| |
 |
|
|
|
 |
|
 |
| |

27 Jun 2012, 02:47 PM
|
|
|
ردود علماء الإسلام ودورها في حفظ الشريعة المحمدية
بسم الله الرحمن الرحيم
ردود علماء الإسلام ودورها في حفظ الشريعة المحمدية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه
أما بعد:
فهذا جواب لفضيلة الشيخ العالم الناصح: زيد بن هادي مدخلي –حفظه الله- أجاب به عمن سأله عن الرد على أهل الأهواء هل هو من الجائز أو الممنوع ؟وهل هو من التشهير وتتبع الزلات كما يشاع عند طائفة من الناس؟ وهو جواب بليغ محرر ،زين به الجزء الخامس من كتابه "الأجوبة السديدة عن الأسئلة الرشيدة" (ص/166-192)
فلما وقفت عليه وأعجبني ما فيه من نصرة الحق وبيان الموقف الصحيح من الرد على المخالف أحببت أن أشارك إخواني بمطالعته والاستفادة منه ،وقد عزوت آثاره وعنونت له بـ:ردود علماء الإسلام ودورها في حفظ الشريعة المحمدية لأنه أكثر شيء رأيته انطباقا على محتوى الجواب ،والله الموفق.
نصّ الســؤال
هل الرد على أهل الأهواء والبدع والمجاهرين بالمعاصي يعتبر تتبعًا للزلات وتطلعًا إلى معرفة العيوب والعثرات؟ وهل التحذير من المبتدع الداعي إلى بدعته والمروّج لها يعتبر غيبة له؟ وما هو موقف علماء السلف من أهل البدع والمجاهرين بالمعاصي عمومًا؟
أفيدونا أثابكم الله ثواب العلماء الناصحين، والدعاة الحكماء المخلصين.
الجــواب
لا يعتبر الرد على أهل الأهواء والبدع والمجاهرين بالمعاصي تتبعًا للزلات, ولا يعتبر تطلعًا إلى معرفة العيوب والعثرات, ولا قصدًا لإظهار السوءات, كما يدعي ذلك من بطأ به الفهم والتبس عليه الأمر بسبب تقصيره في جنب العلم، بل إن ذلك من جنس الجهاد في سبيل الله بالقلم واللسان لما فيه من إحباط الباطل وبيان الحق ونصح الخلق، وكم من كتب قد ألفت في الرد بالقسط على أهل الأهواء والبدع والمجاهرين بالمعاصي ومناقشتهم بأدلة الكتاب والسنة حتى استقام الحق وفُهم، وتَهاوى الباطل بعضه على بعض فعُلِم، أذكر من هذه الكتب على سبيل المثال:
1- كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل مات (290 ) -رحمه الله ورحم أباه الذي أدبه بشرع الله- رد فيه على الجهمية والمعتزلة والمرجئة والخوارج وغيرهم من أهل الأهواء والبدع في زمانه.
2- كتاب السنة لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن زيد الخلال مات (311) -رحمه الله- رد فيه على الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة وغيرهم من أهل الأهواء والزيغ والبدع.
3- رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد مات (280 ) -رحمه الله- على بشر المريسي مات (218 ).
4- كتاب أصول الاعتقاد لأبي القاسم الالكائي، مات (418 )
-رحمه الله- رد فيه على الجهمية وغيرهم من فرق التعطيل موضحًا فيه منهج أهل الأثر في باب الاعتقاد ولزوم جماعة المسلمين السائرين على المنهج الحق المبين.
5- كتاب الحجة فِي بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة للإمام الحافظ أبي القاسم الأصبهاني مات (535 ) -رحمه الله- قرر فيه مذهب السلف في باب الأسماء والصفات لله t ورد فيه على المخالفين لهم من طوائف الابتداع.
6- كتاب الإبانة عن شريعة الفرق الناجية، ومجانبة الفرق المذمومة تأليف الشيخ الإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري مات (387) -رحمه الله- بيّن فيه أمورًا كثيرة من أمور العقيدة منها أمر الفتنة وغربة الدين في آخر الزمان، وبيان حال الخليقة في آخر الزمان، وأدلة الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله وولي أمر المسلمين، والحث على الاعتصام بشرع الله الوارد في الكتاب والسنة، كما حذّر في هذا الكتاب من الوقوع في المحدثات والبدع وحذر من مجالسة المبتدعين في الدين مع بيان ما في ذلك من شر مستطير وخطر كبير، وأورد أن أصل البدع أربعة أصناف، الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة، ثم تشعبت كل فرقة إلى فرق بلغ مجموعها اثنتين وسبعين فرقة، والثالثة والسبعون هم الجماعة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّها الناجية" وحث على الرد على كل صاحب بدعة وهوى ليحذره الناس ويسلموا من شر بدعته وخطر هواه, وذكر أمورًا أخرى ينبغي الإطلاع عليها والاستفادة منها إذا فهمت حق فهمها.
7- مكتبة الإمام بن تيمية (ت728) -رحمه الله-، وجلّ هذه المكتبة ردود صريحة على أهل الإلحاد في دين الله، والانحراف عن منهاج الكتاب والسنة لاسيما فيما يتعلق بعلم العقائد، وفي مقدمة هذه المكتبة العامة والموسوعات العلمية الكبرى فتاواه الَّتِي تقارب أربعين مجلدًا، ومنهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، وكتاب درء تعارض العقل والنقل الذي رد فيه على طوائف وأشخاص بالأدلة النقلية والحجج العقلية، وكتاب الرد على المنطقيين الذي رد فيه على الفلاسفة وبين فيه أن شركهم بالله وكفرهم به أشنع من شرك وكفر أهل الجاهلية, كما بين فيه أن استمداد الدين كله بجميع مراتبه من وحي الله المنَزل على كل نبي ومرسل, وليست الأمة بحاجة في أمر دينها إلى قواعد المنطق وعلم الفلسفة. إلى غير ذلك من إقامة الحجج الشرعية والعقلية الموافقة لها، لدفع الشبه الواردة من العلوم الفلسفية والقواعد المنطلقة المتعارضة مع أصول الدين وقواعده الشرعية.
وكتاب الاستقامة ،وما كنت أعلم قبل الاطلاع عليه أنه من كتب الردود على أهل الأهواء والبدع فإذا به يرد في أول فصل من فصوله على أهل الكلام الذين يزعمون أن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين بحال، وأن أصول الدين تستفاد بالقياس العقلي والأدلة العقلية، كما يرد على بعض الفقهاء الذين يقولون إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص الدالة على الأحكام الشرعية(1) كما رد في فصل آخر من أهم فصول الكتاب على المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة الذين يعظمون علم الكلام حتى يجعلون مسائله قطعية، ويهونون من شأن الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم، ورد أيضًا في نفس بحوث هذا الكتاب على منكري رؤية المؤمنين ربِّهم يوم القيامة وعلى من أثبتها بتفسير غير تفسير أهل السنة والجماعة، ورد على المتصوفة وناقش شطحاتِهم بِما لا مزيد عليه، وفي الكتاب علوم شرعية شتى لا يستغني عن الإطلاع عليها طالب علم يحب أن يكون على هدى وبصيرة من أمره.
وكتاب الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية حيث ابتدأه بالجواب على السؤال التالي: "ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل قبر نبينا محمد ج فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة وهل هذه الزيارة شرعية أم لا ؟
فاستغرقت الإجابة كتابًا مستقلاً قال في آخره: "الوجه الثاني عشر أن يقال: لا ريب أن الجهاد والقيام على من خالف الرسل والقصد بسيف الشرع إليهم وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم, نصرة للأنبياء والمرسلين وليكون عبرة للمعتبرين ليرتدع بذلك أمثاله من المتمردين ومن أفضل الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرب بِها إليه، وذلك قد يكون فرضًا على الكفاية. وقد يتعين على من علم أن غيره لا يقوم به"(2) اه
8- مكتبة الإمام بن قيم الجوزية (ت751) -رحمه الله- وفي مقدمتها كتابه القيم "الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة" الذي ناقش فيها عدة طوائف من أهل الأهواء والابتداع الذين سلكوا مسلك التعطيل والتأويل لنصوص الكتاب والسنة فضلّوا وأضلوا غيرهم عن منهج الحق, منهج أهل السنة والجماعة السلف الصالح وأتباعهم إلى يوم الدين، ومثله كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وغيرهما كثير, اعتبر الردود فيها على المخالفين لعقيدة السلف من أنواع الجهاد الأعظم في سبيل الله لما في الرد على أهل الأهواء والبدع من نصرة الحق وذويه، وقمع الباطل وصانعيه ومروجيه.
9- مكتبة الإمام الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب (ت1206) -رحمه الله- وكتب أحفاده وتلاميذه، وكم فيها من ردود على طوائف من أهل البدع وعلى أشخاص اشتهروا ببدع مكفرة ومفسقة حنى تبين الحق وظهر، واختفى باطل المبتدعين الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم الحق المبين.
هذا قليل من كثير من العلماء القدامى الربانيين الذين قرروا في مؤلفاتِهم المفيدة منهج سلفنا الصالحين من الصحابة والتابعين السائرين على هدي رب العالمين, وهدي رسوله النبي الأمين، وردوا فيها على أهل الأهواء والمبتدعين في كل أمر خالفوا فيه شيئًا مما جاء به خاتم الأنبياء وإمام المتقين وسيد المرسلين، يرجون من وراء ذلك رحمة الله ونيل رضاه، ويخشون عقوبته التي أعدها سبحانه لمن خالف أمره وعصاه. ولقد حذا حذوهم وترسم خطاهم في تقرير ونشر منهج السلف والرد على أهل الأهواء والمبتدعين كثير من علمائنا المعاصرين وزملائنا من أهل العلم والأثر, الذين يهمهم شأن الإسلام والمسلمين وتصفية جميع مراتب الدين من كل شائبة تتعلق بالعقيدة أو الشعائر أو السلوك أو منهج دعوة الأنبياء والمرسلين, أذكر منهم على سبيل المثال:
● الشيخ/ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت1386) -رحمه الله- الذي رد في كتابيه "الطليعة" و"التنكيل بِما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" على محمد زاهد الكوثري حامل لواء التجهم في زمانه الذي طعن في أئمة الحديث ورواته ورماهم بالتجسيم والتشبيه والعصبية المذهبية, حتَّى لقد تجاوز طعنه إلى بعض الصحابة رضي الله عنهم مصرحًا أن أبا حنيفة رغب عن أحاديثهم وأن قياسه مقدم عليها، وله في حق كثير من أئمة العلم همز ولمز وغمز بدون خوف من الله ولا احترام لأعراض الصالحين من عباد الله. جزاه الله بِما يستحق(3).
● الشيخ/ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (ت1377ه) -رحمه الله- الذي رد في كتابه الكبير المسمى "معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد" رد فيه على جميع المبتدعة كالحلولية والاتحادية والجهمية والمشبهة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والقبورية والصوفية وغير هؤلاء كالمرجئة والجبرية والخوارج، مع التوضيح الجلي لمذهب أهل السنة والجماعة من السلف الصالح وأتباعهم -رحمهم الله-.
● الشيخ/ حمود بن عبد الله التويجري (ت1413) -رحمه الله- الذي رد في كتابه "فتح المعبود في الرد على ابن محمود" الذي أخطأ في باب القضاء والقدر حيث زعم ابن محمود أن الكتابة في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض"(4) هي عبارة عن العلم القائم بذات الله، وهذا خطأ ظاهر فإن كتابة الأشياء غير سابق علم الله، كما رد عليه في قوله بعدم التفريق بين النبي والرسول ،وفي قدحه في الصحابي الجليل أبي ذر ورميه بسوء الحفظ ،ورد عليه في أمور كثيرة ذات أهمية كبيرة، والحقيقة أن من اطلع على الكتاب الذّي تزيد صفحاته على تسعين ومائة صفحة وما فيه من القوة في الرد والحكمة في الاستدلال والإلزام عرف مدى غزارة علم الشيخ التويجري -رحمه الله-.
قلت: لا غرابة أن يكون كذلك فإن حياته كلها حياة تحصيل للعلم وممارسة للبحث والتأليف والنشر، كما رد على ابن محمود نفسه بكتاب سماه "الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر" تزيد صفحاته على عشرين وأربعمائة صفحة قدم له صاحب السماحة الشيخ / عبد العزيز ابن عبد الله بن باز بكلمة تقريظ أعلن فيها جودة الرد حكمةً وأسلوبًا وإخلاصًا ونصحًا، وضم صوته إلى صوت المؤلف موضحًا بادئ ذي بدء خطأ عبد الله بن زيد بن محمود في زعمه ودعواه الباطلة أن أحاديث المهدي المنتظر كلها موضوعة بل خرافة لا أصل لها، وقد اعتبره الشيخ عبد العزيز قولاً باطلاً جائرًا حيث قال في خلال كلمته التقريظية: "ولا شك أن القول بأن أحاديث المهدي أحاديث موضوعة قول باطل وجرأة على القول على الله سبحانه، وعلى رسوله ج بلا علم"(5) اه .
الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- الذي رد بكتبه ومقالاته المشرقة على جماعة كثر تنكبوا جادة الحق والصواب في مؤلفاتِهم ونشراتِهم وقالوا فيها شططا، أذكر ممن رد عليهم سماحته على سبيل المثال:
أ- مصطفي أمين: حيث كتب مقالاً(6) بعنوان "آثار المدينة المنورة" وأتى فيه بأخطاء شنيعة تتعلق بالعقيدة، ذكر الشيخ منها خمسة وخصها بالنقد والمناقشة بأسلوب علمي حكيم وغيرة على دين الحق العظيم وكانت الأدلة نقلية وعقلية كما هو سبيل المحققين من أهل العلم والراسخين فيه عند كتابة النقد والتوجيه والردود.
قلت: وحري بكل نقد ورد وتوجيه يعتمد صاحبها على أدلة الوحي الكريم بالفهم الصحيح أن تقابل بالقبول والعمل من أمة القبول للحق والحب له والعمل به والدعوة إليه والذب عنه، ورحم الله القائل:
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر ..........يجلو بنور هداه كل منبهم
ما ثمَّ علم سوى الوحي المبيـن......وما منه استمد ألا طوبى لمغتنم
ب- صالح محمد جمال: الذي كتب مقالاً بعنوان "الآثار الإسلامية" دعا فيه الكاتب إلى تعظيم الآثار الإسلامية والعناية بِها, واقترح لصيانة هذه الآثار والاستفادة منها ست وسائل نقلها الشيخ ورد عليها بنور الحق من الكتاب والسنة وفهم السلف إذ قال في بداية رده ما نصه: "ولما كان تعظيم الآثار الإسلامية بالوسائل التي ذكرها الكاتب يخالف الأدلة الشرعية وما درج عليه سلف الأمة وأئمتها من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى أن مضت القرون المفضلة، ويترتب عليه مشابَهة الكفار في تعظيم آثار عظمائهم، وغلو الجهال في هذه الآثار، وإنفاق الأموال في غير وجهها ظنًّا من المنفق أن زيارة هذه الآثار من الأمور الشرعية, وهي في الحقيقة من البدع المحدثة، ومن وسائل الشرك ومن مشابَهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذهم معابد ومزارات, رأيت أن أعلق على هذا المقال بِما يوضح الحق ويكشف اللبس بالأدلة الشرعية والآثار السلفية, وأن أفصل القول فيما يحتاج إلى تفصيل لأن التفصيل في مقام الاشتباه من أهم المهمات، ومن خير الوسائل لإيضاح الحق عملاً بقول الرسولصلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة. قيل: لِمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (7)، فأقول والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به"(8). اه
ثُمَّ مضى في الرد مستندًا على النصوص الواضحة الجلية من الكتاب والسنة والآثار السلفية.
قلت: وأكرم بكل نقد ورد يكون سلاح صاحبهما النصوص الشرعية والآثار السلفية، ورحم الله القائل:
دين النبي محمد أخبار ............ نعم المطية للفتى آثار
لا ترغبن عن الحديث وأهله.........فالرأي ليل والحديث نَهار
ولربَّما جهل الفتَى أثر الهـدى.... والشمس بازغـة لَـها أنـوار
ج- حمد السعيدان: الذي نشر مقالاً قوّل فيه الشيخ/ عبد العزيز ابن باز ما لَم يقله بشأن حلق اللحية ،حيث قال الكاتب المذكور: إن الشيخ عبد العزيز قال: إن أي فتوى تصدر باسمي يجب أن تكون ممهورة بخاتمي، ومصدقة من وزارة الأوقاف الإسلامية، فرد عليه الشيخ مبينًا بطلان ما نسبه إليه مما تقدم ذكره ،وأردفه ببيان خطأ فَهم الكاتب المذكور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى"(9) حيث فهم كاتب المقال أن هذا الحديث يقتضي بِهذا العصر أن تحلق اللحى لأن المجوس واليهود والنصارى والسيخ وغيرهم يطلقون اللحى، وكان من جملة رد الشيخ على هذا الفهم السقيم ما نصه: ولا شك أن هذا جرأة من الكاتب، وسوء أدب منه مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فبيانه ج واضح وأمره واجب التنفيذ .. -إلى أن قال وهو يواصل الرد- .. وهذه الجرأة من الكاتب في حمل الحديث الشريف على وجوب حلقها لأن بعض المشركين تركوا حلقها جرأة شنيعة في نشر الباطل والدعوة إليه, ثم هي مخالفة للواقع فليس كل الكفار قد وفّروا لحاهم، بل فيهم من يعفيها وفيهم من يحلقها، ولو فرضنا أنَّهم كلهم أعفوها لَم يجز لنا أن نخالف أمر رسول الله ج فنحلقها لمخالفتهم، وهذا لا يقوله من له أدنى علم وبصيرة بشرع الله عز وجل، ويلزم عليه لوازم باطلة ومنكرات كثيرة"(10) اه.
ح- صالح محمد جمال: أيضًا في اعتراضه على خطيب المسجد الحرام، وفي شأن المولد النبوي وفي شأن المآدب التي يقيمها أهل الميت في اليوم الثالث من الوفاة، حيث رد عليه الشيخ/ عبد العزيز مبينًا في رده جهل صاحب المقال وأنه خاض في هذه المسائل بغير علم، وأن ما قاله خطيب الحرم حق وفي محله لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة لأدلة شرعية كثيرة، كما بين -رحمه الله- من خلال هذا الرد على الكاتب المذكور أن الولائم التي تقام للعزاء بعد الموت من أمر الجاهلية، ومن النياحة التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وإن جَهِلَ الكاتب -هداه الله- ذلك، وساق الأدلة الشرعية والآثار السلفية في رده العادل وتوجيهه الهادي الرحيم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.
ه - محمد علي الصابوني: حول مقالاته الَّتِي نشرت في أعداد مجلة المجتمع فيما يتعلق بالأمور التالية:
الأمر الأول: فيما يتعلق بتقليد أئمة المذاهب حيث صرح الصابوني بأن تقليد الأئمة الأربعة من أوجب الواجبات... إلخ, فرد عليه الشيخ عبد العزيز برد مفصل مقنع لمن أراد الحق ورضي به، خلاصته أن هذا الإطلاق خطأ إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسنة لا في تقليد أحد من الناس، وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغًا عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة... إلخ الرد.
الأمر الثاني: يتعلق بِما صرح به الصابوني -مَنَّ الله علينا وعليه بالهداية- من أن الإمام بن تيمية -رحمه الله- لَم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، وإنَّما مذهبه حنبلي يتقيد به في كثير من الأحيان، فرد عليه الشيخ عبد العزيز -رحمه الله- بأن قولـه هذا خطأ ظاهر ،فإن ابن تيمية من أعلم المجتهدين وقد توافرت فيه شروط الاجتهاد، وأن انتسابه إلى المذهب الحنبلي لا يخرجه عن ذلك لأن المقصود من ذلك موافقته لأحمد في أصول مذهبه وقواعده، وليس المقصود من ذلك أن يقلده فيما قاله بغير حجة وإنما كان يختار من الأقوال أقربَها إلى الدليل حسب ما يظهر له -رحمه الله-.
الأمر الثالث: فيما يتعلق بدفاع الصابوني عن مذهب الأشاعرة ورميه من اعترض عليهم فيما خالفوا فيه عقيدة أهل السنة بالجهل إلخ... ما قال، فرد عليه الشيخ -رحمه الله- برد مفصل مختصر خلاصته أن الأشاعرة ضلوا فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة وخيار الأمة فيما تأولوه من أسماء الله وصفاته على غير تأويله، إلى أن قال -ونعم ما قال-: "ولا يصح أن يرمي من اعترض على الأشاعرة فيما خالفوا فيه عقيدة أهل السنة بالجهل لأن حقيقة الجهل هو القول على الله بغير علم".
الأمر الرابع: فيما يتعلق بقوامة الرجال حيث قال الصابوني: "إنَّما القوامة للرجل قوامة تكليف وليست قوامة تشريف" فرد عليه الشيخ بقوله: هذا خطأ والصواب أن يقال: إن قوامة الرجال على النساء قوامة تكليف وتشريف لقول الله -جل وعلا-: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:34] فأوضح سبحانه أنه جعل الرجال قوامين على النساء لأمرين:
أحدهما: فضل جنس الرجال على جنس النساء.
والأمر الثاني: قيام الرجال بالإنفاق على النساء بِما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات.
الأمر الخامس: يتعلق بإعادة محمد علي الصابوني الدفاع عن الأشاعرة مع اعتباره مذهب المفوضة في باب الأسماء والصفات أسلم، فرد عليه الشيخ -رحمه الله- في هاتين النقطتين بقوله: الفرق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في أخطائهم فليس الأشاعرة في خطئهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية وذلك لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيما أخطؤوا ومخالفتهم لأهل السنة في ذلك كما قد بين خطأ غيرهم لإظهار الحق وبيان بطلان ما يخالفه تبليغًا عن الله سبحانه، وعن رسوله ج ،وحذرًا من الوعيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ 159إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:159، 160].
ثم يقال: ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علام الغيوب؛ لأنه سبحانه بينها لعباده وأوضحها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين ج ولَم يبين كيفيتها فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني، وليس التفويض مذهب السلف، بل هو مذهب مبتدع مخالف لما عليه السلف الصالح. اه.
الأمر السادس: وعندما أورد الصابوني القاعدة الإخوانية المجملة الَّتِي هي: "نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" رد عليه الشيخ -رحمه الله- بقوله: نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق والدعوة إليه، والتحذير مما نَهى الله عنه ورسوله، وأما عذر بعضنا بعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل، فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها مِن بعضنا على بعض، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ،ثم أورد الأدلة على هذا التفصيل الفقهي الذي تطمئن به النفوس, ويزول عنها الغبش الموجود في تلك القاعدة المجملة المحتملة للإطاحة بباب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليه فما أحوجنا قبل أن نتصدى لتدوين العلم إلى فهم العقيدة الإسلامية فهمًا صحيحًا وإلى فهم أبواب أحكام الشريعة وقواعدها فهما جليًّا كي نضع كل شيء في موضعه, وكي نحفظ القدم من الزلل والقلم من الشطط ونجاهد النفس حتى نزحزحها عن مراد نصرة الباطل والهوى، اللذين يفضيان بِها إلى طرق الهلاك ومواطن العطب والردى. والله المستعان.
الأمر السابع: حول تباكي محمد علي الصابوني على تفرق المسلمين إلى سلفي وأشعري وصوفي وماتريدي إلى آخر ما ذكره وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، رد عليه الشيخ -رحمه الله- بقوله: "لا شك أن هذا التفرق يؤلم كل مسلم ويجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق ويتعاونوا على البر والتقوى, ولكن الله سبحانه قدر ذلك على الأمة لحكم عظيمة وغايات محمودة يحمد عليها سبحانه ولا يعلم تفاصيلها سواه, ومن ذلك التمييز بين أوليائه وأعدائه، والتمييز بين المجتهدين في طلب الحق والمعرضين عنه المتبعين لأهوائهم إلى حكم أخرى". واستمر في تفصيل الرد إلى أن قال: "واللوم كل اللوم على من تمسك بالباطل وأبى أن ينصاع إلى الحق، أما من تمسك بالحق ودعا إليه، وأوضح بطلان ما خالفه فهذا لا لوم عليه بل هو مشكور وله أجران: اجتهاده، وأجر إصابته للحق".
الأمر الثامن: ادعى الصابوني أن أهل السنة اشتهروا بمذهبين أحدهما مذهب السلف والآخر مذهب الخلف...إلخ فرد عليه الشيح -رحمه الله- بأن هذا غلط لَم يسبق الصابوني إليه أحد حيث إن مذهب أهل السنة واحد فقط وهو ما درج عليه أصحاب رسول الله ج وأتباعهم بإحسان وهو إثبات أسماء الله وصفاته وإمرارها كما جاءت، والإيمان بأنَّها حق وأن الله موصوف بِها على الوجه الذي يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل... إلى أن قال: ثم ذكر -الصابوني- أن أهل السنة يفوضون علم معاني الصفات إلى الله وكرر ذلك في غير موضع، وقد أخطأ في ذلك ونسب إلى أهل السنة ما هم براء منه فإنَّهم إنما يفوضون علم الكيفية لا علم المعاني.
الأمر التاسع: ولما كرر الصابوني -جهلاً أو تجاهلاً أو سوى ذلك- أن السلف لهم مذهبان مذهب أهل التفويض ومذهب أهل التأويل...إلخ ما قال، رد عليه الشيخ بأن هذا التقسيم باطل وليس للسلف إلا مذهب واحد هو مذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة وأتباعهم بإحسان وهو الأسلم والأعلم والأحكم، أما المذهب الثاني فهو مذهب الخلف المذموم وهو مذهب أهل التأويل والتحريف والتكلف...إلى آخر الرد المفصل.
الأمر العاشر: ولما دعا الصابوني بأسلوب الناصح الأمين إلى العمل على جمع الكلمة بين الفئات الإسلامية وتضافر الجهود وصد أعداء الإسلام، وذكر أن الوقت ليس وقت مهاجمة لأتباع المذاهب ولا للأشاعرة ولا للإخوان حتى ولا للصوفيين!! رد عليه الشيخ -رحمه الله- بقوله: "لا ريب أنه يجب على المسلمين توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم على الحق، وتعاونُهم على البر والتقوى ضد أعداء الإسلام كما أمرهم الله سبحانه بذلك بقوله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:103] وحذرهم من التفرق بقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات﴾ [آل عمران:105].
ولكن لا يلزم من وجوب اتحاد المسلمين وجمع كلمتهم على الحق واعتصامهم بحبل الله ألا ينكروا المنكر على من فعله واعتقده من الصوفية وغيرهم, بل مقتضى الأمر بالاعتصام بحبل الله أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبينوا الحق لمن ضل عنه أو ظن ضده صوابًا بالأدلة الشرعية حتى يجتمعوا على الحق وينبذوا ما خالفه وهذا هو مقتضى قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:104].
ومتى سكت أهل الحق عن بيان أخطاء المخطئين وأغلاط الغالطين لَم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن إنكار المنكر وبقاء الغالط على غلطه والمخالف للحق على خطئه ،وذلك خلاف ما شرعه الله سبحانه من النصيحة والتعاون على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله ولي التوفيق"(11) اه.
هذه أمثلة قليلة وإلا فللشيخ -رحمه الله وأحسن مثواه وجعله في ميزان حسناته- ردود كثيرة وصريحة تحق الحق وترد الباطل وتزيح الشبهات على كثير ممن جانبوا الحق والصواب في مسائل العلم الشريف وقضاياه, التي لا أستطيع حصرها ولا استقصاءها هنا بل هي موجودة في أماكنها مطبوعة ومنشورة، وأنا كاتب هذه الأسطر أظن أنني قد توسعت في تدوين البعض من ردود الشيخ على أهل الأغلاط والبدع وذلك لحاجة في نفسي، هي ليتضح لقوم من طلاب العلم منهم الدكتور والجامعي وأقل من ذلك أنكروا على إخوانِهم الذين كتبوا ردودًا على كتاب كثر نشروا في كتبهم بدعًا في دين الله شنيعة وأخطؤوا فيها أخطاء فظيعة لا يجوز السكوت عليها, بل يتعين الرد عليها من أهل الكفاءات العلمية إحقاقًا للحق وحفظًا للسنة وحراسة للعقيدة ونصحًا للأمة وبراءة للذمة على النمط الذي سار عليه الشيخ/ عبد العزيز الذي رد بِما رأيت على من رأيت في الأمثلة التي تم تدوينها قريبًا، وكان من جملة حجج أولئك الإخوة وهم من أبناء الجزيرة قول بعضهم لماذا لَم تتركوا الفتاوى والردود للشيخ/ عبد العزيز وكلامًا نحو هذا، وما أخال هذه الحجة وأمثالها من هؤلاء المنكرين وأمثالهم إلا حجة واهية عمدوا إليها عند عجزهم عن وجود حجة صحيحة أو اعتراض وجيه، وأنّى لهم ذلك وخصمهم يأوي إلى ركن شديد، وإذ كان الأمر كما علمت يا أخي المسلم فإنه يتعين عليّ وعليك قبول الحق بقطع النظر عن قائله؛ لأن الحق أحق أن يحترم ويتبع، ومن لَم يفعل فأخشى عليه الغرق في بحر أهل البدع والأغلاط والأهواء وذلك عندما يكون من الناصرين لأهلها والمدافعين عنهم باللسان أو القلم.
وغير من ذكرت كثير من العلماء المعاصرين الذين هم على قيد الحياة -متعهم الله بالحياة الطيبة المباركة- لهم تنبيهات وتوجيهات وردود على قوم وقعوا في أخطاء خطيرة لا ينبغي سكوت مثلهم عليها, بعضها يتعلق بشأن العقيدة وبعضها يتعلق بشأن أحكام شرعية أخرى تعتبر من الأساسيات، وبعضها يتعلق بمنهج الدعوة إلى الله، ومنهج الولاء والبراء، وبعضها أعظم خطرًا من بعض, أذكر من هؤلاء العلماء السلفيين:
1- الشيخ/ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان الذي رد على كل من يوسف القرضاوي، وسعيد رمضان البوطي ومحمد علي الصابوني وآخرين من ذوي الأخطاء والأغلاط التي يتعين الرد على أهلها نصرة للحق وتفنيدًا للباطل(12).
2- الشيخ/ ربيع بن هادي عمير المدخلي الذي رد على كل من محمد الغزالي وأبي غدة ومحمد عوامة وسلمان العودة وسيد قطب وأبي الأعلى(13) المودودي.
3- الشيخ/ بكر بن عبد الله أبو زيد(14) الذي رد على جماعات إسلامية وأحزاب ابتعدت عن منهج السلف الصالح في بعض القضايا الدينية المهمة كما رد على كل من محمد زاهد الكوثري وتلميذه البار به والمعتز بمنهجه أبي غدة، ورد أيضًا على محمد علي الصابوني واشتد عليه كسابقيه بشدة في موضعها.
4- الشيخ/ أحمد بن يحيى النجمي آل شبير الذي رد على الشيعي المجهول الاسم الذي ألف رسالة تتعلق بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة مشاهد العترة، ونال من الإمام التقي النقي ابن تيمية الحراني -رحمه الله- بِما أطلق عليه من بذاءة لسانه القذر ما لا يستغرب من رافضي خبيث المعتقد على إمام يتولى الله ورسوله ويحبهما ويحب من يحبهما من كل صحابي كريم فاضل وعالم سلفي نبيل, بل ويحب كل عبد صالح في السماء والأرض من مخلوقات الله الصمد الجليل.
5- الشيخ/ على بن محمد ناصر الفقيهي الذي رد على عبد الله بن محمد الصديق الغماري الذي نقد كتاب الأربعين للهروي.
وغيرهم ممن قد جرت أقلامهم بنصرة الحق ورد الخطأ والباطل في أسلوب علمي عفيف وبيان واضح جلي لطيف، فلو كان الرد على أهل البدع والأغلاط والأهواء محذورًا لما دوّن أولئك الأبرار الأتقياء وهؤلاء الأخيار الأوفياء الأولياء تلك الكتب المشرقة بنور الحق التي أرسلوها صواعق حق تنسف بدع المبتدعين، وتنفي تحريف الغالين، وتحبط انتحال المبطلين، وتفند تأويل الجاهلين, فشكر الله للجميع سعيهم, وأثابَهم على حسن صنيعهم وعظيم جهادهم في نصر الحق وذوية، ورد الباطل أيًّا كان نوعه وسحق أهدافه ومراميه.
وأما التحذير من المبتدع الداعي إلى بدعته بلسانه وقلمه فلا يعتبر عند العارفين بنصوص الشرع الشريفة وقواعده العامة المنيفة غيبة له محذورة، بل هو نصيحة للمسلمين وصيانة للحق المبين ،وردت بذلك نصوص وآثار لا تخفى على ذوي الكفاءات العلمية، وقد نظم بعض العلماء الأمور المستثناة من الغيبة المحذورة فقال:
الذم ليس بغيبة في ستة..................متظلم ومعرِّف ومحذِّر
ومـجاهر فسقًا ومستفت ومن .....طلـب الإعانة فـي إزالة منكر
وللإمام ابن تيمية في هذه المسألة كلام نفيس جليل يشفي العليل ويروي الغليل حيث قال: "وأعداء الدين نوعان: الكفار، والمنافقون، وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة:73] في آيتين من القرآن ،فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعًا تخالف الكتاب والسنة ويلبسونَها على الناس, ولَم تُبيَّن للناس فسد أمر الكتاب وبدل الدين كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بِما وقع فيه من التبديل الذي لَم يُنكر على أهله، وإذا كان أقوام ليسوا منافقين ولكنهم سماعون للمنافقين قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقًّا وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:47].
فلابد أيضًا من بيان حال هؤلاء ،بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتِهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين فلابد من التحذير من تلك البدعة وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم، بل ولو لَم يكن قد تلقوا تلك البدعة من منافق لكن قالوها ظانين أنَّها هدى وأنَّها خير وأنَّها دين ولَم تكن كذلك لوجب بيان حالها" اه (15).
وقال في موضع آخر عند قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:2]: "فأمر بعقوبتهما وعذابِهما بحضور طائفة من المؤمنين وذلك بشهادته على نفسه، أو بشهادة المؤمنين عليه لأن المعصية إذا كانت ظاهرة كانت عقوبتها ظاهرة كما جاء في الأثر: "من أذنب سرًّا فليتب سرًّا ومن أذنب علانية فليتب علانية"(16). وليس من الستر الذي يحبه الله تعالى كما في الحديث: "من ستر مسلمًا ستره الله"(17) بل ذلك إذا سُتر كان ذلك إقرارًا لمنكر ظاهر" اه ( 18).
وقال في الموضوع نفسه في موضع آخر من فتاواه -رحمه الله- ما نصه: "ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتَّى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا صام وصلى واعتكف فإنَّما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل، فبين أن هذا نفع عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته, ودفع بغي هؤلاء وعدوانِهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب, فإن هؤلاء إذا استولوا لَم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء"(19) اه.
وقال أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتنة فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني: الحسن بن صالح فقال: قلت ليوسف: أما تخشى أن هذه غيبة ؟ قال: ولَم يا أحمق أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتِهم, أنا أنَهى الناس أن يعملوا بِما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم(20).
وقال أبو زرعة في الحارث المحاسبي حينما سئل عنه وعن كتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، وعليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل لـه: إن في هذه الكتب لعبرة. فقال: من لَم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه عبرة, بلغكم أن مالكًا والثوري والأوزاعي أو الأئمة صنفوا كتبًا في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالمحاسبي، ومرة بعبد الرحيم الديبلي، ومرة بحاتم الأصم، ثم قال:ما أسرع الناس إلى البدع(21).
وأخيرًا : فهذه أدلة ثابتة مستقيمة ترشد إلى وجوب الرد على أهل الأهواء والبدع والمجاهرين بالمعاصي في حدود الشرع, وأمثلة تبين أنه لا حرج في تعيينهم وبيان حالهم وحال كتبهم ونشراتِهم بل قد يكون لازمًا ومتعينًا على القادرين من ذوي الكفاءات العلمية نصحًا للأمة وبراءة للذمة وحراسة للعقيدة السلفية وحفاظًا على الشريعة المحمدية".
تنبيه
وحذار لنفسي أولاً ولغيري ثانيًا من سامع وقارئ من الخروج عند ذكرنا للغير بِما فيه من بدع أو فجور أو أغلاط وأخطاء عن قصد النصيحة وبيان الحق إلى مقاصد أخرى وأغراض شتى تتجلى فيها السخرية بالخلق أو الضحك منهم على سبيل الإعجاب بالنفس والهمز واللمز للغير أو موافقة الجلساء والأصحاب على اغتياب من شاؤوا تشفيًا وعبثًا, فإن هذا جهل واضح وإثم مبين وتصرّف خطير لا يلتقي مع قصد الهدى ولا يتفق مع تحذير الناس من طرق الهلاك والردى.
وأما موقف علماء السلف من أهل الأهواء والبدع والمجاهرين بالفجور والمعاصي فإنه موقف يتجلى فيه بيان المحجة وإقامة الحجة كما يتجلى فيه التطبيق الشرعي العملي لحكم الولاء والبراء في الله ومن أجل الله، ثم إن هجرهم لهم يتوقف على المصالح الدينية فمتى رأوا المصلحة في الهجر هجروا ولو كان أقرب الناس إليهم، وأعظمهم جاهًا فيهم، ومتى رأوا المصلحة في الوصل والدعوة والمناظرة فعلوا ذلك لأن الغاية من وراء ذلك هي إرضاء الله أولاً. ثم السعي الحثيث في تحقيق المصالح ودفع المضار والمفاسد ثانيًا، إذ بذلك تكون سعادة المجتمعات المسلمة في دنياها وبرزخها وأخراها. هذا وكم من كتب قد ألفت ورسائل قد نشرت في بيان الموقف الحق من أهل الباطل على اختلاف أصنافهم وتعدد أحزابِهم وألقابِهم، وقد سبق ذكر شيء منها، والله المستعان.
الحاشية
(1) انظر الاستقامة (1/6).
(2) انظر الكتاب المذكور (ص/205).
(3) انظر مقدمة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني لكتابي الطليعة والتنكيل. بالإضافة إلى مقدمة الكتابين للمؤلف "المعلمي".
(4) أخرجه مسلم (2653).
(5)انظر (ص/3، 4) من الكتاب المذكور.
(6)انظر الرد في الجزء الأول من الفتاوى لسماحة الشيخ / عبد العزيز (ص/395).
(7)أخرجه مسلم (55).
(8) انظر الرد مفصلاً في الجزء الأول من فتاوى سماحته، الجزء الأول "التوحيد وما يلحق به" (ص/406) وما بعدها.
(9)أخرجه البخاري (5892) ومسلم (259).
(10) انظرها في الجزء الثاني من فتاوى سماحته "التوحيد وما يلحق به" (ص/347) وما بعدها.
(11) انظر رد الشيخ عبد العزيز على الصابوني في الجزء الثالث من فتاوى سماحته "التوحيد وما يلحق به" (ص/51-82) وما بعدها. وما أخالك تستغني عنه إن كنت من أهل الحرص على العلم النافع والعمل الصالح. (زيد)
(12) انظر كتابه البيان من أوله إلى آخره حسب الإمكان.
(13) إن في النفس لشيئًا من كتابة هذه الكنية غير أن الأمر كما قيل:إذا لَم تكن إلا الأسنة مركب.... فما حيلة المضطر إلا ركوبُها (زيد)
(14) لقد أعجبتني ردوده على الكوثري والجماعات لما فيها من الحق وسأني رده على العلامة الشيخ ربيع في ورقات فرح بِها الحزبيون ونشروها في المشارق والمغارب ويقرب من ذلك مؤلفه "تصنيف الناس" الذي جانب الصواب في كثير من مسائله -هداه الله للرجوع إلى الحق- وهو على قيد الحياة, إذ ما أحلى الرجوع إلى الحق ورفض ما كان خطأ وباطلاً. ( زيد ) قال خالد : وقد توفي رحمه الله
(15) مجموع الفتاوى (28/233).
(16) هذا الأثر من كلام ميمون بن مهران، أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (4/92).
(17) أخرجه البخاري (2242) ومسلم (2699).
(18) التفسير الكبير (5/239).
(19) انظر الفتاوى (28/231، 232).
(20) أسند هذا الأثر العقيلي في الضعفاء في ترجمة الحسن بن صالح (1/251).
(21) انظر تهذيب التهذيب (2/231، 232).
التعديل الأخير تم بواسطة أبو معاذ محمد مرابط ; 27 Jun 2012 الساعة 04:19 PM
|

27 Jun 2012, 04:21 PM
|
|
|
جزاك الله خيرا على طيب النقل و جودة الاقتناء
|

27 Jun 2012, 10:05 PM
|
|
|
وأنت أبا معاذ جزاك ربي خير الجزاء وأوفاه على ما تفضلت به من تعديل في تنسيق النص وحسن تقديمه للناس ،فهو من الجهد المشكور في تقريب علوم علماءنا الناصحين و تعميم نشرها بين الناس.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو معاذ محمد مرابط ; 28 Jun 2012 الساعة 01:49 PM
|

27 Jun 2012, 11:35 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Sep 2007
المشاركات: 1,898
|
|
جهد تُشكر عليه أخي خالد، فجزاك الله خيرا و بارك فيك و وقتك، و رحم الله أئمة الإسلام و جزاهم عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء
|

28 Jun 2012, 01:17 PM
|
|
|
جزاكم الله خيرا أخانا خالد حمودة على النقل الموفق,والشيخ زيدا على الجواب المدقق,والبيان المحقق,نسأل الله أن يحفظ فضيلته,وجميع مشايخ أهل السنة.آمين.
|

28 Jun 2012, 09:52 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 227
|
|
بارك الله في شيخنا زيد بن هادي المدخلي وأمتعه الله بالصحة والعافية, وجزى الله خيرا الأخ الفاضل خالد على هذا النقل الطيب المبارك, فالدال على الخير كفاعله.
|

29 Jun 2012, 06:36 PM
|
|
موقوف
|
|
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مدينة تقرت، الجزائر
المشاركات: 320
|
|
حفظ الله علامة جازان الشيخ الفقيه زيدا المدخلي وبارك في علمه ووقته وعمره
جزاك الله خيرا أخي حمود قربت الفائدة قربك الله من الجنة وأبعدك عن ضرتها
|

29 Jun 2012, 09:23 PM
|
|
|
إخوتي الفضلاء أهل الدلالة على الخير والتواصي به: بارك الله فيكم جميعاً وفي جهودكم ،وجعلني وإياكم من الهداة المهتدين ،والنصحة الباذلين.
|

30 Jun 2012, 03:21 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Oct 2011
الدولة: سعيدة
المشاركات: 254
|
|
بارك الله فيك أخي حمودة
وحفظ الله شيخنا زيد ووفقه وسددا خطاه
وجميع أعلام السنة المطهرة
|

11 Jul 2012, 12:04 AM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: بومرداس
المشاركات: 1,115
|
|
جزاك الله خيرا يا أبا البراء.
|

11 Jul 2012, 06:37 PM
|
|
|
أخويّ أبا عثمان وحاتم :جزاكما الله خيرا على تأييدكما.
|
تعليمات المشاركة
|
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك
كود HTML معطلة
|
|
|
| |
| |