خواطر عن شهر رمضان وعن الصيام...
آبائي الكرام، إخواني الأعزّة؛
أيّام قلائل تفصلنا عن شهر رمضان؛ الذي هو مِن أعظمِ وأشرفِ شهورِ السنة؛
شهر جمع الله فيه الفضائلَ والخيرات؛
وضمّ فيه عظيمَ الأجورِ وواسعَ الرحمات...
مَن نَظَر في هذا الشهر المبارك،
وتفكّر فيما حواه من العطايا والكرامات،
وتدبّر فيما اشتمله من الخصائص والمميّزات؛
تبيّن له -لا محالة- أنّه واحد من أعظم نِعَمِ الله على عباده المسلمين...
نعم -أيا إخوة الإيمان-؛
فشهر رمضان هو الشهر الذي اختاره ربّ العزّة والجلال لإنزال القرآن والإنجيل والتوراة والصحف والزبور؛ التي فيها الهدى والصلاح، والسعادة والفلاح.
وهذا من أعظم النِّعَم...
وشهر رمضان هو الشهر الذي اصطفاه الله تعالى لأداء فريضة الصيام.
وعنه سيأتي الكلام...
وبهذا كان هذا الشهرُ المباركُ
شهرَ الهداية والاستقامة،
شهرَ التوبة والإنابة؛
وكان شهرَ الجود والكرم،
شهر الجدّ والعمل،
شهر الإقبال على أبواب الخير،
والإدبار عن منافذ الشرّ...
وما زال الله تعالى يزيّن هذا الشهرَ بالحُلَل؛
حتّى جعله شهرَ المِنَن والبركات؛
شهرَ الصبر وتطهير البواطن من رديء الخلال؛
شهرَ المنح والاستجابة للدعوات؛
ثمّ جعل تاجَ حُلَلِه مُرَصَّعٌ بأغلى الجواهر الكريمات؛
فجعله شهرا حوى ليلةً هي خير من ألف شهر،
خيرها عميم، وفضلها عظيم،
حتّى صار لا يُحْرَمُ خَيْرَها إلّا مَن هو حقّا محروم...
وجعله شهر الستر والمغفرة للخطايا والزلّات؛
وجعله شهر العتق والخلاص من نار جهنّم، وأسافل الدركات...
فشهرٌ جَمَعَ هذه الخصال؛
أليس نعمةً من أعظم نِعَمِ ربِّنا الكبير المتعال...؟
أيّها الأحبّة الكرام الفضلاء؛
أيّام قلائل تفصلنا عن فريضة الصيام.
والصيام ركن من أركان الإسلام، وبرهان من براهين الإيمان؛
الصيام عبادة يحبّها الرحمان؛
وقربة ترضّي ربّنا الديّان؛
الصيام يربّي النفوس، ويطهّر الجَنان...
الصيام حصن من العصيان،
ومن أفضل ما يُستجلب به شمولَ الرحمة والغُفران؛
وهو من أوكد ما يَقِي من لهيب النيران؛
الصيام موعود عليه بغزير الجود والإحسان؛
تكفّل به مَن يمينه ملأى سحّاء في كلّ زمان...
الصيام يدافع عن صاحبه في القبر قبل أن يجيء الملكان؛
ويشفع له يوم يُجمَع الثقلان؛
الصيام سيّدٌ من سادات الأعمال الحسان؛
ومفتاح باب الريّان، المطلّ على أبهى الجنان.
فضائله كثيرة، وأجوره عظمية،
وآثاره عميقة، وعاقبته حميدة.
فيا له من جزاء وافر، بل أَوْفَر؛ على جهد زهيد، خلال فترة وجيزة من الزمان...
فعبادةٌ جَمَعَت هذه الخصال؛
أليست نعمةً من أعظم نِعَمِ ربِّنا الكبير المتعال...؟
فاعرفوا -عباد الله- حقيقة الصيام...
فإن قيل: يتعبني الصيام...
فقل: إنّي أتقرّب به من خالق الأكوان،
وأرجو منه أن يتغمّدني بالرحمة والغفران؛
وأن يتكرّم عليّ بأغلى الهبات والأثمان...
ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله الجنّة...
|