منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 06 Jun 2015, 06:14 PM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي يا طالب العلم: اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ

يا طالب العلم اتخذ نعلين من حديد


الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:



فإننا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف، ونتبين مواقعها من العظم،و نعلم أيٌ أحق منها بالتقديم، وأسبق في استيجاب التعظيم،وجدنا العلم أولاها بذلك،وأولها هنالك، إذ لا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا وهو الدليل عليه، ولا منقبة إلا وهو ذروتها وسنامها، ولا مفخرة إلا وبه صحتها وتمامها، ولا حسنة إلا وهو مفتاحها، ولا محمدة إلا ومنه يُتقد مصباحها، هو الوفي إذا خان كل صاحب، والثقة إذا لم يوثق بناصح، لولاه لما بان الإنسان من سائر الحيوان إلا بتخطيط صورته، وهيئة جسمه وبنيته، لا ، ولا وُجد الى اكتساب الفضل طريقا، ولا وُجد بشيئ من المحاسن خليقا ، ذاك وأنا وإن كنا لا نصل الى اكتساب فضيلة إلا بالفعل، وكان لا يكون فعل إلا بالقدرة، فإنا لم نر فعلا زان صاجبه وأوجب الفضل له، حتى يكون عن العلم صدرُه، وحتى يتبين منه ميسمه وأثره، ولم نر قدرة قط كسبت صاحبها مجدا وأفادته حمدا، دون أن يكون العلم رائدها فيما تطلب، وقائدها حيث يؤم ويذهب ،ويكون المصرف لعنانها ، والمقلب لها في ميدانها ،فهي إذن مفتقرة الى أن تكون فضيلة إليه ،وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه ،وإذا هي خلت من العلم أو أبت أن تمتثل أمره ، وتقتفي أثره ورسمه ،آلت ولا شيئ أحشد للذم على صاحبها منه ،ولا شين أشين من أعماله لها. [دلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني ص 4-5]

ثم إن المتأمل في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجد أن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ولابد لطالبها من بذل ثمنها في هذه الدار:

واعمل لدار غدا رضوان خازنها:::والجار أحمد والرحمن ناشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها:::والزعفران حشيش نابت فيها

ومن أعظم الطاعات وأزكى القربات بعد الفرائض الواجبات طلب العلم الشرعي من معينه الصافي؛ فهلم بنا نتجول في حدائق فضله وعلياء شرفه و نشنف الأسماع بعذوبة همسه وحسن لحنه ونقر العين ببهاء رسمه وجميل أثره ونروي الكبد بنماذج الرجال في الصبر على طلبه والبذل في سبيل نيله :

قال الله تعالى " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط") آل عمران :18)

قال ابن السعدي رحمه الله في تفسيره:

وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه.انتهى.

وهذه الآية كتب فيها ابن القيم رحمه الله بحثاً حافلاً بين فيه دلالتها على فضل العلم من وجوه كثيرة جداً، تربوا على مائة وخمسين وجهاً، في كتابه القيم مفتاح دار السعادة ص131 فليراجعه من أراد الاستزادة والاستفادة.

وقال جل وعلا" "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا"( طه:114)

قال البغوي رحمه الله في معالم التنزيل:

يعني بالقرآن ومعانيه . وقيل : علما إلى ما علمت؛ وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : اللهم رب زدني علما وإيمانا ويقينا.
قال ابن عيينة ، رحمه الله : ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة [ من العلم ] حتى توفاه الله عز وجل .
قال ابن القيم رحمه الله:وكفى بهذا شرفا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه.

ويقول الله جل وعلا "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"( المجادلة:11)

قال القرطبي في هذه الآية: قال ابن عباس: خُير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه.

وقوله تعالى" إنما يخشى الله من عباده العلماء" (فاطر:28)

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله:

فكل من كان باللّه أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية اللّه، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية اللّه، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.


و قوله تعالى " يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اْلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِيْنَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيْعُ الْحِسَابِ" (المائدة: 4)

قالَ الإمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رحمه الله فِي (مفتاح دار السعادة)(1 / 55):" إنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَل صَيْدَ الكَلْب الْجَاهلِ مَيتةً يَحْرُمُ أكلُها‍! و أبَاحَ صَيْدَ الكَلْبِ الْمُعَلَّم، وهَذا مِنْ شَرَف العِلْمِ: أنَّهُ لاَ يُبَاحُ إلا صَيْدُ الكَلبِ العَالِمِ.

وروى علي بن حرب، وسمعت سفيان بن عيينة في قوله: [ والشهداء والصالحين ] [ النساء: 69 ] قال: الصالحون: هم أصحاب الحديث.[ السير (8/469) ]

قال السعدي رحمه الله في قوله تعالى:

{ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ْ} أي: العلماء الربانيون { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ْ} أي: يوم القيامة { وَالسُّوءَ ْ} أي: العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ ْ} وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارا عند الله وعند خلقه.

وقال ايضا في تفسيره لقوله تعالى في سورة الكهف " وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم.

وقد دلت هاتان الآيتان، على عدة فوائد.

منها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه، لكون الله بعثهم لأجل ذلك.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَن سلَك طريقًا يطلُبُ فيه عِلمًا سلَك اللهُ به طريقًا مِن طُرقِ الجنَّةِ والملائكةُ تضَعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ وإنَّ العالِمَ يستغفِرُ له مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ والحِيتانُ في الماءِ وفَضْلُ العالِمِ على العابِدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ إنَّ العلماءَ ورَثةُ الأنبياءِ إنَّ الأنبياءَ لَمْ يُورِثوا دينارًا ولا دِرهمًا وأورَثوا العِلْمَ فمَن أخَذه أخَذ بحظٍّ وافر"
قال أبو حاتم الرازي :سمعت ابن أبي أويس يقول: سمعت مالك بن أنس يقول : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "تضع أجنحتها"يعني : تبسطها بالدعاء لطالب العلم، بدلا من الأيدي. [مفتاح دار السعادة (64/1)]

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بطلبة العلم كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصينا بكم يعني طلبة الحديث.[السلسلة الصحيحة280 ].

و أرعني أخي القارئ سمعك وبصرك وقلبك ولبك لنقرأ هذا الحديث العظيم الفائدة الجليل القدر؛ فعن صَفْوَانُ بن عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ قال أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وَسَلَّمْ وهو مُتَّكِئٌ في الْمَسْجِدِ على بُرْدٍ له فقلت له يا رَسُولَ اللَّهِ إني جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ فقال مَرْحَبًا بطالبِ الْعِلْمِ طَالِبُ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا حتى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا من حُبِّهِمْ لما يطلب. [السلسلة الصحيحة3397]

وقال صلوات ربي وسلامه عليه:من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. [صحيح الترغيب والترهيب 88 ]

ومن أعظم أسباب رزق العبد طلب العلم الشرعي فقد كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية يحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ومجلسه والآخر يحترف فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله:إن هذا أخي لايعينني بشيء فقال صلى الله عليه وسلم: لعلك ترزق به. [ السلسلة الصحيحة2769 ]

روى الخطيب وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال:
تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يحسنه صدقة، وبذله لأهله قربة، به يعرف الله ويعبد وبه يوحد، وبه يعرف الحلال من الحرام، وتوصل الأرحام، وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على السراء والمعين على الضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وسادة يقتدى بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم، وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها والعلم حياة القلوب من العمى ونور للأبصار من الظلم، وقوة للأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى التفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وهو إمام للعمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء. [مفتاح دار السعادة ) 120/1)]

وقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : " مَنْ رَأَى الْغُدُوَّ وَالرَّوَاحَ إِلَى الْعِلْمِ لَيْسَ بِجِهَادٍ فَقَدْ نَقَصَ عَقْلُهُ وَرَأْيُهُ.[مفتاح دار السعادة (71/1)]

وَجَاء عَن بعض الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم إِذا جَاءَ الْمَوْت طَالب الْعلم وَهُوَ على هَذِه الْحَال مَاتَ وَهُوَ شَهِيد.[مفتاح دار السعادة (71/1)]

روي عن عبد الله بن مسعود :أنه كان يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: مرحبا بينابيع الحكمة ومصابيح الظلم خلقان الثياب جدد القلوب حبس البيوت ريحان كل قبيلة. [جامع بيان العلم وفضله ( 256/1)]

عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يرفعني على السرير، فتغامزت بي قريش، فقال ابن عباس: هكذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة. [السير (118/5)]

قال ابن عيينة رحمه الله: من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل. [مفتاح دار السعادة(71/1)]

وقال أيضا: ارْفَعْ النَّاس عِنْد الله منزلَة من كَانَ بَين الله وَبَين عباده وهم الرُّسُل وَالْعُلَمَاء. [مفتاح دار السعادة (119/1)]

قال سفيان الثوري: ما من عمل أفضل من طلب العلم, إذا صحت النية. [مفتاح دار السعادة ( 178/1)]

وقد صح عن الإمام الزهري - رحمه الله - أنه قال:مَا عُبِدَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْفِقْهِ. [مفتاح دار السعادة( 119/1)]

قال الإمام ابن القيم رحمه الله مبيّناً أهمية ومنزلة العلم كما في مدارجه (439_440/2) :
" هو تركة الأنبياء ، وأهله عصبتهم وورّاثهم ، وهو حياة القلوب ، ونور البصائر ، وشفاء الصدور ، ورياض العقول ، ولذة الأرواح ، وأنس المستوحشين ، ودليل المتحيرين ، وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال ، وهو الحكم المفرق بين الشك واليقين ، والغي والرشاد ، والهدى والضلال.
به يعرف الله ويعبد ، ويذكر ويوحّد ، ويحمد ويمجد ، وبه اهتدى إليه السالكون ، ومن طريقه وصل إليه الواصلون ، ومن بابه دخل عليه القاصدون.
به تعرف الشرائع والأحكام ، ويتميّز الحلال من الحرام ، وبه توصل الأرحام ، وبه تعرف مراضي الحبيب ، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب.
وهو إمام والعمل مأموم ، وهو قائد والعمل تابع ، وهو الصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة ، والأنيس في الوحشة ، والكاشف عن الشبهة ، والغني لا فقر على من ظفر بكنزه ، والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه.". اهـ

قال العلامة الوادعي رحمه الله:ما أحسن العلم ، أحسن من الذهب والورق، وأحسن من النساء الجميلات، و أحسن من المُلك.[نبذة مختصرة ص 21 ]

وقال أيضا: "لو أعطيت مليوناً في كلّ شهر على أن أترك طلب العلم ما قبلت ، بل لو أعطيت ملئ هذا المسجد ذهبا لما قبلت "

وقال رحمة الله عليه: طالب علم عندي يساوي الدنيا. [رحلات دعوية ص111]

و هذا الإمام الربيع حفظه الله- يقول عن نفسه :
" وأنا الآن قدمي على عتبة القبر ، لا أُريد من الدنيا شيئاً،ولا أُريد مناصب،ولله الحمد قد رفضت كل هذه الأشياء في عنفوان شبابي،ووالله وأنا طالب علم كنت أقول في نفسي :لو أُعطى منصب أعلى وزير فوالله لا أُقدِّمه على طلب العلم. [كشف الستار (ص104 )]

قال الشيخ العلامة الحافظ حافظ حكمي رحمه الله:

ياطالب العلم لا تبغي به بدلا::: فقد ظفرت ورب واللوح والقلم
وقدر العلم واعرف قدر حرمته::: في العلم والأخلاق والآداب والقيم
واجهد بعزم قوي لانثناء له:::لو يعلم المرء قدر العلم لم ينم


ومما يروى عن الشافعي أنه قال:

يا لهف قلبي على شيئين لو جمعا:::عندي لكنت إذا من أسعد البشر
كفاف عيش يقيني شر مسألة :::وخدمة العلم حتى ينقضي عمري


وقال أيضا ونُسبت كذلك للزمخشري المعتزلي:

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي:::من وصل غانية وطول عناق
وتمايلي طربا لحل عويصة:::أحلى وأشهى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها:::أحلى من الدوكاة والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها:::نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته:::نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي


فإذا تقرر فضل طلب العلم وتحصيله كان لزاما على طالبه التضحية وبذل الغالي والنفيس في سبيله، ومما ورد في تقرير هذا المعنى وتأسيس هذا المبنى ما جاء عن علي رضي الله عنه قال:

قرنت الهيبة بالخيبة: أي من هاب الأخطار خاب عن بلوغ المعالي. . [كتاب الأمثال لأبي الخير الهاشمي]

و قال ابن القيم رحمه الله:
إن المصالح والخيرات لا تنال إلا بحظ من المشقة ولا يعبر اليها إلا على جسر من التعب وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من آثر الراحة فاتته الراحة وبحسب ركوب الأهوال تكون الفرحة واللذة. [مفتاح دار السعادة (15/2)]

و قال أيضا -رحمه الله-:لا يُنال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق الراحة". [مفتاح دارالسعادة142/1]

والحكمة الغابرة تقول :من خاف صعود الجبال عاش طول دهره بين الحفر.

و من نوابغ الحكم ومحاسن الكلم قولهم :لا تفوح رائحة الكعك الزكية إلا حين تمسها حرارة الفرن كذلك أحلامنا لن تنضج مالم تسمها قسوة التجارب.

قال أبوتمام مخاطبا نفسه:

ذريني أنالُ ما لا يُنال من العُلى ::: فصَعْبُ العلى في الصعب والسَّهْلُ في السَّهل
تريدين إدراك المعالي رخيـصة:::ولا بد دون الشهد من إبَر النحـــل


و قال الشاعر رحمه الله:

لولا اضطرام النار في جوف الثرى::: ما كان يعرف طيب عرف العود

وقال غيره:

لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تَلْعَقَ الصَـبِرَا

قال ابن القيم رحمه الله:

يا مخنت العزم اين انت والطريق طريق تعب فيه آدم وناح لاجله نوح ورمى في النار الخليل واضجع للذبح اسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسي وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد تزها انت باللهو واللعب.

فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال

الحرب قائمة وانت اعزل في النظارة فأن حركت ركابك فللهزيمة من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف.[الفوائد 42/1]

وهذه بعض النماذج من سير من سبقنا في حمل الأثقال وركوب الأهوال في سبيل طلب العلم ونشره وتحصيله :

وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَصًا مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ اطْلُبِ الْعِلْمَ وَالْعِبَرَ حَتَّى يَخْتَرِقَ نَعْلَاكَ، أَوْ يَخْلَقَ نَعْلَاكَ وَتَنْكَسِرَ عَصَاكَ». [جامع بيان العلم وفضله ص:399]

قال أبو هريرة –رضي الله عنه-:لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فيقول الناس إنه مجنون وما بي جنون ما بي إلا الجوع.[حلية الأولياء ص379/1 ]

قال سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه-:لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وما لنا طعام إلا ورق الشجر ، حتى يضع أحدنا كما تضع الشاة.[حلية الأولياء (92/1) ]

قال ابن عباس رضي الله عنه :إنه ليبلغني الحديث عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فآتي إليه في بيته في القائلة فأجده قد نام، فأكره أن أوقظه فأتوسد ردائي عند بابـه فتهب الرياح فتسفي عليَّ من التراب، فإذا خرج الرجل إلى الصلاة؛ قال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما الذي أتى بك؟ لـو أخبرتني لأتيتك، فأقـول له: لا أنت أحق أن يؤتى إلـيه ! وإنه بلغني أن عندك حديث كذا فأحب أن أسمعه منك .

وقال شعبة في حديث تعب في الرحلة من أجل أن يتحصل عليه، وانتهى به الأمر إلى أن الحديث من طريق شهر بن حوشب، فقال: أفسده علي شهر، ولو صح هذا لكان أحب إلي من أهلي ومالي وولدي والناس أجمعين. [المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح للعلامة الوادعي رحمه الله ص 174]

قال عكرمة -رحمه الله-:كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل -القيد-، ويعلمني القرآن والسن. [الطبقات الكبرى (287/5) ]

عن سعيد بن جبير قال: ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي.[السير 195/5 ]

رَوَى محمد بن قدامة ، قال:سمعتُ شُجاعَ بن مَخْلَد ، قال : سمعتُ أبا يوسف يقول :مات ابنٌ لي، فلم أحْضُر جِهازَهُ ولا دفنه وتركتُهُ على جيراني وأقربائي ، مخافةَ أن يفوتني من أبي حنيفة شيءٌ لا تَذهَبُ حسْرَتُه عنى. [مناقب أبى حنيفة للإمام الموفق المكى (1/472) ]

قال ابن القاسم -رحمه الله-:أفضى بمالك بن أنس رحمه الله طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه.[ترتيب المدارك للقاضي عياض 31/1]

و دخل هشام بن عمار على مالك بن أنس فقال حدثني وكان من عادة مالك أن يقرأ عليه الطالب ومالك يسمع فقال له مالك: اقرأ فقال لا اقرأ أنت عليه فأعاد عليه مالك فأصر فأمر مالك بضربه فَرب خمسة عشر سوطا فقال له هشام ضربتني بغير حق قال له مالك وما يرضيك لتعفو عني قال له تحدثني خمسة عشر أحاديث فلما حدثه مالك قال له هشام زدني في الضرب وزدني في الحديث.

قال عبد الله بن المبارك كنت عند مالك بن أنس وهو يحدثنا فجاء عقرب فلدغته ست عشرة مرة ومالك يتغير لونه ويتصبر ولا يقطع حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس قلت له يا أبا عبد الله لقد رأيت منك عجبا قال نعم أنا صبرت إجلالا لحديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم). [تاريخ دمشق(313/36)]

قال الإمام مالك -رحمه الله-:ربما كانت المسألة، أو نزلت المسألة، فلعلي أسهر فيها عامةَ ليلي"[الآداب الشرعية ج2 ص 71]

قال مالك كان لي أخ في سن ابن شهاب فألقى أبي يوماً علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت فقال لي أبي ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين. [ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض 31/1]

وقال ابن أبي حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي: كيف شهوتك في العلم؟ قال: أسمع بالحرف -يعني الكلمة- مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم بما تنعمت به الأذنان.وقيل له: كيف حرصك على العلم؟! قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال.
فقيل له: فكيف طلبك له؟! قال الشافعي: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.

وعن الحُمَيْدِيُّ أنه سَمِعَ سُفْيَانَ بن عيينة يَقُوْلُ: لاَ تَدْخُلُ هَذِهِ المَحَابِرُ بَيْتَ رَجُلٍ، إِلاَّ أَشْقَى أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً لِرَجُلٍ: مَا حِرْفَتُكَ؟ قَالَ: طَلَبُ الحَدِيْثِ. قَالَ: بَشِّرْ أَهْلَكَ بِالإِفْلاَسِ. [السير 418/7]

قال جعفر بن درستويه –رحمه الله-:وكنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غد فنقعد طول الليل مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول أن لا يلحق من الغد موضعا يسمع فيه ورأيت شيخا في المجلس يبول في طيلسانه * ويدرج الطيلسان حتى فرغ مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول.
الطيلسان : ثوب يحيط بالبدن ينسج ليلبس ، خال من التفصيل والخياطة. [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 138/2]

قال ابن كثير –رحمه الله-:وقد كان البخاريُّ يستيقظُ في الليلةِ الواحدة من نومه ، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره ، ثم يطفئ سراجه ، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى ، حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة. [البداية والنهاية (31/11)]

قال عمر بن حفص الاشقر -رحمه الله-:كنا مع البخاري بالبصرة نكتب، ففقدناه أياما، ثم وجدناه في بيت وهو عُرْيان، وقد نفد ما عنده، فجمعنا له الدراهم، وكسوناه.[سير أعلام النبلاء (448/12)]

قال الحافظ عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش-رحمه الله-:شربت بولي في هذا الشأن - يعني الحديث - خَمْسَ مَرّات.!
قلت - أي الخطيب البغدادي: أَحْسَبُه فَعَلَ ذَلِكَ في السَّفَرِ اضْطِرارًا ؛ عند عدم الماء - والله أعلم.[تاريخ بغداد (280/10) ]

رحـل الإمام "أبو عبد الله محمد بــن اسـحاق بـن منـده" رحمه الله تعالى ، لطلب العلــم وعمره عشرون سنة ، ولم يرجع إلى بلده الأصلي إلا وعمره خـمسةٌ وستون عامًا!! وكانت مدة رحلته خمسـًا وأربعين سنة !! سمع فيها العلم وتلقاه عن ألفٍ وسبعمئة شيخ !!

قال أبو حاتم الرازي رحمه الله :أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ( الفرسخ يزيد على خمسة كيلو مترات.) , ولم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته.[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 359)]

قال محمد بن طاهر المقدسي: بلت الدم فى طلب الحديث مرتين: مرة ببغداد، ومرة بمكة، وذلك انى كنت امشى حافيا فى حر الهواجر بهما فلحقنى ذلك!وما ركبت دابة قط فى طلب الحديث الا مرة، وكنت احمل كتبى على ظهرى، الى ان استوطنت البلاد، وما سألت فى حال طلبى احدا.[سير أعلام النبلاء (363/19) ]

قال محمد بن إسماعيل الصائغ -رحمه الله -:كنت في إحدى سفراتي ببغداد ، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ، ونعلاه في يده ،
فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه ، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟ قال: إلى الموت. [مناقب الإمام أحمد (ص 32) ]

وفي فتنة خلق القرآن قال جلاد الامام أحمد والله إني لضربته ضربا لو ضرب به جمل لاندك ولما جاء طلبة العلم الى السجن أخرجوا الامام أحمد الى الشرفة ووضعوا في ظهره سكينا ينخرونه به وطلبة العلم بالقلم والكاغد ينتظرون من أحمد أن يقول القرآن مخلوق ليكتبوها والجلادون بالسكين في ظهره ويقولون له قل القرآن مخلوق فقال كلمته الشهيرة: أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء.

قال أحمد بن سعيد الرباطي رحمه الله:سمعت أحمد بن حنبل يقول: أخذنا العلم بالذل، فلا ندفعه إلا بالذل. [السير (231/11)]

وسافر بقي بن مخلد الى بغداد فاجتاز البحار وقطع الفيافي والقفار فلما دخل بغداد قيل له أن الخليفة منع الامام أحمد من التحديث فجاء الى الامام أحمد فقال له لو تقبل آتيك كل يوم في هيئة مسكين فقير فتحدثني فكان يأتيه ويقول الأجر ويقول الأجر رعاكم الله فيخرج له أحمد ويحدثه بالحديث والحديثين ثم ينصرف ولما فرج عن الامام أحمد كان اذا أتاه بقي بن مخلد قال لطلبته هذا يحق عليه اسم طالب علم.

قال سهل بن عبدالله التستري:ورأى أصحاب الحديث، فقال:اجهدوا أن لا تلقوا الله عز وجل إلا ومعكم المحابر.
وسُئل سهل : الى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتى يموت، ويصب باقي حبره في قبره. [السير (330/13) ]

قال الحافظ ابو إسحاق الحبال: كنت يوماًً عند أبى نصر السجزي ,فدق الباب , فقمت ففتحته , فدخلت امرأة وأخرجت كيساً فيه ألف دينار , فوضعته بين يدي الشخص الشيخ وقالت: أنفقها كما ترى. قال ما المقصود؟ قالت: تتزوجني , ولا حاجة لي في الزواج ولكن لأخدمك , فأمرها بأخذ الكيس وأن تنصرف.فلما انصرفت قال: خرجت من سجستان بنية طلب العلم ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم , وما أوثر على ثواب طلب العلم شيئاً. [السير (655/17)]

.وهذا محمد بن سلام البيكندي من شيوخ البخاري كان في حال الطلب جالسا في مجلس الاملاء والشيخ يحدث ويملي والطلاب يكتبون فانكسر قلمه فأمر مناديا أن ينادي : قلم بدينار !!! دينار كان يشتري عزبة بحساب تلك الأيام يشتري ضيعة فتطايرت اليه الأقلام؛ لا قيمة للمال إذا فات لفظ المحدث فلم تدركه لا قيمة للمال لأنهم كانوا يعرفون شرف الزمان وقدر العلم. [من كلام الشيخ رسلان حفظه الله]

وكان يقول رحمه الله: لم أجلس في سوق بيكند منذ أربعين سنة. [السير (629/10)]
قال خلف بن هشام -رحمه الله-:أُشكِل عليَّ بابٌ من النحو، فأنفقتُ ثمانين ألف درهم حتى حذقته.[سير أعلام النبلاء (10/578)]

سُئل أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأبيض عن لغة فعجز عنها بمحضر من خجل منه ، فأقسم أن يقيد رجليه بقيد حديد ، ولا ينزعه حتى يحفظ (الغريب المصنف) ، فاتفق أن دخلت عليه أمه في تلك الحال فارتاعت فقال :
ريعت عجوزي أن رأتني لابسا :::خلق الحديد ومثل ذاك يروع
قالت جننت ؟ فقلت بل هي همة:::هي عنصر العلياء والينبوع
سن الفرزدق سنة فتبعتها :::إني لما سن الكرام تبوع


[نفح الطيب للمقري 38/5]


قال ابن الجوزى رحمه الله: ( تأملت عجبا وهو أن كل شئ نفيس خطير يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله فإن العلم لما كان أشرف الأشياء، لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء " بقيت سنتين أشتهى الهريسة لا أقدر، لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس " [صيد الخاطر ص (281)]

قال محمد بن الحسن رحمه الله : لا يُفلح في هذا الشأن - يعني العلم - إلا من أقرَح البُرُّ قلبَه.
عَلَّقَ الخطيب البغدادي رحمه الله فقال :ولن يَصبِر على الحال الصَّعبَة إلاّ من آثر العِلمَ على مَا عَداه ، ورضِي بِهِ عوضًا من كل شيء سواه .[ الجامع : ( 1 / 105 ) ]

قال ابن عثيمين رحمه الله:وهذا الإمام أحمد يجر بالبغلة في السوق ويضرب بالسياط، وهو صابر ثابت.وهذا شيخ الإسلام يطاف به على العربة في السوق ويزج بالسجن وهو ثابت.ولا يمكن أن تفرش الأرض ورودآ وزهورآ لإنسان متمسك بالسنة أبدآ، فمن رام ذلك فقد رام المحال.[شرح النونية للعثيمين (270/3 )]

وأما مشايخنا المعاصرون فهذا العلامة مقبل الوادعي رحمه الله يقول وكنا في جامع الهادي نضع الخبز اليابس في الحائط فإذا وجدنا الطماطم ذهبنا الى الحائط ونزعنا الخبز وقد عشعشت عليه العنكبوت ثم نأتي الوادي نبلل الخبز بالماء وناكل معه الطماطم.

وقد كان في دماج لما يرمي الخضار الطماطم الفاسدة يلتف حولها الطلبة ويأتي قطيع الماعز لينافس الطلبة في الطماطم الفاسدة.

وقال عنه العلامة ابن باز رحمه الله:العجب من رجل يأوي الآلاف من الطلاب ثم يؤلف في ذم المسألة.[درس الشيخ أحمد شملان حفظه الله]

ثم يقول تواضعا رحمه الله: لما رأيت أول شيبة في لحيتي قلت لنفسي: يا مقبل ماذا قدمت للاسلام؟
وكان يقول: يا أبنائي، والله لو كان العلم يسقى في كأس لأسقيتكموه، ولكن لا يتحصل عليه إلا بكد وحك الركب. [نبذة مختصرة ص 41]

وقال رحمة الله عليه: والواقع أننا لسنا في تطوّر وأننا في تدهور ، وياحبّذا لو رجعنا إلى عصر الصحابة ذلك . مرحباً بالجوع ، و الله مرحبا بالجوع ، كِسرة من الخبز تشرب عليها لبناً أو تمراتٍ تخرج وأنت عزيز. [إجابةالسائل على أهم المسائل ص 243]

وقال أيضا: لابد أن تشعر ياطالب العلم أنك لست ملكا لنفسك بل ملك لطلب العلم ، ومسؤوليتك أكبر من مسؤولية وزيرالداخلية ، وتحصل لطالب العلم راحة وطمأنينة لا يتحصّل عليها الملوك.[ رحلات دعوية ص 111]

وقال مخاطبا الإخوة الوافدين على دماج لطلب العلم: لكن ينبغي أن تعلم ويعلم الإخوان القادمون حتى لا يصدموا أن طلبةالعلم ربّما يصبرون على شيء من الشعث والعري والجوع وربّما يأكلون الأرز ناشفا والإفطار على فول ، والعشاء على فول ، نقول لكم هذا حتى لا تصدموا ، لكن نحن لوقرأنا هذه الحالة ووجدنا حالة أبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وابن جرير الطبري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي وحالة غيرهم من علمائنا لوجدناها حالة راقية ، لأن أولئك كانوا يصرعون من الجوع وكانت تقطع بأحدهم النفقة حتى يغشى عليه. [رحلات دعوية ص 111]

وهذا الألباني رحمه الله بينما نحن منهمكون بلا هوادة في مشاريعنا الدنيوية؛ يعلن هو مشروعه الاخروي الذي سماه : تقريب السنة بين يدي الأمة بهمة عالية وجهد قل نظيره حتى صار أعلم أهل عصره بالحديث وترك مكتبة قال عنها الشيخ مقبل رحمه الله : المكتبة التي ليس فيها كتب الألباني مكتبة فقيرة.

وهذا الربيع وما أدراك مالربيع حامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر لا ينام ليلا ولا يستريح حزنا على أبنائه وخوفا عليهم من الضياع

قال العلاّمة الشيخ ربيع بن هادى المدخلى حفظه الله ورعاه:

كيف ترى أن تستريح أيها المؤمن الناصح ؛ وأنت ترى أهل البدع يكيدون، وأهل الفتن والفساد يكيدون لأبنائك وإخوانك في العقيدة والمنهج ؟ كيف تستريح ؟!والله ما نستريح ،والله أحيانا ما ننام حزنا على أبنائنا وخوفا عليهم من ضياع دينهم ودنياهم ،لا تظنوا أن هذه شكوى...لا والله ما نبين إلا لوجه الله تبارك وتعالى ونرى أن هذا من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض نقوم به لله رب العالمين. [كتاب "مرحبا يا طالب العلم" ص 30]

ويطل علينا الربيع مرة أخرى بمثال راق يكتب بماء العين ،فعندما اتصل بعض طلبة العلم في ليبيا بالشيخ لالقاء كلمة توجيهية في افتتاح أحد الدورات العلمية وسأل عن أبي الفضل محمد بن عمر الصويعي حفظه الله فقالوا له مشغول- وقد كلفه آنذاك ولي الأمر بصلح في أحد المناطق-فبعد أن ألقى الشيخ كلمته النافعة في لم الشمل والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف قال:

أؤكد هذا عليكم ، أؤكد هذا عليكم كثيراً ،وأوصيكم أن تبلغوا سّلامي لأبي الفضل وتقولوا له :"الشيخ ربيع يؤكد عليكَ أن تشارك في هذه الدورة "
بلغوه كلامي هذا ، وأن يبتعد عن أسبابِ الفرقة ، وأن لايعتذر بالمشاغل والشغل ،فشغل الدعوة مقدمة على المال والنفس والروح ، فيجب أن يقدمها.

ونحن نفرح ونمرح بالنسخ واللصق والنقل في المنتديات ونزعم أنه من طلب العلم وحالنا كما سمانا الشيخ رسلان حفظه الله: بمجاهدي الكيبورد أي لوحة المفاتيح ولا شك أنها من الوسائل المعينة على طلب العلم لكن العلم الصافي في ثني الركب وتحمل التعب وقطع البحار ومجاوزة الفيافي والقفار وتقييد المسائل وحفظها وتحريرها وغير ذلك .والشأن في هذا كما قال الشيخ عبد السلام بن برجس العبد الكريم -رحمه الله- :
- قال رجل لآخر : بم أدركت العلم ؟ قال : طلبته فوجدته بعيد المراد، لا يصاد بالسهام، ولا يرى في المنام، ولا يورث عن الآباء والأعمام .
فتوسلت إليه بافتراش المدر، واستناد الحجر، وإدمان السهر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر، ومتابعة السفر، وركوب الخطر : فوجدته شيئًا لا يصلح إلا للغرس ولا يغرس إلا في النفس، ولا يسقى إلا بالدرس .أرأيت من يشغل نهاره بالجمع وليله بالجماع، هل يخرج من ذلك فقيهًا ؟ كلا والله .
إن العلم لا يحصل إلا لمن اعتضد الدفاتر، وحمل المحابر، وقطع القفار، وواصل في الطلب الليل والنهار .
ولعل في هذه المحاورة الظريفة ما يزيل الصورة المترسبة في أذهان بعض الطلبة : من أن العلم ينال في مدة وجيزة، وفترة قصيرة، فيواصلوا جهودهم، ويحتقروا مبذولهم، في طريق العلم والتعلم، حتى يفتح الله عليهم أبواب المعرفة والعلم فيصبحوا قادة في العلم، أئمة في الهدى .
[مجموع مؤلفات وتحقيقات فضيلة الشيخ عبد السلام بن برجس، الجزء الأول، صفحة (39) من عوائق طلب العلم ].

والأمثلة في هذا تطول ولولا خشية الإطالة والملل لذكرت المزيد المفيد ولكن المقصود التمثيل والتذكير لا الحصر والإحاطة والتنقير.

قال الشاعر:

فإن رمت وصل القوم فاسلك سبيلهم:::فقد بينت للسالكين عيانا


وكما قال الشيخ محمد بن هادي حفظه الله : من بذل نفسه في خدمة الدين تخدمه الدنيا وكذا روي عن ابن باز أنه قال : من نذر نفسه لخدمة الدين فإنه سيعيش متعبا لكنه سيحيا كبيرا ويموت كبيرا ويبعث كبيرا ، وقال أيضا : الحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله.

وليس المطلوب أن يصير الانسان عالما أو طالب علم كبير لكن المطلوب أن يسير المرء على الطريق والنهج الذي رسمه علماؤنا وخطه مشائخنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلي أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريقا الى الجنة.[صحيح الجامع 1727]

قال ابن الوردي:

لا تقل قد ذهبت طلابه:::كل من سار على الدرب وصل


هذا والله أعلم، إن كان ما قلته صوابا فمن الله وحده وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم.



ملاحظة: المقال متوفر بصيغة pdf في المرفقات.

الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf يا طالب العلم اتخذ نعلين من حديد.pdf‏ (861.4 كيلوبايت, المشاهدات 1299)

التعديل الأخير تم بواسطة أبوعبدالرحمن عبدالله بادي ; 13 Oct 2016 الساعة 12:00 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06 Jun 2015, 06:37 PM
عماد معوش عماد معوش غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2013
المشاركات: 93
افتراضي

اسأل الله تعالى ان يرزقك علما نافعا وعملا صالحا

وان يفتح عليك مغلقات العلوم ومبهمات الفهوم. أمين

وان يتقبل منك اهدائك . ابتسامة

التعديل الأخير تم بواسطة عماد معوش ; 06 Jun 2015 الساعة 06:40 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06 Jun 2015, 06:42 PM
أبو أنس محمد عيسى أبو أنس محمد عيسى غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
المشاركات: 415
افتراضي

بارك الرحمن فيك وأثابك الفردوس الأعلى
وفقك الله لكل ما يحبه ويرضاه
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07 Jun 2015, 11:06 AM
أبو عبد السلام جابر البسكري أبو عبد السلام جابر البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 1,228
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد السلام جابر البسكري
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذا المقال الماتع أخي بادي - وفقك الله -
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07 Jun 2015, 11:20 PM
أبو زيد رياض الجزائري أبو زيد رياض الجزائري غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: تنس
المشاركات: 222
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذا المقال الماتع أخي بادي - وفقك الله -
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09 Jun 2015, 08:22 AM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عماد معوش مشاهدة المشاركة
اسأل الله تعالى ان يرزقك علما نافعا وعملا صالحا

وان يفتح عليك مغلقات العلوم ومبهمات الفهوم. أمين

وان يتقبل منك اهدائك . ابتسامة
جزاك الله خيرا أخي عماد

الهدية وصلت الى صاحبها بسلام و أمان وشوق واحسان
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09 Jun 2015, 11:53 AM
أبو البراء
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاك الله خيرًا خيرًا أبا عبد الرَّحمن على هذا العقد الفاخر المنظوم من خرَزَاتِ النَّوادر.
أسألُ الله تعالى أن يفتح علينا جميعًا
اقتباس:
مغلقات العلوم ومبهمات الفهوم، أمين
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09 Jun 2015, 05:29 PM
أبو عبد الرحمان الأرهاطي أبو عبد الرحمان الأرهاطي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الجزائر السلفية
المشاركات: 298
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى أبو عبد الرحمان الأرهاطي
افتراضي

جزاك الله خيرا على هذه الدرر أبا عبد الرحمان...
رزقنا الله و إياكم العلم النافع و العمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09 Jun 2015, 06:37 PM
أبو محمد سامي لخذاري السلفي أبو محمد سامي لخذاري السلفي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 267
افتراضي

جزاك الله خيرا أبا عبد الرحمن على الجمع الطيب الماتع النافع -بإذن الله-لمن سمت همته ولعلنا أن نكون منهم إن ربي سميع مجيب الدعاء
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 14 Jun 2015, 12:01 PM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي


جزاكم الله خيرا إخواني الأكارم على مروركم الحسن خاصا بالذكر أخي الكبير اللسن الشيخ خالد حمودة ذو الفضائل والكرم والمنن.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مميز, تزكية, علم

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013