منتديات التصفية و التربية السلفية  
     

Left Nav الرئيسية التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #7  
قديم 13 Apr 2010, 07:26 PM
حسن بوقليل
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي بَابُ مَن حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسابٍ

بَابُ مَن حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسابٍ

هذا البابُ مُتَمِّم للَّذي قبلَه؛ فإنَّ من فضل التوحيد دُخولَ الجنَّة بغَير حسابٍ.

قوله: "مَن حَقَّق التَّوحِيد"، تحقيق التَّوحِيد: تخلِيصُهُ مِنَ الشِّرك، ولا يكون إلاَّ بأمورٍ ثلاثَةٍ:
الأوَّل: العِلم؛ فلا يُمكِن أن تحقِّقَ شيئًا قبلَ أَن تَعلَمه، قال الله تعالى: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" [محمد: 19].
الثَّاني: الاِعتِقاد؛ فمَن عَلِمَ ولم يَعتَقِد، واستَكبرَ لم يُحقِّق التَّوحيد، قال الله تعالى عَن الكافِرين: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ" [ص:5]؛ فمَا اعتَقدُوا انفِرادَ اللهِ بِالأُلوهِيَّة.
الثَّالث: الاِنقِيادُ؛ فمَن عَلِمَ واعتَقَدَ ولم يَنقَد لم يُحقِّق التَّوحيد، قال تعَالى: "إِنَّهُم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُم لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَستَكبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجنُونٍ" [الصافات: 35، 36].

قوله: "دَخَلَ الجَنَّة بغَير حِسابٍ"، أي: لا يُحاسَب.

وقَولُ الله تعَالى: "إِنَّ إِبرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَم يَكُ مِنَ المُشرِكِينَ" [النحل: 120]

قولُه تعَالى: "إِنَّ إِبرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً"، أي: إمامًا، وهذا ثَناءٌ مِن اللهِ ـ سُبحانَه وتعَالى ـ علَى إبراهِيم ـ عليه السَّلام ـ بأنّه إمامٌ متبوعٌ؛ لأنَّه أحدُ الرُّسل الكِرام مِن أُولي العزم، ثمَّ إنَّه ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ قُدوةٌ في أَعمالِه وأفعالِه وجِهاده.

قوله: "قَانِتًا"، القُنوت: دوَامُ الطَّاعة؛ فهو مُطِيع لله.

قوله: "حَنِيفًا"، أي: مائلاً عن الشِّرك، مجانِبًا لكُلِّ ما يُخالِف الطَّاعة، فوُصِفَ بالإثبات والنَّفي.

قوله: "وَلَم يَكُ مِنَ المُشرِكِينَ"، أي: لَم يكُن مُشركًا طُول حيَاتِه؛ فقَد كانَ ـ علَيه الصَّلاة والسَّلام ـ معصُومًا عَن الشِّرك، مع أنَّ قومَه كانُوا مُشرِكِينَ، فوَصفَهُ اللهُ بامتِناعه عَن الشِّرك استِمرارًا، وابتِداءً، والدَّليل على ذلِك: أنَّ اللهَ جعلَهُ إمامًا، ولا يَجعَلُ اللهُ للنَّاس إِمامًا مَن لَم يحقِّق التَّوحيد أبَدًا.
وثنَاءُ الله علَى أحدٍ يُقصد مِنه أَمران هامَّان:
الأوَّل: محبَّتُه، فنُحِبُّ إبراهِيم ـ علَيه السَّلام ـ.
الثَّاني: أن نَقتدِي بِه فِي هذِه الصِّفات الَّتي أثنَى اللهُ بها علَيه؛ ولنَا من الثَّناء بقَدر ما اقتَدينا بِه فِيها، قال تعَالى: "لَقَد كَانَ فِي قَصَصِهِم عِبرَةٌ لأُِولِي الأَلبَابِ" [يوسف: 111]، وقال تعَالى: "قَد كَانَت لَكُم أُسوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ" [الممتحنة: 4].
وهذِه مَسألَةٌ مهِمَّة؛ لأَنَّ الحُبَّ في اللهِ، والبُغضَ في اللهِ مِن أَوثَقِ عُرَى الإِيمان.

مناسبة الآية: أنَّ إبراهيم ـ علَيه السَّلام ـ إِمامُ المحقِّقين للتَّوحيد، بِصفاتِه المذكورَة في الآيَة.

وقوله: "والَّذِين هُم برَبِّهم لاَ يُشرِكُونَ" [المؤمنون: 59].


قوله: "وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِم لاَ يُشرِكُونَ" يُراد بِه الشِّرك بالمَعنى الأَعمِّ؛ إذ تحقيق التَّوحيد لا يكُون إلا باجتِنابِه، وليسَ معناه ألا تقَع مِنهم المَعاصي؛ ولكن إذا عَصَوا فإنَّهم يتُوبون ولا يستَمِرُّون عليها؛ كما قالَ اللهُ تعَالى: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فَاستَغفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ" [آل عمران: 135].

مناسبة الآية: أنَّ تحقِيق التَّوحيد يكُون بمُجانَبَة الشِّرك.

عَن حُصَينِ بنِ عَبدِ الرَّحمَن قالَ: كُنتُ عِندَ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، فقَالَ: أَيُّكُم رَأَى الكَوكَبَ الَّذِي انقَضَّ البَارِحَة؟ فقُلتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلتُ: أَمَا إِنِّي لَم أَكُن فِي صَلاَةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغتُ، قالَ: فَمَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: ارتَقَيتُ. قالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعبِيُّ، قالَ: وَمَا حَدَّثَكُم؟ قُلتُ: حَدَّثَنَا عَن بُرَيدَةَ بنِ الحُصَيبِ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ رُقيَةَ إِلاَّ مِن عَينٍ أَو حُمَةٍ». قَالَ: قَد أَحسَنَ مَنِ انتَهَى إِلىَ مَا سَمِعَ، وَلَكِن حَدَّثَنَا ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَت عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنتُ أَنَّهُم أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَومُهُ، فَنَظَرتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُم سَبعُونَ أَلفًا يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ».
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ. فقَالَ بَعضُهُم: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ، وقَالَ بَعضُهُم: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسلاَمِ؛ فَلَم يُشرِكُوا بِاللهِ شَيئًا.
وَذَكَرُوا أَشيَاءَ، فخَرَجَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَخبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَستَرقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَلاَ يَكتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ».
فقَامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحصَنٍ، فقَالَ: اُدعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم، قَالَ: «أَنتَ مِنهُم»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فقَالَ: اُدعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».


قوله: "انقَضَّ البَارِحَةَ"، أي: سقط البارحة.

قوله: "أَمَا إِنِّي لَم أَكُن فِي صَلاةٍ"، أي: حقًّا لم أَكُن في صلاَةٍ.
وحُصَين ـ رحمه الله ـ قالَ هذا لِئلاَّ يُظَنَّ أنَّه قائِم يُصلي؛ فيُحمَدُ بما لم يَفعَل، وهذا خِلاف ما عَليه بعضُهم؛ يَفرَحُ أنَّ النَّاس يَتوهَّمُون أنَّه يَقُوم يُصَلِّي، وهذَا مِن نَقص التَّوحِيد.

قوله: "لُدِغتُ"، أي: لَدَغَته عَقرَب أو غَيرُها، والظَّاهرُ أنها شدِيدة؛ لأنَّه لَم ينَم مِنها.

قوله: "اِرتَقَيتُ" أي: طلَبت الرُّقية.

قوله: "لاَ رُقيَةَ إِلاَّ مِن عَينٍ أَو حُمَةٍ"، أي: لا قراءة أو لا استرقاء على مريض أو مصاب، والعين: نظرة من حاسد، نَفسُه خَبِيثَةٌ، تَتَكَيَّفُ بِكَيفِيَّةٍ خَاصَّةٍ، فينبَعِثُ مِنها ما يُؤَثِّر عَلى المُصَاب، ويُسمِّيها العَامَّة الآن: "التَّابْعَة"، و"حُمَة" ـ بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها ـ لَدغَةُ ذواتِ السُّمُوم.
وهذا يدلُّ على أنَّ الرُّقية من العين أو الحُمَة مُفِيدَةٌ، وهذا أمرٌ وَاقِعٌ؛ ويدلُّ عليه قصَّة اللَّديغ.

قوله: "عُرِضَت عليَّ الأُمَم"، أي: أُمَمُ الرُّسُلِ، وهذا العَرض في المنام فيما يظهر.

قوله: "إذ رُفِعَ لي سَوَادٌ عَظِيمٌ"، أي: أشخاص عَظِيمة كانوا من كثرتهم سوادًا.

قوله: "بِغَير حِسَابٍ ولاَ عذَابٍ"، أي: لا يُعَذَّبون ولا يُحَاسَبُون كَرَامةً لهم، وظاهرُه أنه لا في قُبُورِهم، ولا بَعدَ قِيَام السَّاعة.

قوله: "لا يَستَرقُون" أي: لا يَطلُبون مِن أَحدٍ أَن يَقرأَ علَيهم، لما يلِي:
1. لقُوَّة اعتِمادهم علَى الله.
2. لعِزَّة نفُوسِهم عن التَّذلُّل لغَير الله.
3. ولما في ذلِك مِن التَّعلُّق بغَير الله.

قوله: "وَلاَ يَكتَوُونَ"، أي: لا يَطلُبون مِن أحدٍ أَن يَكوِيَهم.

قوله: "وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ"، مأخُوذ مِن الطَّير، والطِّيَرة اسم المَصدر، وأصله: التَّشاؤُم بالطَّير، ولكنَّه أعمُّ من ذلك؛ فهو التَّشاؤم بمرئِيٍّ، أو مَسمُوع، أَو زَمانٍ، أَو مَكانٍ.
وسيَأتي الكلاَمُ علَيها فِي بابِها ـ إِن شاءَ اللهُ ـ.

قَوله: "وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوكَّلُونَ": فكَون الإِنسان لاَ يُبالِي بهذِه الأُمور، هذَا هُو التَّوكُّل علَى الله، ولهذَا ختَمَ المسأَلة بذلك، فانتفاء هذه الأمور عَنهم يدُلُّ علَى قُوَّة تَوكُّلِهم.

قوله: "فقال: أنت منهم"، خبرٌ بمعنى الدُّعاء، بدلِيل رِوايَة البُخاري: "اللَّهُمَّ اجعَلهُ مِنهُم".

قوله: "ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: اُدعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم. قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"، أي: بهذِه المَنقَبة والفَضيلَة، أَو بهذِه المَسأَلة.
والنَّبي ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ خافَ أَن يَنفَتِح البَاب فيَطلُبَها مَن ليسَ مِنهُم؛ فقَال هذِه الكلِمَة الَّتي أَصبَحت مَثَلاً، وهذَا أَقرَبُ.

مناسبة الحديث للباب: أن من حقق التوحيد؛ بأن اتصف بالصفات الواردة في الحديث دخل الجنة بغير حساب.
والله أعلم.

كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
رد مع اقتباس
 

الكلمات الدلالية (Tags)
حسن بوقليل, كتاب التوحيد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013