منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 22 Oct 2016, 02:09 PM
يوسف صفصاف يوسف صفصاف غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: اسطاوالي الجزائر العاصمة
المشاركات: 1,199
إرسال رسالة عبر MSN إلى يوسف صفصاف إرسال رسالة عبر Skype إلى يوسف صفصاف
افتراضي خدمة آل أبي بكر لدين الإسلام (الهجرة أنموذجا)

خدمة آل أبي بكر لدين الإسلام
(الهجرة أنموذجا)
الحمد لله الذي خلق الخلق، وبعث الرسل بالحق، لهداية العباد إلى دين الصدق، لدعوة الناس إلى التوحيد، حق الله على العبيد، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل 36].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد الذي بعثه الله تعالى إلى هذه الأمة، منة من الله ونعمة {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران 164].
بعثه داعيا الناس إلى دين الله الإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران 19]، دين الإسلام الذي نسخ الله به جميع الشرائع قبله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران 85]، دين الإسلام رضيه الله تعالى لعباده وأتمه وأكمله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة 3].
وإن هذا الدين سخر الله له تعالى رجالا خدموه، بل رجالا ماتوا لأجل إعلاء رايته، رجالا بذلوا الغالي والنفيس لأجل إتمام هذا الأمر العظيم، من كل زمن يختار الله تعالى رجالا وأقواما يدافعون، وينافحون، ويذبون، عن هذا الدين القويم، يجدد الله بهم الدين ويعلي بهم كلمته، روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
ولابد أن ينصرف ذهن أحدنا إلى أولئك الأقحاح الأوائل، إلى أولئك الرجال البواسل، إلى صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين، قوم هم خير هذه الأمة، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، قوم اختارهم الله تعالى لنصرة ومؤازرة وتأييده {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص 68].
ومن هؤلاء الرجال المرضيين : من برز ونال من الفضائل ما لم ينله غير -إذ إن التفاضل ظاهر بينهم مع جلالة كلهم جملة وتفصيلا- إنه صديق هذه الأمة : أبو بكر رضي الله عنه، وما أدراكم ما أبو بكر، أحب الرجال إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، مبشر بالجنة، بل سيد كهول أهل الجنة، يدعى من كل أبوابها، رفيق الهجرة، قسيم المحنة.
أبو بكر خدم الإسلام خدمة عظيمة يشهد له بهذا سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، عاصب رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : "إنه ليس من الناس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد ، غير خوخة أبي بكر".
نعم، موضوع صار من أهم ما يهتم به في زمن صار أهله لا يعرفون لهذا الرجل قدره، في زمن صار يسب فيه هذا الرجل وانتهك عرضه، بل سلب فيه دينه وإيمانه حتى صار صنم قريش، كما كذبت وافترت الروافض الأرجاس الأنجاس عليهم من الله ما يستحقون.
فقياما بواجب الدفاع والذب اتجاه هذا الرجل العظيم، الذي أعز الله به الدين في زمن عظيم، زمن الردة -روى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علي بن المديني، قال : إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث : أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة- نكتب هذه الأسطر القليلة عسى الله أن ينفعنا بها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وفي هذه الأسطر نقف مع نبذة يسيرة من حياة أبي بكر نبرز من خلالها جهوده وخدمته العظيمة لدين الإسلام، وذلك من خلال بيان خدماته للنبي صلى الله عليه وسلم خلال طريق الهجرة إلى المدينة، حيث قام بأعظم الأعمال والمواقف في هذا الوقت العصيب، والأعظم من ذلك أنه شارك في خدمة الإسلام في هذا الوقت هو وأهله، بل حتى خدمه، فرضي الله عنهم أجمعين.
ونعتمد في سياق قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى على الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من طريق عائشة رضي الله عنها، وما كان من زيادة مهمة في غير هذه الرواية نضيفها إليه ونركبها في موضعها المناسب.
ونبدأ ببيان فضائل وجهود آله من أزواج وأبناء وموالي، ونرجئ ما يتعلق به لكثرتها.
نسأل الله التوفيق والسداد.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى : حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : لم أعقل أبوي قط، إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، بكرة وعشية.
فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال : أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم، وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك.
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق.
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا : لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره.
ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل.
والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين : "إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين" وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة.
وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال : "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط، أربعة أشهر.
قال ابن شهاب، قال : عروة، قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : "أخرج من عندك". فقال أبو بكر : إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله، قال : "فإني قد أذن لي في الخروج" فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نعم"، قال أبو بكر : فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بالثمن". قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين.
قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا، يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.
ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي، هاديا خريتا، والخريت : الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.
[وعن البراء بن عازب قال : قال أبو بكر : " أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلا فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، قال : ففرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة معي، ثم اضطجع عليها النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته : لمن أنت يا غلام؟ فقال : أنا لفلان، فقلت له : هل في غنمك من لبن؟ قال : نعم، قلت له : هل أنت حالب؟ قال : نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت له : انفض الضرع، قال : فحلب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة، قد روأتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت : اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رضيت، ثم ارتحلنا والطلب في إثرنا].
[وله من حديث أنس قال : أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله شاب لا يعرف، قال : فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : يا أبا بكر : من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل.
قال : فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق وإنما سبيل الخير].
قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم، أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش، يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، دية كل واحد منهما، من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال يا سراقة : إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه.
قال سراقة : فعرفت أنهم هم، فقلت له : إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها : أضرهم أم لا؟، فخرج الذي أكره.
فركبت فرسي، وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، [وله عن أنس قال : فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال : يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : "اللهم اصرعه" فصرعه الفرس] ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة، إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني، إلا أن قال : "أخف عنا". فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن شهاب، فأخبرني عروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشأم، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض.
وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون.
فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار -ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر، لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته : "هذا إن شاء الله المنزل".
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدا، فقالا : لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول، وهو ينقل اللبن :
"هذا الحمال لا حمال خيبر *** هذا أبر ربنا وأطهر"
ويقول :
"اللهم إن الأجر أجر الآخره *** فارحم الأنصار، والمهاجره"
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب : ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت.
بيان فضائل وجهود أبي بكر خلال فترة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
1 _ زوجته رضي الله عنها :
_ اعتنقت دين الإسلام مع زوجها من أول الأمر، حيث قالت عاشئة رضي الله عنهم : "لم أعقل أبوي قط، إلا وهما يدينان الدين".
2 _ عائشة رضي الله عنها :
_ عائشة تجهز راحلتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، قالت رضي الله عنها : "فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب".
3 _ أسماء رضي الله عنها :
_ أسماء تقطع من نطاقها لربط الجراب، قالت عائشة رضي الله عنها : "فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين".
4 _ عبد الله رضي الله عنه :
_ عبد الله يبت حارسا على النبي صلى الله عليه وسلم عند الغار، ويأتيه بأخبار قريش، قالت عائشة رضي الله عنها : "ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا، يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام".
5 _ عامر بن فهيرة مولى أبي بكر :
_ عامر يرعى الغنم ويهيء الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها : "ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث".
6 _ أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
وما يتعلق بأبي بكر في هذه القصة نوعان :
1 _ فضائل عظيمة.
2 _ خدمات للنبي صلى الله عليه وسلم كبيرة.
من فضائل أبي بكر رضي الله عنه
_ أبو بكر يريد الهجرة إلى الحبشة فرارا بدينه، قالت رضي الله عنها : "فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة"، وقال عن نفسه لابن الدغنة : "أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي".
_ أبو بكر صاحب الأخلاق الكريمة، قال ابن الدغنة : "فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم، وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك".
_ أبو بكر مداوم على العبادة والطاعة وذكر الله مع صعوبة الموقف آنذاك، قالت عائشة رضي الله عنها : "فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن".
_ أبو بكر قوي التوكل على ربه، قال أبو بكر رضي الله عنه : "فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل".
_ أبو بكر يجهز نفسه للهجرة إلى المدينة فرارا بدينه فجاءته بشرى الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها : "وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال : "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط، أربعة أشهر".
_ أبو بكر يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بأمه وأبيه، قالت عائشة رضي الله عنها : "فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر".
من خدمات أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة
_ أبو بكر يقدم راحلته للنبي صلى الله عليه وسلم ليهاجر عليها، قال أبو بكر : "فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بالثمن"".
_ أبو بكر يهيئ مكان مقيل النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر : "أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلا فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، قال : ففرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة معي، ثم اضطجع عليها النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت أنفض ما حوله".
_ أبو بكر يحضر غذاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال رضي الله عنه : "فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته : لمن أنت يا غلام؟ فقال : أنا لفلان، فقلت له : هل في غنمك من لبن؟ قال : نعم، قلت له : هل أنت حالب؟ قال : نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت له : انفض الضرع، قال : فحلب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة، قد روأتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت : اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
_ أبو بكر يستعمل التورية مع الناس خوفا على النبي صلى الله عليه وسلم، قال أنس رضي الله عنه : "أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله شاب لا يعرف، قال : فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : يا أبا بكر : من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل.
قال : فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق وإنما سبيل الخير".
_ أبو بكر شديد الخوف على النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يكثر الالتفات في سيره، قال سراقة رضي الله عنه : "فركبت فرسي، وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات".
_ أبو بكر يظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه، قال عروة بن الزبير : "فطفق من جاء من الأنصار -ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك".
بعد هذا يتبين لكل ذي لب أن حق هذا الرجل كبير على هذه الأمة وأن فضله عظيم، حقه أن يترضى عنه وأهله، حقه أن يدافع عنه ويذب عن عرضه، حقه أن تبين فضائله للخلق عامة والمسلمين خاصة، حقه أن يحب.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وارض اللهم عن أبي بكر وآله وبيقة الأصحاب، وارض عنا واغفر لهم ولنا.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
والحمد لله رب العالمين.
يوسف صفصاف
21 المحرم 1438
22 أكتوبر 2016

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22 Oct 2016, 07:19 PM
شعبان معتوق شعبان معتوق غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
الدولة: تيزي وزو / معاتقة.
المشاركات: 330
افتراضي

رضي الله عن أبي بكر الصديق و عن سائر الصحابة، جزاك الله خيرًا أخي يوسف على اختيارك لهذا الموضوع.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23 Oct 2016, 12:20 PM
يوسف صفصاف يوسف صفصاف غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: اسطاوالي الجزائر العاصمة
المشاركات: 1,199
إرسال رسالة عبر MSN إلى يوسف صفصاف إرسال رسالة عبر Skype إلى يوسف صفصاف
افتراضي

بارك الله فيك أخي شعبان.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23 Oct 2016, 01:40 PM
أبو الحسن نسيم أبو الحسن نسيم غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2015
الدولة: الجزائر العاصمة
المشاركات: 391
افتراضي

بارك الله فيك أخي يوسف على هذا الجمع الطيب،زادك الله من فضله.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24 Oct 2016, 11:19 AM
يوسف صفصاف يوسف صفصاف غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: اسطاوالي الجزائر العاصمة
المشاركات: 1,199
إرسال رسالة عبر MSN إلى يوسف صفصاف إرسال رسالة عبر Skype إلى يوسف صفصاف
افتراضي

حفظكم الله أستاذنا الحبيب
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25 Oct 2016, 07:52 AM
أبو البراء
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

مقالة مسدَّدة عرضًا واختيارًا، بارك الله فيك أخي يوسف.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26 Oct 2016, 11:59 AM
يوسف صفصاف يوسف صفصاف غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2012
الدولة: اسطاوالي الجزائر العاصمة
المشاركات: 1,199
إرسال رسالة عبر MSN إلى يوسف صفصاف إرسال رسالة عبر Skype إلى يوسف صفصاف
افتراضي

وفيكم يبارك الله الشيخ خالد جزاكم الله خيرا.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز, أبوبكرالصديق, صحابة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013