلفى، لا يقـولون: إنَّها هي التي خَلَقَت، وهي التي رَزَقَت.. ولا يعتقدون فيهم أنَّهم أرباب، ولا يعتقـدون فيهم أنَّهم يضرون وينفعون بأنفسِهم{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ما يكابرون، لكن إذا قيل لهم لا إله إلا اللهُ يستكبرون »[ " المرجع السابق" (1/55) ] .
القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: وفي تعريفه يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « أثبت لله العلمَ، والقدرةَ، والإرادةَ، والاستواءَ، والنُزُولَ، والمجيءَ، والغَضَبَ، وكُلَّ ما أثْبَتَهُ اللهُ لنَفْسِهِ، ووَصَفَ به نَفْسَهُ، وأثنى به على نَفْسِهِ، نُثْبِتُهُ على الوجهِ اللائقِ بالله تبارك وتعالى، ولا نأخُـذُ من ديننا ما نشاء وننفي منه ما نشاء، فنقع في التناقضِ؛ بعد هذا الجُحُود وبعد هذا النُّكْرَان لا مَحِيصَ لنا ولا مَخْرَجَ من التناقض.
فاللهُ له إرادة، والمخلوق له إرادة، فالواجب أن تَطرد البابَ على وتيرة واحدة وتُثْبِت كلَّ الصِّفات؛ فإذا آمَنْتَ بالإرادةِ والعلمِ والقدرةِ على أساسِ أنَّها لا تُشبِهُ صِفاتِ المخلوقين فتُؤمِنُ بالغضبِ والرِّضا والرحمةِ والنُّزولِ والمجيءِ والاستواء على أنَّها صفاتٌ لائقةٌ بِجلالِ اللهِ تبارك وتعالى لا يشابهُهُ فيها شيءٌ من المخلوقات، فلا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، وإنَّما هو إيمانٌ صادق، مؤمنٌ باللهِ ـ تبارك وتعالى ـ مُقَدِّسٌ لجلالِه وعظمته، مُنَزِّهٌ له عن النَّقص وهو الخُلُوُّ من هذا الكمال الذي وَصَفَ به نَفْسَه، فخلُوُّه من الرحمة نقص، وخُلوُّه من الغضبِ نقص، وخُلوُّه من الاستواءِ على عرشِه هذا نقصٌ، يتعالى ويَتَنَزَّهُ عنه ربُّنَا جلَّ وعلاَ » [" المرجع السابق" (1/49-50) ] .

طريقة أهل السنة و الجماعة في إثبات أسماء الله تعالى وصفاته

يقول الشيخ ربيع حفظه الله:« لا يسلكون(أهل السنة) مسالك أهل البدع في إثبات صفات الله بعقولهم الضالة، كما يفعل الجهمية والمعتزلة والمتكلمون .
وإنما مدارهم على نصوص الكتاب والسنة؛ فما أثبته الله ورسوله لنفسه أثبتوه وما نفاه الله ورسوله عن ربّ العالمين نفوه، فمدارهم على الوحي؛ لأن باب الأسماء والصفات توقيفي ومن الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا ، فما أنزله الله في كتابه من أوصافه وأسمائه سبحانه وتعالى يثبتونها لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى .
من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلم يسلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة والخوارج ومن شاركهم في تعطيل الصفات » [" المرجع السابق" (2/25) ] .
وقال حفظه الله:« القرآن لم يكيِّف فلا نكيِّف، ولم يمثِّل فلا نمثِّل، ونزَّه الله نفسه عن المثال والأمثلة فقال: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}؛ فلا نشبِّه ذاته بذوات المخلوقين ولا صفاته بصفات المخلوقين ولا يديه بأيدي المخلوقين، ولا نكيِّفها ونقول على كيفية كذا؛ لأننا نعتصم بالوحي من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلا نغلو في الإثبات غلوَّ المشبِّهة الذين يُشبِّهون الله بخلقه؛ فيقولون: له يد كأيدينا، وله سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، واستواء كاستوائنا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى ينفيه عن نفسه في آيات كثيرة؛ كقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}[مريم: 65] يعني: نظيرًا أو ندًّا أو شبيهًا؛ فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا .
وقوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون}[البقرة: 22] أي: نظراء ومشابهين.
فهذا عمدة أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة في نفي التشبيه والمماثلة بالمخلوقات عن صفات الله سبحانه وتعالى، وعمدتهم في عدم التحريف والتعطيل؛ وهو كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
فمثلًا: قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فيه ردٌّ على المشبِّهة، وقوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فيه ردٌّ على المعطِّلة .
فهذه الآية جمعت أصلين: التنزيه والإثبات، فالإثبات في قوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}والتنزيه في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }، فنثبت سائر الأسماء والصفات بقوله تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وننفي عنها المشابهة بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }، فعلى هذا الأساس نثبت أسماء الله وصفاته اللائقة بجلاله على الوجه الذي يليق بعزَّته وجلاله وعظمته »[ " المرجع السابق" (2/29) ] .

من قواعد أهل السنة العامة المُبيِّنة لطريقتهم في إثبات الصفات
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« هنا قاعدة - وهي تنطبق على كلِّ الصفات – وهي قولهم: « الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ »، قالها مالك وغيره؛ قالها قبله شيخه ربيعة، واشتهرت عن مالك؛ وذلك لما سئل عن الاستواء؛ كيف الاستواء؟ أطرق حتى عَلَته الرحضاء ثم قال: « الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أُرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا» وأمر بإخراجه من حلقته رضي الله عنه ؛ فـ « الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ »؛ لأننا نعرفه من لغة العرب، ومن لغة القرآن وفهم الصحابة، « وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أُرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا» وأمر بإخراجه من حلقته رضي الله عنه.
فهذه قاعدة لكل الصفات؛ إذا قيل لك: السمع، البصر، القدرة، اليد، الضحك، الغضب، كيف هذه؟ تقول: السمع معلوم، والبصر معلوم، والقدرة معلومة، واليد معلومة، والضحك معلوم، والغضب معلوم؛ كل هذه الصفات معانيها معروفة لكن الكيفية لا نعرفها، فكما أنَّ «الاستواء معلوم والكيف مجهول »؛ كذلك « السمع معلوم والكيف مجهول »، و« الرضا معلوم والكيف مجهول »، و « القدرة معلومة والكيف مجهول »، و« النزول معلوم والكيف مجهول»، وهكذا..».
فهذه قاعدة تنطبق على كل الصفات ويُرَدُّ بها على كل صاحب هوى .
يُردُّ بها على المعطلة بـ « الاِسْتَوَاء مَعْلُومٌ »؛ لأنهم يعطلون الصفات عن معانيها، وعلى المشبهة الممثلة بـ « الْكَيْف مَجْهُولٌ »؛ لأنهم يكيفون الصفات ويحددونها!» [ " المرجع السابق" (2/32-33) ] .
القسم الثالث : توحيد الألوهية والعبادة: وفي تعريفه يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « التوحيد .. إفراد الله وحده بالعبادة والابتعاد عن الشرك صغيره و كبيره.. . و المقصود.. أن العبادات بكل أنواعها حق ثابت لله وحده لا يستحق سواه منها شيئاً، لا ملك مقربٌ ولا نبي مرسلٌ ولا رجل صالحٌ ولا حجرٌ ولا شجرٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ .
فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف ويرجى إلا هو »[ " المرجع السابق" (1/182) ] .
وقال حفظه الله نقلًا عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله قوله: « التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا اللـه لا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالى إلا له ولا يعادى إلا فيه ، ولا يعمل إلا لأجله» [ " المرجع السابق" (10/285) ] .

بيان أهمية توحيد الألوهية وأنه الجانب الأهم من دعوات الرسل، كما أنه محلُّ الصراع بين الأنبياء وخصومهم

وفي بيان ذلك يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« ومع أهمية كل أنواع التوحيد وضرورة العناية بها تربية ودراسة وتوجيهاً .
فإن أهمها وأولاها بالعناية وتكريس الجهود من الدعاة إلى الله جميعاً أفراداً وجماعات لذلك : التوحيد الذي يحاربه الشيطان أشد الحرب في كل الأحقاب و الأجيال من عهد نوح عليه السلام إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة .
ذلكم التوحيد العظيم الذي يبذل الشيطان، وجنوده كل جهودهم ومكايدهم لصرف بني آدم عنه .
عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته:« إِن رَبِّي أمَرَنِي أنْ أعَلِّمَكمْ ما جهَلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هذا كلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلالٌ وإِنّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُمْ وإنهُمْ أتَتْهُمُ الشّياطِينُ فاجْتالَتْهُمْ عَنْ دِينِهمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لهُمْ وأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْركوا بِي ما لمْ أُنْزِلْ بهِ سُلْطاناً »[ أخرجه مسلم ] .
إن الدعوة إلى هذا التوحيد وإلى هدم ضده وهو الشرك بالله الذي لا يغفره الله، لهما موضع الصراع بين الأنبياء وأممهم وبين خاتم الرسل عليه الصلاة و السلام، وأعداء الله المشركين وبين المصلحين من أئمة الإسلام وأهل البدع من القبوريين من شتى الطوائف الرافضية والصوفية، الذين امتلأ كثير من بقاع العالم الإسلامي بمظاهر شركهم »[ " المرجع السابق" (1/380-381) ] .
وقال الشيخ حفظه الله تحت عنوان :« " توحيد الألوهيَّة وأهميَّته "
وسوف أتناول توحيد الألوهيَّة لسببين:
أولاً: أنَّه الجانب الأهم من دعوات الرسل الذي عرضه علينا القرآن، ولأنَّه موضوع الصِّراع الدائر بينهم وبين خصومهم من المستكبرين والمعاندين من كلّ الأمم.
ولا يزال موضوع الصراع إلى اليوم
، ولعلَّه يستمر إلى يوم القيامة ابتلاءً واختباراً لورثة الرسل ورفعاً لمنزلتهم.
ثانياً: أنَّ أخطر وأشدَّ وأصعب انحراف مُنيَ به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في هذا الجانب في أكثر جهَّال المسلمين وفي كثير من مثقفيهم والمنتسبين إلى العلم منهم.. » [" المرجع السابق" (1/266) ] .

المطلب الثالث

في الرَّدِّ على من خلط بين أقسام التوحيد
وهذا المخلِّط هو سيد قطب كما نقل ذلك عنه العلامة ربيع المدخلي حفظه الله حيث قال: تحت عنوان: الفصل الرابع: عدم وضوح الربوبية والألوهية عند سيد قطب وفي ذهنه
قال سيد قطب في تفسير سورة هود:
« فقضية الألوهية لم تكن محل خلاف، وإنما قضية الربوبية هي التي كانت تواجهها الرسالات، وهي التي تواجهها الرسالة الأخيرة، إنها قضية الدينونة لله وحده بلا شريك، والخضوع لله وحده بلا منازع، ورد أمر الناس كلهم إلى سلطانه وقضائه وشريعته وأمره؛ كما هو واضح من هذه المقتطفات من قطاعات السورة جميعاً » .
ويقول كذلك في نفس السورة:
« و ما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام، ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت، على ألوهية الله سبحانه للكون، وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية، إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس، الذي يحكمهم بشرعه ويصرفهم بأمره، ويدينهم بطاعته؟ » .
قال الشيخ ربيع بعد نقله لكلام سيد قطب هذا : « و هذا واضح في أن سيداً يجهل الفرق بين الربوبية والألوهية، ويجهل كذلك أن توحيد الألوهية هو موضع الصراع والخصومة والجدال بين الأنبياء وأممهم ، ويجهل أن الأمم كلها تعرف وتعترف بتوحيد الربوبية!.
وكأنه لم يسمع قول الله تعالى في رسالات الله جميعاً إلى جميع الأمم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
فالله سبحانه وتعالى لا يقول إلا: { أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} فهو واضح كل الوضوح في الدعوة إلى توحيد العبادة، ولم يقل: إنه لا ربَّ إلا أنا؛ لأن الأمم لا تكابر ولا تجادل في ذلك.
وكذلك يقول الله تعالى في تقرير الربوبية: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الَّله}[لقمان: 25] .
وفي توحيد الألوهية: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}[الصافات: 35]، فقد بين الله تعالى أنهم يأنفون ويستكبرون إذا دُعوا إلى توحيد الألوهية، ولا يفعلون ذلك إذا قُرِّروا بتوحيد الربوبية؛ لأنهم يعرفونه حق المعرفة، ولا يجادلون فيه ولا يكابرون » [ " المرجع السابق" (6/53 - 55 ) ].
وقال الشيخ حفظه الله:« سيد يعتقد أن توحيد الألوهية هو عين توحيد الربوبية
ويعتقد أن توحيد الربوبية هو توحيد الحاكمية؛ و بـهذا ينسف توحيد الألوهية .
ألا يكفي هذا للقول بأن سيد قطب يخالف العلماء في تفسير لا إله إلا الله؟! وأنه لا يفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية فهو يعتقد أن توحيد الألوهية هو عين توحيد الربوبية ويعتقد أن الربوبية هي الحاكمية، ويفسر آيات توحيد الألوهية ودعوات الرسل على هذا الأساس، ويفسر كلمة التوحيد على هذا الأساس فتكون النتيجة نسف توحيد الألوهية الذي هو محور الصراع بين الرسل جميعا وبين أممهم.
فأي جناية على التوحيد وأي تحريف أشد على القرآن والإسلام من هذا التحريف؟؟! وأي جهل لقضية القضايا أشد من هذا الجهل؟! »[ " المرجع السابق" (7/79 ) ] .

المطلب الرابع

في الرَّد على من خالف أهل السنة في تقسيم التوحيد وأضاف قسمًا رابعًا
سئل العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: ما صحة القول بأن إفراد الحاكمية، أي: جعل الحاكمية من أفراد التوحيد بدعة؟
فأجاب حفظه الله:« الذي نعرفه من منهج السلف- ولا سيما ابن تيمية ومن بعده، وابن عبد الوهاب وتلاميذه- أن أقسام التوحيد ثلاثة:
توحيد العبادة .
توحيد الأسماء والصفات .
توحيد الربوبية .
ولم يعدوا توحيد الحاكمية من أقسام التوحيد، ولم يجعلوا قسمًا يسمى: توحيد الحاكمية .
الحاكمية؛ حاكمية الله حقًا، ومن ينكرها و يكفر بها كافر- والعياذ بالله- .
لكن هل هو قسم مستقل من أقسام التوحيد وقسيم له، أو يدخل في واحد من الأنواع الثلاثة؟
الجواب: يتردد بين أن يلحق بتوحيد الربوبية، أو يلحق بتوحيد الألوهية .
والذي يترجح لي: أنه يلحق بتوحيد الربوبية؛ لأن الله المالك، الملك الحق المبين، هو الذي له الحق أن يحكم ويشرع، فيلحق- يعني لا يجعل قسمًا مستقلًا- وإنما يلحق بأحد القسمين، وأما يجعل قسيمًا لأنواع التوحيد التي سبرها السلف من كتاب الله سبرًا مستوعبًا فلم يجدوا إلا أنواعًا ثلاثة فاستقروا عليها، فهذا ليس منهم إلغاء لحاكمية الله، وإنما في نظرهم- والله أعلم- أنها جزء من توحيد الألوهية، أو جزء من توحيد الربوبية، والذي يترجح لي أنها جزء من توحيد الربوبية »[" المرجع السابق" (14/28-29 ) ] .
وسئل الشيخ حفظه الله: شخص يقسم التوحيد إلى أربعة أقسام ويضيف إليها توحيد الحاكمية، ويكثر من الكلام في الحاكمية، فهل يجوز رميه بالبدعة أم لا؟
فأجاب حفظه الله: « لا تتعجلوا بالأحكام، ولكن هذا التقسيم رفضه علماء التوحيد، وعلى رأسهم الشيخ بن باز، والشيخ الألباني، والشيخ العثيمين، والشيخ الفوزان، وغيرهم من أئمة السنة، رفضوا هذا التقسيم، ويرون أن توحيد الحاكمية إنما هو من حقوق ( لا إله إلا الله)، وبعضهم يدخله في توحيد الربوبية، وبعضهم يدخله في توحيد الألوهية، ولا يخرج من كونه هذا أو ذاك من حقوق ( لا إله إلا الله)، ومن حقوق التوحيد وليس قسمًا مستقلًّا »[ كتاب " اللباب من مجموع نصائح الشيخ ربيع للشباب" (ص44-45 ) ] .

المطلب الخامس

حُكمُ من خالف أهل الحقِّ و السُّنَّة في أحد أقسام التوحيد
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « هناك أصول من التزمها فهو من أهل السنة ولو انتمى إلى أحد المذاهب الأربعة، فهو من أهل السنة، ومن خالفها فهو من أهل تلك الأصول المخالفة المبتدعة، وقد ذكر هذه الأصول أئمة الإسلام في كتب العقائد، فمن خالفها بدَّعوه ومن التزمها وثبت عليها اعتبروه من أهل السنة.
من هذه الأصول: التوحيد بأنواعه: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فمن خالف في واحد من هذه الأنواع بدَّعوه، وقد خالفت الجهمية فعطلوا في باب الأسماء والصفات فعطلوا أسماء الله وصفاته فبدعهم السلف بل كفروهم، وتابعهم في نوع التعطيل في هذا الباب المعتزلة فعطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء دون معانيها .
وتابع الأشعرية والكلابية الجهمية في تعطيل الصفات الخبرية فجعلهم السلف من أصناف الجهمية وشاركت الصوفية هذه الفرق في تعطيل الصفات، وأوغلت في ذلك حتى وقعت في الحلول ووحدة الوجود من زمن الحلاج إلا أفراداً منهم، وانحرفت في توحيد الربوبية فاعتقدت في الأولياء بأنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون .
وانحرفت الصوفية في توحيد العبادة فجعلوا مع الله أنداداً في الدعاء، والاستغاثة في الشدة بالأموات والأحياء، وفي تقديم القرابين لغير الله من الذبائح والنذور وشد الرحال إلى القبور والطواف بها وتشييد البنيان عليها، وغير ذلك من الأفعال الشنيعة التي يأنف منها ويسخر منها اليهود والنصارى والهندوك، واذهب إلى ما شئت من البلدان غير هذه البلاد لترى فيها هذه الشنائع والمخازي مثل الهند وباكستان والسودان ومصر وتركيا وسوريا والعراق وبخارى، ثم احكم على الطرق الصوفية التي تفعل هذه الأفاعيل بما يستحقون، هل هم من أهل السنة أو من شرار الضلال وأهل البدع الواقعين في الشرك الأكبر والضلال البعيد .
نحن لا نكفرهم لجهلهم إلا بعد إقامة الحجة أما التبديع وإخراجهم عن دائرة أهل السنة فلا يتقاعس عنه إلا أجهل الناس بالإسلام وأبعدهم عن السنة » [ " المرجع السابق "(11/501-502) ] .

المطلب السادس
تحقيق التوحيد والعبودية لله تعالى هو الحكمة من خلق الخليقة

يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« إنَّ الله تعالى الخالق البارئ المصور العليم الحكيم قد خلق هذا الكون العظيم ودبَّره ونظَّمه بعلمه المحيط وحكمته البالغة وقدرته الشاملة، لحكم جليلة وغايات نبيلة بعيدة كل البعد عن العبث والباطل واللَّعب.. .
وخلق الجن والإنس وبيَّن الحكمة العظيمة والغاية الكريمة التي خلقهم من أجلها.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات: 56-58] .
وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115-116] .
وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 36]، أي: لا يؤمر ولا ينهى!..
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21-22] .
فأمرهم أن يقوموا بالغاية التي خلقهم من أجلها.. .
وما أكرم الله الإنسان هذا الإكرام وأحلَّه هذه المنزلة الرفيعة إلا لعظم الغاية التي خُلق من أجلها، ألا وهي عبادة الله وحده وتعظيمه وتنـزيهه عن كل النقائص وعن اتخاذ الشركاء والأنداد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..»[ " مجموعة كتب ورسائل الشيخ" (1/261-262) ] .
وقال حفظه الله معلقًا على كلام الإمام ابن القيم رحمه الله :« القرآنُ كلُّه في التوحيد.. ».
قال:« وهذا يدلُّ دلالةً عظيمة جدًّا على أهمية التوحيد، ولا يَعرِف هذه الأهمية الكبيرة العظيمة إلَّا أئمةُ التوحيدِ من الرُسُلِ الكرام أولي العدل وغيرهم، ولا يعرفه إلَّا من حذا حذوهم في الاهتمام بهذا التوحيد والدعوة إليه.
ذلكم أن اللهَ ـ تبارك وتعالى ـ ما خَلَقَ السَّموات والأرض والجنَّ والإنس والجنَّة والنار، وشرع الجهادَ، وكثيرًا من الأمور العظيمة، كلُّ ذلك من أجل هذا التوحيد، وعلى رأسِ التوحيد كلمةُ التوحيد ـ لا إله إلَّا الله ـ على لسان كلِّ رسول وعلى لسان كلِّ نبي، ويلهج به الملائكة الكرام، ويكفينا قولُ الله - تبارك وتعالى -{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات: 56-58] .
فبيَّن لنا أنَّه لم يخلقنا لغرضٍ من الأغراض ـ جلَّ وعزّ ـ وتَنَزَّه عن ذلك وإنَّما خَلَقَنَا لعبادته »[ " المرجع السابق" (1/20) ] .
المطلب السابع
تعريف العبادة التي من أجلها خُلق العباد
يقول العلامة المجاهد ربيع المدخلي حفظه الله:« العبادة التي تضمنتها « لا إله إلا الله »؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هي: « اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة » .
فهذا تعريف جامع لكلِّ أصناف العبادات التي نتقرب بها إلى الله من الأقوال التي نَنطِقُ بها، والأفعال التي نتحرك بها، والعقائد الظاهرة والباطنة ما نُكنُّه وما نعلنه من خوف ورجاء ومحبة ورغبة ورهبة .
هذه العبادات القلبية، إلى جانب العبادات القولية، إلى جانب العبادات المتعلقة بالجوارح هذه هي العبادة كلُّها لله، وعلى المسلمين جميعًا أن يتعبَّدوا الله بأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وخلجات نفوسهم، أن يتجهوا بها إلى الله وحده ـ سبحانه وتعالى ـ ولا يصرفوا لغيره ذَرَّة من هذا التوحيد ومن هذه العبادة؛ لأنَّ المخلوقات كلُّها خُلِقَت لعبادة الله ـ سبحانه وتعالى ـ والكون كلُّه خاضع لله، والأحياء التي فيه من الملائكة والبشر والجن والإنس كلُّهم خُلِقوا لعبادة الله »[ " مجموعة كتب ورسائل الشيخ " (1/110-111) ] .
وقال حفظه الله:« والعبادة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تجمع عبادة القلوب وعبادة اللِّسان وعبادة الجوارح .
فالتي تتعلَّق بالقلب: الخوف والرجاء والرَّغبة والرَّهبة والتوكل والمحبة وما شاكل ذلك من الأمور القلبية، هذه عبادات قلبية لا بدَّ منها ولا يجوز أن نصرف منها شيئًا لغير الله .
وعبادة اللِّسان: يأتي في مقدِّمتها النُطق بالشهادتين، ثم سائر الأذكار من تلاوة القرآن والواجبات والمستحبات؛ فيكون النطق باللسان في الصَّلاة واجباً بقراءة الفاتحة في كلِّ ركعة؛ كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:« لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتحَةِ الكِتَاب »[ متفق عليه]؛ فهذه من الأمور التي يجب على المسلم أن يطبِّقها ويتكلم بها .
ومنها أمور مستحبة مثل تلاوة القرآن، ومثل ذكر الله وتسبيحه وتهليله أعقاب الصَّلوات، وعند النوم وفي السَّفر وفي الحضر، وما شاكل ذلك، فالعبادات تنقسم إلى واجبات ومستحبات، فعلى المسلم أن يعرفها ويتقرَّب بها إلى الله .
والجوارح: يأتي في طليعة أعمالها القيام في الصَّلاة والرُّكوع والسُّجود، وأعمال الحج من الطواف وسائر المناسك والشعائر، وغير ذلك من عبادات الجوارح ، تُصلي لله بجوارحك مع قلبك ولسانك تركع وتسجد وترفع من الركوع وتجلس بين السجدتين، والحج ترحل ببدنك لتؤدي هذا الرُّكن، تطوف بالبيت وتسعى بين الصَّفا والمروة وتؤدي المناسك في عرفات وغيرها، هذه عبادات تُمَارَس بالبدن بالإضافة إلى أنَّك تحتاج إلى مالٍ تحقق به هذه العبادات .
و العبادات بهذا الاعتبار كثيرة؛ عبادات القلب، وعبادات اللِّسان، وعبادات الجوارح، يجب أن نؤديَّها لله بإخلاص.. »[ " المرجع السابق " (1/129) ] .

المطلب الثامن

تصحيحُ مفهومٍ خاطئٍ للعبَادَة
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في الرد على سيد قطب تحت عنوان: " العبادة ليست وظيفة حياة عند سيد قطب "
« و يقول سيد: « والإسلام عدو التبطل باسم العبادة والتدين ، فالعبادة ليست وظيفة حياة، وليس لها إلا وقتها المعلوم{ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة:11-12] .
وتمضية الوقت في التراتيل والدعوات بلا عمل منتج ينمي الحياة أمر لا يعرفه الإسلام ، ولا يقر عليه الألوف المؤلفة في مصر التي لا عمل لها إلا إقامة الصلوات في المساجد أو تلاوة الأدعية والأذكار في الموالد » .
قال الشيخ ربيع:« أقول:
أولًا: العبادة هي وظيفة الحياة، قال تعالى: -{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }.
وقال تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 41-42] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} [الفرقان: 64] .
وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15-19] .
ففي هذه الآيات بيان أن العبادة هي وظيفة الحياة، وثناء عاطر على من يذكرون الله قيامًا وقعودًا وفي جميع أحوالهم، وعلى العباد الذين يبيتون لربهم سجدًا وقياما، ولا يهجعون من الليل إلا قليلًا لتعلق قلوبهم الطاهرة بالله .
فهم عباد أتقياء، وفي الوقت نفسه أغنياء أسخياء يؤدون الحقوق في أموالهم، وسمَّاهم محسنين لا متبطلين، ولم يحرض الدولة على أخذ أموالهم ولا على سوقهم بالعصي إلى المعامل والعمل المنتج .
والإسلام يحث على الرباط في المساجد وعلى انتظار الصلاة بعد الصلاة، وسيِّد يزهد في ذلك ، لا سيما في هذا العصر الذي يندر فيه المتعبدون ، لا سيما في وقته...
والآيات والأحاديث في الحث على كثرة الصلاة والذِّكر كثيرة جدًّا، وهذا يعرفه ويعتني به علماء المسلمين من مفسرين ومحدثين وفقهاء، ويعرفه حتى عوام المسلمين »[ " المرجع السابق" (7/231- 232) ] .

المطلب التاسع

نظرةٌ إلى التَّوحيد في القرآن
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« هذه دعوةُ الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يدعون إلى عبادةِ هذا الربِّ العظيم ـ عز وجلّ ـ، والذي وصف نَفْسَهُ في كُتُبِه المقدّسة، ووصف نفسه في هذا الكتاب العظيم في الآيات والسُّور، بل في القرآن كلِّه؛ كما ذكر ذلك ابنُ القيّم، ولعلِّي أَقرأُ بعضَ الآيات التي أشار إليها ابنُ القيم؛ لتدلَّنا على عظمةِ الله، وتدفعنا إلى محبتِه والخضوعِ له والإخلاصِ له وإجلالِه وتقديسِه والخضوعِ لجلاله سبحانه وتعالى، في حين أصبح كثيرٌ من الناس يخضعون لبعضهم بعضًا أكثر مما يخضعون لله العليِّ الكبير، الذي خضع له كلُّ شيء، وذلَّ له كلُّ شيء ـ سبحانه وتعالى ـ، فلا ينبغي للعبد أن يكون عبدًا إلَّا لله، ولا يخضع إلَّا لعظمته وجلاله ـ سبحانه وتعالى ـ .
يقول الله ـ سبحانه و تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 23 ـ 24] .
سبق في ما نقلت لكم من كلامِ ابنِ القيم أنَّه لا تخلو آية إلا وهي متضمِّنَةٌ للتوحيد، انظر إلى هذه الآيات في آخر سورة الحشر، تضمنت توحيدَ الألوهية في قوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }، توحيد الأسماء والصفات في قوله: { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }، توحيد الربوبية في قوله: { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ }، فهذه الآيات القليلة في آخر سورة الحشر تضمنت كلَّ أنواعِ التوحيد، توحيد العبادة، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الربوبية .
ويقول الله ـ تبارك وتعالى ـ في أول سورة الحديد التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 1 ـ 3]، تضمنت أنواعَ التوحيد الثلاثة، فقوله سبحانه وتعالى: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: خضع لله وعبد الله، وهذا توحيد العبادة، وقوله تعالى: { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } هذا توحيد الربوبية .
و قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } هذا توحيد الأسماء والصفات، فالقرآن يحتاج إلى تدبُّر، و إلى عقولٍ واعية تعيه.. .
وقال الله تعالى في آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] .
هذه الآية التي تعتبر أعظمُ آيةٍ في القرآن الكريم تضمَّنت كذلك توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} .
تضمنت التوحيدَ العلمي الخبري، هذه السُّورة على وَجَازَتِها، قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيها:« إنَّها تعدلُ ثُلُثَ القرآن»[ متفق عليه]،هذا يقوله رسولُ الله إمامُ أهل التوحيد، وأَعْرَفُ الناسِ بربِّه وأعلَمُهُمْ به، وأَعلمُ الناسِ بهذا القرآن الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ .. .
وأمَّا التوحيدُ الثاني الذي يُفيدُ العبادة، القرآنُ مليءٌ به وما بُعِثَتْ الرُّسل من أوَّلهم إلى آخرهم إلَّا من أجله، وما شُرِعَ الجهادُ إلَّا من أجله، و لا الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر إلا من أجله؛ لأنَّ توحيدَ الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات فَطَرَ اللهُ الناسَ عليه، فلا يُكَاِبرُون فيه ولا يُجَاِدلُون فيه.. .
فالضلال ـ كما قدَّمنا ـ يقع في هذا التوحيد الذي يمثل قسمًا كبيرًا من القرآن.
ومنها سورة « قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ » التي أشار إليها الإمام ابنُ القيم رحمه الله، هذه تسمَّى سورة الإخلاص الثانية، تلك -الأولى- تسمى سورة الإخلاص؛ لأنّه أُخلص فيها التوحيد، أي: توحيد الأسماء والصفات وهو التوحيد العلمي الخبري، وهذه أخلصت فيها العبادة لله: { قُلْ يَا أيُّها الكَافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[سورة الكافرون:1 ـ 6] .
فيه إثبات العبادة لله ـ تبارك وتعالى ـ والبراءة من عبادة غير الله ومن العابدين لغير الله، فهي سورة البراءة، وهي سورة الإخلاص، وهي سورة عظيمةٌ يجب أن نفهمها ونتدبَّرها لعظم شأنها، وعظم شأن ما شاكلها من السُّور والآيات في وجوب إفراد الله ـ جلَّ وعلا ـ في العبادة، والبراءة من عبادة الطاغوت، وأشار ابنُ القيم رحمه الله إلى بعض الآيات وإلى بعض السُّور نذكر منها الذي يخطر بالبال الآن .
فمنها سورة الزمر؛ قال الله ـ تبارك وتعالى ـ في أولها: { تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزمر: 1 ـ 3]، إلى هذا أشار الإمامُ ابنُ القيِّم، وإلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي }[الزمر: 14]، وأشار إلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى تهديدًا للأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} يعني الأنبياء، وأشار إلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى تهديدًا للأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} .
ثم أخبر عن حال المشركين به سبحانه وتعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}[الزمر: 65 ـ 67]، هذا في توحيد العبادة » [" المرجع السابق" (1/22- 25) ] .
المطلب العاشر
كيفَ كانت سُورةُ الإخلَاصِ تَعدِلُ ثُلثَ القُرآن
و في بيان ذلك يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« هذه السُّورة على وَجَازَتِها، قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيها: « إنَّها تعدلُ ثُلُثَ القرآن »، هذا يقوله رسولُ الله إمامُ أهل التوحيد، وأَعْرَفُ الناسِ بربِّه وأعلَمُهُمْ به، وأَعلمُ الناسِ بهذا القرآن الكريم صلى الله عليه وسلم .
ونحن ليس عندنا تأمُّل ولا تدبُّر ولا تفَّهم، كيف تعدل ثلث القرآن؟! .
قال بعضُ العلماء ومنهم ابنُ تيمية: « إنَّ القرآن ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الأحكام .
والقسم الثاني: في الأخبار والقَصَص وما شاكل ذلك .
والقسم الثالث: في التوحيد، وهذه ـ سورة الإخلاص ـ تضمَّنت كلَّ أنواعِ التوحيد: توحيد الإثبات؛ إثباتُ الكمال بكلِّ أنواعه لله ـ تبارك وتعالى ـ .
وتوحيدُ التَّنْزيه؛ تَنْزيه الله عن كلِّ عيبٍ ونقص ـ تعالى الله وتبارك وتقدس وتَنَزَّه عن كلِّ نقص، و له الأسماء الحسنى والصفات العلا » [ " المرجع السابق" (1/23- 24) ] .

المطلب الحادي عشر

ذكرُ بعضِ السُّبل المعينَة عَلى تَرسيخِ عَقيدَة التَّوحيد في القُلوب
يقول العلامة المجاهد ربيع المدخلي حفظه الله:« أريدكم أن تقرءوا القرآن ، القرآن مليء بتعظيم الله جل جلاله سبحانه وتعالى ، وهذا التعظيم كله يقودك إلى أن لا تعبد إلا الله ، ويقودك إلى أن تعرف معنى " لا إله إلا الله " حق المعرفة، وتحترمه . هذه الآيات التي يسوقها الله في بيان جلال الله وعظمته وآياته في الكون، كل ذلك يريد منك أن تعبده بتوحيد العبادة ، كل هذه الأدلة لإقناع من يحيد عن توحيد العبادة بهذه الأدلة والبراهين »[ " المرجع السابق" (1/69) ] .
وقال حفظه الله:« مما يرسخ عقيدة التوحيد أن نعرف أسماء الله وصفاته، قال تعالى: { وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف: 180]، وقال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 23 ـ 24]، هذه الأمور من الأسماء والصفات..»[ " المرجع السابق" (1/73) ] .
وقال حفظه الله:« إن الله.. لم يعط عيسى ولا غيره القدرة على الخلق فالله هو الخالق وحده فعيسى يصور من الطين كهيئة الطير وينفخ فيها، والله بقدرته هو الذي يخلق هذا الطير .
إنما عيسى متسبب بدعائه لله، والله يخلق الروح والحياة في هذه الصورة من الطين، فعيسى ليس بخالق وهو مخلوق، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
وكذلك كل الأنبياء والرسل فضلاً عن غيرهم قال الله لأفضل رسله: { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّواءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[الأعراف: 188] .
فيعلِّم الله نبيه والأمة بهذا ليُرسِّخ عقيدة التوحيد في نفوسهم فكان الأمر كذلك حتى جاء أهل الضلال بهذه الترهات المضادة لعقيدة التوحيد »[" المرجع السابق" (8/629) ] .

المطلب الثاني عشر

ثِمارُ تَحقيقِ التَّوحيد
وفي بيانِ بعضِ ذلك يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« الحياة الطيبة والحياة السعيدة في الدنيا والآخرة متوقِّفة على التوحيد ، على تحقيق معنى " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، والله ينصرنا الله ويُعزُُّنا ويكرمنا في الدنيا والآخرة .
وإن أبينا إلا المضي في طريق رسمه لنا منجرفون قبوريون خرافيون ؛ فو الله ما ننتظر من الله إلا الهوان والذل: { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }[الحج: 18] »[ " المرجع السابق" (1/77) ] .
وقال حفظه الله:« لا ينتظر الإسلام من المسلمين إلاَّ رجالاً يفهمون هذه الرِّسالة فيعيدون الكَرَّة في فهم هذا التوحيد، وتربية المسلمين عليه، وفهم هذا المنهج الذي جاء به الأنبياء وتربية الأُمَّة عليه، وغسل عقول الأُمَّة من أدران وأوضار الخرافات والشِّركيات والبدع حتى تكون أُمَّة توحيد بحق وجدارة .
وحينئذٍ يستحقون من الله الكرامة في الدُّنيا والآخرة ويَصدُق عليهم أنهم أُمَّة التوحيد؛ فيستحقون منه النَّصر والتأييد، ويستحقون منه الإكرام و الإعزاز .
ولكن الأماني لا تنفعكم يا معشر المسلمين، والاتكال والتواكل لن يغني عنكم شيئًا أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده، تؤمنون بتوحيد الله الخالص، وتجمعون الأُمَّة عليه، فإذا قلنا: " لا إله إلا الله " قلناها بوعي ومن قلوب مؤمنة، ومن شفاه وألسنة طاهرة لم تتلوث بأدناس الشِّرك والبدع والخرافات.
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يُهَيِّىءَ الأُمَّة لهذا اليوم الذي يتطلع إليه كلُّ مسلم، فتجتمع كلمة المسلمين على لا إله إلا الله، نسأل الله أن يأتي به؛ لتعلو هذه الأُمَّة إلى الصعيد والمستوى الذي ارتقى إليه أسلافهم »[ " المرجع السابق"(1/117)] .
وقال حفظه الله:« المسلمون يعبدون هذا الرَّب العظيم الجليل، والنصارى واليهود والمشركون والقبوريون يَعْبُدون الأموات ويَعْبُدون البشر والأحجار، أيُّ عِزَّةٍ وأيُّ رفعةٍ تحصل للمسلم الذي لا يعبدُ إلا هذا الإلهَ العظيم! ولهذا يقول ـ تبارك و تعالى: {وَ لله العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَ لِلمُؤمِنِينَ وَ لَكِنَّ المنَافِقِينَ لَا يَعلَمُون} [المنافقون: 8] .
العزةُ لله ولأهل التوحيد؛ لأنهم لا يخضعون ولا يحنون رؤوسـهم إلَّا لله، ولا يخـافون ولا يرجُون ولا يَرْغَبُون ولا يَطْمَعُون إلاّ فيما عند هذا الإله العظيم الجبَّار الذي بيده كلُّ شيء »[" المرجع السابق" (1/117) ] .
و العلم عند الله تعالى، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
....... يتبع بحلقاتٍ و مباحِثَ أخرى بإذن الله .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 Apr 2017, 02:07 PM
إبراهيم بويران إبراهيم بويران غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 313
افتراضي

المبحث الثاني
في كلمة التوحيد لا إله إلا الله
وفيه المطالب التالية

المطلب الأول

تفسير كلمة التوحيد و بيان معناها ومنزلتها
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« ( لا إله إلا الله ) معناها : « لا معبود بحق إلا الله »، ما هي العبادة ؟ الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، الذبح، النذر، التوكل، الرجاء، الرغبة، الرهبة، هذه تُصرَف لله وحده لا تصرف لأحد .. .
معنى ( لا إله إلا الله ) لا معبود بحق إلا الله ، عابد ومعبود، الله معبود، و المخلوقون عابدون ، فالعبادة : فعل المخلوقين، افهموا هذا، العبادة فعل المخلوقين يتقربون بها إلى الله »[ " المرجع السابق" (1/65) ] .
وقال حفظه الله:« " لا إله إلا الله " ليس معناها لا خالق لا رازق لا مدبِّر...، معناها: لا معبود بحق إلا الله، العبادات جميعُها لله وحده لا يستحق أحدٌ منها ذَرَّة واحدة، لا الأنبياء والمُرسَلون ولا الملائكة المقرَّبون ولا عباد الله الصَّالحون؛ كلُّهم عباد الله كلُّهم أذلاء أمام عظمة الله كلُّهم خاضعون لله؛ لأنَّ الله خلقهم لعبادته وقَهَرَهم بقدرته وألزمهم بدينه؛ فلا إله إلا الله كما قلنا معناها: لا معبود بحقِّ إلا الله.. .
« لا إله إلا الله »..لا تعني إلا أنَّ على العباد أن يُفردوه بالألوهية ويُفردوه بالعبادة وينفوا عنه كلَّ الشُّركاء والأنداد، لا إله إلاَّ الله: لا معبود بحق إلا الله، إذا جعل الناس من الأشجار ومن الأحجار ومن الأنبياء ومن الملائكة وعزير وعيسى جعلوهم أندادًا لله، وعبدوا الشَّمس والقمر والنبات والشَّجر وكثيرًا من الحيوانات ومن الأحجار والأصنام وإلى آخره، فجاءت هذه الكلمة تنفي عن غير الله الألوهية؛ إذ لا يستحق شيء منها ذَرَّة من هذه العبادة، وهذا التأله لا يستحق أحد منه شيئًا »[ " المرجع السابق" (1/110) ] .
وقال حفظه الله:« شهادة أن لا إله إلا الله: الاعتراف بأنه لا معبود بحق إلا الله، وأن عبادة ما سواه باطلة وشرك بالله.. .والمقصود بهذه الشهادة: أن العبادات بكل أنواعها حق ثابت لله وحده، لا يستحق سواه منها شيئاً، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا رجل صالح، ولا حجر ولا شجر، ولا شمس ولا قمر.
فلا يدعى إلا الله وحده، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا به، ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف ويرجى إلا هو.
فمن صرف شيئاً من هذه العبادات أو غيرها لغير الله فقد أشرك بالله »[ " المرجع السابق" (1/181-182) ] .

المطلب الثاني

شروط كلمة التوحيد
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« وليس المراد من « لا إله إلا الله »، مجرد النطق بها بل لا بد من معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ولا بد من استكمال شروطها، وشروطها سبعة:
الأول: العلم المنافي للجهل .
الثاني: اليقين المنافي للشك .
الثالث: القبول المنافي للرد .
الرابع: الانقياد المنافي للترك .
الخامس: الإخلاص المنافي للشرك .
السادس: الصدق المنافي للكذب .
السابع: المحبة المنافية لضدها »[ " المرجع السابق" (1/184) ] .
وقال حفظه الله:« فلا بد من قول لا إله إلا الله، مع العلم بمعناها، ولا يكفي أن يقال: لا إله إلا الله فقط، لا بد من معرفة معناها والعمل بمقتضاها، كثير من الناس يقول: لا إله إلا الله، أسلمنا، يكفي أن نقول: لا إله إلا الله، وهو لا يعلم معناها، ولا مقتضاها من التوحيد، ولا بحقوقها، ولا..ولا.. .
فلا بد من معرفة معنى لا إله إلا الله، وأنه لا معبود بحق إلا الله، ولا بد من الإخلاص فيها، لا بد من العلم بها واليقين:
علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها
هذه شروط لا إله إلا الله اعرفوها وافهموها حق الفهم »[ كتاب " نفحات الهدى والإيمان من مجالس القرآن " (ص206-207) ] .
المطلب الثالث
إنكار بعض التفاسير الباطلة لكلمة التوحيد لا إله إلا الله

قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« فعلى الدُّعاةِ إلى الله إن كانوا صادقين يريدون للمسلمين العِزَّة والسِّيادة فليبدءوا بتصحيحِ العقائدِ التي استشرى فيها الفساد، ووصل كثير من المسلمين فيها إلى مُنحَدَرٍ سحيق، فتوحيدُ الأسماء والصِّفات قد عطَّلوه، وتوحيدُ العبادة قد ضيَّعُوه، ولهذا ضيَّعوا معنى لا إله إلاّ الله؛ فلا إله إلاّ لله معناها عندهم: لا خالقَ، لا رازقَ إلاّ الله ! ومن هنا أتاهم الضَّلال، من هنا ضلُّوا وتاهوا وتاهوا وتاهوا..! تقول له: أنت تخالف لا إله إلاّ الله؟ يقول: أنا ما أخالفك؛ أنا أقول: لا إله إلاّ الله، ما معنى لا إله إلاّ الله ؟ لا خالقَ لا رازق! فإذا اعتقدَ أنَّ معنى لا إله إلاّ الله: لا خالقَ ولا رازق إلا الله فقد حقق التوحيد في نظره !! »[ " مجموعة كتب ورسائل الشيخ" (1/ 55) ] .
وقال حفظه الله:« الذي نَكَب المسلمين هو التفسيرات الفاسدة للا إله إلا الله، والله نُكِب المسلمون بالتفاسير الباطلة من المتكلمين والفلاسفة وغيرهم ، قالوا: ( لا إله إلا الله ) معناها : لا خالق لا رازق ، لا محيي ، لا مميت إلا الله ، تراه يعبد القبر ، يذبح ، ينذر ، يسجد ، يقول لك : يا أخي ! أنا لا أعبده ، أنا لا اعتقد فيه أنه يضر أو ينفع ، لأن الضار النافع هو الله ، أنا لا أقول : إنه خالق ، لأني أعتقد أن الخالق هو الله ، لكن لا يفهم أن أعماله هذه التي يتقرب بها إلى الأموات وغيرهم هي العبادة التي تنافي ( لا إله إلا الله ) ، فهموا ( لا إله إلا الله ) فهماً سيئاً خاطئاً بعيداً كل البعد عن المعنى الأساسي للا إله إلا الله ، والذي جاء به جميع الأنبياء ، فراحوا يذبحون لغير الله ، وينذرون لغير الله ، ويستغيثون بغير الله ، وصنوف الشرك وقعوا فيها ، لماذا ؟ لجهلهم بمعنى لا إله إلا الله »[" المرجع السابق" (1/66) ] .
وقال حفظه الله في رده على سيد قطب تحت عنوان " شذوذ سيد في تفسير (لا إله إلا الله) عن أهل العلم " .
« خالف سيد في تفسير (لا إله إلا الله) علماء التوحيد والتفسير والفقه واللغة المعتبرين، وتابع المودودي في هذه النظرة بأن الإله هو الحاكم المتسلط، والمودودي في نظرته هذه تابع الفيلسوف الألماني (هيجل) في " الحكومة الكلية ".
قال العلامة صوفي نذير الكشميري – وهو من كبار علماء السلفيين رحمه الله بعد حكاية قصة له مع المودودي:
« و بعد مدة علمت تفسير هذه الرؤيا بأن الشيخ المودودي يعرض فكرة الفلسفي الألماني في "الحكومة الكلية" في لباس الفكر الإسلامي بدل وجهة النظر الإسلامية » .
يقول سيد في كتابه " العدالة الاجتماعية":
« إن الأمر المستيقن في هذا الدين: أنه لا يمكن أن يقوم في الضمير عقيدة، ولا في واقع الحياة ديناً؛ إلا أن يشهد الناس أن لا إله إلا الله؛ أي: لا حاكمية إلا لله، حاكمية تتمثل في قضائه وقدره كما تتمثل في شرعه وأمره ».
فقد فسر (لا إله إلا الله) بالحاكمية، وفسر الحاكمية بالقدر والشرع!
فأين توحيد العبادة الذي جاء به جميع الأنبياء، الذي هو المعنى الحقيقي الخاص بـ (لا إله إلا الله)؟!.
لقد أضاعه سيد قطب .
ويقول في تفسير قوله تعالى في سورة القصص: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ } [القصص: 70]: « أي: فلا شريك له في الخلق والاختيار ».
فهذا معنى من معاني الربوبية ضيَّع به المعنى الحقيقي لهذه الكلمة.. .
وقال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: { إِلَهِ النَّاسِ } من سورة الناس:
« والإله هو المستعلي المستولي المتسلط ».
فمن قال بهذا التفسير من الصحابة ومن علماء الأمة المعتبرين؟!.
إن الاستعلاء والسلطان والحكم والملك والسيادة من صفات الرب العظيم سبحانه وتعالى، وكذلك الخلق والرزق والأحياء والإماتة والتدبير، كل ذلك من صفات الله العليا وأفعاله الكاملة القائمة على العلم والحكمة والقدرة.. .
ويقول سيد قطب:
« فلقد كانوا (أي: العرب) يعرفون من لغتهم معنى (إله) ومعنى (لا إله إلا الله)... كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا...».
وقال أيضاً: « (لا إله إلا الله)؛ كما كان يدركها العربي العارف بمدلولات لغته: لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطـان لأحد على أحد؛ لأن السلطان كله لله...».
أقول: إن هذا الذي ينسبه سيد إلى العرب من أن الألوهية تعني الحاكمية لا يعرفه العرب ولا علماء اللغة ولا غيرهم، بل الإله عند العرب هو المعبود الذي يُتقرَّب إليه بالعبادة يُلازمها الخضوع والذل والحب والخوف، وليس معناه عندهم الذي يُتحاكم إليه »[ " المرجع السابق" (6/51- 52) ] .
وقال حفظه الله في الدفاع عن الإمام محمد بن عبد الوهاب من طعونات المالكي المفتري:« زعم المالكي أن الشيخ محمداً ارتكب قاصمة في حق خصومه لأنه قال عنهم: « إنهم لا يعلمون معنى لا إله إلا الله » ودحض ذلك.. .
أولًا: إن كلام الإمام حق، فهم أجهل الناس بمعنى: « لا إله إلا الله »، ولذا فسروها بغير معناها، فقالوا: معناها أنه الخالق الرازق، والقادر على الاختراع، أو غير ذلك من التفسيرات البعيدة عن معنى لا إله إلا الله، فضَلُّوا بهذا التفسير وأضَلُّوا عوام المسلمين وأوقعوهم في أعمال شركية خطيرة تنافي معنى لا إله إلا الله، من الدعاء والاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله والطواف والتعظيم والذل والخضوع لغير الله، بل جرَّهم هذا الضلال إلى الوقوع في الشرك في الربوبية فقالوا عن بعض الأولياء: إنهم أقطاب يعلمون الغيب، ويتصرفون في الكون، وفوقهم الغوث وهو أعظم منهم علماً وتصرفاً...إلخ .
ثانيًا: ولعل من أسباب هذا الانحراف زلة بعض العلماء القدامى من الأشاعرة .
1- قال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتابه " أصول الدين " (ص123): « واختلف أصحابنا في معنى الإله، فمنهم من قال: إنه مشتق من الإلهية، وهي قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري وعلى هذا يكون الإله مشتقاً من صفة » .
فكان هذا التفسير من هؤلاء مصدرًا لبلاء عظيم وانحراف خطير هو ما واجهه أئمة الإسلام ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .
2- قال أبو القاسم القشيري في "شرح أسماء الله الحسنى" باب في معنى « لا إله إلا الله » فلم يفسرها التفسير الصحيح الذي دل عليه القرآن واللغة وكلام العلماء، ثم قال:« وأما أقاويل المشايخ في هذه الكلمة فقد قال بعضهم: إنه نفي ما يستحيل كونه وإثبات ما يستحيل فقده، ومعنى هذا أن يكون الشريك له سبحانه محالاً وتقدير العدم لوجوده مستحيلًا » .
وقال بعض المشايخ مجيبا لمن قال له: لم تقول: الله الله، ولا تقول: لا إله إلا الله؟ فقال:« نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب » .
وكان الدقاق رحمه الله يقول:« إنما قول لا إله إلا الله، لاستصفاء الأسرار عن الكدورات؛ لأنه إذا قال العبد: لا إله إلا الله، صفا قلبه وحضر سره ليكون ورود قوله: "الله" على قلب منقى وسر مصفى » .
وقال رجل للشبلي: « يا أبا بكر، لم تقول: الله الله، ولا تقول: لا إله إلا الله؟ فقال: لا أنفي له ضدًا، فصاح وقال:« أريد أعلى من ذلك »، فقال:« أخشى أن أوخذ في وحشة الجحد »، فقال الرجل: أريد أعلى من ذلك، فقال: قال الله تعالى: { قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [الأنعام: 91] .
فزعق الرجل وخرجت روحه، فتعلق أولياء الرجل بالشبلي وادعوا عليه دمه وحملوه إلى الخليفة فخرجت الرسالة إلى الشبلي من عند الخليفة فسألوه عن دعواهم فقال الشبلي: « روح صفت فرنت فدعيت فأجابت فما ذنبي »، فصاح الخليفة من وراء الحجاب خلوه فلا ذنب له.
وقيل فمعنى قوله: " لا إله إلا الله " مفتاح الجنة: أن العبد إذا كان مطيعاً كان داره في الجنة أشد عمارة وأكثر زينة، وإذا عصى كان لا يعمر داره ولا يزول ملكه ولا يسلب مفتاح الدار ممن لا يعمرها، فكذلك ما دام العبد مخلصاً في قول: لا إله إلا الله كان من أهل الجنة » .
أقول: فهذا هو معنى لا إله إلا الله عند مشايخ القشيري الصوفي الأشعري وعلمائه، وهل هذا هو المعنى الذي بعث الله به جميع الأنبياء وجاهدوا الأمم لتحقيقه؟ وجاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجله وربى عليه أصحابه، وكيف يعرف الناس من هذه التفسيرات العبادة بتفاصيلها التي تضمنتها هذه الكلمة وتستلزمها لينهضوا بها، ومعاني الشرك التي نفتها هذه الكلمة العظيمة ليحذروا الوقوع فيها أو في شيء منها.
وبسبب التفسيرات البعيدة عن معنى " لا إله إلا الله " جُهل المعنى الحقيقي للا إله إلا الله عند من يتبع هذه المدارس الفلسفية الكلامية الصوفية، ووقع كثير من أتباعها في الشرك والضلال، وسلَّم الله من سلَّم ممن سلك نهج السلف الصالح في معرفة المعنى الصحيح لهذه الكلمة والعمل بمضامينها وحقوقها ومستلزماتها وأخذ الحذر مما يناقضها، والابتعاد عنه، ودعوة من لا يفهم معنى هذه الكلمة إلى فهمه والقيام به ليسعد في الدنيا والآخرة، ويجابههم أمثال -المالكي- في كل زمان ومكان والله يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختصمون.
3- وذكر الرازي هذا التفسير، أي: " تفسير الأشعري " ضمن عدد من الأقوال في أصل اشتقاق كلمة « الإله » حيث قال في " شرح أسماء الله الحسنى " (ص124): « القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال: { وَ مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 23]، قال موسى في الجواب: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }[الشعراء: 24]، فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقًا لذلك السؤال..
5- قال الرباطابي التجاني في شرح معنى " لا إله إلا الله " في " الخلاصة الوافية الظريفة في شرح الأوراد اللازمة والوظيفة للطريقة التيجانية الشريفة " (ص80-81): { الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }[طه: 98] «الذي» نعت ثاني لله تعالى والجملة بعده صلته وإعراب هذه الكلمة « لا إله إلا هو »: «لا» نافية للجنس، تعمل عمل إن تنصب الاسم وترفع الخبر، و«إله» اسمها، والخبر محذوف تقديره « موجود » و « إلا » أداة استثناء و « هو » بدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر، وهذا هو المشهور الجاري على ألسنة المعربين، وقد عقد الشيخ السنوسي رضي الله عنه في شرحه على عقيدته " أم البراهين " فصلاً ذكر فيه ما قيل من وجوه إعراب «لا إله إلا الله » .
أقول: هذا التفسير مع أنه لم يعرج على معنى لا إله إلا الله فإن تقريره لخبر «لا» المحذوف بأنه « موجود » باطل، فإن البشر قد اتخذوا مع الله آلهة وأنداداً يعبدونهم من دون الله، فتقدير « موجود » تقدير باطل، وإنما المقدر « حق، أو بحق » إلا الله فأصل الكلام: لا معبود بحق أو حق إلا الله، وهذا التقدير هو الصحيح المتعين.
انظر لهذا التفسير البعيد كل البعد عن معنى « لا إله إلا الله » بل هو تفسير أهل وحدة الوجود » [ " المرجع السابق " (8/529- 533)].

المطلب الرابع
جناية التفاسير الباطلة لكلمة التوحيد على عقيدة التوحيد وأثرها السيِّئ على الأمة الإسلامية

وفي بيان بعض هذه الآثار السَّيِّئة يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« الذي نَكَب المسلمين هو التفسيرات الفاسدة للا إله إلا الله، والله نُكِب المسلمون بالتفاسير الباطلة من المتكلمين والفلاسفة وغيرهم ، قالوا: ( لا إله إلا الله ) معناها : لا خالق لا رازق ، لا محيي ، لا مميت إلا الله ، تراه يعبد القبر ، يذبح ، ينذر ، يسجد ، يقول لك : يا أخي ! أنا لا أعبده ، أنا لا اعتقد فيه أنه يضر أو ينفع ، لأن الضار النافع هو الله ، أنا لا أقول : إنه خالق ، لأني أعتقد أن الخالق هو الله ، لكن لا يفهم أن أعماله هذه التي يتقرب بها إلى الأموات وغيرهم هي العبادة التي تنافي ( لا إله إلا الله ) ، فهموا ( لا إله إلا الله ) فهماً سيئاً خاطئاً بعيداً كل البعد عن المعنى الأساسي للا إله إلا الله ، والذي جاء به جميع الأنبياء ، فراحوا يذبحون لغير الله ، وينذرون لغير الله ، ويستغيثون بغير الله ، وصنوف الشرك وقعوا فيها ، لماذا؟ لجهلهم بمعنى « لا إله إلا الله »، فلما تأتي السياسة – في هذا العصر – وتُضيف معنى جديداً إلى هذه التفسيرات الفاسدة ؛ زاد الناس هلاكاً .
والله لو لا بقايا قوة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والمنهج السلفي – في هذا البلد – لرأيتَ الآن أهل هذا البلد يسجدون للقبور، لكن هذه حمتهم، ولكنها إلى حين – إن لم يُتدارك الأمر ، الأمر خطير والمسألة ليست بالسهلة »[" المرجع السابق " (1/66)] .
وقال حفظه الله:« القرآن كلُّه يدور على التوحيد كما فصَّل هذا الإمام هذا التفصيل بحق وبِوعْي .
أقول هذا ليعرف المسلمون مكانة التوحيد والذي يُرَدَّد على المآذن كلَّ يوم كرَّات ومرَّات، ومع ذلك تجد القبور تُشَاد وأنَّ الأولياء يُتَّخذون مع الله أندادًا، وإلى آخر الأفاعيل السَّيئة والانحرافات الخطيرة التي توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وهم مع الأسف الشديد لا يعرفون حتى معنى الأذان الذي يُرَدَّدُ على أعلى المنارات كلَّ يوم خمسَ مرَّات، هذا تَرْدَادٌ للتوحيد لتَظَلَّ الأُمَّة مرتبطة بالعقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد: « الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ...، أشهد أن محمدا رسول الله .. »، الأذان كلُّه توحيد، كيف يُرَدَّد بين ظهراني المسلمين كلَّ يومٍ كرَّات ومرَّات ويقعون فيما يخالف التوحيد؟ ما هو السِّر أيُّها الإخوة في هذا ؟
السِّر أنَّ علماءَ السُّوء من علماء الكلام الذين تَلَقَّوا عقائدهم ومناهجهم من غير القرآن والسُنة، وتَلَقَّوها عن المجوس، وعن اليونان الملاحدة، وعن النَّصارى والهنادك وغيرهم، فَسَّروا « لا إله إلا الله » كلمة التوحيد فسَّروها تفسيرًا ضالاً ابتعد بكثير من الأُمَّة عن معرفة توحيد الله، وعمَّا تدل عليه هذه الكلمة العظيمة؛ هذه الكلمة مدلولها الصحيح مدلولها الحقيقي: لا معبود بحق إلا الله؛ فجاء هؤلاء الضَّالون وقالوا: معنى « لا إله إلا الله »: لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا مدبر إلا الله؛ فضَّلوا وأضَّلوا، ضَلُّوا في فهم معنى « لا إله إلا الله »؛ ففسَّروها تفسيرًا خاطئًا وأضَّلوا النَّاس حيث تابعوهم في هذا التفسير، فالله ـ تبارك وتعالى ـ هو الخالق والرَّازق والمدبِّر؛ ولكن « لا إله إلا الله » ليس معناها لا خالق لا رازق لا مدبِّر...، معناها: لا معبود بحق إلا الله.. .
وجنى من ذكرناهم سلفًا على الإسلام والمسلمين جنايةً عظيمة؛ إذ حرَّفوا تفسير هذه الكلمة إلى أمور لا يريدها الله بهذه الكلمة »[ " المرجع السابق " (1/109- 110)] .
وسئل الشيخ ربيع حفظه الله: إذا كان الأشاعرة وأهل الكلام لا يعرفون توحيد العبادة ويفسِّرون التوحيد بتوحيد الربوبية، فهل يعني هذا أنهم لا يكفِّرون من صرف شيئًا من العبادة لغير الله؟
فأجاب حفظه الله:« إذا كانوا لا يعرفون معنى العبادة كيف يُكَفِّرون من يقع في عبادة غير الله؟! يقولون في كلامهم: العبادة عندهم السُّجود للصنم، السُّجود للصنم هذه عبادة لغير الله، أمَّا الدُّعاء أمَّا الذَّبح أمَّا النَّذر فلا يرون أنها تنافي « لا إله إلا الله »، فإذا رأيته ينكر هذه الأشياء ويقول أنها شرك فمعناه أنه عرف معنى «لا إله إلا الله »؛ لكن هل كلُّ أشعري هكذا يعرف معنى « لا إله إلا الله »؟ كيف يعرف معنى « لا إله إلا الله »وهو يقول: لا خالق ولا رازق إلا الله ؟!، فإذا قلت: لا معبود بحق إلا الله، والدُّعاء عبادة والذبح لغير الله عبادة والشِّرك، وكذا وكذا يقول لك: لا! أنت تكفِّر المسلمين تقول: هذا شرك! فعدم فهم معنى «لا إله إلا الله » يترتب عليه هذا الضَّلال، هذا الضَّلال الموجود الآن؛ التعلُّق بالقبور وكذا نشأ عن هذه التفسيرات الفاسدة لمعاني «لا إله إلا الله »[ " المرجع السابق " (1/132-133)] .
.......يتبع بإذن الله تعالى .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 Apr 2017, 01:59 PM
أبو عبد الرحمن عبد الرزاق السني أبو عبد الرحمن عبد الرزاق السني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2014
المشاركات: 16
افتراضي

بارك الله فيكم

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن عبد الرزاق السني ; 23 Feb 2018 الساعة 12:10 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21 Apr 2017, 04:05 PM
عز الدين بن سالم أبو زخار عز الدين بن سالم أبو زخار غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
الدولة: ليبيا
المشاركات: 548
افتراضي

جمع وترتيب موفق ومسدد فجزاكم الله خيرا شيخ إبراهيم ونفع بكم.
وحفظ الله ربيع العصر وبارك في جهوده.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21 Apr 2017, 09:48 PM
ابومارية عباس البسكري ابومارية عباس البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: الجزائر بسكرة
المشاركات: 704
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ابومارية عباس البسكري
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ إبراهيم ونفع بك
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 21 Apr 2017, 10:04 PM
أبوعبد الله مهدي حميدان السلفي أبوعبد الله مهدي حميدان السلفي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
الدولة: الجزائر /باتنة /قيقبة
المشاركات: 590
افتراضي

جزاكم الله خيرا شيخنا، وحفظ الله الشيخ ربيع وأمد عمره في طاعتك .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21 Apr 2017, 11:41 PM
حسن حداد حسن حداد غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 25
افتراضي

جزاك الله خيرا.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22 Apr 2017, 10:58 PM
أبو أيوب صهيب زين أبو أيوب صهيب زين غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
الدولة: بسكرة
المشاركات: 351
افتراضي

بارك الله فيكم ونفع بكم
وحفظ الله الإمام الرّبيع
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22 Apr 2017, 11:05 PM
أبو صهيب منير الجزائري أبو صهيب منير الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 207
افتراضي

بارك الله فيك وزادك علما نافعا وسدد قلمك في الدفاع عن السنة وأهلها.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 24 Apr 2017, 06:58 PM
إبراهيم بويران إبراهيم بويران غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 313
افتراضي

الأخ الفاضل عبد الرازق عون و بقية الإخوة الأكارم حفظكم الله و جزاكم خيرا على مروركم الطيب و حسن تفاعلكم و على إعجابكم بجهود ربيع السنة في التوحيد و حسن ثنائكم على هذا العالم الرباني. بورك فيكم .
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 17 May 2017, 05:29 PM
إبراهيم بويران إبراهيم بويران غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 313
افتراضي

المبحث الثالث

الشِّرك و مناقضته لعقيدة التوحيد، وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: تعريف الشرك .
المطلب الثاني: الشرك أول انحراف حصل في الأمم .
المطلب الثالث: خطورة الشرك .
المطلب الرابع: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر .
المطلب الخامس: شرك المشركين الأولين، وشرك أهل زماننا .
المطلب السادس: من أنواع الشرك المتفشِّية في الأمة الإسلامية .
المطلب السابع: من الأسباب التي أدت إلى انتشار الشرك في بلاد الإسلام تعظيم القبور وتشييدها والبناء عليها .


المطلب الأول
تعريف الشرك
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « الشرك : هو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه أو يرجوه أو يحبه كما يحب الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة ، فهذا هو الشرك الذي لا يبقى مع صاحبه من التوحيد شيء »[ " مجموعة كتب و رسائل الشيخ " (1/192)] .
وقال حفظه الله: « المراد بالشرك هنا ما استقر في القرآن والسنة وعرفه المسلمون، وهو الشرك الأكبر المطلق، وهو اتخاذ أنداد مع الله يستغاث بهم ويذبح لهم ويتقرب إليهم ويصرف لهم حق الله من العبادات التي أمرهم الله أن يعبدوه بها ويخلصوا بها الدين لله »[ " المرجع السابق " (6/62)] .

المطلب الثاني

الشرك أول انحراف حصل في الأمم
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« التوحيدُ الثاني الذي يُفيدُ العبادة، القرآنُ مليءٌ به وما بُعِثَتْ الرُّسل من أوَّلهم إلى آخرهم إلَّا من أجله.. .
فكانت الأممُ تنحرفُ وتَضِلُّ في توحيد العبادة، من أوَّل انحرافٍ بدأ في قوم نوحٍ إلى آخرهم، إلى قيام الساعة، أكثر ما يأتي الانحرافُ في هذا التوحيد، والشيطان يَجْلبُ بخيله ورَجْله على بني آدم الذي آلى على نفسه ليغوينَّهم وليأتينَّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن شمائلهم..، فهو يركض في هذا الميدان أحرص ما يستطيع، ويكفيه أن يعبث بكثير من الناس أو أكثرهم ليصيِّرهم من عبيده، لأنهم يطيعونه في دعوته، ويلبُّون دعوته إلى الشرك بالله فيعبدونه؛ كما قال تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}[ يس: 60 ـ 61]، فالضَّلال ـ كما قدَّمنا ـ يقع في هذا التوحيد الذي يمثل قسمًا كبيرًا من القرآن »[ " المرجع السابق " (1/24-25) ] .
و قال حفظه الله:« ترى دعوات الأنبياء جميعًا كما بين الله ذلك في كتابه ؛ أول شيء يبدءون به: إصلاح العقيدة ، إصلاح ما أخلُّوا به في باب توحيد العبادة ، إذ الشيطان دبَّر أول مكيدة لبني آدم – بعد تدبيره لأبيهم آدم حيث أوقعه في أكل الشجرة – المكيدة الكبيرة التي كاد بها البشر كانت في توحيد العبادة ، إذ زيَّن لقوم نوح – عليه الصلاة والسلام – أن يتعلقوا بأشخاص صالحين ، وأن يصوروا لهم تماثيل ، فصوروا لهم تماثيل ، فلما فَنِيَ الجيل الذي يعرف هؤلاء الأشخاص ؛ جاءهم الشيطان مرة أخرى وقال : ما نُصبت هذه التماثيل لهؤلاء الصالحين إلا لتُعبَد ، واستمر نوح - عليه الصلاة والسلام - يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، كما قص الله ذلك في كتابه العزيز.. .
وهكذا كلما يأتي نبي ينقذ الله به من ينقذ من بني آدم فلا تمر فترات قصيرة إلا ويأتي الشيطان ويكيدهم نفس المكيدة التي كاد بها قوم نوح ، واستمر على هذه المكايد وسيستمر إلى يوم القيامة » [ " المرجع السابق " (1/62) ] .
المطلب الثالث
خطورة الشرك
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله مُبيِّنًا خطورة الشرك بالله:« لا نعرف منكرًا أكبر من هذا المنكر، ولا إلحادًا يفوق هذا الإلحاد، يجب أن يُحَارب، يجب على المسلمين أن يُشَمِّروا عن ساعد الجِّد في طلب العلم، ويفهموا القرآن كما فهمه الرَّسول، وفهمه الصَّحابة الكرام والسَّلف الصالح، وتتظافر الجهود هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها بين طُلاَّب العلم في إزالة هذا الباطل من أذهان المسلمين ومن بقاع المسلمين ومن حياة المسلمين.. .
فعلى شباب الأُمَّة أن يدرك خطورة الشِّرك والبدع والضَّلالات »[ " المرجع السابق " (1/116)] .
وقال حفظه الله:« الله هو الذي يمتلك حقَّ التحليل والتحريم والتشريع وحده سبحانه وتعالى؛ إذ هو الربُّ الخالق، البارئ، المصوِّر، الذي خلق هذا الكون ودبَّره، وخلق الجنَّ والإنس لعبادته، فالحقُّ التشريعي له سبحانه وتعالى، فحرَّم الشرك به؛ أول المحرمات و أعظمها و أخطرها : الشرك بالله تبارك وتعالى؛ ذلكم الذنب العظيم الذي تهتزُّ له السماوات والأرض، بل تكاد تتفطَّر وتكاد تنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هدًّا منه، ذلكم الذنب الذي لا يغفره: { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }[النساء: 116] ، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، فهذا ذنب لا يُغفَر، فيجب على البشرية جميعًا أن يخلصوا الدين لله وأن يعبدوه وحده ». [ " المرجع السابق " (2/459)] .
وقال حفظه الله بعد أن ساق عددًا من الآيات التي فيها الأمر بالتوحيد و النهي عن الشرك:« في هذه الآيات، تحذير الله- تبارك وتعالى- من الشرك، فإنه أعظم الذنوب، وأعظم الظلم، الله يتهدد عباده بأنهم إذا وقعوا في الشرك ليحبطن أعمالهم، يقولها للأنبياء! إذا كان هذا الوعيد للأنبياء فكيف بالناس الآخرين...
الشرك يحبط العمل ولو أتيت بأعمال مثل الجبال وأشركت بالله عز وجل لذهبت هباء، كل هذه الأعمال تذهب كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} [الفرقان: 23] .
فلنحذر الشرك كبيره وصغيره، دقيقه و جليله..لأن عاقبة الشرك الخلود في النار .
قال عز وجل: { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }[النساء: 116]، وقال سبحانه حاكيًا عن لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].. لا يتصوره العقل، ولا تدركه الخواطر، عظيم! عظيم في غاية العظمة! والذي يستحق صاحبه الخلود في النار أبد الآبدين »[ من كتاب الشيخ " نفحات الهدى والإيمان من مجالس القرآن " (ص113- 114)] .

المطلب الرابع

الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر
سُئل العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: هل هناك ضابطٌ يُفَرَّقُ به بين الشِّركين الأكبر والأصغر؛ فإني قرأت كثيرًا في كتب التوحيد؛ فإذا جاءوا إلى تعريف الشِّرك الأصغر لم يزيدوا على ذكر الأمثلة ولا يذكرون ضابطًا يُعرف به الشِّرك الأصغر؟
فأجاب حفظه الله:« الأمثلة هي التي تبين لك الفَرْق، الشِّرك الأكبر هو الذي ينافي أصل التوحيد، ينافي « لا إله إلا الله » والشرك الأصغر هو الذي ينافي كمالها، كمال التوحيد، وقد بدأ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتابه " كتاب التوحيد " على هذا الأصل، بدأ بما ينافي أصل التوحيد ثم أتبعه بما ينافي الكمال من الحَلِف بغير الله ومن الرِّياء، وما شاكل ذلك، هذا هو الضابط، تَعَلُّق التميمة إذا كان ما فيها تعظيم، وما شاكل ذلك.. »[ " مجموعة كتب ورسائل الشيخ" (1/134)] .

المطلب الخامس

بين شرك الأولين، وشرك المتأخرِّين و المعاصرين
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« تلك الحقائق التي كان يعترف بها مشركوا العرب كما أخبر الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس : 31]؛ فهم يعترفون بأنَّ الله هو خالق هذا الكون وسيِّده ومدبِّره ومنظمه، وأنَّ هذه الآلهة لا تملك شيئًا ولا تعلم الغيب، ولا تتصرَّف في الكون، ولا في شيء منه، وإنما يعبدونها لأنها تقرِّبهم إلى الله زلفى!! فهم يعترفون بأنَّ دعوتهم عبادة، وأنَّ الذَّبح لهم عبادة، وأنَّ الاستغاثة بهم عبادة...
ولكن هؤلاء الضُّلاَل من المنتسبين للإسلام لا يعترفون بأنَّ هذه الأمور من العبادات؛ فهم أكثر مغالطةً من المشركين، وأكثر تلبيسًا على عوام المسلمين من المشركين الأولين؛ لأنَّ المشركين إذا وَاجَهْتَهُم بهذه العقائد يعترفون، أمَّا هؤلاء فيجعلون مع الله شركاء في تدبير الكون من الأقطاب! والأوتاد! و الغوث..» [ " المرجع السابق" (1/98)] .
وقال حفظه الله:« إذا كان لا معبود بحق إلا الله فمعناه أنَّه لا ندعو إلاَّ الله، ولا نستغيث إلاَّ به، ولا نلجأ ولا نَضرَع في الشَّدائد إلاَّ إليه وحده؛ وحتى المشركين كان هذا المعنى يقوم في نفوسهم إذا هم واجهوا الصِّعاب، وواجهوا المشاكل، وواجهوا الأحداثَ الخطيرة التي لا يستطيعون حلَّها، ويعتقدون في قرارة أنفسهم أنَّ معبوداتهم لا تملك حلاًّ في مثل هذه الظروف ولا حلاًّ لهذه المشاكل، يقول الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}[العنكبوت : 65]، { قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }[الأنعام : 40-41] .
هذه الحقيقة قرَّرَها الله، وهم لا ينكرونها أبدًا، وما أكثر ما يواجهونها في الأحداث إذا جاءت الأحداث الغريبة ينسون الأصنام، وينسون اللاَّت، وينسون العُزَّى، وينسون الملائكة، وينسون الأنبياء، وينسون الصَّالحين، وينسون الكواكب، وينسون كلَّ ما يعبدونه من دون الله ـ تبارك وتعالى ـ، وتتعلَّق قلوبهم بالله وحده، وتتجه إلى الله وحده مخلصين له الدِّين، ويوقنون في قرارة أنفسهم أنه لا يُنقذهم من هذه الشِّدَة إلا ـ الله تبارك وتعالى ـ؛ ولهذا ما قالوا: والله أنت كذَّاب أبدًا، أَقرُّوا واعترفوا، ما جادلوا في هذا ولا مَارَوْا في هذه الحقيقة؛ لأنها قضية واقعة متقرِّرة كما قرَّرها الله ـ تبارك وتعالى ـ، ومما يُؤسَف له أنَّه لمَّا استشرى داء الفتنة فتنة الشِّرك ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، واللجوء إلى غير الله في الشَّدائد، بلغ الأمر بكثيرٍ ممن ينتمي إلى الإسلام من عُبَّاد القبور أنَّه في الشِّدة ينسى الله ويتجه إلى عبد القادر والبدوي وإلى الرفاعي، وإلى الدسوقي وإلى العيدروس، وإلى المعبودات من دون الله ـ تبارك تعالى ـ؛ وهذه الأخبار متواترة عن كثير من هؤلاء الضُّلاَّل »[ " المرجع السابق" (1/167- 169)] .
المطلب السادس
من أنواع الشرك المتفشِّية في الأمة الإسلامية
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« ومن أعظم ما وقع فيه كثيرٌ من المسلمين شرك الدُّعاء والذَّبح والنَّذر، وهذه من صميم العبادات؛ فالتقرُّب إلى الله بها تقرب بأعظم العبادات، والتقرُّب إلى غيره بها من أعظم وأكبر أنواع الشِّرك بالله؛ ولهذا يُكَفِّر الله ويُضَلِّل من يدعو غيره، هذه الحقيقة ما عرفها كثيرٌ من ضُلاَّل المسلمين من الرَّوافض وأصحاب الطُّرق الصوفية الذين يستغيثون بغير الله في الشَّدائد، ويعتقدون في الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، يعتقدون فيهم أنهم يستجيبون الدَّعوات، ويكشفون الكُرُبات، ويعلمون الغيوب ويتصرَّفون في هذا الكون؛ فيقعون في أعظم أنواع الشِّرك في الألوهية والرُّبوبية ـ والعياذ بالله ـ .
ويزعم لهم الشيطان أنَّ هذا هو الدِّين! وهذا هو الإسلام! وأنَّ ما خالفه ولو كان في القرآن فهو الضَّلال!..
إلى أن قال حفظه الله:« الشاهد أنَّ قضايا الدَّعاء والذبح والنذر والاستغاثة من أعظم ما نُكِبَ به المسلمون، وكاد لهم أعداء الله هذه المكائد، وزيَّنُوا لهم هذا الكفر وجعلوه من أعظم القُرُبات، ومن أعظم أسباب كشف الكروب والنَّجاة في الدنيا والآخرة »[ " المرجع السابق" (1/97- 99) ] .
المطلب السابع
من الأسباب التي أدت إلى انتشار الشرك في بلاد الإسلام تعظيم القبور وتشييدها والبناء عليها
يقول العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« أمَّا أهل السنَّة ما كانوا يعرفون البناء على القبور، إنَّما ابتدع هذه البدعة الرَّوافض، ثم ورثها منهم باطنية الصوفية الذين ظاهرهم التصوُّف والتسنن وفي باطنهم زندقة وإلحاد ورفض ـ مع الأسف الشديد ـ، فهؤلاء تتَّبعوا القبور وبنوا عليها وشيَّدوها وشدُّوا الرِّحال إليها، وأقاموا الاحتفالات والأعياد ...إلى آخر الأباطيل والضَّلالات التي يعيشها أكثر المسلمين اليوم، كلُّ ذلك تسرَّب إليهم عن طريق الرَّوافض العُبيديين الذين قال فيهم علماء الإسلام: ظاهرهم الرَّفض وباطنهم الكفر المحض، هؤلاء هم الذين سَنُّوا هذه السنَّة الخبيثة، ثم بعد ذلك انتشرت عبادة القبور وتشييد القبور على أيدي الصوفية في العالَم الإسلامي؛ حتى هذه الجزيرة انتشرت فيها القبور، وعبادة القبور، والذَّبح للقبور، وشد الرِّحال إليها، والحلف بها، والاستغاثة بها...، إلى آخر ما تشاهده الآن في البلدان الأخرى . » [" المرجع السابق" (1/158-159)].
...........يتبع إن شاء الله .
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 17 May 2017, 07:31 PM
أبو حفص محمد ختالي السوقي أبو حفص محمد ختالي السوقي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
الدولة: جنوب الجزائر // المنيعة
المشاركات: 99
افتراضي

بارك الله فيكم الشيخ إبراهيم وجزاكم الله خيرا على هذه المباحث، التي فعلا تلخص جانبا من جوانب جهود شيخنا العلامة الشيخ ربيع حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية.
أسأل الله - عز وجل - لكم التوفيق والسداد والإعانة والمزيد من الجهود
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 17 May 2017, 07:44 PM
عبد القادر شكيمة عبد القادر شكيمة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2015
الدولة: الجزائر ولاية الوادي دائرة المقرن
المشاركات: 315
افتراضي

جزاك الله خيرا شيخ إبراهيم على برك بالوالد الكبير الشيخ ربيع
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 18 May 2017, 04:42 PM
إبراهيم بويران إبراهيم بويران غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركات: 313
افتراضي

جزيتما خيرا أخوي الكريمين محمد السوفي و الشيخ الدكتور عبد القادر شكيمة على مروركما، بارك الله فيكما و أحسن إليكما، و لا يفوتني أن أهنئك أخي الفاضل الشيخ عبد القادر على حصولك على الدكتوراه التي أنتم أحق بها و أهلها أسأل الله أن ينفعك و الدعوة السلفية بها، وفقك الله في حياتك العلمية و الدعوية .
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 19 May 2017, 06:31 AM
عبد القادر شكيمة عبد القادر شكيمة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2015
الدولة: الجزائر ولاية الوادي دائرة المقرن
المشاركات: 315
افتراضي

بارك الله فيك شيخ إبراهيم على تهنئتك وكما لا يفوتني أنا كذلك أن أهنئك أن رزقك الله ولدا أسأل الله جل وعلا أن يبارك لك فيه ويجعله من حملة العلم الربانيين
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, متميز

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013