منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
  #1  
قديم 09 Apr 2019, 11:47 PM
أبو بكر يوسف قديري أبو بكر يوسف قديري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 162
افتراضي إتحاف الصُوّام الفضلاء بثلاث قواعدَ في الإمساك والقضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال ابنُ جُـزَيٍّ في "القوانين الفقهية" ص83:
(الْبَاب الثَّامِن فِي لَوَازِم الْإِفْطَار وَهِي سَبْعَة:
الْقَضَاء، وَالْكَفَّارَة الْكُبْرَى، وَالْكَفَّارَة الصُّغْرَى وَهِي الْفِدْيَة، والإمساك، وَقطع التَّتَابُع، والعقوبة، وَقطع النِّيَّة.)
وسيكون موضوعُ هذا المقال: القضاءَ والإمساكَ فقط، وذلك بذكر ثلاث قواعدَ توضّحُ مواطنَ وجوبهما:

القاعدة الأولى: من أفطر متعمِّدًا لزمه القضاء والإمساك معًا.

القاعدة الثانية: من أفطر خطأً أوْ صار في أثناء اليوم من أهل الوجوب لزمه الإمساك فقط.

القاعدة الثالثة: من أفطر لعذر مبيح ثم زال عذره لزمه القضاء فقط.


القاعدة الأولى
من أفطر متعمِّدًا لزمه القضاء والإمساك

أوّلًا: القضاء
اتفق الأئمة الأربعة على وجوب القضاء على المفطر المتعمّد كما نقله ابن هُبيرة في "إجماع الأئمة الأربعة واختلافهم"1 299/1.
الأدلة:
1/ الزيادة التي وردتْ في حديث المجامع في نهار رمضان: "صُمْ يومًا واستغفر الله".
رواها أبو داود (2393) وغيره من حديث أبي هريرة، وقال الألباني في "الإرواء" 93/4: (صحيح بمجموع طرقه وشواهده).

قال ابن حجر في "الفتح 172/4" (وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ كُلّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)، ثمّ قال: (وَوَقَعَتِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ تَعْرِفُ أَنَّ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلًا)

2/ حديث عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه – مثل حديث المجامع – وفيه زيادة: "وأَمَرَه أن يصومَ يومًا مكانه".
رواه الإمام أحمد في المسند (6945) وغيره - وصحّح سندَه أحمد شاكر -، وابن خزيمة (1955) – وحسّن إسنادَه الأعظمي محقّقه -.

3/ عموم حديث "دينُ الله أحقّ أن يُقضى".
رواه الشيخان (البخاري في كتاب الصوم /باب من مات وعليه صوم، ومسلم 1148) من حديث ابن عبّاس.2

4/ القياس على وجوب القضاء على المريض والمسافر والحائض والنفساء:
قال ابنُ باز كما في "فتاوى نور على الدرب" ص346/17:
(فمن ترك الصوم شهرًا، أو أكثر، أو أقلّ فعليه القضاء، ما دام مسلمًا يصلّي وليس معه ما يوجب ردته وكفره، فإن عليه القضاء؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الحُيّضَ بقضاء الصوم فعليهنَّ القضاءُ، وهكذا من تعمّدت ترك الصوم بغير عذر ولكنها تصلي، فإنّ عليها القضاء أيضًا، وهكذا الرجل الذي تساهل في الصيام وهو مسلم يصلي، فإنه يقضي أيضًا، ويتحرّى الأيام التي تركها، إذا كان لا يعلمها يتحرّى ويعمل بظنه في ذلك ويقضي.)

5/ القياس على من أفسدَ حجَّه بالجماع:
قال ابن عبد البرّ في "الاستذكار" ص312/3:
(وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عُقُوبَةٌ لِلذَّنْبِ الَّذِي رَكِبَهُ، وَالْقَضَاءَ بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ، فَكَمَا لَا يُسْقِطُ عَنِ الْمُفْسِدِ حَجَّهُ بِالْوَطْءِ الْبَدَلُ إِذَا أَهْدَى فَكَذَا قَضَاءُ الْيَوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)

أقوال أخرى:
هناك قولان آخران في المسألة هما وجهان عند الشافعية: أحدهما: أنّه لا يقضي من أفطر متعمّدًا3، والآخر: أنّه يقضي إن كفّر بالعتق أو الإطعام، ولا يقضي إن كفّر بالصوم وهو مذهب الأوزاعي)
ذَكـر ابنُ حجر في "الفتح " 172/4 شيئًا مِمّا يدلُّ عليه حديثُ المجامِع في نهار رمضان ثمّ قالَ:
(وَعَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ الْمُجَامِعُ اكْتِفَاءً بِالْكَفَّارَةِ إِذْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِقَضَائِهِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ يَقْضِي إِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَهُوَ وَجهٌ للشَّافِعِيَّة أَيْضا. قَالَ ابنُ الْعَرَبِيّ: إِسْقَاط الْقَضَاء لَا يشبهُ منصبَ الشَّافِعِيِّ إِذْ لَا كَلَامَ فِي الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْعِبَادَةَ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّمَا هِيَ لِمَا اقْتَرَفَ مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَأَمَّا كَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.)

ثانيًا: الإمساك
يجب على من انتهك حرمةَ رمضان أن يُمسك بقية يومِه (لأنه يحرُم عليه تعاطي ما ينافي الصوم)4 دون عذر شرعيّ،وحُكيَ الإجماع على ذلك5.
قال ابنُ قدامة في "المغني" 145/3:
(وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ لَهُ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُفْطِرِ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، أَوْ النَّاسِي لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَنَحْوِهِمْ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ. لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.)6

ولا إمساكَ على من أفطر في صومِ غيرِ رمضان؛
قَالَ ابنُ جُـزَي في "القوانين الفقهية" ص125:
(وَأَمَّا إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ، فَيُؤْمَرُ بِهِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً، عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، لاَ مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ مُبِيحٍ.)

القاعدة الثانية

من أفطر خطأً أوْ صار في أثناء النهار من أهل الوجوب لزمه الإمساك فقط

من صُوَر ذلك: من أفطر ناسيًا، أو ظنّ أن الفجر لم يطلُعْ، أو ظنّ أن الشمس غربت، ومَنْ علِم بالوجوب أثناء النهار، أو صبيٌّ بلغَ أو مجنون أفاق أو كافر أسلم.

1/ من أفطر ناسيًا
يجب عليه الإمساك دون القضاء خلافًا للمالكية الذين أوجبوا القضاء أيضًا، والدليل ما يأتي:
- حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" رواه الشيخان (البخاري كتاب الصوم /باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا ومسلم 1155)
- ورواه ابنُ خزيمةَ بلفظ "مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْر رَمَضَان نَاسِيًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَة" (1990) وقال الألباني: إسناده حسن
- حديثُ أَبِي سَعِيدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَكَلَ فِي شَهْر رَمَضَان نَاسِيًا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ". رواه الدارقطني (2240) وقالالحافظ في "الفتح" 157/4: (وَإِسْنَادُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ صَالِحٌ لِلْمُتَابَعَةِ، فَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْحَدِيثِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فَيَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاحْتِجَاجُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ، وَيَعْتَضِدُ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَدْ أَفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غير مُخَالفَة لَهُم مِنْهُم كَمَا قَالَه ابن الْمُنْذر وابن حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بنُ ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وابن عُمَرَ، ثُمَّ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ}فَالنِّسْيَانُ لَيْسَ مِنْ كَسْبِ الْقَلْبِ، وَمُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ فِي إِبْطَالِ الصَّلَاةِ بِعَمْدِ الْأَكْلِ لَا بِنِسْيَانِهِ فَكَذَلِك الصّيام.
وَأمّا الْقيَاس الَّذِي ذكره ابنُ الْعَرَبِيِّ7 فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ، وَرَدُّهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ صِحَّتِهِ بِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالصِّيَامِ فَمَنْ عَارَضَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ أَدْخَلَ قَاعِدَةً فِي قَاعِدَةٍ، وَلَوْ فُتِحَ بَابُ رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِمِثْلِ هَذَا لَمَا بَقِيَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَلِيلُ.) قال: (وَفِي الْحَدِيثِ لُطْفُ اللَّهِ بعباده والتيسيرُ عَلَيْهِم وَرفعُ الْمَشَقَّةِ والحرجِ عَنْهُم.)

2/ من أكل يظنّ8 أن الشمس قد غربت
يجب عليه الإمساك9 دون القضاء خلافًا للجمهور، والدليل:
- حديثُ أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: أفطرناعلى عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم يومَ غيمٍ ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بدٌّ من قضاء. أخرجه البخاري في الصوم /باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس.
قال ابنُ حجر في "الفتح" 200/4:
(وَجَاءَ تَرْكُ الْقَضَاءِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة وَاخْتَارَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ فَقَالَ قَوْلُ هِشَامٍ لَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ لَمْ يُسْنِدْهُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عِنْدِي أَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءً.)
قال عبد الرحمن بن قاسم في "حاشية الروض المربع" 406/3:
(وعنه [الإمام أحمد]: لا قضاء عليه. اختاره الشيخُ [ابن تيمية]وغيره، وقال: ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس، ولم يذكر في الحديث أنهم أُمروا بالقضاء، ولو أمرهم لشاع ذلك، كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يأمرهم به، وقول هشام: أوَ بُدٌّ من قضاء. برأيه، وثبت عن عمر أنه أفطر، ثم تبين النهار، فقال: لا نقضي، فإنا لم نتجانف لإثم. قال: وهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب، والسنة، والقياس.)

3/ من أكل شاكًّا10 في طلوع الفجر
يجب عليه الإمساك11 دون القضاء؛(لأنّ الله سبحانه وتعالى قال:{فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}[البقرة: 187] وضد التبين الشك والظن، فما دمنا لم يتبين الفجر لنا فلنا أن نأكل ونشرب؛ لقوله تعالى:{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وهذا من الخطأ. ولحديث أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ حيث أكلوا يظنون غروب الشمس، ثم طلعت؛ وإذا كان هذا في آخر النهار فأوله من باب أولى؛ لأن أوله مأذون له في الأكل والشرب حتى يتبين له الفجر.) (والصواب أنه لا قضاء عليه ولو تبين له أنه بعد الصبح؛ لأنه كان جاهلاً؛ ولأن الله أذن له أن يأكل حتى يتبين، ومن القواعد الفقهية المقررة أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، أي:ليس له حكم لأنه مأذون فيه.)12

4/ من أصبحَ مُفطرًا ثمّ علم بالرؤية أثناء اليوم:
أوّلًا: وجوب الإمساك
وذلك لحديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: "أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ"رواه البخاري في كتاب الصوم /بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ومسلم (1135)
ولأنه ثبت أن هذا اليوم من رمضان فوجب إمساكه.13
ثانيًا: عدمُ وجوب القضاء
مذهبُ عامّةِ العلماء وجوبُ القضاء،
قال ابنُ عثيمين14:
(وَوَجْهُ ذلك أن من شرط صحة صيام الفرض أن تستوعب النيةُ جميعَ النهار، فتكون من قبل الفجر، والنية هنا كانت من أثناء النهار فلم يصوموا يومًا كاملًا، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكلِّ امرئ ما نوى")
والقولُ الثاني عدمُ وجوبِ القضاء وهو قولُ عمرَ بن عبد العزيز ونصره ابنُ حزم واختاره ابنُ تيمية،
قال ابنُ عثيمين15:
(وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يلزمهم الإمساك ولا يلزمهم القضاء وَوَجْهُ ذلك أن أكلهم وشربهم قبل قيام البينة كان مباحًا، قد أحلّه الله لهم فلم ينتهكوا حرمة الشهر، بل كانوا جاهلين بنوْا على أصل وهو بقاء شعبان فيدخلون في عموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}،
فَهُمْ كمن أكل ظانًّـا بقاءَ الليل فتبيّنَ أن الفجر قد طلع، أو أكل ظانًّـا غروبَ الشمس فتبيّنَ أنها لم تغرب، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أسماءَ بنت أبي بكر -رضي الله عنهما-قالت: أفطرنا فـي يوم غيم على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم طلعت الشمس16، ولم ينقل أنهم أُمروا بالقضاء.
وأجاب ـ رحمه الله ـ عن كونهم لم يَنْـوُوا قبل الفجر بأن النية تتبع العلم، ولا علم لهم بدخول الشهر، وما ليس لهم به علم فليس بوسعهم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولهذا لو أخروا النية بعد علمهم بدخول الشهر لم يصحّ صومهم.)
قال ابنُ القيم في "زاد المعاد" 71/2:
(وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ أَهْلَ قُبَاء بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّوْا بَعْضَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ إِذْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ وُجُوبُ التَّحَوُّلِ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وُجُوبُ فَرْضِ الصَّوْمِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ بِسَبَبِ وُجُوبِهِ، لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقَضَاءِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ تَرَكَ التَّبْيِيتَ الْوَاجِبَ، إِذْ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْمُبَيَّتِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ.)
قال ابنُ حزم في "المحلّى" 164/6:
(وَكَذَلِكَ مَنْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ هِلَالَ رَمَضَانَ رُئِيَ الْبَارِحَةَ - فَسَوَاءٌ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَطِئَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - فِي أَيِّ وَقْتٍ جَاءَ الْخَبَرُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَوْ فِي آخِرِهِ كَمَا ذَكَرْنَا -: فَإِنّه يَنْوِي17 الصَّوْمَ سَاعَةَ صَحَّ الْخَبَرُ عِنْدَهُ، وَيُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ، وَيُجْزِئُهُ صَوْمُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَوْمُهُ بَاطِلٌ.) واحتجّ بحديث سلمةَ السابق ثمّ قال: (وَسَمَّى - عليه السلام- مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ صَائِمًا، وَجَعَلَ فِعْلَهُ صَوْمًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَف: ...إلخ)

5/ أن يَبلغ الصبيّ أو يُفيق المجنون أو يسلم الكافر
قال ابنُ عثيمين في "الشرح الممتع" 334/6:
(أفادنا المؤلف18 -رحمه الله تعالى- أن من قام به سببُ الوجوب أثناء نهار رمضان مثل أن يُسلم الكافرُ أو يبلغ الصغير أو يفيق المجنون فإنه يلزمهم الإمساك والقضاء، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو قول أبي حنيفة وسبق دليله وتعليله.
القول الثاني: لا يلزمهم إمساك ولا قضاء وهو الرواية الثانية عن أحمد.
والقول الثالث: يلزمهم الإمساك دون القضاء وذُكر روايةً عن أحمد واختيار الشيخ تقي الدين (شيخ الإسلام ابن تيمية) وهو مذهب مالك وهو الراجح؛ لأنهم لا يلزمهم الإمساك في أوّل النهار لعدم شرط التكليف وقد أتوْا بما أُمِروا به حين أمسكوا عند وجود شرط التكليف، ومن أتى بما أُمِر به لم يُكلّف الإعادة.)

القاعدة الثالثة
من أفطر لعذر مبيح ثم زال عذره لزمه القضاء فقط

أوّلًا: وجوب القضاء
لا خلاف في وجوب القضاء على منْ أفطر لعذر مثل:
- المريض والمسافر إذا أفطرا لقول الله تعالى {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ}
- الحائض والنفساء لحديث عائشة -رضي الله عنها-: كَانَ يُصيبُنا ذَلكَ فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ. متفق عليه واللفظ لمسلم 335
- مَنِ اضْطُرَّ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ مِنْ شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فَأَفْطرَ، وَمنْ أفطر لإنقاذ معصومٍ، وَمُرْضِعٌ مَاتَ وَلَدُهَا ...إلخ

ثانيًا: عدم وجوب الإمساك
قال ابنُ قدامة في "المغني" 387/4:
(فَأَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِـي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِرِ، ... وَالْمَرِيضِ، إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ ، ... وَصَحَّ الْمَرِيضُ الْمُفْطِرُ، فَفِيهِمْ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالْعَنْبَرِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الصِّيَامَ، فَإِذَا طَرَأَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ، كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالرُّؤْيَةِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ"19. وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَإِذَا أَفْطَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَهُ إلَى آخِرِ النَّهَارِ، كَمَا لَوْ دَامَ الْعُذْرُ.)

وقال ابنُ عثيمين" في الشرح الممتع" 335/6:
(وأما الإمساك فكلام المؤلف20 ـ رحمه الله ـ يدلّ على وجوبه وهو المذهب؛ لأنهم إنما أفطروا لمانع وقد زال والحكم يزول بزوال علته، وعن أحمد رواية أخرى: لا يلزمهم الإمساك؛ لأنهم يجوز لهم الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً، فقد حلّ لهم في أول النهار الأكل والشرب وسائر ما يمكن من المفطّرات، ولا يستفيدون من هذا الإمساك شيئاً، وحرمة الزمن قد زالت بفطرهم المباح لهم أول النهار، وقد روي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: "من أكل أول النهار فليأكل آخره" يعني أن من حلَّ له الأكلُ في أوّل النهار حلَّ له الأكل في آخره.)

وأما القياس على من علم بدخول الشهر في أثناء اليوم فقد قال ابنُ عثيمين كما في "مجموع فتاواه" 103/20: (وهذا القياس فيه نظر.
أولاً: لأنّ من قامت عليه البينة في أثناء النهار لا يباح له الفطر في أوّل النهار لو علم بالهلال، فلم يكن ممن يباح له الفطر ظاهراً وباطناً، وحقيقته أنه يحرم الفطر، لكن هو معذور بعدم العلم فلم يكن عليه حرج في أكله قبل العلم بالهلال فأشبه الناسي.
ثانياً: ولأن من قامت عليه البينة في أثناء النهار فأمسك له فائدة من الإمساك، على قول شيخ الإسلام رحمه الله ومن وافقه، وذلك أن هذا الإمساك يفيده ويسقط عنه القضاء، فلا قضاء عليه على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية،لأنه معذور بالأكل حيث لم يعلم بالهلال مع أنّ أبا الخطاب ذكر رواية: لا يلزمه الإمساك، وقاله عطاءٌ من التابعين، فإذا تبيّن أنه ليس مع القائلين بوجوب الإمساك على الحائض إذا طهرت والمسافر إذا قدم، إلا مجرّدُ القياس على ما إذا قامت البينة في أثناء النهار، وأن هذا القياس فيه نظر؛ لعدم مساواة الفرع للأصل، إذا تبين ذلك فالأصل براءة الذمة وعدم الوجوب، ولكن ينبغي أن لا يظهر الأكل والشرب علنًـا إذا كان في ذلك مفسدة.)
وقال في "الشرح الممتع" 381/4:
(مسألة: من أفطر لإنقاذ معصوم هل يلزمه الإِمساك بقية اليوم كمَن رأى شخصًا غرق في الماء ولا يستطيع أن ينجيه من الغرق إلا إذا أفطر بأكل أو شرب فأفطر ثم أنقذه وأنجاه؟
الجواب: لا يلزمه على القول الراجح؛ لأنه أفطر بسبب مباح. بخلاف الرجل الذي بلغ في أثناء اليوم فإنه يلزمه الإِمساك.)
هذا ما تيسّر جمعُه، وصلّى الله على نبيّه محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم



كتبه: يوسف قديري
ليلة الأحد 04 رمضان 1439 هـ في مغنية

--------------------------------
1- ويُسمّى أيضًا "الإشراف على مذاهب الأشراف" وهو قطعة من كتابه الكبير "الإفصاح عن معاني الصحاح" الذي شرح فيه "الجمع بين الصحيحين" للحُميدي.
2- تنبيه: وقع هذا الحديثُ في المسند (3420 ط أحمد شاكر) بلفظ: عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أتتْه امرأة فَقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر رمضان، أفأقضيه عنها؟، قال: "أرأيتَكِ لو كان عليها دَينٌ كنت تَقْضينه"؟= = قالت: نعم، قال: "فدَيْن الله عز وجل أحقُّ أن يُقْضَى".
وفي طبعة الرسالة: وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، وقال محقّقوها:
(في (م) والأصول التي بأيدينا غير (ظ9) و (ظ14) : "صوم شهر رمضان" وهو خطأ، وما أثبتناه من (ظ9) و (ظ14) وهو موافق لما في "أطراف المسند" 1/ورقة 112، و"إتحاف المهرة" 3/ورقة 14.)
3- وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين، انظر "تعليقات على الاختيارات الفقهية" ص176.
وأقوى ما استدلّ به أصحاب هذا القول: أن القضاء يكون بأمر جديد، وهو مردود بما تقدّم من الأدلّة.
4- قاله العلامة عبد الرحمن بن قاسم في "حاشية الروض المربع" 410/3.
5- لكن روى ابنُ أبي شيبة في "مصنّفه" عن عطاء (9349) والحسن (9351) أنّ الإمساكَ غير واجب عليه.
6- سيأتي ذكر من أكل يظنّه ليلًا فبان نهارًا.
7- قاسه على من نسي ركعةً في الصلاة كما في "الفتح" 156/4.
8- وأحرى إن تيقّن، أمّا إذا شكَّ (فلا يجوز أن يأكل مع الشك في غروب الشمس، وعليه القضاء ما لم نعلم أنه أكل بعد غروب الشمس، فإن علمنا أن أكله كان بعد الغروب، فلا قضاء عليه.) "الشرح الممتع" 396/6.
9- تقدّم ذكر الإجماع على وجوب الإمساك في الهامش رقم 6.
10- وأحرى إذا كان يظنّ أو تيقّن أن الفجر لم يطلع ثم ظهر العكس فإنّه لا يقضي أيضًا.
11- تقدّم ذكر الإجماع على وجوب الإمساك في الهامش رقم 6.
12- قاله ابن عثيمين في "الشرح الممتع" 393/6.
13- الشرح الممتع 331/6
14- المرجع السابق.
15- المرجع السابق. تنبيه:رجّح الشيخ ابن عثيمين في هذه المسألة وجوبَ القضاء، وهي من المسائل التي خالف فيها شيخَ الإسلام ابنَ تيمية.
16- أخرجه البخاري في الصوم/ باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس. أما حديث"فأتمّوا بقية يومكم واقضوه" فقد رواه أبو داود (2447)وقال عنه الألباني: منكر وقال: ("واقضوه"وهو موضع النكارة في الحديث، وإلا؛ فسائره صحيح؛ له شواهد كثيرة في "الصحيحين"وغيرهما، وقد خرجت طرفًا كبيرًا منها في "الصحيحة"(2624) . ولذلك؛ قال ابنُ القيم في "تهذيب السنن"(3/ 325) :"قال عبد الحق: ولا يصحّ هذا الحديث في القضاء، قال:ولفظة: "اقضوه"، تفرد بها أبو داود؛ ولم يذكرها النسائي".) "الضعيفة" (5199).
17- في الشاملة (فَإِنْ يَنْوِيَ) وهو خطأ.
18- هو الحجّاوي صاحب "زاد المستقنع".
19- رواه سعيد بن منصور في "التفسير" من سننه 279 وقال محقّقه: سنده ضعيف للانقطاع بين يحيى بن الجزّار وابن مسعود.
20- صاحب زاد المستقنع.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13 Apr 2019, 11:26 AM
أبو سّلاف بلال التّمزريتي أبو سّلاف بلال التّمزريتي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
الدولة: الجزائر
المشاركات: 48
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي يوسف على هذه الفوائد، نفع الله بك، وجعلك من سدنة العلم الأوفياء، وبلّغك منازل العلماء، وحشرك في زمرة المجاهدين والشهداء، آمين آمين آمين
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17 Apr 2019, 05:58 PM
أبو بكر يوسف قديري أبو بكر يوسف قديري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
المشاركات: 162
افتراضي

تقبل الله دعاءك أخي بلال ولك بمثله
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013