منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 18 Mar 2018, 09:41 AM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي (مقال) تسلط الصغار على الكبار في القديم والحديث... "ولكل قوم وارث".


تسلط الصغار على الكبار في القديم والحديث «ولكل قوم وارث»

«الحمد لله الذي ثبّت أركان الدين بأئمة أهل السنة وأعلامهم، وجعل خلفاء نبيه أتباعه في الدنيا ويوم يدعى كل أناس بإمامهم، وسلك بهم مسلك السداد، ومهد لهم طرق الهدى والرشاد، وعصمهم باتباع سنن رسوله - عليه الصلاة والسلام -، من الزيغ والضلال والشبه والأوهام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الشريعة الغراء، الواضحة البيضاء، وعلى آله أئمة الدين، وصحابته الهادين المهديين، أما بعد»
(1):

فهذا مقال دفعني لكتابته موضوع قرأته في الكتاب الماتع «قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد» لريحانة اليمن شيخ مشايخنا أبي عبدالرحمن مقبل بن هادي –رحمه الله- بعنوان:« الإشفاق على الطالب العاق»، فقدمت فيه وأخرت، وعدلت فيه وغيرت، وزدت فيه ونقصت، حتى استوى على سوقه وأركانه، وتم حينها صرحه وبنيانه ، حيث اشتمل على مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، وأبدأ مستعينا بالله بالمقدمة فأقول:

1/ مقدمة في وجوب طاعة العلماء وتحريم إذايتهم:

إن الله خلق الناس لعبادته، وأرسل إليهم رسلا لتبيلغ دينه وشرعته، وأنزل عليهم كتابه هدى للناس وفرقانا، وتفصيلا لكل شيئ وتبيانا، فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا، من اعتصم به نجا ورشد، ومن أعرض عنه غوى وشذ وانفرد.
ومما أمر الله به في كتابه، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وجوب طاعة العلماء في الحق، واحترامهم، وتبجيلهم وتوقيرهم، وتحريم أذيتهم والتسلط عليهم والطعن فيهم والتنقص من قدرهم.

روي عن عكرمة -رحمه الله- أنه قال :« إياكم أن تؤذوا أحداً من العلماء؛ فإن من آذى عالماً فقد آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، والعلماء هم حراس الدين وحماته من الابتداع والتزييف»‏.
قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى« :سنة الله في كل من ازدرى العلماء بقي حقيرًا». (تاريخ الإسلام، 135/13، من الشاملة).
غير أنه من المعلوم شرعا وقدرا، انقسام الناس تجاه أوامر الله إلى مطيع مفلح مشكور، وإلى عاص خاسر مثبور.

2/ المبحث الأول: وصف حال الطاعنين في العلماء في الساحة الدعوية والرد على بعض شبه ضعفاء القلوب:

إن المتأمل فيما جرى ويجري في الساحة الدعوية، ليرى بما لا يدع مجالا للشك والريب، ولا يترك منفذا لحسن الظن، صنوفا وأنواعا من احتقار العلماء والتعالى عليهم، والإزراء بهم، والطعن فيهم تلميحا وتصريحا، كيف لا؟، وقد نشروها في تغريداتهم الملفقة، وقيدوها في مجموعاتهم المغلقة، بل أعلنوها في كهوفهم العجيبة، ومغاراتهم المُريبة، حتى إنك تلحظ في طعوناتهم أنها يرقق بعضها بعضا، فكلما ظهر طعن تقول «هذا مُهلكه»، ثم ينكشف حتى يأتي طعن أكبر منه فيرققه.

وقد وصف حالهم شيخنا أزهر سنيقرة -حفظه الله تعالى- في حواره الهادئ مع الدكتور عبدالخالق ماضي -عفا الله عنه- في كلمات يسيرة تحمل في طياتها معان كبيرة، فقال: « ولأنّ جوهر الخلاف بيننا هو مسائل منهجية معلومة، كان بإمكاننا أن نعالجها في حينها، قبل أن تتقادم، وقبل أن يدخل بيننا أولئك الغلمان الذين استنسروا علينا، ورفعوا عقيرتهم على كبارنا، وزعموا أنّهم يريدون خيرًا، و والله ما حقّقوه ولا وصلوا إليه، لا بأقوالهم، ولا بأفعالهم، فهذا إذا هو جوهر الخلاف بيننا».

وحيال هذا التسلط المشين، تجد بعض ضعفاء القلوب، ممن جعلوا قلوبهم للشبهات كالإسفنجة، يوردون بعض الإيرادات الواهية التي يمكن إجمال بعضها في ما يلي:

أولا: قد يقول قائلهم: « أن المشايخ لم يحسنوا تربية تلاميذهم»، والرد عليهم كما قال شيخ مشايخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: « وإذا تسلط عليهم بعض طلبتهم، فليس معناه أنهم لا يحسنون التربية، فإن الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :«إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدينï±*» (القصص: 56)، ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:«ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء» (البقرة: 272 )، ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: «فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون» الروم: (52-53)، وقال تعالى:«ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم»(محمد: 16)». اهـ ( قمع المعاند، ص 131 ).

والذي -نتمناه ونرجوه من الله وندعوه به- أن يكون هذا التسلط فسادا في التصور، وغشاوة في العين تزول عما قريب بإذن الله، وأخشى ما نخشاه – أعاذنا الله وإياهم منه- أن يكون التسلط فسادا في الفطرة، لم تقو التربية على إصلاحه، كما سنذكره أدناه في قصة العلامة الإبراهيمي –رحمه الله- مع جراء السوء الذين ربتهم جمعية العلماء المسلمين.

ثانيا: قد يقول بعضهم: « أن المشايخ يتناقضون في أحكامهم على الرجال، فبالأمس يزكونهم ويثنون عليهم، ويقدمونهم في المحافل الدينية، ويصدرونهم في الدورات العلمية، واليوم يجرحونهم ويطعنون فيهم... ».

فنقول: أن مشايخنا –حفظهم الله- يسيرون على سنن أهل الحديث في الكلام على الرجال، ولا يحيدون عن ذلك قيد أنملة، وإنما كانوا يثنون على هؤلاء بناءا على ظاهرهم وحسنا للظن بهم، وتشجيعا لهم على الرقي في درجات العلم، وغير ذلك من الأسباب التي تدفع الشيخ للثناء على تلميذه، فإذا ظهر منهم ما يقتضي جرحهم تكلموا فيهم بما يناسب مخالفتهم.
قال الشيخ الدكتور عبدالمجيد جمعة -حفظه الله- في رسالته إلى خالد حمودة –عفا الله عنه ورده إلى جادة الصواب وبصره بالحق المبين- ومن على شاكلته: « فسبحان الذي جعل الفتن تصفي وتغربل، والمرء في خضمها يكبر ويحوقل، كنا نحسن الظن بناس (بناء على الأصل)، ونتغافل ونتجاهل، ونعلم ونحلم، ونتّهم أسماعنا ونكذب أبصارنا، لكن الواقع يأبى إلا أن يتّهمنا، ويسيء الظن بنا، فيفصح ويفضح، ويميط عن هذه الأبصار غشاوتها، وعن الأسماع صممها» اهـ.
قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله- في (فتاوى فضيلة الشيخ ربيع، 251/1):
«فاليوم يعني قد يأتي إنسان يدعي أنه طلب العلم ويتظاهر بالدين والنسك والأخلاق الطيبة ويجلس ويمكث عندك أياما فتبني على الظاهر ، أنا والله زكيت أناسا في هذا العام ، والله لازموني وما شاء الله تنسك وكذا وكذا وكذا .....، ثم ظهر لي جرحهم ، أنا إذا صلى معي وزكى وذكر الله وسافر معي وإلخ ، أشهد بما رأيت ، ولا أزكي على الله أحدا ، لكن يأتي إنسان آخر عرفه أكثر مني ، واكتشف عليه أخطاء واكتشف عليه أشياء تقدح في عدالته ، فيجرحه بعلم ويبرهن على جرحه بالأدلة ويفسر جرحه ، فيقدم جرحه على تعديلي ، وأنا استسلمت ، قدم الأدلة على جرح هذا الإنسان ، في الواقع الحق معه» اهـ.
ولا يغتر صاحب الباطل المجروح بتزكية من زكاه بحسن الظن، وبناءا على الظاهر، ولا يسعى لذلك بالطرق الماكرة، والأسايب الملتوية الفاجرة، فإن المرء يزكيه عمله، ويشهد له سيره ومواقفه.

قال العلامة عبيد الجابري –حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية-:« حياتي العلمية والعملية تزيد على خمسين سنة وما أعهد أني يوما من الأيام سألت أحدا أن يزكيني»اهـ (من تغريدة للأخ رائد آل طاهر -وفقه الله-).

وعن عبدالله بن المعتز قال: سمعت المنتصر يقول: «والله! ما عزَّ ذو باطلٍ قطُّ؛ ولو طلع القمر مِن جبينه، ولا ذل ذو حقّ قطُّ؛ ولو اتفق العالم عليه». اهـ ( كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من ألسن الناس للعجلوني، (207/2)).

ثم ليعلم هؤلاء الذين أشربوا الشبهات، وأكثروا من الخصومات، فابتلوا بكثرة التنقلات، أن تسلط الصغار على الكبار ليس بدعا من القول، بل هو متجذر في الزمان القديم الغابر، ومستمر ومتجدد إلى العصر الحديث الحاضر، و«لكل قوم وارث» كما يقولون، وسأسوق في هذا المقال جملة من أخبارهم لعل قومي يعتبرون، وبيانا لذلك أقول في:

3/ المبحث الثاني: تسلط الصغار على الكبار في الزمان القديم الغابر:

اعلم أخي الحبيب، أن أصل تسلط الصغار على الكبار ما جاء في حديث أنس بن مالك- رَضِي الله عَنهُ-، ولبيان ما ورد في ذلك «قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا هَاشِمٌ، ثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ قَرَأَ " الْبَقَرَةَ " وَ " آلَ عِمْرَانَ "، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَرَفَعُوهُ وَقَالُوا: هَذَا كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ. وَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ وَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهِ.

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانَ قَرَأَ " الْبَقَرَةَ " وَ " آلَ عِمْرَانَ "، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ " الْبَقَرَةَ " وَ " آلَ عِمْرَانَ " عَزَّ فِينَا، يَعْنِي عَظُمَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْلِي عَلَيْهِ: غَفُورًا رَحِيمًا. فَيَكْتُبُ: عَلِيمًا حَكِيمًا، فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اكْتُبْ كَذَا وَكَذَا، اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ ". وَيُمْلِي عَلَيْهِ: عَلِيمًا حَكِيمًا. فَيَقُولُ: أَكْتُبُ: سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ: " اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ ". قَالَ: فَارْتَدَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَكْتُبُ إِلَّا مَا شِئْتُ. فَمَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ ". قَالَ أَنَسٌ: فَحَدَّثَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الْأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: مَا شَأْنُ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالُوا: قَدْ دَفَنَاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ» وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ. ».اهـ (البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله، (88/9)طبعة دار هجر).
قال الساعاتي في (بلوغ الأماني، 31/18): « إنما قال له النبي ï·؛:« اكتب كيف شئت »، ولم يزجره عن فعله لكونه علم إما بطريق الوحي أو بطريق الإلهام أن هذا الرجل خبيث النية، وأن الله سيعاقبه عقابا صارما وينكل به،وقد كان ذلك فلما هلك لم تقبله الأرض أن يدفن فيها فنبذته مرارا حتى ترك منبوذا على وجه الأرض ليعتبر به غيره».

ويتفرع من هذا الأصل الذي جاء في حديث أنس رضي الله عنه كثير من الفروع ؛ فمنها ما حكاه ابن كثير رحمه الله في (البداية والنهاية (298/18)، تحقيق التركي) عما جرى بين كمال الدين ابن الزملكاني (ت 727هـ) وابن تيمية(ت 728 هـ)-رحمهما الله-، حيث قال تحت فصل «ذكر وفاة الشيخ تقي الدين ابن تيمية»:
«وَوُجِدَتْ بِخَطِّ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ أَنَّهُ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَنَّ لَهُ الْيَدَ الطُّولَى فِي حُسْنِ التَّصْنِيفِ، وَجَوْدَةِ الْعِبَارَةِ وَالتَّرْتِيبِ، وَالتَّقْسِيمِ وَالتَّبْيِينِ، وَكَتَبَ عَلَى مُصَنَّفٍ لَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:

مَاذَا يَقُولُ الْوَاصِفُونَ لَهُ ::: وَصِفَاتُهُ جَلَّتْ عَنِ الْحَصْرِ
هُوَ حُجَّةٌ لِلَّهِ قَاهِرَةٌ ::: هُوَ بَيْنَنَا أُعْجُوبَةُ الدَّهْرِ
هُوَ آيَةٌ فِي الْخَلْقِ ظَاهِرَةٌ ::: أَنْوَارُهَا أَرْبَتْ عَلَى الْفَجْرِ

وَهَذَا الثَّنَاءُ عَلَيْهِ وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنِه وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ وَصُحْبَةٌ مِنَ الصِّغَرِ، وَسَمَاعُ الْحَدِيثِ وَالطَّلَبُ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ سَنَةً، وَلَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَأَسْمَاءُ مُصَنَّفَاتِهِ وَسِيرَتُهُ وَمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالدَّوْلَةِ، وَحَبْسُهُ مَرَّاتٍ، وَأَحْوَالُهُ، لَا يَحْتَمِلُ ذِكْرَ جَمِيعِهَا هَذَا الْمَوْضِعُ فِي هَذَا الْكِتَابِ».

ثم بعد كل هذا الإعجاب والمدح بإطناب، ذكر ابن كثير –رحمه الله- في قصة وفاته كيف تغير على شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- وحاول إيذائه فقال: « ثُمَّ طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِيُوَلَّى الشَّامِيَّةَ دَارَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَعَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا، فَمَرِضَ وَهُوَ سَائِرٌ عَلَى الْبَرِيدِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَقَبَ الْمَرَضَ بُحْرَانُ الْحِمَامِ، فَقَبَضَهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الشَّهَوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ، «وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» وَكَانَ مِنْ نِيَّتِهِ الْخَبِيثَةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى الشَّامِ مُتَوَلِّيًا أَنْ يُؤْذِيَ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ أَمَلَهُ وَمُرَادَهُ، فَتُوُفِّيَ فِي سَحَرِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ بِمَدِينَةِ بُلْبَيْسَ، وَحُمِلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ جِوَارَ قُبَّةِ الشَّافِعِيِّ، تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ».

ونبقى دائما مع المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-، وهذه المرة مع أبي حيان المفسر(ت745 هـ)، حيث ساق الألوسي -رحمه الله- قصته في (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، ص 30) فقال:
«ونقل الإمام العسقلاني أيضاً عن الحافظ الذهبي أنه قال: حضر عند شيخنا أبو حيان المفسر فقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل! ثم مدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة، وأنشده إياها وهي: [بسيط]

لما أتانا تقي الدين لاح لنا ::: داع إلى الله فردٌ ما له وزرُ
على محياه من سيما الأُلى صحبوا ::: خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبراً ::: بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ::: مقام سيد تيم إذ مضت مضر
وأظهر الحق إذ آثاره اندرست ::: وأخمد الشر إذ طارت له شرر
يا من يحدث عن علم الكتاب أصخ ::: هذا الإمام الذي قد كان ينتظر


يشير بهذا أنه المجدد - وقد صرح بذلك أيضاً العماد الواسطى - ثم دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه، فأغلظ الشيخ ابن تيمية القول في سيبويه، فناظره أبو حيان بسببه، ثم عاد ذاماً له، وصير ذلك ذنباً لا يغتفر.
ويقال: إن ابن تيمية قال له: ما كان سيبويه نبي النحو ولا معصوماً، بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعاً ما تفهمها أنت. فكان ذلك سبب مقاطعته إياه، وذكره في تفسيره (البحر) بكل سوء، وكذا في مختصره (النهر)» اهـ.

وقد يكون ذمُ أبي حيان لابن تيمية الذي ذكره الألوسي آنفا، هو ما ذكره الزبيدي في (شرح عقائد القواعد من كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، ص 213):
«قال التقي السبكي: وكتاب العرش من أقبح كتبه-يقصد أحمد بن تيمية-، ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان مازال يلعنه حتى مات بعد أن كان يعظمه».

ونعرج الآن على تلميذ ابن تيمية الحافظ الذهبي (ت 748 هـ) –رحمهما الله- حين تطاول عليه تلميذه تاج الدين السبكي ( ت 771 هـ) بعد وفاته، فقد كان يثني عليه ويمدحه ويجله في حياته وعند وفاته، ومن ذلك ما قاله في (طبقات الشافعية 109/9):

«وَقد كنت لما توفّي شَيخنَا رثيته بقصيدة مطْلعهَا
من للْحَدِيث وللسارين فِي الطّلب ::: من بعد موت الإِمَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ
من للرواية للْأَخْبَار ينشرها ::: بَين الْبَريَّة من عجم وَمن عرب
من للدراية والْآثَار يحفظها ::: بِالنَّقْدِ من وضع أهل الغي وَالْكذب
من للصناعة يدْرِي حل معضلها ::: حَتَّى يُرِيك جلاء الشَّك والريب
من للْجَمَاعَة أهل الْعلم تَلبسهمْ ::: أَعْلَامه الغر من أبرادها القشب
من للتخاريج يبديها وَيدخل فِي ::: أَبْوَابهَا فاتحا للمقفل الأشب
من فِي القراآت بَين النَّاس نافعهم ::: وَعَاصِم ركنها فِي الجحفل اللجب
من للخطابة لما لَاحَ يرفل فِي ::: ثوب السوَاد كبدر لَاحَ فِي سحب
مِنْهَا:
وَإِن تغب ذَات شمس الدّين لَا عجب ::: فَأَي شمس رأيناها وَلم تغب
هُوَ الإِمَام الَّذِي رَوَت رِوَايَته ::: وطبق الأَرْض من طلابه النجب
مهذب القَوْل لاعي ولجلجة ::: مُثبت النَّقْل سامي الْقَصْد والحسب
ثَبت صَدُوق خَبِير حَافظ يقظ ::: فِي النَّقْل أصدق أنباء من الْكتب
كالزهر فِي حسب والزهر فِي نسب :::وَالنّهر فِي حدب والدهر فِي رتب

وَهِي طَوِيلَة فليقع الِاقْتِصَار على مَا أوردناه».

ثم بعد هذا الثناء العطر، والمديح المليح، تجده يطعن في شيخه ويقع فيه، فيقول في (طبقات الشافعية الكبرى، 13/2):
«وأمثلة هَذَا تكْثر-يعني الأمثلة التي تبين أن جرح العلماء بعضهم لبعض مردود-، وَهَذَا شَيخنَا الذَّهَبِيّ رَحمَه اللَّه من هَذَا الْقَبِيل، لَهُ علم وديانة، وَعِنْده عَلَى أهل السّنة تحمل مفرط؛ فَلَا يجوز أَن يعْتَمد عَلَيْهِ.
ونقلت من خطّ الْحَافِظ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كَيكَلَدِي العلائي -رَحمَه اللَّه- مَا نَصه:« الشَّيْخ الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ لَا أَشك فِي دينه وورعه وتحريه فِيمَا يَقُوله النَّاس، وَلكنه غلب عَلَيْهِ مَذْهَب الْإِثْبَات ومنافرة التَّأْوِيل والغفلة عَن التَّنْزِيه حَتَّى أثر ذَلِك فِي طبعه انحرافا شَدِيدا عَن أهل التَّنْزِيه، وميلا قَوِيا إِلَى أهل الْإِثْبَات، فَإِذا ترْجم وَاحِدًا مِنْهُم يطنب فِي وَصفه بِجَمِيعِ مَا قِيلَ فِيهِ من المحاسن، ويبالغ فِي وَصفه ويتغافل عَن غلطاته ويتأول لَهُ مَا أمكن، وَإِذا ذكر أحدا من الطّرف الآخر كإمام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَنَحْوهمَا، لَا يُبَالغ فِي وَصفه وَيكثر من قَول من طعن فِيهِ، وَيُعِيد ذَلِك ويبديه ويعتقده دينا وَهُوَ لَا يشْعر، ويعرض عَن محاسنهم الطافحة فَلَا يستوعبها، وَإِذا ظفر لأحد مِنْهُم بغلطة ذكرهَا، وَكَذَلِكَ فعله فِي أهل عصرنا إِذا لم يقدر عَلَى أحد مِنْهُم بتصريح يَقُول فِي تَرْجَمته: «وَالله يصلحه» وَنَحْو ذَلِك وَسَببه الْمُخَالفَة فِي العقائد». اهـ.
وَالْحَال فِي حق شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَزِيد مِمَّا وصف، وَهُوَ شَيخنَا ومعلمنا غير أَن الْحق أَحَق أَن يتبع، وَقد وصل من التعصب المفرط إِلَى حد يسخر مِنْهُ، وَأَنا أخْشَى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة من غَالب عُلَمَاء الْمُسلمين وأئمتهم الَّذين حملُوا لنا الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة، فَإِن غالبهم أشاعرة وَهُوَ إِذا وَقع بأشعري لَا يبقي وَلَا يذر، وَالَّذِي أعتقده أَنهم خصماؤه يَوْم الْقِيَامَة عِنْد من لَعَلَّ أَدْنَاهُم عِنْده أوجه مِنْهُ؛ فَالله الْمَسْئُول أَن يُخَفف عَنهُ، وَأَن يلهمهم الْعَفو عَنهُ وَأَن يشفعهم فِيهِ، وَالَّذِي أدركنا عَلَيْهِ الْمَشَايِخ النَّهْي عَن النّظر فِي كَلَامه، وَعدم اعْتبار قَوْله، وَلم يكن يستجري أَن يظْهر كتبه التاريخية إِلَّا لمن يغلب عَلَى ظَنّه أَنه لَا ينْقل عَنهُ مَا يعاب عَلَيْهِ».

إلى أن قال في كلام طويل : «فَلْينْظر كَلَامه من شَاءَ، ثمَّ يبصر هَل الرجل متحر عِنْد غَضَبه أَو غير متحر، وأعني بغضبه وَقت تَرْجَمته لوَاحِد من عُلَمَاء الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْمَشْهُورين من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة، فَإِنِّي أعتقد أَن الرجل كَانَ إِذا مد الْقَلَم لترجمة أحدهم غضب غَضبا مفرطا، ثمَّ قرطم الْكَلَام ومزقه وَفعل من التعصب مَالا يخفى عَلَى ذِي بَصِيرَة، ثمَّ هُوَ مَعَ ذَلِك غير خَبِير بمدلولات الْأَلْفَاظ كَمَا يَنْبَغِي، فَرُبمَا ذكر لَفْظَة من الذَّم لَو عقل مَعْنَاهَا لما نطق بهَا، ودائما أتعجب من ذكره الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فِي كتاب الْمِيزَان فِي الضُّعَفَاء، وَكَذَلِكَ السَّيْف الْآمِدِيّ وَأَقُول: يالله الْعجب هَذَانِ لَا رِوَايَة لَهما وَلَا جرحهما أحد وَلَا سمع من أحد أَنه ضعفهما فِيمَا ينقلانه من علومهما فَأَي مدْخل لَهما فِي هَذَا الْكتاب؛ ثمَّ إِنَّا لم نسْمع أحدا يُسَمِّي الإِمَام فَخر الدّين بالفخر بل إِمَّا الإِمَام وَإِمَّا ابْن الْخَطِيب، وَإِذا ترْجم كَانَ فِي المُحَمَّدين فَجعله فِي حرف الْفَاء وَسَماهُ الْفَخر، ثمَّ حلف فِي آخر الْكتاب أَنه لم يتَعَمَّد فِيهِ هوى نَفسه، فَأَي هوى نفس أعظم من هَذَا؛ فإمَّا أَن يكون ورى فِي يَمِينه، أَو اسْتثْنى غير الروَاة، فَيُقَال لَهُ فَلم ذكرت غَيرهم، وَإِمَّا أَن يكون اعْتقد أَن هَذَا لَيْسَ هوى نفس، وَإِذا وصل إِلَى هَذَا الْحَد وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَهُوَ مطبوع عَلَى قلبه».اهـ.

وقد أشار السخاوي –رحمه الله- إلى قول السبكي هذا في معرض ذكره لأصناف ناقدي التاريخ في (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، ص 87) فقال: « ومنهم من نسب بعضهم إلى التقصير والتعصب، حيث لم يستوعب القول فيمن هو منحرف عنهم، بل يحذف كثيرا مما يراه من ثناء الناس عليهم، ويستوفي الكلام فيمن عداهم غير مقتصر عليهم».

ثم رد عليه بأقوى العبارات فقال ص 94: « أما الخامس فالذي نسب الذهبي لذلك هو تلميذه التاج السبكي، وهو على تقدير تسليمه إنما هو في أفراد مما وقع التاج في أقبح منه، حيث قال فيما قرأته بخطه تجاه ترجمة سلامه الصياد المنبجي الزائد ما نصه: « يا مسلم استحي من الله، كم تجازف، وكم تضع من أهل السنة الذين هم الأشعرية، ومتى كانت الحنابلة، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس» وهذا من أعجب العجاب، وأصحب للتعصب، بل أبلغ في خطأ الخطاب، ولذا كتب تحت خطه بعد مدة قاضي عصرنا وشيخ المذهب العز الكناني ما نصه: « وكذا والله ما ارتفع للمعطلة رأس »، ثم وصف التاج بقوله:« هو رجل قليل الأدب، عديم الإنصاف، جاهل بأهل السنة ورتبهم، يدلك على ذلك كلامه»».

قال الشوكاني رحمه الله في (البدر الطالع، 111/2) ردا على قول السبكي هذا:
«وَقد أَكثر التشنيع عَلَيْهِ تِلْمِيذه السبكي وَذكر فِي مَوَاضِع من طبقاته للشَّافِعِيَّة وَلم يَأْتِ بطائل بل غَايَة مَا قَالَه « إنه كَانَ إِذا ترْجم الظَّاهِرِيَّة والحنابلة أَطَالَ فِي تقريظهم وَإِذا ترْجم غَيرهم من شافعي أَو حنفي لم يسْتَوْف مايستحقه»، وعندي أَن هَذَا كَمَا قَالَ الأول(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)، فَإِن الرجل قد ملئ حبا للْحَدِيث وَغلب عَلَيْهِ فَصَارَ النَّاس عِنْده هم أَهله وَأكْثر محققيهم وأكابرهم هم من كَانَ يُطِيل الثَّنَاء عَلَيْهِ إلا من غلب عَلَيْهِ التَّقْلِيد وَقطع عمره فِي اشْتِغَال بِمَا لَا يُفِيد.
وَمن جملَة مَا قَالَه السبكي فِي صَاحب التَّرْجَمَة «أَنه كَانَ إِذا أَخذ الْقَلَم غضب حَتَّى لَا يدرى مايقول»، وَهَذَا بَاطِل فمصنفاته تشهد بِخِلَاف هَذِه الْمقَالة وغالبها الْإِنْصَاف والذب عَن الأفاضل وَإِذا جرى قلمه بالوقيعة فِي أحد لم يكن من معاصريه فَهُوَ إنما روى ذَلِك عَن غَيره، وَإِن كَانَ من معاصريه فالغالب أَنه لَا يفعل ذَلِك إلا مَعَ من يسْتَحقّهُ، وَإِن وَقع مَا يُخَالف ذَلِك نَادرا فَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إلا الْمَعْصُوم، والأهوية تخْتَلف والمقاصد تتباين».

وقال يوسف بن عبد الهادي –رحمه الله- في (معجم الشافعية الورقة 48/47):
«وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول؛ فإن الذهبي كان أجل من أن يقول ما لاحقيقة له...والانكار عليه أشد من الانكار على الذهبي، لا سيما وهو شيخه وأستاذه؛ فما كان ينبغي له أن يفرط فيه هذا الإفراط.»اهـ. (مقدمة سير أعلام النبلاء 130/1).

ثم تسير بنا عجلة الزمن، فتحط رحالها في أرض «اليمن»، حيث معقل الشوكاني (ت1250 هـ) -رحمه الله- الذي ثار عليه طلبته بسبب تأليفه كتاب «تنبيه الغبي عن مذهب أهل بيت النبي في أصحاب النبي».
قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي –رحمه الله-: « والشوكاني –رحمه الله- عند أن كتب كتابه القيم «تنبيه الغبي عن مذهب أهل بيت النبي في أصحاب النبي»، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم أطلع عليه، إلا أنني أرى نقولا لأهل العلم عنه.
قامت قيامة الشيعة، وكان منهم بعض طلبته، فبعض الأشياء تبعث وتظهر الأعداء الذين يكونون مندسين في الحلقة وفي المجتمع، فإذا حانت الفرصة رأيتهم يتنكرون، فثار عليه كثير من طلبته كما ذكر هذا في كتابه «البدر الطالع»، وأفادني بعض الإخوة بأنه ذكر هذا أيضا في «أدب الطلب».ا هـ ( قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد، ص 135).

4/ المبحث الثالث: تسلط الصغار على الكبار في العصر الحديث الحاضر:

أما في العصر الحديث فهلموا بنا نقرأ للإبراهيمي ( ت1385 هـ) –رحمه الله- وهو يذكر مثالا في ذلك في العدد رقم 152 من جريدة البصائر سنة 1951 في موضوع بعنوان: « أين موقع بسكرة من أفريقيا الشمالية»، حيث حكى كيف كانت حكومة الجزائر الإستعمارية تحارب جمعية العلماء بالكيد المغلف بالقانون، وبالقانون المبطن بالكيد، وذلك بإحداث رهط تنتدبهم لمنافسة جمعية العلماء في أنواع عملها، وقد رفعتهم جميعا إلى أسفل، ومن هؤلاء الرهط مخلوق في بسكرة مهمته اختراع الإفتراءات واختلاق التهم ضد الجمعية، يتلقى الأوامر في ذلك من مخلوق تونس، الذي بدوره ينشرها في جريدة « أفريقيا الشمالية»، بأقلام تنسب لِجِرَاءِ سوء ربتهم جمعية العلماء وعلمتهم وأنفقت عليهم، وفي ذلك يقول رحمه الله: « وما هذه الأسماء التي تنسب إليها المقالات؟، إن بعضها خيالي، استعير للتستر، وبعضها ِجرَاءِ السوء الذين ربتهم جمعية العلماء وعلمتهم وأنفقت عليهم، ولولاها لما كانوا، ولا عرفوا القلم والكتابة، ولكنهم كفروا نعمتها، وعقوا أبوتها، لفساد في الفطرة، لا تقوى التربية على إصلاحه، وهي تحمد الله على أنه ليس كل أبناها ( أبا قصة ) »اهـ.

وقد كان للعلامة مقبل بن هادي الوادعي( ت 1422)-رحمه الله- نصيب كبير من تسلط الطلاب عليه(2)، حيث جعل في كتابه الماتع « قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد» مقالا بعنوان: « الإشفاق على الطالب العاق» كما تقدم، فما قصته مع الطالب العاق يا ترى؟
كان عبدالله بن غالب الحميري –عفا الله عنه- صاحب ذهن وقاد، وقريحة متوهجة، فيسر الله له الدراسة على الشيخ مقبل-رحمه الله- الذي كان يطلب منه أن يأتي ببعض الشعر في الثناء على بعض الناس، ويطلب منه أيضا تأليف كتاب اسمه «تاريخ اليمن» لأن له أسلوبا طيبا، وكان عبدالله يثني على شيخه ثناءا عجيبا، حتى جره ذلك إلى الغلو فيه، ومن ثنائه عليه قوله :
إلى فضيلة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي –حفظه الله-
نظم الطالب: أبي محمد عبدالله بن غالب الحميري العديني:
يا ناهلاً من علوم الشرع مستبقاً ::: وناهماً لكتاب الله معتنقاً
وناجماً من لواء الشام في يمن ::: قد أحرز السبق في ذا العصر وانطلقا
وصاول الرفض حتى داس نحلته ::: وألبس الرفض ثوباً دامياً خلقاً
بنى بدماج داراً للعلوم وقد ::: أضحى به العلم في الآفاق منبثقا
لم يجعل الدجل بين الناس ديدنه ::: بل كان خير صدوق عفة وتقى
فصار ملء عيون الناس واندحرت ::: عنه الوشاة وكان الحق ما نطقا
حييت من علم فذٍ سما شرفا ::: واستجمع المجد من أطرافه ورقا
تالله ما عرفت همدان فضلكم ::: وأنت خير بكيل(3) كلهم خلقا
سموت بالعلم والإخلاص في بلد ::: ما كان إلا لأهل الجهل منطلقا
وجئت قومك في عصرك قد انغمسوا ::: في لُجة الرفض حتى صار معتنقا
قد قمت لله حقا غير مبتغى ::: مقولة الناس قام الشيخ وانطلقا
مبلغا لكلام الله لا ولها ::: بالجاه أو طمعا بالمال مرتزقا
فمنبر الوعظ لا يرضى بمرتزق ::: يرقى عليه خطيبا ماهرا لبقا
مهما تسلق فيه الأدعياء فهم ::: عما قريب سيلقوا مركبا زلقا
لبست ثوبا عفيفا لم يدنس من ::: جمع الصلاة فأَضحى طيبا عبقا
وجُدت بالمال بذلا غير محتكر ::: له عن القوم كي تُبنى به الشُققا
فبيتك الرث معلوم بحطته ::: لكل محتكر للمال قد خلقا
وعزة النفس تأبى أن تكون كمن ::: ينافس الناس في بنيانهم حمقا
شغفت بالعلم فاخترت العكوف له ::: فصار دارك للتحقيق منطلقا
وجاءك القوم من أقصى الديار فما ::: ضاق الفؤاد بهم ذرعا ولا حنقا
مازلت توليهم الإحسان مبتغيا ::: مثوبة الله في الخيرات مستبقا
قد صار زهدك عنواناً عرفت به ::: وصار جودك في أوساطنا خلقا
يا أيها الشيخ هذي نفحة بدرت ::: ما صغتها رغبة في المدح أو ملقا
إني توخيت فيها الحق معتذرا ::: إذا نبا القلم المجهود وانزلقا
مثوبة الله خير من مدائحنا ::: وخشية الله أبهى حلة ونقا
وعزة النفس تكسو المرء مكرمة ::: وتلبس الشخص ثوبا ناصعا ألقا
لم تخش في الله جباراً لسلطته ::: إذا تعد حدود الله أو أبقا
ولا أقمت بنا الدنيا إذا هدرت ::: حقوق نفسك شأن البعض إن حنقا
وما عرفت إلا زاهداً ورعاً ::: وما رأيتك إلا ضاحكاً طلقاً
أعدت للعلم صرحا غير منصدع ::: كما تصدع صرح الجهل وانحرقا
فسدد السهم في نحر العدو كما ::: ضربت بالسيف وارم الشيعة الحمقا
. اهـ

قال الشيخ مقبل بن هادي –رحمه الله- معلقا على هذه القصيدة: «فيها من الغلو ما فيها، وأنا لا أوافق على ما فيها»( قمع المعاند ص 141).

ثم ما لبث الأبعد حتى لبس عليه محمد المهدي –تلميذ الوادعي سابقا- ، ومسحه أصحاب سلفية عبدالرحمن عبدالخالق، فصار يطعن في شيخه ويتهمه بالحسد، ويتملق لأصحاب الفضيلة من علماء نجد، وفي ذلك يقول عنه الشيخ مقبل –رحمه الله-:« وأنا في هذه الليلة ليس من باب الرد على عبدالله بن غالب فإني عزمت على أن لا أرد على أحد، إن اضطررت ابتدأت، في شيئ آخر حتى أشغل الخصم، ولا أرد عليه، فليس من باب الرد على عبدالله بن غالب، وذنوبي أكثر، ولكن من باب تحذير أفاضل العلماء منه ومن أمثاله، وإلا فالرد ينبغي أن يتشاغل به، الناس يعلمون من أحق بقوله: «من جهل شيئا عاداه»، الناس يعلمون من أحق بقوله متمثلا ومستشهدا بالآية: « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعمله»، الناس يعلمون من أحق بقوله:
أمور تضحك السفهاء منها ::: ويبكي من عواقبها الحليم
... وأيضا استشهاده بقوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ::: طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا ::: ما كان يعرف طيب نشر العود

بالله يا عبدالله بن غالب أنحسدك على النوم تحت البطانية وأنت في المكتبة، الناس يحققون وأنت تأخذ البطانية وتلتحف بها، أنحسدك يا بني على ضياع الوقت من دماج إلى صنعاء إلى تعز إلى جدة إلى القصيم إلى الرياض إلى الأحساء إلى كثير من البلاد، هذا أمر يا بني لا تحسد عليه، على أي شيئ نحسدك وفقنا الله وإياك، فكن متأدبا واعلم ما تقول والحمدلله الشريط يعتبر وثيقة، وكما قلنا سابقا: إننا ذكرنا هذا الشريط من أجل النصح لأصحاب الفضيلة العلماء أن يحذروا، فالرجل متملق غاية التملق، وسأقرأ عليكم براهين من كلامه.
عبدالله بن غالب عند أن كان صغيرا كان لعابا وتحملناه لذكاءه، فلم نستطع ثم طردناه، وبعد أن طردناه مكث ما شاء الله ورأيت قصيدة له في الرد على الشيعة وقلت: مثل هذا ينبغي أن يغض عنه الطرف، ارجع يا عبدالله بن غالب، ورجع عبدالله بن غالب، وذكر أنه ذهب إلى نجد وإلى القصيم، وأنه لم يجد مثل هذه المدرسة وإن كان فيهم من هو أعلم من الشيخ.
ثم خرجت رحلة مكثت فيها قدر شهر، ما رجعت إلا والإخوة قد انقسموا إلى حزبين، عبدالله مع طائفة، وطائفة أخرى، فبقيت قدر شهر لعلي أعالج الموضوع ولا نحتاج إلى طرد، ثم اضطررنا إلى الطرد مرة أخرى، بعد أن طردته أقرأ عليكم القصيدة التي أرسلها إلي، وكثيرا ما أقرؤها وأبكي(4)، أسأل الله أن يهديك يا عبدالله بن غالب يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
أطغى الزمان عليك أم أطغاك ::: أم غرك التيسير أم أغراك
أم كدر الجلساء صفوك أم نبا ::: سهم المسورة فاستثار علاك
أم طاشت الآراء عندك دونما ::: فهم الحقيقة أم نسيت عداك
فخرجت من دار الحديث مغاضبا ::: وطردت كل مخالف لهواك
أقصرت ودك والمحبة للذي ::: رفض الأخوة واستمال رضاك
ورفضت من ترك البلاد وجاء من ::: أرض الجزائر لا يروم سواك
وطردت مكتئب الفؤاد لفرقة ::: ويئن من ألم لفرط صباك
لم يرض فعلك والذي رفع السما ::: إلا الذي كان دعاك
هل جاء في السفر المنزل طردهم ::: أم سنة المختار جاء هناك
أم قمت منتصرا لرأيك بالذي ::: ما كان يغني عنك لو أغناك
ما كان رأي العبد لي مقدما ::: والله عن طرد العباد نهاك
كلا ولا عبدالكريم وقد أتى ::: من لؤمه ما منه قد أزراك
قل لي بربك مالذي أحرزته ::: أمن بطرد المؤمنين أراك
هل جاء نصر الدين بعده أما سما ::: صرح الأخوة أم أتاك مناك
قد ساء فعلك كل حر ينتمي ::: للسنة الغراء ما أدراك
فالكل يسأل مالذي أزرى به ::: عجبا له هل صدق الأفاك
أم غره سعي الوشاة وكيف لا ::: جمع الخصوم وجانب الإمساك
إلى أن قال:
يا شيخنا رفقا بنا فعداؤنا ::: قد طوقونا من هنا وهناك
ويسرهم أن التقاطع بيننا ::: يبقى يسلوا صارما فتاكا
فاحفظ لنا حبل الأخوة واسلكن ::: وسط الطريق ووجهن نداك
واخلص لنا في النصح لا يك ::: منك اليراع ولا تسلط فاك
الله يا شيخ الحديث مذكرا ::: بعظاته فالزم أخاك أخاك
وعليك من نفحات ربك رحمة ::: وتحية من قدسه تغشاك
وعلى جميع الناقمين مسلما ::: واغفر إلهي لهالك لولاك
مقطوعة شعرية لأبي محمد الحميري ( 25 شعبان 1408 هـ، الموافق لـ: 12/04/1988)».

ونختم أمثلة تسلط الصغار على الكبار بمثالين عصريين تسلطا على عالمين مجددين كبيرين، دب الخوف في نفسيهما، واستولى الذعر على قلبيهما في حياة شيخيهما، فلما قُبضا تطاولا عليهما قائلين بلسان الحال:« ذهب زمن الخوف».

قال الشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله تعالى- في شريط بعنوان: «القنبلة د18»:
«وأنا أقول : اثنان كانا يخافان من اثنين في بلدين اثنين : شقرة في الأردن من «الألباني» يخاف منه ويستفيد بالتملق إليه ومقاربته للشيخ ناصر في حياته رحمة الله عليه , فلما مات الشيخ ناصر رأيتم شقرة ماذا عمل !
و«مقبل» في اليمن كان يخشاه أبو الحسن وأظن لو أن« أبا عبد الرحمان الشيخ مقبل -رحمه الله-» أدرك فتنته هذه لما احتجنا فيها إلى كلام ولأطفأها بأمر الله جل وعلا بكلمة واحدة ؛ فكم قد قمع الله به من أهل الأهواء في تلك البلاد وكم قد نفع الله به، وقد حدثني في ذلك الأخ علي العقيقي وكلكم تعرفونه؛ حدثني بما سمع من الشيخ «مقبل» لما كان عندكم هنا يعالج واتصلوا به من اليمن يشتكون عليه صنيع أبي الحسن، فقال لهم : «دعوا عنكم أبا الحسن فو الله لو اشتد ساعده ما بالى بأحد ولو خالف أهل السنة جميعا، فدعوه عنكم، فلن يضر الدعوة ولن يضر الله شيئا»، وفعلا كأنه ظن أنه بوفاة مقبل قد اشتد ساعده ! ولكن ثَمَّ «مقبلون غير مقبل» ؛ فإن ذهب «مقبل» فثم من يخلفه، لا في اليمن فحسب ولكن في بلاد الإسلام كلها، فصدق والله -رحمه الله-».

5/ الخاتمة:


وفي الختام أحببت أن أنقل نصيحة مؤثرة يهتز لها الفؤاد، ويُقبل عليها العبد الصادق المنقاد، خطها يراع الماوردي –رحمه الله-، حيث قال في بيان حقوق المُعلم: « وَلَا يُظْهِرُ لَهُ الِاسْتِكْفَاءَ مِنْهُ وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ، وَرُبَّمَا وَجَدَ بَعْضُ الْمُتَعَلِّمِينَ قُوَّةً فِي نَفْسِهِ لِجَوْدَةِ ذَكَائِهِ وَحِدَةِ خَاطِرِهِ، فَقَصَدَ مَنْ يُعَلِّمُهُ بِالْإِعْنَاتِ لَهُ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ إزْرَاءً بِهِ وَتَبْكِيتًا لَهُ، فَيَكُونُ كَمَنْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْمَثَلُ السَّائِرُ لِأَبِي الْبَطْحَاءِ:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
وَهَذِهِ مِنْ مَصَائِبِ الْعُلَمَاءِ وَانْعِكَاسِ حُظُوظِهِمْ أَنْ يَصِيرُوا عِنْدَ مَنْ يُعَلِّمُوهُ مُسْتَجْهَلِينَ، وَعِنْدَ مَنْ قَدَّمُوهُ مُسْتَرْذَلِينَ.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ:
وَإِنَّ عَنَاءً أَنْ تُعَلِّمَ جَاهِلًا ::: فَيَحْسَبُ أَهْلًا أَنَّهُ مِنْك أَعْلَمُ
مَتَى يَبْلُغُ الْبُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ ::: إذَا كُنْت تَبْنِيهِ وَغَيْرُك يَهْدِمُ
مَتَى يَنْتَهِي عَنْ سَيِّئٍ مَنْ أَتَى بِهِ ::: إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَيْهِ تَنَدُّمُ

وَقَدْ رَجَّحَ كَثِيرُ مِنْ الْحُكَمَاءِ حَقَّ الْعَالِمِ عَلَى حَقِّ الْوَالِدِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ:
يَا فَاخِرًا لِلسَّفَاهِ بِالسَّلَفِ ::: وَتَارِكًا لِلْعَلَاءِ وَالشَّرَفِ
آبَاءُ أَجْسَادِنَا هُمْ سَبَبٌ ::: لَأَنْ جُعِلْنَا عَرَائِضَ التَّلَفِ
مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ كَانَ خَيْرَ أَبٍ ::: ذَاكَ أَبُو الرُّوحِ لَا أَبُو النُّطَفِ
».
(أدب الدين والدنيا، ص 79).

وقد جاء في صحيح الترغيب والترهيب للألباني -رحمه الله- أنَّ رجلًا أتى أبا الدَّرداءِ فقال إنَّ أبي لم يزلْ بي حتى زوَّجني وإنه الآنَ يأمرني بطلاقِها قال ما أنا بالذي آمرُك أن تَعُقَّ والدَيك ولا بالذي آمرُك أن تطلِّقَ امرأتَك غيرَ أنك إن شئتَ حدَّثتُك بما سمعتُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ «الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ فحافِظْ على ذلك البابِ إن شئتَ أو دَعْ» قال فأحسبُ عطاءً قال فطلَّقها.(صحيح الترغيب والترهيب 2486).
قال الملا علي القاري –رحمه الله- في (مرقاة المفاتيح، 147/9): « قَالَ الْقَاضِي أَيْ: خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ أَبْوَابًا وَأَحْسَنُهَا دُخُولًا أَوْسَطُهَا، وَإِنَّ سَبَبَ دُخُولِ ذَلِكَ الْبَابِ الْأَوْسَطِ هُوَ مُحَافَظَةُ حُقُوقِ الْوَالِدِ.» اهـ.
وقال صلى الله عليه وسلم: « لا يُجزِئُ ولدٌ والدًا إلَّا أن يجدَه مملوكًا فيشتريَه فيعتقَهُ».(صحيح الترغيب والترهيب 2479)
فإذا كان هذا في الوالد الطيني، فكيف بالوالد الديني، و «من بر أباه بره أولاده، ومن بر شيخه بره طلابه، فبر أبي الإفادة كبر أبي الولادة». ( من تغريدة للشيخ أسامة العمري –حفظه الله-).

فإذا تبين هذا واستقر، كان لزاما على طلبة العلم الحرص على الاتصاف بمثل هذه المعاني المليحة، والبعد عن ضدها من الخصال القبيحة، التي منها ما ذكره المعلمي رحمه الله فقال: « وقد ينعكس الهوى فيهوى الإنسان أن ينقض قوله السابق وأن يخالف آباءه وأجداده وشيوخه وأئمته وسائر ما تقدم، يهوى ذلك حرصا على أن يقال: حر الفكر بريء من التعصب، وطمعا أن يعد مجددا يؤخذ عنه، وإماما يقتدى به، وعلى الأقل يرى أنه إذا خالف الأكابر فقد صار قرنا لهم. وقد كان أصاغر الشعراء يتعرضون لهجو أكابرهم كجرير والفرزدق وبشار، كل ذلك ليرتفعوا بذلك فيقال: إن فلانا ممن هاجى جريرا, ولهذا كان الأكابر يترفعون عن إجابة هؤلاء المتعرضين». (آثار المعلمي (2/ 71-72)).

هذا والله أعلم، وما كان من خطأ وزلل ونسيان فمن نفسي والشيطان، وما كان من توفيق وإعانة وإحسان فمن الله الرحيم الرحمن، وأسال الله جل في علاه أن يهدي من تنكب الصراط وضل عن جادة الصواب، وأن يجمع كلمتنا على الحق المبين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


------------------------------------------------------------------------
(1): مختصر التحفة الاثنى عشرة للألوسي –رحمه الله-، ص 1.
(2): مثل محمد المهدي، وعبدالمجيد الريمي، وأبي الحسن المأربي، ومحمد البيضاني وغيرهم ممن كانوا من أبرز طلابه فتغيروا، والأخير منهم كان ذكيا في غاية الذكاء، حيث يقول فيه شيخه –رحمه الله-:« وأيضاً ذياك البيضاني والله البيضاني ذكي في غاية من الذكاء ، اسمعوا اسمعوا يا إخوان قال : من من طلابك ألف فيك أنا ألفت فيك ، ودافعت عنك ، وذكرت لك ترجمة في المقدمة ، ما في أحد من طلابك فعل هذا ، احذروه هذا داهية يا إخواننا البيضاني ، احذروه جزاكم الله خيراً والله المستعان ».
حتى أنه –رحمه الله- عزم على الرد عليه حين قال: وأيضا (البيضاني) فقد كنت عزمت على كتابة «تحذير الغبي من تلبيسات محمد البيضاني الأشعبي» فعند أن كان هاهنا في دماج تارة يقول: أحقق في جامع الترمذي، وأخرى: أكتب تفسيرا، وأخرى كذا، مسكين ضيع نفسه.
ولن أرد إن شاء الله إلا على بعض المسائل، وأقول للبيضاني: أتخوف مقبلا بما جئت به؟ ولو كنت أخاف ما كتبت هذا، بل أعتبره دلالة على كتبي، فمن الناس من لا يعرف «قمع المعاند» فيقول: نطلع عليه، ومن الناس من لا يعرف «المصارعة» أو «الفواكه الجنية»، ومن الناس من لا يعرف الأشرطة، ومن الناس من لا يعرف «الترجمة» أو «هذه دعوتنا وعقيدتنا».
(3): قال الوادعي –رحمه الله- معلقا: «وهذا باطل باطل باطل، كأنه لم يعرف محمد بن العلاء الهمداني البكيلي، وجبر بن نوف البكيلي أبو الوداك، وسعيد بن يحمد وولده بكيليان وصالح بن صالح بن حي بكيليون، وعمر بن ذر المرهبي وأبوه بكيليان، وإن أراد في هذا العصر، فهل فتشنا الدنيا كلها، فهذا ليس بصحيح».
(4): يبكي الوادعي –رحمه الله- متأثرا من عقوق طالبه، ومشفقا على حال تلميذه، وهذا هو دافع كلام الكبار عندما يتسلط عليهم الصغار، وهو الشفقة عليهم والرحمة بهم، لا كما يوهم القوم من أن سببه حب الزعامة، والخوف على الكرسي، و المنافسة في الشهرة، والحرص على التصدر، وغير ذلك.


الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf تسلط الصغار على الكبار في القديم والحديث ولكل قوم وارث.pdf‏ (757.8 كيلوبايت, المشاهدات 887)

التعديل الأخير تم بواسطة أبوعبدالرحمن عبدالله بادي ; 28 Apr 2018 الساعة 08:15 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 Mar 2018, 07:10 AM
لزهر سنيقرة لزهر سنيقرة غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 342
افتراضي

مقالة تستحق التدبر والتأمل وحسن الثناء بطرح علمي طيب، بوركت يا عبدالله وبوركت أناملك، والذي ندين الله به أن هؤلاء الأراذل من الأصاغر إنما يضرون أنفسهم، وهل يضر السماء نبح الكلاب.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20 Mar 2018, 06:27 AM
عبد الله سنيقرة عبد الله سنيقرة غير متواجد حالياً
عفا الله عنه
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 268
افتراضي

جزاك الله خيرا اخي عبد الله على هذا المقال الطيب النافع، و الجمع الموفق المسدد.
وهكذا سجل التاريخ كل هذا، وما ضر الجبال شيئا، ولا يزال بأيامه يسجل، والأيام دروس و عبر.

التعديل الأخير تم بواسطة عبد الله سنيقرة ; 20 Mar 2018 الساعة 08:13 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20 Mar 2018, 08:38 AM
أبو فهيمة عبد الرحمن البجائي أبو فهيمة عبد الرحمن البجائي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2014
الدولة: الجزائر
المشاركات: 380
افتراضي

"والتاريخ يعيد نفسه"، "والأيام دول" "وما أشبه اليوم بالبارحة" "وعش رجبا ترى عجبا"! فإنّا والله لا ينقضي منّا العجب ممّا خلّدته صحائف التّاريخ وخلّفته الأيام والسّنين جيلا بعد جيل من أقوام غلبتهم شقوتهم فاستجازوا التطاول على الأكابر.. ولكلّ قوم وارث -وعن محنتنا في هذا الوقت أتكلّم-؛ فيا لله العجب من الضغابيس وتسلّطهم على العلماء الأشراف النّبلاء، والله الموعد وعند الله تجتمع الخصوم..فجزاك الله خيرا أخي الكريم عبد الله على ما أفدت به أيّما فائدة ممّا جمعتَه وأعددتَه في مقالتك من أحداث وأقاويل للأممّةٍ أعلام ممَّن اصطفاهم الله تعالى لإحياء منهج السّلف الأوّلين ولو رغمت أنوف المعانندين: في كلّ زمان ومكان، فبارك الله فيك وأحسن إليك.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20 Mar 2018, 07:53 PM
أبو زكرياء إسماعيل الجزائري أبو زكرياء إسماعيل الجزائري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
الدولة: سطيف -حرسها الله بالتوحيد و السنة-
المشاركات: 259
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي عبد الله
سلمت يمينك، وذب الله عن عرضك
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20 Mar 2018, 11:07 PM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي


جزى الله خيرا الوالد الكريم، والشيخ الفاضل، وأحسن الله للولد الحليم، والابن المناضل.

وبالمناسبة فإني أغتنم الفرصة لأثمن الموقف الرجولي الذي قمتم به شيخنا الحبيب، بعد تراجعكم عن الصوتيات المبثوثة البارحة، وعند سماعي لتراجعكم أول وهلة تذكرت تراجعكم عن كلامكم عن العصمة الذي نقل للشيخ العباد -حفظه الله- قبل أشهر، وكيف قال أحدهم منكرا: كيف يتوب؟، ولعل هذا هو لسان حال الكثيرين البارحة كذلك، فقد أفسدتم على القوم عرسهم، وقطعتم عنهم بهجتهم، فجزاكم الله عنا خير الجزاء.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21 Mar 2018, 02:04 AM
أبو عبد الرحيم أحمد رحيمي أبو عبد الرحيم أحمد رحيمي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jun 2013
المشاركات: 222
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي عبد الله.
مقال متين يسر النفوس ويثلج الصدور.
زادك الله من فضله.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21 Mar 2018, 05:45 PM
أبو عبد السلام جابر البسكري أبو عبد السلام جابر البسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2014
المشاركات: 1,228
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد السلام جابر البسكري
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي بادي ونفع بمقالك .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 21 Mar 2018, 06:30 PM
يوسف عمر يوسف عمر غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2017
المشاركات: 91
افتراضي

جزاك الله خيرا اخي عبد الله، ولم ولن يضروا إلا أنفسهم.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23 Mar 2018, 10:58 AM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي


إخواني الأكارم، عبدالرحمن، أحمد، جابر، مشرفنا الفاضل يوسف.

جزاكم الله خيرا على حسن المرور وصدق الدعاء.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 30 Mar 2018, 10:47 PM
ابو عبد الله احمد الوافي ابو عبد الله احمد الوافي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
الدولة: بسكره
المشاركات: 80
إرسال رسالة عبر Skype إلى ابو عبد الله احمد الوافي
افتراضي

أحــســن الله إليگــ .
واصــــــل وصــــلــــگـ الله بـــــگــــرمــــه و فــــضـــلــه .
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 08 Apr 2018, 06:20 PM
أبوعبدالرحمن عبدالله بادي
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي


جزاك الله خيرا أخي أحمد على تشجيعك ودعائك.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منهج, مسائل, تسلط الصغارعلى الكبار

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013