💢 حكم سجود التِّلاوة
💢 خليف الهلالي
💢 منشور في العدد (40) من مجلة الإصلاح
إنَّ من أفضل الأعمال والقربات، سجودَ العبدِ بين يدي ربِّ الأرض والسَّموات(*)، فهو من أعظم دلائل العبوديَّة، وأجلِّ مظاهر الاستكانة والضَّراعة، وأفضلِ أثواب الافتقار والطَّاعة، وهو أوَّلُ العبادات الَّتي ابتَلَى اللهُ بها خلقَه، فامتثل الملائكةُ وعصى إبليس ربَّه: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين ﴾ [البقرة: 34]، ولهذا لم يصلحِ السُّجودُ إلاَّ لله، فمَنْ سَجَدَ لغير الله فهو مُشْرِكٌ, ومن لم يسجُدْ له فهو معانِدٌ مستكبرٌ هالِكٌ.
فإذا اقترنت هذه العبادة بتلاوة كلام الله، وكان سببًا لها تأثَّرَتْ بها نفوسُ المؤمنين، ولانت لها قلوبهم، فخرُّوا ساجِدِين لله، مُعفِّرين وجوهَهم، مُمرِّغِين أنوفَهم، مُسَبِّحِين بحمد رَبِّهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون ﴾ [السجدة: 15].
وسجود التِّلاوة(1): «هو سجودٌ شرعَه الله ورسولُه عبوديَّةً عند تلاوة تلك الآيات واستماعها(2)، قُربةً إليه وخضوعًا لعظمته، وتذَلُّلاً بين يديه»(3).
فيكون سببُه هو التِّلاوة، فالإضافة فيه من باب إضافة المُسبَّب إلى السَّبب، وهو من أقوى وجوه الاختصاص(4)، قال العيني ـ رحمه الله ـ: «لا خلافَ في كون التِّلاوةِ سببًا للسُّجود، وإنَّما الاختلاف في سببيَّة السَّماع، فقال بعضُهم ليس السَّماعُ سببًا، ولذلك اقتصرت إضافة السَّجدة إلى التِّلاوة دون السَّماع، أو يُقال إنَّ التِّلاوةَ أصلٌ في الباب؛ لأنَّها إذا لم تُوجَدْ لم يوجد السَّماع، فكان ذكرها مُشتَمِلاً على السَّماع من وجه فاكتُفيَ به»(5).
اتَّفَقَ أهلُ العلم على أنَّه ليس في القرآن أكثر من خمسَ عشرة سجدةٍ، كما اتَّفقوا على مشروعيَّة السُّجود في عشرٍ منها، وهي: سجدة الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والأولى الَّتي في الحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وفصلت، ثمَّ اختلفوا في السُّجود في ثانية الحج، وص، وفي الثَّلاث اللَّواتي في المفصَّل النجم، الانشقاق، العلق.
ثمَّ إنَّ العلماءَ اختلفوا في حكم سجود التِّلاوة في حقِّ التَّـالي(6) والمستمع(7) والسَّامع( 8 ) بعدَ اتِّفاقِهم على مشروعيَّتِه لهم، قال النَّووي ـ رحمه الله ـ: «فقد أجمعَ العلماءُ على الأمر بسجود التِّلاوة، واختلفوا في أنَّه أمرُ استحباب، أم إيجاب» اهــ(9).
أمَّا التَّـالي:
فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأوَّل: أنَّ السُّجودَ واجبٌ في حقِّه مُطلَقًا في الصَّلاة وخارجِها، وهو مذهبُ الحنفيَّة(10) وأحمد في رواية(11)، واختارها ابن تيمية(12)، وقد استدلَّ هؤلاء بما يلي:
ـ قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون* وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُون﴾ [الانشقاق: 20 ـ 21]، قالوا: فإنَّ اللهَ ذمَّهم على ترك السُّجود، وإنَّما استحقُّوا ذلك بترك الواجب، فرُدَّ عليهم بأنَّ المقصودَ بالذَّمِّ مَنْ تَرَكَ السُّجودَ غير مُعتقِدٍ فضلَه، أو مشروعيَّتَه، أو مَنْ تركَهُ تكذيبًا واستكبارًا.
ـ قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: 19]، قالوا: وهذا أمرٌ بالسُّجود، ومطلقُ الأمر يقتضي الوجوب.
ـ ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يا ويْلَهُ! أُمِرَ ابنُ آدَمَ بالسُّجُودِ فسَجَدَ فلَهُ الجَنَّةُ، وأُمِرْتُ بالسُّجُودِ فأَبَيْتُ فلِيَ النَّارُ»(13)، قالوا: قوله ﷺ: «أُمِرَ» دليلٌ على الوجوب.
ونوقشوا بأنَّ الأمرَ يقتضي الوجوب إذا خلا عن القرائن الصَّارفة عنه إلى غيره، وقد وُجد الصَّارفُ له كما سيأتي في أدلَّة القول الثَّاني.
ـ قالوا: لو لم يكُنْ واجِبًا لمَا جَازَ أداؤه في الصَّلاة؛ لأنَّ أداءه زيادةُ سجدةٍ، وهو تَطَوُّعٌ يُوجِبُ الفسادَ(14).
القول الثَّاني: أنَّه سنَّةٌ مُطلَقًا، وهو ما ذهب إليه المالكيَّة(15) والشَّافعيَّة(16) وأحمد في الرِّواية المشهورة عنه(17) وبها أخذَ أكثرُ أصحابه، وابن حزم(18)، وقد استدلَّ هؤلاء بما يلي:
ـ حديث زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ ﴾ فلم يسجُدْ فيها»(19)، فلو كان السُّجودُ واجبًا لسَجَدَ رسولُ الله ﷺ، وأمر به زَيْدًا.
ـ ما جاء عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: «قَرَأَ رسولُ الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلمَّا بَلَغَ السَّجدةَ نَزَلَ فسجد، وسجد النَّاسُ معه، فلمَّا كان يومٌ آخر قرأها فلمَّا بَلَغَ السَّجدة تشزَّنَ(20) النَّاس للسُّجود فقال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا هيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، ولَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تشزَّنْتُم للسُّجود» فنزل فسجد وسجدوا(21).
ـ ما ثبت عن عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ، أنَّه قرأ سورة النَّحل على المنبر يوم الجمعة حتَّى إذا جاء السَّجدة نَزَلَ فسجد وسجد النَّاسُ، حتَّى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتَّى إذا جاءت السَّجدة قال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بالسُّجُودِ، فمَنْ سجَد فقد أَصَاب، ومَن لم يَسْجُدْ فلا إِثْمَ عليه»، ولَمْ يسجد عمر ـ رضي الله عنه ـ، وفي رواية «إنَّ اللهَ لم يفرض السُّجود إلاَّ أنْ نشاء»(22)، قال النَّووي ـ رحمه الله ـ: «وهذا الفعل، والقول من عمر ـ رضي الله عنه ـ في هذا الموطن، والمجمع العظيم دليلٌ ظاهرٌ في إجماعهم على أنَّه ليس بواجب»(23).
ـ ما رُوِيَ أنَّ رجلاً قرَأَ عند رسول الله ﷺ آيةَ سجدةٍ فسجد، وقرأها آخر فلم يَسْجُدْ، فلمَّا سُئل النَّبيُّ ﷺ عن ذلك قال: «كُنْتَ إِمَامَنَا فَلَوْ سَجَدتَّ سَجَدْنَا»(24) قالوا: فلم يأمره ﷺ بالسُّجود وأقرَّه على تركه.
ـ ما رُوِيَ عنه ﷺ أنَّه لم يسجد في المُفصَّل(25)، وبما ثبت عنه أنَّه سجد في ﴿وَالنَّجْمِ ﴾(26) وفي ﴿إذا السماء انشقت﴾ وفي: ﴿اقرأ باسم ربك﴾(27) قال ابن رشد: «وجه الجمع بين ذلك يقتضي أن لا يكونَ السُّجودُ واجبًا، وذلك بأنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهم حدَّث بما رأى، مَنْ قال: إنَّه سَجَدَ، ومَن قال: إنَّه لم يسجد»(28).
ـ أنَّه يُفعل في السَّفر على الرَّاحلة، فلا يكون واجبًا؛ لأنَّه في حكم سجود النَّوافل(29).
ـ أنَّه ليسَ هناك نصٌّ صريحٌ في القرآن، ولا في السُّنَّة، ولا إجماعٌ من سَلَفِ الأمَّة على وجوب سجود التِّلاوة، والواجبات لا تُؤخَذُ إلاَّ مِنْ أَحَدِ هذه الوجوه الثَّلاثة(30).
ـ أنَّ الأصلَ عدم الوجوب حتَّى يثبُتَ دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في الأمر به، مِنْ غيرِ مُعارِض له(31).
القول الثَّالث: أنَّه واجبٌ في الصَّلاة مسنونٌ خارجَها، وهو روايةٌ لأحمد(32)، ولعلَّ مُسْتَنَدَه في ذلك ما ثبت من مواظبته ﷺ على السُّجود داخلَ الصَّلاة مع ما نُقل عنه من عدم سجوده أحيانًا خارجَ الصَّلاة، كما في حديث زيد ابن ثابت ـ رضي الله عنه ـ.
التَّرجيح:
الَّذي يظهرُ هو رجحان القول الثَّاني وهو عدم وجوب السُّجود، لقُوَّة ما بُنِيَ عليه من أدلَّةٍ مع سلامتها من المعارض، في مقابل ضعف ما أورَدَه الموجبون للسُّجود من أوجه الاستدلال، قال ابن عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «وليس قولُ مَنْ أوجبَها بشيءٍ، والفرائض لا تجبُ إلاَّ بحُجَّة لا معارضَ لها» اهـــ(33).
أمَّا المستمع:
فقد اختلفَ أهلُ العلم في حكم سجود التِّلاوة له على قولين:
القول الأوَّل: أنَّه واجب، وإليه ذهب الحنفيَّة(34) وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية(35).
وقد استدَلَّ هؤلاء بما استدلَّ به مَنْ قَالَ بوجوبه على التَّالي وزادوا عليه:
ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون﴾ [السجدة: 15]، قالوا: وهذا مِن أَبْلَغِ الأمر والتَّخصيص؛ فإنَّه تعالى نفَى الإيمان عمَّنْ ذُكِّرَ بآيات ربِّه ولم يَسجُد إذا ذُكِّرَ بها(36)، ونوقش بأنَّ المرادَ به التزام السُّجود واعتقاده؛ فإنَّ فِعلَه ليس شرطًا في الإيمان إجماعًا، ولهذا قرنه بالتَّسبيح(37).
ـ ما رواه عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقرأُ علينا السُّورة فيها السَّجدة فيسجد، ونسجد معه حتَّى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته»(38).
ـ ما رواه عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «قرأ النَّبيُّ ﷺ النَّجم بمكَّةَ فسجد فيها وسجد من معه، غيرَ شيخ(39) أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا»(40).
ـ ما صحَّ عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: «إنَّما السَّجدة على مَن استمعها»(41)، قالوا: (عَلَى) كلمةُ إيجاب؛ فدلَّ على وجوب السُّجود.
القول الثَّاني: أنَّه سُنَّة في حقِّ المستمع، وبه قال الجمهور، وهم المالكيَّة(42) والشَّافعيَّة(43) والحنابلة وهو المذهب عندهم(44)، وهو ظاهر مذهب ابن حزم(45)، وقد احتجَّ هؤلاء بما احتجُّوا به على عدم وجوبه على التَّالي، وهذا من باب أولى.
أمَّا السَّامع: فقد اختُلف في حكم سجوده على الأقوال التَّالية:
القول الأوَّل: أنَّه واجبٌ، وهو مذهب الحنفيَّة(46) واحتجُّوا:
ـ بما سبق من الاستدلال على وجوبها للتَّالي، والمستمع، وقالوا إنَّ الأدلَّة مُطلَقةٌ غيرُ مُقيَّدة بالقصد(47).
ـ وبما رُوِيَ عن ابن عمر: «إنَّما السَّجدة على مَن سمِعها»(48).
القول الثَّاني: أنَّه سُنَّة، وهو مذهب الشَّافعيَّة(49) والحنابلة في وجه(50) وقد احتجَّ هؤلاء بما استدلُّوا به على سنِّيَّته في حقِّ المستمع.
القول الثَّالث: أنَّه سُنَّةٌ، ولكن لا يتأكَّدُ في حقِّه تأكُّدَه في حقِّ المستمع، وهو وجه عند الشَّافعيَّة(51).
القول الرَّابع: أنَّه غيرُ مشروعٍ في حقِّه، وهو مذهب المالكيَّة() والشَّافعيَّة في وجهٍ ـ أيضًا ـ(53) والحنابلة في المذهب(54) وقد احتجَّ هؤلاء بما يلي:
ـ ما رُوِيَ عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنَّه مرَّ بقاصٍّ فقرأ القاصُّ سجدةً ليَسْجُدَ عثمانُ معه فلم يَسْجُدْ وقال: «إنَّما السَّجدة على مَن استمع»(55).
ـ وبما رُوِيَ عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ: «إنَّما السَّجدةُ على مَنْ جَلَسَ لها»(56).
ـ ما رُوِيَ عن مُطَرِّف بن عبد الله ابن الشِّخِّير قال: «قيل لعمران بن حصين: الرَّجل يسمع السَّجدة، ولم يَجْلِسْ لها، قال: «أَرأيْتَ لو قَعَدَ لها» كأنَّه لا يُوجِبُه عليه»(57).
ـ وقالوا: لأنَّ غيرَ القاصد لم يشارك التَّالي في الأجر فلم يشاركه في السُّجود كغيره(58).
التَّرجيح:
الَّذي يظهر هو رجحان القول الرَّابع القائل بعدم مشروعيَّة سجود التِّلاوة للسَّامع، ومَنْ قال: إنَّه سامعٌ للسَّجدة فيُسَنُّ له السُّجود كالمستمع؛ إذ مبناه على الخضوع لله، وليس لتحصيله أجر التِّلاوة، كما هو القول الثَّاني، فله وجه، والله أعلم.
ومع اتِّفاق أصحاب المذاهب الأربعة على مشروعيَّةِ السُّجود للمستمع، والسَّامع، فقد اختلفوا في الشُّروط الواجب تحصيلُها لِكَيْ يُشرعَ لهما السُّجود.
ـ فقد ذهب مالكٌ في المشهور عنه(59) والحنابلة في المذهب(60) والشَّافعيَّة في وجه(61) إلى اشتراط كون التَّالي يَصلُحُ لأَنْ يكون إمامًا حتَّى يُشرَعَ السُّجود لتلاوته.
ـ وذهب الحنفيَّة(62) ومالكٌ في رواية عنه(63) والشَّافعيَّة في الأصحِّ عندهم(64)، والحنابلة في قولٍ(65) إلى أنَّه لا يُشتَرط ذلك، قالوا: لأنَّ سببَه استماعُ آيةِ السُّجود، وهو حاصلٌ بتلاوةِ مَنْ لا يصلُحُ للإمامة.
والَّذي يَظهَرُ عدمُ اعتبار هذا الشَّرط؛ لأنَّ سجودَ التِّلاوة لا يُعَدُّ صلاةً، وعليه فلا يُشرَعُ له إمامةٌ ولا ائتمامٌ، والله أعلم.
الشَّرط الثَّاني: سجودُ التَّالي لكي يسجدَ المُستمِعَ، والسَّامع، وقد اختلف العلماءُ في اشتراط ذلك على قوليْن:
الأوَّل: ذهب الحنفيَّة(66) والمالكيَّة(67) والشَّافعيَّة في المذهب(68) أنَّه لا يُشْتَرَط، وقالوا: لأنَّ سجودَ التِّلاوة يلزم القارئَ والمستمعَ، فإذا تَرَكَ القارئُ ما نُدِبَ إليه فَعَلى المستمعِ أن يأتي به، ولأنَّ الاستماعَ موجودٌ، وهو سبب السُّجود.
الثَّاني: وذهب الحنابلة(69) والشَّافعيَّة في وجهٍ(70)وبعض المالكيَّة(71) إلى أنَّه يُشترَطُ ذلك حيث اعتبروا القارئَ إمامًا، فلا تصحُّ مخالفَتُه، وتمسَّكوا بقوله ﷺ: «إِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا، ولَوْ سَجَدتَّ سَجَدْنَا»، لكنَّه حديثٌ مُرسَلٌ كما سبق، وبما جاء عن عبد الله ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال لتميم بن حذْلم ـ وهو غلام ـ قد قرأ عليه سجدة: «اسْجُدْ فَإنَّك إِمَامُنا فيها»(72)، لكن يقال إنَّه لا دلالة فيه على امتناع السُّجود إذا لم يَسجُد التَّالي، وإن كان يسجد بسجوده، وعليه يترَجَّح القول الأوَّل، والله أعلم.
الشَّرط الثَّالث: أن يكون جلوسُهُ ليتعلَّمَ القرآن أو أحكامه، فلا يَسجُدُ الجالس لابتغاء الثَّواب، وذهب إليه أكثر المالكيَّة(73)، وذهب بعضهم(74) إلى أنَّه لا فرقَ وأنَّ العبرةَ بالاستماع، فمتى وُجِد شُرع السُّجود، ولعلَّه قولُ بقيَّةِ المذاهب حيثُ أطلقوا القولَ بمشروعيَّتِه في حقِّ المستمع دون فرقٍ ـ كما مرَّ ـ، وهو الرَّاجح؛ لأنَّ سبَبَهُ التِّلاوة، أو الاستماع وقد وُجدا.
الشَّرط الرَّابع: أن لا يكون القارئُ جلسَ ليُسمِعَ النَّاس حُسنَ قراءته، ولم يتعرَّض لهذا الشَّرط إلاَّ المالكيَّة(75)، ولعلَّه يرجع إلى الحكم بفِسقِه(76)، ورُدَّ عليهم بأنَّ غايةَ ما فيه فسقُه بالرِّياء، والمُعتَمَدُ عندهم صحةَّ إمامة الفاسق(77).