لا تكونن ظهيراً للمبتدعة:
حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام قوله : ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:17].
لما أنعم الله عز وجل على موسى عليه السلام بالقوة الجسدية الخارقة، التي استطاع بها أن يقتل رجلاً بطعنة بجمع كفه، وبما جعل له من الجاه والعزة والنعمة؛ عاهد الله – مراعاة لهذه النعم وأداء لشكرها – أن لا يكون معيناً للكافرين به والمخالفين لأمره.
فيا طالب العلم! ما أكثر ما أنعم الله به عليك؟!!
لقد أخرجك من ظلمات الجهل والغواية إلى نور العلم والهداية، ومن أوحال المعاصي إلى لذة الطاعة ومتعة الأنس به، ومن غياهب الضلالة والتردد بين الحقائق والأشباح، إلى شاطئ الطمأنينة ونور اليقين.
وأخرجك من سراديب البدعة العوراء إلى معارج السنة الغراء، ومن عبودية الذات والدينار والدرهم إلى أشرف مقام للعبودية عبودية الله الواحد الملك القهار.
وأنعم عليك بقلب حيٍّ يشكر، ولسان رطبٍ يذكر، وذاكرةٍ قويةٍ تحفظ، وإمكانات كثيرة خصك بها عن غيرك من بني جلدك.
وأعطاك من كل ما سألته وما لم تسأله، فلا أقل من أن تعاهده أن لا تكونن ظهيراً للمبتدعة.
المبتدعة الذين شوهوا الدين وطمسوا معالمه.
الذين يحرفون كلام الله عن نور مكنونه وعظيم مقاصده، ويردون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا ما خالفت أهواءهم المضلة، وآراءهم الفاسدة.
المبتدعة الذين أحيوا البدع وأماتوا السنن.
الذين يؤولون النصوص ويلون أعناقها لتخدم بدعهم وأهوائهم.
المبتدعة الذين يصدون الناس عن سبيل الهدى، إلى حماسيات فارغة سالت بها الدماء في الطرقات كالأنهار.
المبتدعة الذين يتهمون الله – شاؤوا أم أبوا – بأنه لم يكمل دينه فكملوه، فما أظلمهم لربهم؟!!.
المبتدعة الذين يتهمون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالتقصير – وحاشاه – فلم يبلغ عن ربه كل ما أوحي إليه، وهم بلغوه، فما أقل توقيرهم لنبيهم؟!!.
فعاهد الله طالب العلم على أن لا تَغْشَ مجالسهم، فضلاً أن تكونن ظهيراً لهم أو مخذلاً لمن يجاهدهم.
واعلم أنك إن فعلتَ فاحترس؛ لأنك ستبتلى لا محالة، كما قال قَتادة رحمه الله في قوله:﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ قال: قلَّما قالها رجل إلا ابتُلي؛ كما تسمعون.
قلت: يعني قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ .
فكن كموسى عليه السلام في الحالتين؛ وفقك الله لمرضاته وجعلنا وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته.
انتهى من كتاب (الحلم في نصح طالب العلم) [ص:74]
تأليف:
أبي العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
عفا الله عنه
|